أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



دول الجنوب وسياسات صناديق التمويل الدولية

دول الجنوب.. وسياسات صناديق التمويل الدولية مقدمة: لم يتأخّر ظهور آثار الهجمات الارهابيّة المكثفة التي جدّت يوم 11 سبتمبر/أيلول على الساحة الدولية فلقد جرّت تلك الهجمات الاقتصاد



دول الجنوب وسياسات صناديق التمويل الدولية


النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي دول الجنوب وسياسات صناديق التمويل الدولية

     
    دول الجنوب.. وسياسات صناديق التمويل الدولية


    مقدمة:

    لم يتأخّر ظهور آثار الهجمات الارهابيّة المكثفة التي جدّت يوم 11 سبتمبر/أيلول على الساحة الدولية فلقد جرّت تلك الهجمات الاقتصاد العالمي الى قفزة مجنونة نحو الهاوية في الوقت الذي كانت فيه المؤسسّات المالية الدولية (IFI) تظنّ الى حدّ الآن أنّه بالإمكان تجنّبها. وهكذا سجلّنا بعدُ بدايةَ ركود في التجارة العالمية وبداية انخفاض في أسعار المواد الأوّلية بحيث أنّ الدول النامية أو التي تشهد تحولات واضحة ستسجّل انخفاضا في نسق نموّها الاقتصادي وارتفاعا في مستوى الفقر. واعتمادا على تقدير من البنك العالمي فإنّ تبعات هجمات 11 سبتمبر/أيلول ستقذف بـ10 ملايين من البشر في هاوية الفقر المدقع. وتثبت السرعة في انتشار انعكاسات الأحداث المأساوية التي جدّت بالولايات المتحدة على باقي بقاع العالم أنّ الاقتصاد العالمي أصبح مندمجا أكثر فأكثر اليـوم، فالدول أصبحت تجد صعوبة في تجنّب المصاعب التي يواجهها غيرها. إلا انه، وقبل يوم 11 سبتمبر/أيلول بمدّة، لاحظنا أن مؤشرات الفقر وانعدام الاستقرار واللامساواة قد أصبحت تتفاقم في العديد من البلدان النامية وغير النامية على حدّ السواء، وتكشف هذه المؤشرات أن أغلبية سكان العالم يتحمّلون الآثار الوخيمة للعولمة دون أن يجنوا مع ذلك ثمارها. والأسوأ من ذلك أن العديد من البلدان التي اتبعت توصيات المؤسسات المالية الدولية الهادفة الى الخضوع الى إملاءات سوق حرّة حرّية مطلقة لا تعرف قيدا ولا شرطا، قد عانت من تدهور في اقتصادها فضلا عن ظروفها الاجتماعية.
    شواهد على الانهيار

    وتقف على رأس هذه البلدان التي شهدت تفاقم ضائقتها الاقتصادية الأرجنتين وتركيا وهما بلدان فرضت عليهما المؤسسات المالية الدولية برامج شاملة اتبعا من خلالها سياسة خصخصة على أعلى مستوى، وطبّقا تحريرا للسّوق الى حد انهما شهدا في موفى سنة 2000 بداية الانهيار الاقتصادي وأزمة مالية حادة أجبرتهما على طلب مساعدة مالية عاجلة. وفي الأرجنتين، وطبقا للتوصيات التي أغدقها عليها كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فإن الحكومة قد خصخصت تقريبا جميع الخدمات العمومية، وأجهدت نفسها - مهما كان ثمن هذا - على ربط سعر صرف العملة الوطنية بسعر الدولار الأمريكي، إلا ان هذه التدابير لم تكن كافية لتحول دون حصول انهيار للاقتصاد.
    ولم يقتصر الامر على الأرجنتين وتركيا بل إن نسبة البطالة في الشيلي - هذا البلد الذي اعتبرته غالب المؤسسات المالية الدولية أنموذجا لسياسة السوق الحرة - قد بلغت حدود 6% سنة 1998 لتتجاوز إثر ذلك حدود 10%، أما نسبة البطالة في بولونيا ـ هذا البلد الذي يُذكَر على أنه مثال للتحول الناجح - فقد ارتفعت من 10% سنة 1998 الى 15% في بداية سنة 2001. وكانت مكافأة بلغاريا على استجابتها السريعة - وإن كانت متأخرة - لتعليمات المؤسسات المالية الدولية (التقشف الجبائي والخصخصة ومرونة التشغيل) متمثلة في ارتفاع نسبة البطالة من 12% الى 18% خلال سنتين وفي تفاقم نسب الفقر. وتكشف هذه الأمثلة جزئيا الشكوك المتزايدة التي يعبر عنها في العديد من بقاع العالم تجاه سياسات المؤسسات المالية الدولية.
    سطوة المؤسسات الدولية

    بإمكاننا القول، والى حد معين، ان ظاهرة العولمة كانت عموما نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي، غير أن الطريقة المخصوصة التي جرت بها العولمة ترتبط ارتباطا كبيرا بقرارات نابعة من مؤسسات تسنّ قواعد تخصّ الكيفية التي ينبغي بها على الاقتصاديات الوطنية ان تندمج في الاقتصاد العالمي. وأكدت اكثر فأكثر المؤسسات المالية الدولية خلال السنوات الأخيرة أنها ترغب في أن تجعل للعولمة وجها انسانيا، وأن تمنح الأولويّة لتخفيف الانعكاس الاجتماعي للتقلبات الاقتصادية، وانها ترغب في أن تجعل تقليص نسبة الفقر هدفها الأول. وقد لقيت هذه الخطابات قبولا حسنا لدى النقابات التي سعت الى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لغاية بلوغ هذه الأهداف. الا انها أصيبت بخيبة الأمل، إذ وباستثناءات قليلة تواصل المؤسسات المالية الدولية تسييج القروض بشروط - وهو ما يناقض تماما خطاب هذه المؤسسات وما يجعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية للدّول النامية تزداد سوءا. ومن بين هذه التدابير نجد - عموما - خصخصة الخدمات العمومية والتحرير السريع للتجارة والاستثمارات والتخفيض في النفقات العمومية. وما يزال صندوق النقد الدولي والبنك العالمي يعتبران من الفاعلين في العولمة التي تقودها الشركات الكبرى مادامت مثل هذه التعليمات تمثل حجر الزاوية في برامج المؤسسات المالية الدولية وطالما لم تقم هذه المؤسسات بمراجعة - بدت ضرورية منذ أمد بعيد - لبرامجها على جميع الأصعدة.
    صحيح ان بعض المؤسسات المالية الدولية قد اعترفت بقيامها ببعض الاخطاء اثناء توجيهها البلدان النامية الى الخصخصة ولكن يبدو أنها على استعداد لتكرار تلك الاخطاء، إذْ للأسف، وخلال الموجة المكثفة لعمليات الخصخصة، لم يقع عموما الأخذ بعين الاعتبار بالمقترحات النقابية المتعلقة بالشكل الذي يتعيّن على الخصخصة ان تتخذه، وبالاطار القانوني الذي يوصى به في معاملة العمال. ونتج عن ذلك اخطاء فادحة انجرّ عنها افلاس العديد من الشركات وارتفاع كبير لنسبة البطالة، وأدّى الأمر الى وضعية يتمتع بها المالكون الخواص الجدد بصفة المحتكرين. ورغم هذا الاعتراف، فإنه بالامكان تكرار اخطاء مماثلة في بلدان اوروبا الوسطى والشرقية وخارجها. وفي الباكستان يعبر تقرير صدر في مـاي/أيار 2001 حول مدى تقدم استراتيجية المساعدة المقدمة للبلد (Stratégie d’Assistance Au Pays «SAP»)»كان قد أعدّه البنك العالمي، عن موافقته على نوايا الحكومة الباكستانية في الإسراع بالخصخصة وإحداث خلل في نظام (Déréglementation)بعض القطاعات مثل الكهرباء والاتصالات. ويقوم البنك بهذا رغم التجاوزات المحتملة التي قد تحدث نتيجة لخصخصة قطاعات تتمتّع عادة بصفة كونها احتكارية والتي قد تحدث خصوصا بسبب رفض السلطات للمفاوضات مع النقابات المعنية ببرنامج الخصخصة. ويقرّ البنك بكلّ براءة أن اصلاح الاقتصاد الباكستاني وبرنامج نقل السلطات »ربما قد جرى تنفيذهما بتسرّع ووقع توجيههما لفائدة مراكز نفوذ قويّة إلا ان البنك لا يقدم أي اقتراح بخصوص سُبُلِ تجنب مثل هذا الاحتمال.
    الخصخصة لغايات ايديولوجية

    لقد انتقدت النقابات الوطنية والدولية الكيفية التي جرى بها تنفيذ الخصخصة في العديد من البلدان وكشفت أن المؤسسات المالية الدولية وبدافع ايديولوجي ترفض غالبا تقديم أية مساعدة لتلك البلدان إذ كانت غايتها تحسين الخدمات العمومية وتحديثها. فهي لا تمنح مساعدتها الا شريطة ان تقع خصخصة هذه الخدمات. وتشمل مثل هذه الممارسات حتى الخدمات التي تشرف عليها السلطات الحكومية وتتصرف فيها في البلدان الأكثر نموّا، ونذكر بالخصوص الخدمات الصحية والتزويد بالمياه. وبالنسبة الى قطاع المياه فإن الخصخصة يترتب عنها بلا شك ارتفاع في سعر الماء الى درجة ان الماء الصالح للشراب يصبح صعب المنال بالنسبة الى الشرائح الاجتماعية ذات الدخل الضعيف. وتتعرض البلدان الراغبة في الابقاء على انتماء قطاع المياه الى القطاع العمومي الى لوم المؤسسات المالية الدولية. وعلى سبيل المثال فإنّ الحكومة الشيلية التي كانت في مقدّمة الدّول التي توّلت خصخصة نظام الحماية الاجتماعية قد تلقت أمرًا من صندوق النقد الدولي بأنه يتعيّن عليها التوسّع في خصخصة قطاع المياه وكذلك الطرقات وسكك الحديد والمطارات والسدود والمؤسسات السجنية الاصلاحية.
    حلول مرتجلة

    وبالاضافة الى عمليات الخصخصة والتحرير فإن مرونة سوق الشغل تمثل الركن الثالث من الحلول التقليدية للحصول على سوق حرة ترى فيها المؤسسات المالية الدولية العلاج السحري لكل الأمراض التي تشتكي منها الاقتصاديات الوطنية. ورغم أنه من النادر ان نجد رجال الاقتصاد العاملين في صندوق النقد الدولي مختصين في مجال التشغيل، فإن هذا الصندوق مع ذلك غالبا ما يوصي بتخفيض الأجور ومستوى حماية العمال حتى تصير أسواق التشغيل أكثر »مرونة. وتبدو مجموعة التوصيات المتعلقة بالتشغيل المضمّنة في عدد صغير من تقارير صندوق النقد الدولي بخصوص التشاور في صورة لائحة طويلة ومملة من الوصايا، كتلك التّي قدّمت لبلغاريا (مارس/ ذار 2001) بالتمادي في "تقشفها في الأجور" حتى وإن كانت الجرايات الشهرية الممنوحة والتي تعادل 125 دولارا أمريكيا تعد الأقل في جميع بلدان اوروبا الوسطى والشرقية. اما كرواتيا (مارس/ ذار 2001) فقد تمّ نصحها بفرض "تقييدات على الأجـور"، ونصح الصندوق بولونيا (أفريل/أبريل 2001) بالتخفيض في الأجر الأدنى لغاية التوصل الى خلق مواطن الشغل حتى وان كان الصندوق لا يوضح ان كان مثل هذا الاجراء بإمكانه ان يساهم في الحد من البطالة. كما اشار صندوق النقد الدّولي على بلجيكا (فيفري/فبراير 2001) بأنّ الاجراءات الرامية الى الحد من وقت العمل هي اجراءات "مضادة للانتاج". ونصح استراليا (مارس/ ذار 2001) بـ: "رفع الحواجز القائمة امام مرونة التشغيل" وذلك من خلال إلغاء التدابير غير المبرّرة في مجال تسريح العمال، كما نصح الجاماييك (جوان/حزيران 2001) بـ"مزيد التخفيض في الأجور" و"تشجيع العمليات الرامية الى اضفاء المرونة على التشغيل"، ونصح الأوراغواي (مارس/ ذار 2001) بالقيام ب- "تخفيض في الأجور" حتى وان تم فعليا تخفيض الأجور، كما نصح الصندوق اخيرا كولومبيا (أفريل/أبريل 1002) بـ"جعل سوق شغلها أكثر مرونة".
    نصائح ضد الحقوق

    ويمكن تقديم امثلة أخرى عن تدخلات البنك العالمي في مجال التشغيل في العديد من البلدان، وهي تدخلات تتعمد تجاهل الحق في المفاوضات الجماعية. فقد نصح البنك العالمي بلدان أوروبا الوسطى والشرقية في بعض الدول بالقيام بتعديل لتشريعاتها الخاصة بالعمل من اجل الحد من الحق في المفاوضات الجماعية. وقد ساند البنك العالمي في كرواتيا مرسوما حكوميا مؤرخا في شهر جوان/حزيران 2001 يرمي الى التخفيض في أجور الوظيفة العمومية، وهو ما يبطل الاتفاقيات الجماعية التي جرى التفاوض فيها قبل ذلك. وعبّر البنك العالمي في كشف عن مدى تقدم استراتيجية المساعدة المقدمة للبلد مؤرخ في شهر ماي/مايو 2001 خاص بباكستان، عن دعمه "لاستراتيجية اجتماعية قطاعية" للحكومة من جملة عناصرها تمكين مجموعة من ممثلين للقطاع الخاص من اختيار مدرسين وتعيينهم ببعض المدارس مع التنصيص على انهم "إذا رفضوا تعيينهم بهذه المدرسة الخاصة فإنه سيقع انهاء عقدهم". وتتضمن الأجندا الكاملة للتنمية الصادرة في شهر ماي/أيار 2001 عن البنك العالمي بخصوص المكسيك جملة من المقترحات الهادفة الى مراجعة معمقة للتشريعات الوطنية الخاصة بالشغل. ويقترح البنك العالمي ان يقع »تدريجيا إلغاء انظمة التعويض في حالة التسريح الجماعي اضافة الى إلغاء المفاوضات الجماعية في ما بين القطاعات وإلغاء الترقيات التي تعتمد الأقدمية في المؤسسة.
    تماد رغم الدرس الآسيوي

    ويكشف ظهور ازمة مالية خطيرة في الأرجنتين وفي تركيا - تجاوزت مخلفاتها البلدين لتشمل بلدان مناطق اخرى محاذية لكلا البلدين - ان المؤسسات المالية الدولية لم تتعلم درسا جديدا منذ ان اغرقت الأزمة الآسيوية سنة 1997 العديد من البلدان في مصاعب لم تتمكن الا قلة منها ان تطفو على السطح. وتبين الملفات الضخمة الصادرة في سنوات الرعب الأخيرة عن صندوق النقد الدولي ان خطابات ووعود كثيرة قد صدرت عن هذا الصندوق لكنه لم يفعل الا قليلا على صعيد الاجراءات التي يتعين اتخاذها للتوقي والحد من الأضرار الناجمة عن الأزمة المالية الدولية. ولقد اقترحت الحركة النقابية الدولية طوال سنوات عديدة أن ينقّح صندوق النقد الدولي بنود اتفاقياته ويدعم اجراءات بموجبها يمكن لبلد مثل الارجنتين يعاني فعليّا من مصاعب في الدفع أن يعلّق وقتيا تسديد ديونه خلال مفاوضاته مع المؤسسات المانحة للقرض. ويمكن لمثل هذه الآلية ان تمكن بلدا يعاني مصاعب من استرداد انفاسه والتفاوض في شأن اعادة جدولة لديونه. وهذا كله من اجل تجنب وضعية قد تفتح الباب امام ازمة دولية ذات مدى واسع. وفي ظل اقتصاد معولم تحتاج الاقتصاديات الوطنية المندمجة اكثر فأكثر الى هياكل دولية ملائمة بامكانها مساعدة هذه الاقتصاديات على مجابهة أسباب محتملة تؤدي الى انعدام الاستقرار. ومع الأسف فإن صندوق النقد الدولي لم يؤمن بالجدوى من وضع تدابير بامكانها ان تقيد الاشتغال الحر للأسواق الدولية ولرأس المال.
    الانموذج التونسي: تجربة تنموية لافتة واستقلال للقرار الوطني..
    والواقع ان هذا المشهد السوداوي، ولكن الواقعي، الذي يقدم لنا صورة عن الانعكاسات السلبية للتحولات الاقليمية والعالمية على الدول، خاصّة النامية منها والفقيرة، لا يمكن ان يحجب عنا نماذج دول نجحت في امتصاص ثار تلك التحولات، وافلحت بفضل تفعيل قواها الذاتية، وانتهاجها مقاربات تنموية متوازنة، في تحقيق مؤشرات نموّ محترمة، وفي الحفاظ على سياداتها الوطنية، متحررة من الشروط المجحفة التي تفرضها في كثير من الاحيان صناديق التمويل الدولية.
    واذا ما كان لنا ان نتحدث في هذا الصدد، عن نموذج عربي وافريقي لافت، في محيطه الاقليمي والدولي، فإن تونس تأتي على رأس الدول النامية التي جلبت انتباه الهيئات الدولية التي تتابع مؤشرات النمو التي تحققها الدول النامية، ومدى قدرتها على التكيف مع متطلبات العولمة ومستجداتها.
    فلم يعد خافيا على احد من المراقبين الدوليين لأوضاع الدول النامية، السمعة الكبيرة التي تحظى بها التجربة التنموية التونسية على المستوى الافريقي والدولي حيث اسند تقرير منتدى دافوس حول القدرة التنافسية بالقارة الافريقية لتونس المرتبة الاولى، في ما تحصلت تونس على ترتيب جيد في التقرير التقييمي الذي اصدرته الوكالة الامريكية، لتقييم المخاطر عن نشاطها لعام 2001.
    وقد أبرز هذا التقرير الأخير نجاح السياسات الاصلاحية الهيكلية التي انتهجتها تونس خلال السنوات الاخيرة، حيث ساهمت هذه السيــاسات في تحقيق نسبة نموّ قـاربت 5بالمائة، في ما تراجعت نسب النموّ بأوروبا الأقدر اقتصاديا، كما ساهمت هذه الاصلاحات في التحكم في المديونية والتضخم المالي الذي لم يتجاوز 3 بالمائة، في ما كانت نسبتها 8% عام 1987، وهو ما يجسد، بلاشك، نجاح تونس، هذا البلد ذي الموارد الطبيعية المحدودة والامكانيات المادية المتواضعة في بناء قدرة تنافسية لاقتصادها بخطى متدرّجة ولكن ثابتة.
    ان المعطيات المتوفرة لدينا، والتي عزّزت قناعة الدوائر الاقتصادية العالمية بنموذجية التجربة التونسية في التعاطي مع الملف التنموي بشكل جنّب هذا البلد الصغير الهزات والانتكاسات التي عرفتها دول اخرى، تؤكد نجاح المقاربة التنموية التي اختارتها القيادة التونسية في تحقيق التطلّعات الوطنية لمجتمع أكثر من نصفه من فئة الشباب، أي من ذوي التطلعات الفائقة والحاجيات المتزايدة، هذا من جهة، ومن جهة اخرى في الاستجابة لمتطلبات المرحلة المحكومة بالعديد من التحديات التي تفرضها عولمة الاقتصاد واستتباعاتها الاقتصادية والاجتماعية.
    ومن أبرز مؤشرات نجاح هذه التجربة التنموية - في اطار سياق عالمي يعتبر من أصعب واعقد المراحل التي مرّت بها المجموعة البشرية من حيث عوامل التوتّر واللااستقرار السياسي والركود الاقتصادي والتحولات الاجتماعية السلبية - من أبرز مؤشرات التجربة التنموية التونسية اذن، تراجع نسبة الفقر في تونس الى 2،4% واتساع قاعدة الطبقة الوسطى لتتجاور 80% في وقت تقلّصت، ان لم نقل انهارت، هذه الطبقة بمستويات وأنماط عيشها في العديد من دول العالم التي تفوق تونس من حيث امكانياتها المادية وقدراتها الذاتية. وقد بلغ معدّل دخل الفرد في تونس عام 2001 حوالي 2800 دينار، فيما تقدّر نسبة النموّ بالنسبة للسنة القادمة بقرابة 9،4% وهو ما سيمكن من الترفيع في الدخل الفردي ليبلغ حوالي 3.500 دينار سنة 2004.
    ولا شك ان نسبة النمو التي حققتها تونس السنة الماضية (حوالي 5%) والتي تأمل ان لا تنزل عنها هذه السنة بالرّغم من اثار احداث 11 سبتمبر على الاقتصاد العالمي، كما على الاقتصاد التونسي، ما كان لها أن تتحقق لولا التطور الحاصل في جميع القطاعات كالقطاع الفلاحي وقطاع الصناعات والخدمات، بالاضافة الى تطور حجم الاستثمارات الخارجية. فقد نجحت تونس المستقرة سياسيا والآمنة اجتماعيا والمتمتعة بمصداقية عالمية اكتسبتها بفضل تطوّر علاقاتها مع مختلف الدول والهيئات والمنظمات الدولية عبر السنوات بالنظر الى ديبلوماسيتها الحكيمة والمتوازنة ونظرتها المتبصرة الى القضايا الدولية واحترامها لالتزاماتها وتعهّداتها الطوعية.. نجحت تونس اذن في ان تكون نقطة جذب هامة للاستثمارات الأجنبيّة حيث تمكّنت عام 2000 من استقطاب أكثر من 110 مليون دينار من الاستثمارات الخارجية بعد ارتفاع عدد المؤسسات الأجنبية العاملة في تونس الى أكثر من 2000 مؤسسة.
    ونتيجة لهذا التفتح للاقتصاد التونسي على رأس المال الاجنبي وعلى الاسواق الخارجية والاندماج في الدورة الاقتصادية العالمية، تضاعف حجم الصادرات التونسية بما ساهم بدوره في دفع عجلة التنمية وتحسين الميزان التجاري وهو ما يجعلنا ننأى عن ذلك المشهد السوداوي للعديد من دول الجنوب التي أدّت التحوّلات العالمية العاصفة الى ركود اقتصادياتها ان لم يكن الى تدهورها تدهورا فاجعا في بعض الأحيان كما هي الحال بالنسبة للأرجنتين.
    سياسة تشغيل مدروسة

    وإذا ما كانت تلك التحولات العالمية التي تأتي على رأسها عولمة الاقتصاد وبروز صناديق التمويل الدولية والشركات المتعددة الجنسيات كأبرز الفاعلين فيها، قد دفعت - ان لم نقل فرضت - على بعض الدول النامية، الاسراع باجراء اصلاحات هيكلية ذهبت في اتجاه خصخصة العديد من القطاعات وتسريح مزيد من العمال والضغط على الأجور ان لم يكن ترفيعها، وإلغاء او خصخصة الحماية الاجتماعية، فإنه من اللافت أن بلدا صغيرا وقليل الموارد مثل تونس قد نجح في تجنّب المزالق التي فرضتها الاصلاحات الهيكلية في العديد من البلدان، فتجاوز حجم المنجز - على المستوى الاجتماعي - في تونس كل تقدير، وقد مكنها هذا المنجز من الحدّ من نسبة البطالة وبالتوازي الرّفع من نسبة التشغيل ومن رفع الأجور بشكل منتظم سنويا، وتوسيع مجال الحماية الاجتماعية لتشمل العديد من الفئات والقطاعات الجديدة التي لم تكن متمتعة بها.
    وهكذا فيما كان صندوق النقد الدولي يدعو الدول النامية والمتقدّمة منها على سبيل المثال بلجيكا وأستراليا الى رفع الحواجز القائمة امام مرونة التشغيل والمزيد من تخفيض الأجور، فإن تونس أقامت سياسة تشغيل مدروسة تأخذ في الاعتبار النموّ الديموغرافي للبلاد، ونسبة المتخرجين الجدد من الجامعات والمعاهد وطلبات سوق التشغيل الحقيقية مع مراعاة فائض العمال الناتج عن خصخصة بعض المؤسسات أو اغلاق بعضها الآخر، مما مكّنها من تراجع نسبة البطالة والاستجابة الى أكثر من 95% من طلبات التشغيل في حين أنها كانت لا تفوق 60% في بداية الثمانينات.
    وقد كان الشباب - وبالذات خرّيجو الجامعات - من أكثر المستفيدين ببرامج التشغيل التي وضعت من اجلهم سواء عن طريق تقديم التشجيعات اللازمة والدعم المادي لهم لاقامة مشاريعهم الخاصة في القطاعات الفلاحية والصناعية والخدماتية أو لادماجهم في المؤسسات الحكومية والخاصة.
    ومن ضمن البرامج التي أولت عناية خاصة بتشغيل الشباب، الحملة الوطنية لتشغيل الشباب وإنشاء البنك التونسي للتضامن، والصندوق الوطني للتشغيل 21 - 21 وهي برامج من الصعب أن نجد مثيلا لها في الدول النامية.



    سياسة الحوار الاجتماعي

    ان الاهتمام بالبعد الاجتماعي في التجربة التنموية التونسية قد تعزّز بإقامة سياسة للحوار بين مختلف الاطراف الاجتماعية عمالا وأربابا للعمل. وبقدر ما أولت القيادة التونسية رعاية متميزة لأصحاب المؤسسات الخاصة وباعثي المشاريع الاقتصادية - اعتبارا لدور المؤسسة في تنمية الثروة الوطنية وتنمية لقدراتها للمحافظة على مواطن الشغل القائمة وخلق فرص عمل جديدة - فإنها اولت اهمية كبرى للأُجراء حفاظا على قدرتهم الشرائية وتمكينا لهم من العيش الكريم، وذلك من خلال اقرار زيادات سنوية في الاجور هي في الحقيقة نتيجة وفاق اجتماعي تم بموجبه منذ عام 1990 اجراء 5 جولات من المفاوضات الاجتماعية في القطاع العام والخاص بين المؤسسة وممثلي الأجراء. وهكذا تمكّن الأجراء من الانتفاع منذ 1990 بزيادة منتظمة في أجورهم وبنسق متواتر يندر وجوده في دول العالم خاصة منها التي تخضع للشروط القاسية لصناديق التمويل الدولية في هذا الصدد.
    وقد تطور الأجر الأدنى لمختلف المهن بنسبة 78% منذ سنة 1987 الى سنة 2000، كما تطوّر الأجر الأدنى الفلاحي خلال الفترة ذاتها بنسبة 90%.
    وتأتي جولة المفاوضات الاجتماعية الخامسة، التي تجريها الآن مختلف الأطراف الاجتماعية في تونس والتي تمثل حلقة اضافية لتوطيد الثقة القائمة بين أطراف الانتاج ولتدعيم السياسة التعاقدية التي انحازت اليها تونس كمقاربة لتطوير العلاقات المهنية وكعامل من عوامل الاستقرار الاجتماعي والسياسي، تأتي هذه الجولة الخامسة اذن بالرّغم من التحديات الكبيرة التي تفرضها عولمة الاقتصاد والظروف المناخية الصعبة التي تمرّ بها تونس منذ 4 سنوات، بالاضافة الى الانعكاسات السلبية لأحداث 11 سبتمبر على الاقتصاد التونسي.. وهو ما يؤكد عزيمة القيادة التونسية على النهوض بالمواطن التونسي وتمكينه من كل حقوقه الأدبية والمادية، مهما كانت التضحيات، وذلك تعزيزا لسياسة اجتماعية اعتبرت الانسان منطلقها الأول وهدفها الاخير.
    تعزيز الحماية الاجتماعية

    وفي اطار هذه السياسة الاجتماعية التي يحتل فيها الفرد بل كل المجموعات والفئات مكانة متميزة، يأتي هذا التطور البارز الذي يلفت انتباه كل المراقبين الدوليين في مجال التغطية الاجتماعية في الوقت الذي نجد فيه دولا عديدة من العالم المتقدم كما من الدول النامية قد فوّتت في هذا النظام لفائدة القطاع الخاص أو ألغته تماما.
    ولأن الضمان الاجتماعي في تونس يعتبر واحدا من أهم مرتكزات السياسة الاجتماعية نظرا لما يجسمه من بعد تضامني يعزز اواصر التكافل والتآزر بين كافة الفئات الاجتماعية، فقد اولته القيادة التونسية عناية بارزة حيث لم ينفك عن تسجيل العديد من التطورات من حيث شموليته لفئات جديدة لم تكن تتمتع بالحيطة الاجتماعية من قبل او من حيث ارتفاع نسبة نفقاتها من الناتج الداخلي العام. فقد بلغت هذه النسبة لهذه السنة 85% مقابل 53% عام 1987. كما تضاعفت نفقات الخدمات التي يقدمها قطاع الحيطة الاجتماعية 5 مرات منذ 1987 وهي نفقات تمثل 2،5% من الناتج الداخلي العام و7،23% من التحويلات الاجتماعية.
    وحتى تشمل هذه الخدمات جميع الفئات وحتى لا يبقى أي مواطن تونسي خارج دائرة هذه التغطية تأكيدا على كرامة المواطن، وضمانا لحاضره ومستقبله أقرّ نظام خاص بعملة المنازل والعملة اليوميين كما اقر نظام اختياري لفائدة صغار البحارة والفلاحيين والحرفيين، اي من ذوي القدرة التمويلية الضعيفة.
    ولا شك ان مختلف هذه الاجراءات - التي تأتي في الوقت الذي كما أسلفنا، تتراجع فيه مثل هذه الخدمات في العديد من دول العالم النامي أو حتى المتقدم، وذلك خضوعا لشروط صناديق التمويل الدولية - لا تمثل فقط تكريسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي ينهض عليها مشروع التغيير في تونس ولكنها تمثل أيضا عزما من تونس على بناء جبهتها الوطنية الداخلية، من خلال توخي سياسة تنموية شاملة ومدروسة، جبهة تكون قادرة على صيانة السيادة الوطنية للبلاد وتمكينها من مواجهة كل الضغوط والتحديات الخارجية.
    ولاشك أن مبدأ الحوار الاجتماعي الذي جنب البلاد كل أشكال التوتر - في مثل هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي تعيشها جلّ اقتصاديات العالم، وبروز مفهوم جديد للعمل النقابي، سواء بالنسبة لمنظمات أصحاب الاعمال أو للمنظمات النقابية للعمال، وهو مفهوم يقوم على المشاركة في صياغة التوجهات والخيارات الوطنية - لا شك أن هذا المبدأ قد ساهم في تعزيز هذه الجبهة الوطنية وبالتالي في تعزيز سيادة البلاد، وهو مفهوم تجاوز الآن بعده السياسي الأوحد، ليشمل البعدين الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما مكّن تونس من ان تكون الاولى افريقيا والثانية على مستوى الشرق الأوسط - في ما يخص قدرتها التنافسية وهو ما جعلنا نتوقف عند هذا النموذج التنموي لنقف عند بعض أبعاده في مثل هذا السياق العولمي الصعب الذي استفحلت فيه تدخلات صناديق التمويل الدولية في السياسات التنموية للبلدان النامية، ضمن خيارات ايديولوجية لا تخدم دائما تلك الدول. وفي اطار هذا السياق، بل بالرّغم عنه، تمكنت تونس من تحقيق نسبة نمو لافتة، والحفاظ على استقلالية قرارها الوطني، وهو طموح تنأ عنه العديد من الدول المتقدمة فضلا عن الدول النامية.

    المرجع:

    http://www.afkaronline.org/arabic/ar...embre2002.html

    ],g hg[k,f ,sdhshj wkh]dr hgjl,dg hg],gdm


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16-01-2016, 11:35
  2. خياطة شنطة كتف باستخدام صناديق الورق الكرتون المقوى
    بواسطة liza lili في المنتدى الخياطة و التطريز
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 02-07-2015, 21:51
  3. المسؤولية الدولية للمنظمات الدولية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-09-2012, 19:41
  4. النظرية الكلاسيكية في نظريات وسياسات التنمية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15-02-2012, 17:11
  5. اسئلة مسابقة الماجستير تخصص التجارة الدولية مادة الاقتصاد و التجارة الدولية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى قسم الماجستير والماستر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-08-2011, 01:14

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •