أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



الفكر السياسي الغربي

مدخل إلى الفكر السياسي الغربي الجزء الأول الموضوع



الفكر السياسي الغربي


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الفكر السياسي الغربي

     
    مدخل إلى الفكر السياسي الغربي
    الجزء الأول

    الموضوع الصفحة

    مدخل.......................................... .... ............................................. 11
    الفصل الأول
    الفكر السياسي القديم

    الفكر السياسي القديم...................................... ...... ........................... 14
    أولا ـ هيرودوت.................................. .......................................... 15
    ثانيا ـ أفلاطون .................................................. ........................... 15
    أ ـ "الجمهورية" : المدينة الكاملة المؤسسة على العدالة.......................... 16
    ب ـ ما هو "السياسيّ" عند أفلاطون ؟................................................ . 18
    1ـ الملك الراعي...................................... ...... .................................. 18
    2ـ الملك "النسّاج".................................. ....... ................................... 18
    3ـ الملك يحترم "مقياس العدالة"................................... ....... ................ 19
    ج ـ الأشكال المختلفة للحكومات.................................. ........ ................ 20
    1ـ التيموكراثية.......................... ............ ......................................... 20
    2ـ الأوليغارشية.......................... ............ ........................................ 20
    3ـ الديمقراطية............................ ........... ........................................ 21
    4ـ الطغيان.................................... ....... ........................................ 21
    د ـ لماذا حكومة للفلاسفة عند أفلاطون ؟.............................................. 22

    ثالثا ـ أرسطو........................................ ..... .................................. 23
    أ ـ التحليل الأرسطي أو "الأرسطوطاليسي"...................... ............. ...... 23
    1ـ تحليل الحقيقية هو أساسي........................................ ..... ................ 23
    2 ـ مفهوم عضوي " عضواني" organiciste...................................... 24
    ب ـ الأشكال المختلفة للحكومة عند أرسطو........................................ .. 24
    1 ـ نطاق التحليل.................................... ....... ................................ 24
    2 ـ المدينة.................................... ....... ..............................,......... 24
    3 ـ طبيعة السلطة...................................... ...... .............................. 25
    4 ـ المواطن.................................... ....... ...................................... 26
    ت ـ التصنيف الشكلي للدساتير.................................. ........ ................ 26
    1 ـ ما هو الدستور؟.................................. ........ .............................. 26
    2 ـ معايير تصنيف الدساتير.................................. ........ .................... 27
    3 ـ التصنيف الأرسطي المقترح.................................... ....... .............. 27
    ج ـ التصنيف الواقعي للدساتير والأشكال المختلفة للديمقراطية................... 28
    ح ـ الشكل الأفضل للحكومة.................................... ....... ................... 29
    1ـ تبني خطوة علمية........................................ ..... .......................... 29
    2ـ معيار المنفعة العامة...................................... ...... ........................ 29
    3 ـ سيادة القانون.................................... ....... ................................. 29
    4ـ حكومة الطبقة المتوسطة.................................. ........ ..................... 29
    خ ـ أهمية عمل أرسطو........................................ ..... ....................... 30


    الفصل الثاني
    الفكر السياسي المسيحي
    بين السياسة و الفضيلة
    1ـ المسيحية وعلم السياسة .................................................. ............ 32
    2ـ بين الله والقيصر.................................... ....... .............................. 37
    3 ـ الطبيعة و الإنسان.................................... ....... ........................... 41
    4ـ القوانين بين السماء والأرض...................................... ...... ............. 45
    5 ـ بين مملكتين.................................... ....... ................................... 50
    أ ـ النظام السياسي و النظام الروحي يجب ألا نخلط بينهما و ألا نفصلهما.....,.... 50
    ب ـ السياسة هي " فن نبيل"......................................... .... .................. 51
    ت ـ السياسة لديها حدودها لكن التاريخ مفتوح للفضيلة والعفو....................... 53
    6ـ تحرير الإرادة.................................... ....... ................................ 54



    الفصل الثالث
    صعود الاستبدادية (الحكم المطلق) داخل الدولةـ الأمة لعصر النهضة.

    أولا ـ الأصول القديمة و الوسطى لمفهوم "السلطة المطلقة" الاستبدادية......... 59
    1ـ السلطة المطلقة في القانون الإمبراطوري الروماني.................................. 59
    2ـ الإرادة البابوية الكاملة.................................... ....... .......................... 59
    3ـ تطبيق البابوية على السلطة الزمنية.................................... ....... .......... 60
    ثانيا ـ نشؤ الدول ـ الأمم........................................ ..... ......................... 60
    1ـ تحالف السلطات المركزية مع القوى الاجتماعية والاقتصادية الجديدة............ 60
    2ـ اختلاف الحالات في الدول الأوربية. .................................................. 60

    أ ـ ميكيافلي.................................. ........ .......................................... 62
    ـ حياته .................................................. ....................................... 63
    ـ أعماله...................................... ...... ............................................. 63
    منهج ميكيافلي .................................................. ............................. 63
    1ـ الواقعية. .................................................. ................................. 63
    2 ـ الطبيعة الإنسانية وفق ميكيافلي. .................................................. .... 63
    3 ـ الميكيافلية Machiavélisme.................................... . .................. 64
    4 ـ السياسة الداخلية. .................................................. ...................... 65
    5 ـ ميكيافلي بين الملكية والجمهورية ؟................................................ . ...65
    6 ـ ميكيافلي و القومية. .................................................. .................... 66

    ب ـ مارتن لوثر " دولة وطنية من غير نفوذ كهنوتي"............................... 67

    1ـ حياة وأعمال مارتن لوثر. .................................................. ............. 67
    2ـ الأفكار السياسية عند مارتن لوثر. .................................................. ... 67






    ت ـ جان بودان (1529ـ 1596) ، منظر للدولة ذات السيادة........................ 69
    ـ حياته........................................ ..... .............................................. 69
    ـ أعماله...................................... ...... ............................................. 69
    1 ـ الدولة السيادية. .................................................. ......................... 70
    2 ـ استقلالية الدولة ـ الأمة بالنسبة للقوى الخارجية. ................................... 71
    3ـ سيادة مطلقة ولكن ليست غير محدودة. ............................................... 71
    4 ـ النظام الأفضل: الملكية أو "الملكية الشرعية"................................... .... 73

    توماس هوبز.......................................... .... ..................................... 74
    حياته........................................ ..... ................................................ 74
    أعماله...................................... ...... ................................................ 74
    1ـ حالة الطبيعة عند هوبز.......................................... .... ...................... 75
    2 ـ حالة الطبيعة هل هي حقيقة موجودة ؟................................................ . 76
    3 ـ لا يوجد عدالة في حالة الطبيعة. .................................................. ...... 76
    4 ـ مشكلة التعاقدات. .................................................. ........................ 76
    5ـ العقد الاجتماعي عند هوبز. .................................................. ............ 77
    6 ـ " الليفياثان" Léviathan. .................................................. ............ 78

    خاتمة........................................ ..... .................................................7 9
    حول الحكم المطلق أو الاستبدادي.




    الفصل الرابع
    التقليد الديمقراطي و الليبرالي


    مدخل
    1- براديغمات متعددة للنظام الاجتماعي . ...........................................83

    أ ـ مفهوم البراديغم " Paradigme "............................................. .... 83
    ب ـ " البراديغمات " الثلاث للفكر السياسي والاجتماعي الحديث ............... 83
    ت ـ النظام المقدس. .................................................. .................... 83
    ث ـ الأنظمة " الوسطى " ما بين الطبيعي والمصطنع. ........................... 84

    2- السؤالان الأساسيان للنظرية السياسية وفق " لورد أكتون ".............. 85

    3ـ القرن السادس عشر:" المدرسة الفلسفية الثانية"،" الملكية" و الدستورية الكالفينية calviniste.
    أولا ـ مثابرة التقاليد القروسطية. .................................................. .......... 88
    1 ـ التفسيرات القروسطية غير الاستبدادية للقوانين الرومانية والكنسية............ 88
    أ ـ " بارتول" Bartole و الحكم أو السيادة الشعبية.................................... ... 88
    ب ـ " غيرسون" Gerson والتصالحية. .................................................. . 89
    2ـ إعادة التأكيد على الأفكار التصالحية. .................................................. . 89

    ثانيا ـ في أصل المذاهب الليبرالية: .................................................. ........ 90
    المدرسة الفلسفية الثانية، و مدرسة " سلامونك" Salamanque................. 90
    1ـ الكتّاب. .................................................. ...................................... 90
    أ ـ " فيتوريا" Vitoria. .................................................. ..................... 90
    ب ـ " دو سوتو" De Soto. ( 1449ـ 1560). ......................................... 91
    ت ـ " بيلارمين" Bellarmin. .................................................. ............ 91
    ث ـ "ماريانا" Mariana. .................................................. .................. 91
    ج ـ "مولينا" Molina. .................................................. ....................... 92
    ح ـ " سواريز" Suarez. .................................................. .................... 92


    2 ـ مراجع المدرسة : " التومائية" Thomisme المُجدَّدة............................ 92
    أ ـ الخصوم المستهدفون. .................................................. .................... 92
    ب ـ القواعد الفلسفية و اللاهوتية لإجابات "المدرسة".............................. .... 93

    3 ـ الأطروحات السياسية. .................................................. ................... 94
    أ ـ قانون الهنود. .................................................. ................................ 94
    ب ـ حالة الطبيعة،و تأسيس المجتمعات السياسية "بالتوافق"............................ .. 95
    ت ـ أسباب الخروج من حالة الطبيعة. .................................................. ...... 95
    ث ـ شرعية الحالة الجديدة،"العقد الاجتماعي"............................... ......... ....... 95
    4 ـ الأطروحات الاقتصادية. .................................................. .................. 96


    ثالثا ـ في أصول المذاهب الديمقراطية. .................................................. ..... 96
    أ ـ راديكالية "اللوثرية" و "الكالفينية"، في إنكلترا واسكتلندا.......................... 96
    1ـ الدلائل التي استندت على القانون الخاص........................................ ..... ..... 97
    2ـ نظرية "الهيئات القضائية الدنيا"..................................... ...... .................. 97
    3 ـ نظرية "الحاكم الإسبرطي"................................. ........ ......................... 97
    4ـ نظرية "المتعاهد"................................ ........ ...................................... 97

    ب ـ "الهوغونية" الفرنسية. .................................................. .................. 98
    1 ـ خصوصية السياق الفرنسي. .................................................. ................98
    2ـ مؤلفات البروتستانتية "الهوغونية" الفرنسية.................................. ........ ...... 98

    رابعا ـ الفكر السياسي للثورة الإنكليزية الأولى...................................... ...... .... 99
    أ ـ النطاق التاريخي للثورة الإنكليزية الأولى وإعادة بناء البروتستانتية.................. 99
    1ـ المتزمتون الصارمون Puritains. .................................................. ........ 100
    2ـ البرلمان. .................................................. ........................................ 100
    3ـ تصاعد الصراع بين الملك،البرلمان والمتزمتين مع حكم "جاك الأول" و"شارل الأول".. 100

    ب ـ الثورة. .................................................. ............................................... 101
    ت ـ القانون غير المكتوب Common law و "الدستور الإنكليزي القديم".................. 102
    1ـ النورمانديون و الساكسون. .................................................. ......................... 102
    2ـ Edward Coke. .................................................. ................................... 103
    3ـ النتائج السياسية لمذهب "الدستور القديم"..................................... ...... ................ 104
    ث ـ المستقلون و دعاة المساواة السياسية Levellers......................................... .. 104
    1ـ أصول النقاشات حول التسامح. .................................................. .................... 104
    2ـ المشاركة الإنكليزية. .................................................. ................................ 105
    ج ـ الأفكار الدستورية عند Levellers. .................................................. .......... 106
    1ـ سلطة الدولة تقوم بالتوافق أو التعاقد. .................................................. ............. 106
    2ـ الاقتراع الوطني. .................................................. ................................... 106
    3ـ فكر الدستور المكتوب. .................................................. .............................. 106

    ح ـ الجمهوريون. .................................................. ....................................... 107
    1ـ المواضيع المشتركة. .................................................. ................................ 107
    2ـ الجمهوريون الإنكليز بعد عام 1660. .................................................. ........... 107




    خامسا ـ جون لوك و الثورة الإنكليزية الثانية.
    1 ـ مذهب الحرية في ظل القانون، "سيادة القانون".
    مدخل: السياق التاريخي. .................................................. ............................. 110
    جون لوك
    حياة و أعمال........................................ ..... ................................................. 111
    أ ـ جون لوك و نظرية سيادة القانون. .................................................. ............. 111
    1ـ الحالة الطبيعية.................................. ........ ............................................. 111
    ـ الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة السياسية. .................................................. 112
    ـ الاجتماع السياسي و حماية الملكية. .................................................. ............... 113
    ـ حدود السيادة. .................................................. ......................................... 114
    ـ شروط قيام و تجديد العقد الاجتماعي. .................................................. ............ 115
    ـ مذهب الحرية برعاية القانون أو " دور القانون"................................... ....... ....... 115
    2 ـ جوهر الحرية. .................................................. .................................... 116
    3ـ جوهر القانون. .................................................. .................................... 116
    4 ـ العلاقة بين القانون والحرية. .................................................. .................. 116
    ـ صفات القانون. .................................................. ...................................... 116


    2ـ تقليد النظام العفوي "الطبيعي" في إنكلترا القرن الثامن عشر............................. 118
    ( Mandeville, Hume, Smith, Ferguson, Burke ).

    أ ـ Mandeville. .................................................. .................................... 118
    ب ـ David Hume . .................................................. ............................... 119
    ت ـ Ferguson. .................................................. ...................................... 122
    ث ـ Adam Smith. .................................................. ................................ 123
    ج ـ Edmund Burke. .................................................. ............................. 125




    الفصل الرابع
    ديمقراطيون وليبراليون في إنكلترا القرن التاسع عشر.

    أولا ـ ديمقراطيون وليبراليون في إنكلترا القرن التاسع عشر.................................. 128
    1 ـ السياق التاريخي. .................................................. ................................. 128
    أ ـ Bentham و الراديكاليون الفلسفيون. .................................................. ........ 128
    ب ـ الاقتصاديون. .................................................. .................................... 129
    ت ـ John Stuart Mill. .................................................. ......................... 131
    ث ـ Herbert Spencer. .................................................. ......................... 132

    ثانيا ـ التقليد الليبرالي و الديمقراطي في القرن العشرين.................................... ... 134
    1ـ التعددية و النظام. .................................................. ................................. 134
    2 ـ دولة القانون و التعددية. .................................................. ....................... 135
    أ ـ Karl Popper. .................................................. ................................. 135
    ب ـ Michaël Polanyi. .................................................. ........................ 136
    ت ـ نظرية " جون راولز" في العدالة. .................................................. .......... 138
    1ـ ما هي أهداف نظرية للعدالة ؟................................................ . .............. 143
    2ـ نقد النفعية. .................................................. .................................... 144
    3ـ فكرة العقد الاجتماعي عن جون راولز........................................ ..... ......... 145
    4ـ الخيارات الكبرى للعدالة.................................... ....... ............................ 145
    5ـ المساواة الديمقراطية............................ ........... .................................... 149
    6ـ مؤسسات "دولة العناية أو الفاضلة"................................... ....... .............. 150



    الفصل الخامس
    نموذج من تحليل التوتاليتارية "الشمولية"

    ـ "آنا أروندت"..................................... ...... ........................................ 153
    1ـ الشمولية كظاهرة جماهيرية. .................................................. ............. 154
    2ـ تدمير "الجماهير". .................................................. ......................... 154
    3ـ اللامبالاة. .................................................. .................................... 155

    ـ الأحزاب الشمولية. .................................................. .......................... 156
    1ـ هذيان الإيديولوجيا. .................................................. ........................ 156
    2ـ بنية هذه الجماعات أو الطوائف الشمولية.................................. ........ ....... 157

    ـ السلطة الشمولية. .................................................. ............................ 158
    1ـ ذوبان الدولة في الحزب. .................................................. .................. 158
    2ـ مفهوم " العدو الموضوعي"................................. ........ ........................ 158
    3ـ البوليس. .................................................. ...................................... 158
    4ـ المعسكرات. .................................................. ................................. 158
    مصادر باللغة الفرنسية والإنكليزية............................ ........... ..................... 159



    hgt;v hgsdhsd hgyvfd


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي

    مدخل

    أن نتحدث عن "تاريخ الفكر السياسي" أو عن " الفكر السياسي الغربي"، فهذا يشكل جزءا هاما من ميدان علم السياسة، أيضا الفكر السياسي يشكل تخصصا أو حقلا علميا جوهريا في الدراسات الإنسانية والاجتماعية. من هنا نجد أن معاهد العلوم السياسية تدرس هذه المادة لأنها تساهم بقوة بالانفتاح،بالثقافة، ثم تضع أو تبني علاقة بين علوم (القانون،العلوم السياسية،العلوم الاقتصادية ،التاريخ،الفلسفة،علم الاجتماع) و المقاربات الأخرى لعلوم الإنسان في المجتمع، ومع المجتمع نفسه. "فالفكر السياسي" من دون أدنى شك، هو واحد من التخصصات "المفتاح" لتجربة أو اختبار الثقافة العامة، حيث أصبح من طقوس وشعائر امتحانات القبول في معاهد العلوم السياسية وخاصة في الدول التي تولي العلوم السياسية أهمية كبرى.

    إن دراسة الفكر السياسي يمكن أن تسير وفق طريقتين،حيث كل طريقة لها مميزاتها ولها أيضا عقباتها. واحدة من الطريقتين ترتكز على تحقيق أو إتمام جمع الأفكار الكبرى و الأساسية لكل تيار أيديولوجي كبير. ومن صعوبات أو عقبات هذه الطريقة أمام القارئ أو الباحث الذي لا يمتلك منذ البداية الوسائل المطلوبة: أنها تتطلب إجراء مقارنات أو مراجع ربما لا يمكن الحصول عليها أو هي غير موجودة. أما الطريقة الثانية يمكن أن تقدم قراءة لكل واحد من الأعمال السياسية الكبرى. ولكن الخطر،في هذه الحالة،يأتي من إهمال السياق "contexte" التاريخي و الفكري الذي تم فيه إنجاز هذا أو ذاك العمل السياسي،والمعرفة وحدها هنا تسمح بوضع الأفكار ضمن رؤية واضحة. فالديمقراطية"مثلا" وفق أفلاطون ليس لها معنى إلا إذا وضعناها ضمن سياق الزمن التي وجدت فيه.أيضا نضيف خطرا آخرا، وهو عدم نقل إلا رؤية جزئية لكل مفكر.

    وبما أنه لا يوجد إلا طرقا قليلة غير الطرق المذكورة، فإننا بالضرورة سنستخدمها في هذا الكتاب.فعلى المستوى التاريخي، يسعى الكتاب لتقديم المفكرين الذين طبعوا عصرهم بأفكار أو نظريات سياسية معينة وشاركوا بشكل كبير في التفكير السياسي السائد في زمنهم. أما بالنسبة للأفكار السياسية "الحديثة"، فسيحاول الكتاب التعرف عليها من خلال التيارات الإيديولوجية الكبرى.
    نشير هنا إلى أن كتابا واحدا يريد دراسة الفكر السياسي الغربي لن يستطيع الادعاء بالقدرة على دراسة كل عمل سياسي لوحده وضمن فترته الزمنية التي ظهر فيها أو حتى دراسة الفكر السياسي في جميع البلدان الغربية. مع ذلك، يطمح الكتاب إلى تقديم عمل متماسك ومختصر للفكر السياسي الغربي، مؤكدا على دراسة الفكر السياسي المعاصر و الحديث من غير الإغراق كثيرا في الأفكار القديمة، وذلك نظرا للأهمية الكبيرة التي نراها في الفكر السياسي الغربي الحديث.

    إذا بين طموح تقديم عمل متماسك و صعوبة الاختصار، سنلجأ إلى دراسة أهم الكتاب والمفكرين مع تحليل،قدر الإمكان، لنظرياتهم ومذاهبهم السياسية، كما أن الكتاب سيجهد في الحصول على نصوص"فكرية سياسية" أصلية تعبر عن السياق التاريخي و الفكري الذي ظهرت فيه.
    كلمة لا بد من قولها هنا حول الفكر السياسي الغربي. حيث تاريخ هذا الفكر اتصف في القرون الأخيرة بظاهرة منحته نوعا من الوحدة: إنها الحداثة، ومن خلالها حقق الفكر السياسي انعتاقه بشكل تدريجي ثم بشكل واسع خاصة بعد تقديم تفسيرات وشروحات جديدة تعلق بالإنسان الذي استطاع أن يبعد الدين أو يبتعد عنه ويحول الفلسفة إلى أداة لتطوير خطاب شامل حول غايات الإنسانية النهائية، وقد رأينا هذه على سبيل المثال مع ميكيافلي في كتاباته عن "المدينة الدنيوية".

    أما السياسة أصبحت واعتبارا من القرن السادس عشر و السابع عشر تلك الكلمة أو اللحظة المليئة بالآمال في تغيير الدين بواسطة إيديولوجيات سياسية، وهذا الشكل التاريخي للفكر السياسي بدأ يحصل تدريجيا على معظم العقول مع نهاية القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين بسبب قدوم عصر الديمقراطية. بشكل محدد أكثر، في آخر قرنين انتشرت خطابات وحققت انتصارات كبيرة وتمحورت حول تيارين كبيرين: تيار الليبراليات الذي أتى بشكل سريع مصطحبا الاشتراكيات والقوميات في عملية من المنافسة والصراع للسيطرة على القلوب والعقول. والكتاب بين أيدين سيحاول الدخول في منطق هذه التغيرات و التحولات في تاريخ الفكر السياسي وهي عمليا تشير إلى استمرارية فكرية للجانب الآخر من التغييرات التاريخية. أما التراجع الحالي للإيديولوجيات السياسية فهو لم يستطع إغلاق ظاهرة الحداثة و التي تبحث عن ميادين ميثولوجية أخرى مع النظريات العلمية الجديدة. ويبقى القول بأنه على الفكر السياسي أن يجد طرقا أخرى أقل مواجهة وأكثر تواضعا، وقريبة من الحقائق العلمية الحديثة التي تشكل معطيات وقواعد علمية للتفكير الفلسفي العميق.



    الفصل الأول
    الفكر السياسي القديم





    الفصل الأول
    الفكر السياسي القديم


    في البداية نستطيع القول أن العرض المختصر للفكر السياسي اليوناني و الروماني حتى بداية العصر المسيحي لا يشكل إلا فائدة نظرية/فكرية خالصة، فالمشكلات السياسية ستغطي بعد ذلك طبيعة جديدة بسبب انتشارها في فضاء جغرافي أوسع على مستوى العالم. علما أننا لا يمكن أن ننسى بأن الآمال الرومانية في الهيمنة على العالم الذي كان موجودا آنذاك ووجود سياسة يمكن أن نصفها "بالإمبريالية" تجعلنا نجري دراسات عليها أكثر معاصرة. بالمقابل، ما هي النقاط المشتركة التي يمكن إيجادها من الرؤية الأولى بين الإشكالية السياسية في "المدينة" أو المدن اليونانية،والتي كانت مسكونة ببعض الآلاف من السكان،مشغولة بالانقسامات بين الفقراء والأغنياء،و العالم الحالي ؟ وخاصة أن" أسئلتنا لا تختلف كليا عن أسئلتهم" .

    استبعاد " الميتافيزيقا" نعتقد أنه أمر غير صحيح، وفي نفس الوقت التفكير حول محتوى مفهوم العدالة مازال باقيا. أيضا أي تفكير حول "الحكومة الأفضل" ربما يظهر في عصرنا أنه من الأخطاء التاريخية و أنه من غير موضوع أو أهمية بسبب الاعتراف،ومن غير اعتراض من أحد، بسيادة الشعب كأساس للسلطة الشرعية. مع ذلك،هذه التقاطعات بين الفكر السياسي القديم و الحديث يمكن أن نتفهمها بشكل أوضح إذا بدأنا دراستنا مع "هيرودوت" ،أفلاطون وسقراط، ولكن أيضا دراسة المفكرين في روما الجمهورية،هذه الدراسة ربما تؤدي إلى قناعات مختلفة على العكس من استمرارية الكثير من أنمط التفكير السياسي.




    أولا ـ هيرودوت

    أقدم حوار مكرس لمسألة "الحكومة الأفضل" نجده في الكتاب الثالث من " بحث أو تحقيق هيرودوت (485 ـ 425 قبل الميلاد). وهو عبارة عن تقديم لثلاثة متآمرين على الملك المغتصب "غوتاما" أمام سبعة حكماء. الثلاثة متهمون بقتل الملك من خلال مؤامرة أحدثت نقاشا حول شكل الحكومة المستقبلي. يؤرخ هيرودوت للقصة بعد سبعين عاما من حصولها. تحدث المتآمر الأول "أوتانيس" ،وهو يرفض الملكية ويقف إلى جانب نظام شعبي،عن الفساد الذي يحدثه هذا النظام وعن أن الملوك لا يعرفون شيئا عن أمثالهم من الفقراء لأن لديهم كل شيء. ومن وجهة نظره،النظام الشعبي يتجنب الإسراف والقمع ويكرس المساواة، وأيضا هناك رقابة على القضاة. أما المتآمر الثاني "ميغابيس" في بداية حديثة دافع عن موقفه صديقه "أوتانيس" وعدائه للملكية، لكنه رفض الديمقراطية " لأنه لا يوجد أغبى منها ولا يوجد وقاحة أكثر من مدينة متعددة"، ثم اقترح حلا بالأوليغارشية "حكومة القلة". أما الثالث"داريوس" فكان مختلفا. فمن بين الحكومات الملكية،الأوليغارشية و الديمقراطية رأى أن الملكية وحدها هي التي تبقى بشكل مستمر بخلاف الحكومتين الباقيتين، حيث أنهما تقومان على الفساد. في النهاية، "أوتانيس" سيرفض المشاركة في أية منافسة أو صراع على السلطة حيث يفضل ألا يخضع لأحد. أما داريوس ابن "هيستاسب" Hystaspe، وبفضل حصانه وسائسه سيصبح ملكا على الفرس كما كتب هيرودوت.

    ثانيا ـ أفلاطون

    ولد في أثينا (426 ـ427) قبل الميلاد.ينتسب بالولادة إلى عائلة ملكية في Crodos.أما أهم أعماله فهي:نظرية المعرفة"، "نظرية الطبيعة"،" الأخلاق"،" السياسة"،"التأملات حول الدين والفن".منذ شبابه أعلن أفلاطون رغبته بالتوجه للشؤون العامة. وقد شكل أخذ السلطة من قبل "الثلاثين" بعد وقت قصير من غزو أثينا من قبل " ليساندر" في عام 403 قبل الميلاد أرضا خصبة لتفتح و تحقيق هذا الطموح، حيث نستطيع ومن بين الأسياد الجدد في السلطة أن نعد عضوين من عائلته :" كريتياس" و "شارميد". بعد سقوط سلطة "الثلاثين" الدكتاتورية شعر أفلاطون من جديد أنه منجذب نحو الحياة العامة ولكن بحيوية أقل. هذه اللامبالاة أو الفتور يمكن فهمه من خلال أن وبعد أربع سنوات من قيام النظام الديمقراطي الذي حكم على سقراط بالموت في تلك المحاكمة الشهيرة.
    حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين" : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، لقد رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: " إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي". إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور. لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه".

    رأى أفلاطون أن هذه الحدث غير مشجع و أنه من غير الممكن إيجاد صديق أو أحد يمكن الارتباط به من أجل الحكم، لذلك فضل الانسحاب من ممارسة السياسة حتى يكرس وقته لاختبار الوسائل التي يمكن من خلالها الوصل في يوم ما إلى حياة أفضل. وكتب أفلاطون قائلا:" في النهاية،وفيما يتعلق بموضوع جميع الدول التي وجدت و عرفتها حتى اللحظة،أقول أن جميعها ومن غير استثناء لديها أنظمة سيئة، لأن كل شيء يتعلق بالقوانين يسير فيها وكأنه مصاب بالعضال".

    لكن التجارب السياسية السيئة لأفلاطون لا تنتهي هنا،لقد ذهب إلى صقلية،يحزوه الأمل بلعب دور المستشار السياسي عند "دونيس" Denys.ووفق أفلاطون الذي يخالف آراء المؤرخين، أدب و أخلاق طاغية "سيراكوز" Syracuse ومعه حاشيته لم تتلاءم نهائيا مع الوجود الفلسفي، وفهم بسرعة أن محاولاته لإصلاح الدولة أنها أصيبت بالفشل. إذا الحاكم "دونيس" لم يكن معجبا بالفلسفة وانتهى إلى إبعاد أفلاطون. هذه التجربة قادته لوضع أفكاره في نظرية أكثر مما قادته لوضعها في التنفيذ، وهذا عمليا أصل و مصدر كتاب "الجمهورية" الذي يعرض فيه نظامه للمدينة الكاملة.

    ـ "الجمهورية" : المدينة الكاملة المؤسسة على العدالة.

    كتاب الجمهورية يفتتح حول حوار،سيصل إلى مأزق، وفيه سقراط و "ثراثيماك" Thrasymaque يتواجهان حول مفهوم العدالة. وبسبب الفشل أو الوصول إلى مأزق،سقراط يقترح تغيير الطريق أو المنهج، بمعنى عدم البحث على مستوى الفرد بل على مستوى المدينة، وهذه المدينة من المفترض أن تعيد إنتاج وتوزيع العدالة الفردية على أكبر درجة أو مقياس ممكن. هذه الخطوة تعود لمصادرة هوية العدالة داخل الفرد وأيضا داخل المدينة.

    اختبار تكوين المدينة قدم لأفلاطون الحلقة الأولى في منطقه.وهي الاستحالة التي بداخلها البشر يوجدون مكتفين ببعضهم وهذا ما يعطي ولادة للمدينة. استعداد وكفاءة كل واحد فيها مختلف عن الآخر،فالمنطق هنا يتكون من الاعتراف :" بأن تنفيذ المهام المختلفة يتطلب الناس المختلفين". أما الحاجات يجب أن تكون محدودة وفق الأشياء الجوهرية، وتطور المدينة الناتج عن هذا التنظيم للمهام و الحاجات يؤدي لظهور مهنة جديدة هي الجيش، وهو ضروري لحماية المدينة من الفقراء الطامعين من مدن أخرى. وبسبب عدم كفاءة الجميع وقدرتهم على ممارسة جميع المهن، فإن هذا يفرض إعطاء مهمة الدفاع لأكثر الناس قدرة على الحرب. ونفس المبدأ يجب أن يوجه المشاركة في المسؤوليات السياسية. كذلك تطور المدينة يحدث تقسيما ثلاثيا لأعضائها: "طبقة" من الحراس تمتلك العلم المتعلق بالحكومات،"طبقة" من المحاربين لا تفتقد الشجاعة، وأخيرا "طبقة" من المنتجين،المزارعين و المهنيين. وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى كفاءات متميزة أو خاصة. بعد تنظيم المدينة بهذه الطريقة فإنها ستتوافق مع " الحكمة"، لأنه على رأسها يتواجد هؤلاء الذين ندعوهم من الآن فصاعدا" بالتقنيين" المتخصصين بالسلطة.

    العدالة في المدينة تظهر كنتيجة لهذا التخصص الموزع على ثلاث طبقات. اختفاء إحداها أو الاختلاط فيما بينها يؤدي للخلل في التوازن أو التراتب. هذه التراتبية للطبقات والتي ترتكز عليها المدينة، يقارنها أفلاطون بأنواع المعادن الأقل و الأكثر قيمة: الذهب ( الحراس الفلاسفة و المتخصصون بالسياسة)،الفضة (المحاربين وهي مساعدة للأولى) والحديد (المزارعين والمهنيين). ضمن هذا الوضع في المدينة، العدالة ستتواجد دائما وفق جانبين : الأول،وهو أن الفرد كعضو في المدينة سيتصرف ضمن معنى العدالة وسيكون دليلا على الفضيلة المرتبطة أساسا بطبيعته.الثاني،من الناحية الفردية، كل واحد، وحتى يكون عادلا، عليه السلوك محافظا على ثلاث مهارات أو كفاءات للروح التي يمتلكها (العقل،الشجاعة،الرغبة). فالمواطن يعيش وفق الفضيلة الخاصة "بالطبقة" التي يتبع لها،والفرد يسعى و يجهد لتناغم هذه المهارات المتعلقة بروحه.



    ـ ما هو "السياسيّ" عند أفلاطون ؟


    إذا كان أفلاطون قد عرّف"السياسيّ" (أي ما يتعلق بالقضايا العامة) في العديد من الأعمال، إلا أنه في عمله "السياسيّ" يكرس كل انتباهه لأنه هذا الموضوع من أهم مواضيع الحوار أو النقاش عند أفلاطون.هناك العديد من التحليلات تشير إلى أن تعريف "السياسيّ" عند أفلاطون كان حجة مستخدمة من قبله من أجل تطبيق منهج الجدل وإظهار قدرات تلاميذه. في الواقع هذا التفسير ليس مقنعا لأنه يمكن أن يستخدم لعدة حوارات في داخلها الموضع الخاضع للنقاش هو مدروس وفق قواعد وطريقة جدلية."السياسيّ" عند أفلاطون مقسم إلى ثلاثة أجزاء : تعريف الملك "كراعٍ" ونقد هذا التفسير،نموذج الفن الملكي أو السياسي،ثم تعريف "السياسيّ".

    1ـ الملك الراعي.

    من أجل تعريف السياسيّ، لا بد من معرفة الإنسان السياسي أو الملكي. ومن خلال تطبيق المنهج الجدلي، أفلاطون ينطلق من فكرة أن الملك هو تقني ويحدد تقنيته أو علمه من خلال منطق أو برهان يستند على سلسلة من التفرعات أو الانقسامات: العلم الملكي ليس عمليا بل نظريا،ليس نقدا بل تعليمات،إنه يقود وفق سلطته الخاصة وليس بسلطة مستعارة ،هو من يكون فاعلا وليس منفعلا والذي لا يعيش وحيدا بل في جماعة. " الملك ليس فقط راعيا، لأنه يختلف عن ذاك الذي يقود قطيعا من الحيوانات، وليس أيضا راعيا على الطريقة الدينية "قسا"، لأنه لا يمكن أن يخلط في مهامه مع الآلهة التي تقود الإنسان،وأخيرا، بل إنه "راعي إنساني"، ولكن لا بد أيضا من التفريق هنا في الطريقة التي تستخدم فيها هذه الرعاية أو العناية،بمعنى هل هي مفروضة أم مقبولة من جانبه و بمشيئته، فعندما تمارس هذه العناية بالقوة فإنها تتحول إلى طغيان، وعندما تكون مقبولة من المدينة فإنها تسمى سياسة".

    2ـ الملك "النسّاج".


    يأخذ أفلاطون تحليله من صورة النسّاج أو الحائك. وهنا لا بد، ونحن نطبق المنهج الجدلي، من فصل الأشياء المجزأة حتى لا نحتفظ منها إلا بما هو دقيق ويسمح بتقدم البرهان والمنطق. أفلاطون برغبة كبيرة يميز ويفرق بين جميع العناصر و الأدوات التي تتدخل في عملية النسج و يصل إلى نتيجة بأن فن النسج هو على صورة فن السياسة. ورجل السياسة يشبه النسّاج، عليه قص الخراف،تنظيف الصوف،حلجه،صنع الخيوط، ثم إنشاء النسيج، وعند رجل السياسة إنشاء النسيج الاجتماعي.

    3ـ الملك يحترم "مقياس العدالة".

    مشكلة "السياسيّ" تقود عند أفلاطون إلى تعريف "الزعيم" أو القائد.فقد كان من السهل عند أفلاطون إبعاد ومن "السياسيّ" كل الذين يمارسون مهاما متدنية، مثل الإنتاج،الرهبان،الموسيقيي ن و الممثلين. بالمقابل،كان من المتعب لديه تمييز الإنسان السياسي أو الملكي عن السياسيين العاديين. وحتى وصل إلى هذا الشيء،أفلاطون اعتمد تحليل مختلف التكوينات السياسية. ( نعود إليها في مراحل متقدمة). وفي كتابه "السياسيّ" أفلاطون يصر على أهمية احترام "مقياس العدالة"، هذا المقياس لا يمكن معرفته إلا من قبل المشرعين الكبار.

    وفي كتابه "القوانين"، يرى أفلاطون أن هذا "المقياس" يجب أن يكون متاحا للجميع ومن خلال كل واحد يستطيع الحصول على المساواة في العدالة، وهذا يساعده في الهروب من نزوات الطغاة، أو يحصل على "المميزات" الأرستقراطية، وهنا نصل إلى نقطة في غاية الأهمية للفلسفة الأفلاطونية، حيث المساواة ليس مرادفا للهوية بل هي نسبية. وفيما يتعلق بالعدالة السياسية، "المقياس" يتحدث عن "ضمان،وبين ناس غير متساوين، مساواة معرّفة من خلال طبيعة كل فرد". وفي الحقيقة هذا يقود أفلاطون وفي الجزء الأخير من كتابه "السياسيّ" إلى معارضة المساواة بالقوة التي تفرض عن طريق القوانين، ويتحدث عن المساواة المرنة والأكثر عدالة والتي يضمنها ملك يعرف أن يتبنى حلا وفق الحالة لكل شخص أو فرد، ولكن أفلاطون يعترف أن هذا الشيء لا يمكن أن يكون محققا إلا بشكل استثنائي وأن تطبيق القانون يحدث شرا أقل من عدم تطبيقه.
    إذا وكما يظهر فإن تحقيق أو البحث عن المساواة هو الموضوع الأساسي "للسياسيّ". ويمكن إكماله عن طريق "مقياس العدالة" و الذي يستطيع أن يفرض اعتدالا و توازنا. ضمن هذه النظرة وصرة النسّج عند أفلاطون تأخذ معناها الكامل: فمن أجل نسج مدينة،النسّاج الملك عليه مرة رفض العناصر الملوثة،ثم شبك الخيوط مرة بشكل مسالم ومرة بشكل محارب. التعليم أولا ومن ثم التزويج، إنها العوامل الكبرى لهذه الفرضية. " ليس فقط في المدينة، بل في داخل قوادها أو قائدها يجب أن يتحقق هذا التحالف أو الحبك بين الاعتدال و الطاقة".



    ـ الأشكال المختلفة للحكومات.

    قدم أفلاطون تحليلا لمختلف الحكومات القائمة والتي كانت من قبله خاصة تلك التي عرفها من خلال تجربته الشخصية، من خلال الترجمة أو المعطيات التاريخية، وأخيرا من خلال فلسفته وتفكيره. وصف مختلف هذه الحكومات مبينا مميزاتها وعيوبها، وأخذ بالحسبان الفكرة الهامة التي ذكرها في كتابه، وهي أن تنظيما جيدا للمدينة يجعل الناس أكثر سهولة و جودة من الناس الذين يعيشون في مدينة تحكمها حكومة سيئة، وأنه لا يوجد حكومة جيدة مع الناس الذين لا يتمتعون بالفضيلة. يقسم أفلاطون الحكومات إلى أربعة أشكال رئيسة :التيموكراثية،الأوليغارشي ،الديمقراطية والطاغية.

    1ـ التيموكراثية.

    يتصف هذا النوع من الحكومات بما يسمى "مفهوم الشرف". فالدولة التيموكراثية تعرّف من قبل أفلاطون من خلال التحليلين التاليين: الزعماء أو القواد يستفيدون أو يحصلون على تقدير كبير من قبل الجسم الاجتماعي، أما المجتمع هو مقسوم إلى طبقات مغلقة كل منها متخصصة في ممارسة خاصة للوظيفة التي أسندت إليها. هذه الطبقات هي : المحاربون،الكهنة،المنتجون والتي تمارس باحترام مهمات القيادة و حماية المجموعة. النظام التيموكراثي الذي تحدث عنه أفلاطون وجد بشكل فعلي في عملية تنظيم السلطة في اسبرطة والتي أعجب بها كثيرا. وقد اعتبر أفلاطون هذا الشكل من الحكومات بأنه جيد بسبب ارتكازه على مبادئ يعتبرها عادلة وتحترم تخصص كل مجموعة في ممارسة وظيفة محددة.
    2ـ الأوليغارشية.

    وهي شكل من الحكومات مؤسس على التعداد، حيث الأغنياء يقودون و الفقراء ليس لديهم حصة في السلطة. ووفق تعريف أفلاطون فإن المعيار المحدد لهذه الحكومة هو الغنى،ضمن هذا المعنى الحكم يمارس من قبل الأشخاص الأكثر غنى و الذين سيحكمون بشكل طبيعي من أجل استخدام السلطة لزيادة غناهم بشكل أكبر. الغنى هنا يعتبر الفضيلة الاجتماعية الأساسية وهي تدخل في تناقض مع القيم الأخرى ولاسيما الفضيلة.
    ومن المنطق أن نختم الحديث عن الأوليغارشية بالقول أنها لا تستطيع أن تكون نظاما أو شكلا جيدا للحكم كما رآها أفلاطون لأن الفضيلة و الممارسة الفاضلة للوظائف الموزعة هي المعيار للحكومة العادلة وهذا لا يمكن أن يتصالح مع منطق الغنى. إذا الأوليغارشية هي معتبرة من قبل أفلاطون بأنها شكل سيء للحكومة لأنها تهدد بإنهاء وحدة المجتمع وبإمكانية الحفاظ عليها. وهنا في الواقع نرى تعبيرا في غاية الأهمية عند أفلاطون وهو أساسي في فلسفته السياسية أي عندما يقول "بأن وحدة المجتمع هي الهدف الأساسي الذي يجب أن يتابع عندما نؤسس حكومة و أن القدرة على الحفاظ عليها هي معيار هام لقيمة الحكم،وكل شيء يساهم في تقسيم المجتمع هو شر، وكل شيء يساند وحدته هو خير".

    3ـ الديمقراطية.

    في فكر أفلاطون الديمقراطية لها معنى مختلفا عن المعنى الذي نعطيه لها اليوم. الديمقراطية هي حكومة الفقراء ضد الأغنياء أي هي حكومة العدد الأكبر لأن الغالبية في المجتمع هم من الفقراء. ومع الديمقراطية نكون بعيدين جدا عن حكومة تهدف إلى الحرية وتحقيق المساواة الممكنة بعكس تعريف الديمقراطية اليوم. ونأخذ هنا نصا من كتابه "الجمهورية" يتحدث فيه عن الديمقراطية:" الديمقراطية تقام عندما الفقراء المنتصرون على أعدائهم يسحقون هؤلاء والآخرين ويتقاسمون من جهة أخرى مع من تبقى، الحكومة و التشريع أو القضاء". و الديمقراطية وفق أفلاطون هي نظام مدان لعدة أسباب: أولا، الديمقراطية هي شكل سيء للحكومة حيث أنها لا تحترم التخصص الضروري لمختلف الفئات الاجتماعية في ممارستها لوظائفها المحددة. وثانيا، الديمقراطية تشكل أو تؤدي لاستمرار الصراع بين الأغنياء والفقراء،وهذا أيضا كما في النظام الأوليغارشي يهدد وحدة المجتمع. ثالثا وأخيرا،أفلاطون يدين الديمقراطية لأنها بالضرورة النظام الذي يعطي مميزات لعديمي الكفاءة والمؤهلات.

    هذا النقد للديمقراطية يظهر غريبا بالنسبة لنا ولمن يحمل في ذاكرته صورة جميلة عن أثينا، أم الديمقراطية، والتي أثنى عليها كتاب عاشوا في ذاك العصر ويعيشون اليوم.أثينا كانت بحق مغامرة الديمقراطية، عاشتها عشرات السنين وحققت بفضلها أشياء كثيرة.

    4ـ الطغيان.

    إنها الحكومة التي يديرها شخص واحد لا يخضع ولا يحترم القانون. هذا النظام مدان بشكل كبير من قبل أفلاطون. وأكبر أخطاء هذا النظام أنه يخضع لإرادة وقيادة فرد واحد في إصدار أو توقيف القرارات إذا بعد كل هذه الصفات هو نظام بعيد عن الفضيلة. بالإضافة لذلك نظام الطغيان هو نظام خطر حيث أنه لا يترك إلا مساحو صغيرة جدا للعقل ويرتكز بشكل واسع على ممارسة العنف من أجل فرض إرادة الطاغية. ويقول أفلاطون:" إن الطاغية سيمكنه الخروج من حالة الطغيان إذا كان من حوله حكماء وفلاسفة يقودونه إلى الطريق الصحيح للحقيقة". في الواقع ما يقوله أفلاطون هنا يذكرنا بالمشكلة الأبدية في العلاقة بين "المثقف" والسياسة، والتي وضع لها "ماكس فيبر" نظرية معروفة ومازالت موجودة و بقوة حتى اليوم. كما أن الأمثلة كثيرة على هذه العلاقة عبر التاريخ: فقد حاول أفلاطون لعب هذه الدور مع حاكم "سيراكوز"، وكذلك فعل أرسطو في محاولة تعليمه لتلميذه "الكسندر الأكبر"، وأيضا في مثل ليس بعيدا عنا وهي العلاقة بين "فولتير" و فريدريك الثاني.في النهاية، أفلاطون يعتبر الطغيان نوعا سيئا للحكم وللسلطة لأنه لا يخضع للفضيلة. ومن جهة أخرى، نظام يهدد بانقسام المجتمع وعامل للصراع في داخله.

    ـ لماذا حكومة للفلاسفة عند أفلاطون ؟
    1ـ الفيلسوف يعرف الحقيقة: معرفة الحقيقة وفق أفلاطون هي شيء صعب.فهي تفترض اختيارا قاسيا وتكوينا للعقل والروح عند الإنسان خلال سنوات طويلة. والفيلسوف ليس فقط مفكرا يهتم بالقضايا المجردة،فهو يمكن أن يكون عسكريا ويواجه كل صعوبات الحياة اليومية.
    2ـ الفيلسوف ـ الملك يحكم وفق العدالة: حومة الفلاسفة التي يقترحها أفلاطون ليس حكومة العلم ولكن حكومة "الحقيقة" وحكومة العدالة. وفقط الناس العادلون و الفضلاء يستطيعون ممارسة الحكم.
    في النهاية نستطيع القول أن فكر أفلاطون هو من أكبر الأعمال الفكرية في تاريخ الإنسانية .حيث العمق في التفكير والاتساع في التحليل.لا يتوقف الإعجاب بأفكاره من قبل القراء.

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي

    ثالثا ـ أرسطو

    أحد أكبر و أهم مؤسسي الفكر السياسي الغربي. كتابه الشهير "السياسة" الذي كتب قبل خمسة وعشرين قرنا، في غناه وتحليلاته و نتائجه حول طبيعة السلطة السياسية، أيضا تأثيره الكبير الذي استمر حتى اليوم،سيكون محور حديثنا عن الفكر السياسي عند أرسطو.ولكن معرفة الأحداث الهامة في حياة أرسطو هي مهمة من أجل فهم عمله الشهير هذا،فمن جهة،أرسطو طور منهجه في التحليل انطلاقا من خبرته الشخصية،ومن أخرى، أقام فكره السياسي على ملاحظة الحقيقة "اليونانية" في زمنه.

    ولد أرسطو في Stagire عام 383 قبل الميلاد، والده كان طبيبا للملك.ولكن الطب لم يكن علما بل فنا انتقل من الأب إلى ابنه. ولكن بما أنه ولد في Stagire هذا الشيء جعل منه دخيلا في أثينا.إذا لا يستطيع المشاركة في الحياة السياسية للمدينة لذلك التزم بالمراقبة والتنظير في هذا المجال.درس أرسطو على يد أفلاطون في أثينا حيث كان "للأكاديمية" الأفلاطونية مكانة كبيرة جذبت الكثير إليها ومن مختلف مناطق اليونان القديمة. غادر أثينا إلى طروادة بدعوة من "Hermias" طاغية " أرتارني". أسس فيها أرسطو مدرسة أفلاطونية وحاول أن يلعب دور المستشار عند هذا الطاغية كي يؤثر على قراراته السياسية.فشل في مهمته فغادر إلى "ليسبوس"وأسس مدرسة جديدة.

    تأثرت أولى أعماله بأفكار أفلاطون،فنشر العديد من الحوارات ضمن الشكل الذي استخدمه سابقا أفلاطون، حول المشاكل السياسية.من بين هذه الأعمال "الحوارات" نجد: "السفسطائي"، "النبل"، "التعليم"، و "الصداقة". أما كتاب "السياسة" هو المؤلف الأهم عند أرسطو.الكتاب يتألف وفق الشكل التالي : في الكتاب الأول،أرسطو يدرس تنظيم البيت ويحاول اكتشاف الأشكال الأساسية للحياة الاقتصادية،الاجتماعية والسياسية، إذا نقطة البادية تكون من محيط عائلي. في الكتاب الثاني يدرس الأشكال المختلفة للحكومة،وفي الثالث يقدم نظرية الدستور ويقترح تنظيما أو ترتيبا لمختلف أشكال الحكم، في الكتب الرابع،الخامس والسادس يحلل الأشكال المختلفة للأوليغارشية،الديمقراطية و لما سماه"politie" وهو شكل الحكومة الذي يفضله كما سنرى.

    1ـ التحليل الأرسطي أو "الأرسطوطاليسي".

    أولاـ تحليل الحقيقية هو أساسي.
    التكوين الطبي الذي عرفه أرسطو أثر تكوينه الفكري.حيث يطبق أرسطو السياسة على نفس المنهج الذي يحلل به علم الأحياء أو البيولوجي،وهنا يقول أرسطو:" في الواقع وكما في الحقول الأخرى،إنه من الضروري تجزئة المركب إلى أصغر عناصره الممكنة،كذلك حيث أننا نعتبر العناصر في المدينة أنها مركبة،سنرى بشكل أفضل إن كانت هذه العناصر تمتلك مفهوما علميا" . ومن الضروري الانطلاق من الأكثر سهولة إلى الأكثر عمومية وشمولا، وبعد ذلك تحليل الأشياء الأكثر تعقيدا. وعمليا هذه الطريقة أو المنهج سنراه عند ديكارت في عمله " مقال أو حديث في المنهج". وبالنسبة لأرسطو بتطبيقه هذا المنهج فإنه ينطلق من الفرد ثم إلى العناصر الأكثر تعقيدا: العائلة،القرية ومن ثم المدينة.
    ثانيا ـ مفهوم عضوي " عضواني" organiciste.
    أرسطو لديه مفهوما عضويا للمجتمع،إنه يقارن المجتمع بجهاز عضوي يعيش بفضل التعاون بين مختلف الأعضاء حيث أن العناصر المركبة للجهاز ليس لديها مصلحة إلا ضمن مقياس تكون فيه مرتبطة بالكل"الجهاز". ويرى أرسطو المدينة أنها تشبه العائلة و القرية والتي لا تستطيع العيش بشكل معزول،هذا يعني أن المدينة تشكل وحدة يمكن أن تعيش بشكل مستقل عن الآخرين،والتي لديها منطقها الخاص،حاجاتها ووسائلها.من هنا "مدينة" أرسطو تشبه الدولة ولكن لا يمكنها أن تختلط معها.إذا يوجد اختلاف في الطبيعة بينهما،بين المدينة والدولة، اختلاف على أساس جغرافي ووظائفي يتعلق بالمؤسستين.


    2ـ الأشكال المختلفة للحكومة عند أرسطو.
    أ ـ نطاق التحليل.
    استخدم أرسطو التحليل العلمي للوقائع السياسية بفضل التجربة السياسية التي حصل عليها بصفته مستشارا "سياسيا". ومن أجل القيام بتحليله عرّف أرسطو وبدقة النطاق أو المحيط الذي بداخله تطور تفكيره، أو ما يمكن أن نطلق عليه "نطاق التحليل" أو "المعطيات الأساسية".

    أولا ـ المدينة.
    من خلال الوقائع السياسية التي عاشها أرسطو في زمنه نراه يعالج ويحلل موضوع "المدينة" كوحدة أساسية للتحليل. والمدينة بالنسبة له ليست مخلوق إنسانيا،بل إنها معطى طبيعيا:" إنه من الواضح أن المدينة هي حقيقة طبيعية وأن الإنسان هو بالطبيعة كائن موجه للعيش في مدينة".بمعنى آخر، أن أرسطو يرى وجود سابقا للمدينة على الفرد.فالمدينة موجودة في الطبيعة نفسها والإنسان هو عنصر،من غيرها، لا يستطيع العيش. أيضا يظهر أرسطو وكأنه فيلسوفا غير فردي individualiste،وهو واضح جدا في هذه النقطة :"الإنسان الذي لا يستطيع العيش في جماعة أو الذي لا يحتاج إليها نهائيا لأنه يكتفي بنفسه،لا يشكل جزءا من المدينة، إذا إما هو وحش أو إله" . وبالنسبة لأرسطو المجتمع هو تعددي بالطبيعة.بينما نجد عند أفلاطون أن "الوحدة" يجب أن تطبع المدينة بطابعها وأية قطيعة في هذا المجال هي تراجع يحدث تأخرا وانحلالا في المجتمع ككل. بالإضافة لذلك، أرسطو يقبل بأن "المدينة" مركبة من عناصر مختلفة ولكنه يعتبر أنها ليس لديها حظ أو فرصة بالحفاظ على تنوعها إلى بشرط من خلاله كل جزء أو عنصر يكون ليده مصلحة بالبقاء، وبالنتيجة، سيكون هناك إرادة بضمان الاستمرار والديمومة.

    ثانيا ـ طبيعة السلطة.
    يتناول أرسطو هذا الموضوع من خلال معرفة إذا كانت السلطة "كلا واحدا" في طبيعتها أم هي متعددة.أرسطو يعترض كليا على المفهوم القائل "بوحدة طبيعة السلطة". ومن هنا يوجه انتقاداته للأطروحات التي تدافع عن "وحدة السلطة" كما نراه في النص الأرسطي التالي:" البعض يعتقد بوجود علم أو معرفة، إنه سلطة السيد و هي نفس الشيء بالنسبة لرب العائلة، السيد،رجل الدولة و الملك...والبعض الآخر، يرى أن سيطرة وهيمنة السيد هي ضد الطبيعة،في الواقع إنه القانون هو الذي يجعل هذا عبدا وذاك حرا؛وفي الحالة الطبيعة لا يوجد فرقا،كذلك التسلط ليس عدلا لأنه عنيف" . أرسطو لا يعتقد بأن السلطة "واحدة" لأنه إذا وجد خضوع لشخص ما في أية علاقة من علاقات السلطة، طبيعة هذا الخضوع هي مختلفة وفق الظرف الذي يكون قائما.إذا نظرية وحدة السلطة هي زائفة لأن كل أشكال السلطة لا تطبق بشكل واحد على نفس الأشخاص ولا تستخدم جميعها نفس النهج أو الطريقة.

    بالمقابل،الفكرة القائلة أن السلطة ليس لديها طبيعة واحدة هي صحيحة ولكن العرض الذي يسمح بالوصول لهذه الخلاصة ليس مرضيا بشكل كلي.في الواقع، ومن أجل أن يكون هذا العرض مقنعا،يحاول أرسطو توضيح لماذا السلطة الممارسة على الناس الأحرار و المتساوين هي مختلفة بالوسائل المستخدمة عن تلك السلطة التي تمارس داخل العائلة، أو بشكل خاص على العبيد. تعريف طبيعة السلطة السياسية، كسلطة مختلفة عن الأشكال الأخرى للسلطات، هو من المشاكل الأساسية للنظرية السياسية والإجابة المقدمة من أرسطو هي عنصر خاضع للنقاش كما يمكن مقارنتها مع الحلول الأخرى التي اقترحت من قبل آخرين.
    ، المرجع السابق، صفحة 35. Dimitri Georges Lavroff ـ




    ثالثا ـ المواطن.
    وفق أرسطو المواطن ليس بالضرورة أن يعرّف أو يوصف من خلال إقامته في إقليم محدد. حيث يوجد أشخاص يقيمون في إقليم معين ولا يتمتعون بصفة مواطن، وهذا هو وضع العبيد أو الأجانب في اليونان القديم. لذلك يقترح تعريفا إيجابيا. المواطن يعرّف بداية من خلال المشاركة في ممارسة وظائف القاضي والقضاء. وهنا أرسطو يسند في مرجعية التعريف إلى أوضاع المواطنين في المدن اليونانية القديمة وخاصة في أثينا. أيضا القدرة على التصرف و التحرك ضمن الأجهزة السياسية والقدرة في الحصول على العدالة هي عنصر مهم من وضعية المواطنة. ونكمل ذلك بصفات أخرى للمواطنة عند أرسطو، حيث يقترح الحل التالي:" أيا كان لديه الإمكانية بالمشاركة في السلطة التنفيذية أو القضائية؛نستطيع القول إنه مواطن في هذه المدينة"

    ب ـ التصنيف الشكلي للدساتير.

    أولا ـ ما هو الدستور.
    يعرّف أرسطو الدستور في أجزاء متعددة من مؤلفه وهذه التعريفات ليست جميعها متشابهة. بداية، الدستور هو " تنظيم مختلف الهيئات القضائية في المدينة وبشكل خاص تلك التي تضمن السلطة السيادية في كل مكان،وفي الواقع، الحكومة تمتلك السلطة العليا في المدينة،ومن هنا،الدستور هو الحومة" . هذا التعريف يعطينا مجموعة من الملاحظات: حيث نرى أنه يستند إلى تنظيم الهيئة القضية كمرجع للتعريف. وفي نفس الوقت هو يشير إلى الأخذ بالحسبان للسلطة العليا كسلطة بيد الحكومة، وهنا أرسطو يشابه بين الدستور والحكومة.

    يعطي أرسطو تعريفا آخر للدستور:" الدستور،في الواقع،هو تنظيم السلطات في المدينة،مثبتا شكل وطريقة الفصل بينها وطبيعة السلطة السيادية في الدولة ثم الحياة الخاصة لكل جماعة" . هذا التعريف يستند على فكرة أن الدستور يتعلق مباشرة بالتنظيم و فصل السلطات السيادية داخل المدينة. طبعا التعريف الثاني للدستور مع بعض التغييرات البسيطة يمكن تبنيه في عصرنا الحالي، وهنا تكمن عظمة هذا الفكر السياسي الأرسطي الذي لم يتغير عبر العصور.



    ثانيا ـ معايير تصنيف الدساتير.

    رأينا ووفق تعريفات أرسطو أن الدساتير متنوعة جدا.ولكن بالنسبة له، يوجد معيارا عاما يتكون من عنصرين أساسيين :
    1ـ عدد الحكام :" بما أن الدستور والحكومة يشيران إلى نفس الشيء وأن الحكومة هي السلطة صاحبة السيادة في المدن،هذه السيادة هي إما فرد واحد،جماعة صغيرة أو مجموع المواطنين".
    2ـ البحث عن المصلحة العامة: فعند أرسطو لا بد من التمييز بين الدساتير التي هي صحيحة:"هذا يعني الدساتير التي فيها الحكومات تبحث عن تحقيق المصلحة العامة"، والدساتير الناقصة:"والتي تتصف بممارسة السلطة من أجل تحقيق مصالح مجموعة صغيرة".

    ثالثا ـ التصنيف الأرسطي المقترح.

    من خلال تطبيق المعايير السابقة يضع أرسطو التصنيف التالي والذي يسميه " الأشكال النقية أو الصافية":
    1ـ الحكومة التي يديرها فرد واحد، والتي تتطابق مع الملكية، حيث يوجد نظام ملكي يهدف لتحقيق المصالح العامة.
    2ـ حكومة بعض الأفراد، وهي الأرستقراطية، وفيها نجد قبولا " إما لأن الأفضل هم في السلطة، أو لأن سلطتهم تهدف إلى تحقيق أكبر نفع ممكن للمدينة ولأعضائها".
    3ـ الشعبية أو الجماهيرية، "وتوجد عندما الأغلبية في المدينة تحكم من أجل المنفعة العامة".

    إلى جانب هذه التصنيفات "النقية" نجد عند أرسطو التصنيفات التي يسميها "الفاسدة"، وهي تقوم على دساتير يعود الحكم فيها لمجموعة تتصرف وفق مصالحها الخاصة وهي :
    1ـ الطغيان، وهو الشكل الفاسد للملكية ويتصف بممارسة السلطة من قبل شخص ولمصالحه الشخصية.
    2ـ الأوليغارشية، وهي تشويه للأرستقراطية، حيث حكومة يترأسها الأغنياء يعملون لمصلحتهم.
    3ـ الديمقراطية، وهي الشكل الفاسد "للجماهيرية أو الشعبية"، حيث يوجد حكومة فيها أكبر عدد ممكن من الشعب،ولكن تمارس سلطتها لمصلحة الفقراء والذين هم أكثر عددا وليس للمصلحة العامة كما هو الحالة في الحكومة الشعبية.




    ت ـ التصنيف الواقعي للدساتير والأشكال المختلفة للديمقراطية.

    أدخل أرسطو معيارا يرتكز على التركيب الاجتماعي للجماعات التي تحكم، وعلى المشاركة لكل من هذه المجموعات في ممارسة السلطة. ويقصد هنا تصنيف للدساتير الاجتماعية.
    الأشكال المختلفة للديمقراطية.
    أدخل أرسطو معيارين إضافيين على نموذج الحكم الشعبي "النقي" وهما :طرق الحصول على السلطة والوضعية المهنية المسيطرة داخل هذه الأنظمة. وفق أرسطو يوجد خمس طبقات اجتماعية أساسية وهي : المزارعون،الحرفيون،التجار ،العمال المأجورون، العسكريون. عندما تمارس السلطة من قبل فئة من هذه الفئات الاجتماعية سنكون أمام شكل خاص من الديمقراطية. يعرّف أرسطو هذا الشكل كالتالي:"شكل آخر للديمقراطية هو المشاركة للجميع في الهيئات القضائية،بشرط واحد هو أن يكونوا مواطنين ولكن من غير حكم للقانون". وفي النهاية نجد شكلا آخرا للديمقراطية عند أرسطو،ويتصف بوجود جميع الشروط السابقة ولكن مع اختلاف هو أن السلطة تعود للجماهير الشعبية وليس للقانون.

    هناك تصنيف يعتمد الفئات الاجتماعية المسيطرة، ويميز فيه أرسطو ثلاثة أشكال أساسية للديمقراطية: أولا، ديمقراطية تصنف بالريفية، وفيها "الزارعون و المالكون لميزانية متوسطة يسيطرون على السلطة العليا للدولة".ثانيا، "ديمقراطية" فيها:" جميع المواطنين لديهم الحق في المشاركة باتخاذ القرار ولكن يحق فقط لمن لديه وقت فراغ أن يحصل على هذا الحق"، وبالطبع الأغنياء هم أكثر الناس حصولا على هذا الوقت.ثالثا، ديمقراطية الجماهير الشعبية.كل المواطنين يشاركون في الحكم"إنها الجماهير الفقيرة التي تحكم وليس القانون، وهي تسيطر على السلطة العليا للدولة".






    ث ـ الشكل الأفضل للحكومة.

    1ـ تبني خطوة علمية.
    يقد أرسطو في هذا المجال أفكار لم تعرف من قبله،إنه يتبنى خطوة علمية و يعرّف موضوع علم السياسة كذلك الدور الذي يقوم به المتخصصون في هذا العلم:" إذا وبشكل واضح،وفيما يتعلق بالنظام السياسي أيضا، إنه يعود لنفس العلم اختبار ما هو الشكل الأفضل وأي نوع يجب أن يكون عليه حتى يقدم أو يستجيب لاحتياجات الناس، وما هو الشكل الذي يتوافق مع هذا أو ذالك الشعب،لأنه الكثير من الشعوب ليس باستطاعتها الوصول إلى النظام الأفضل،الهيئة القضائية الجيدة أو إلى رجال دولة حقيقيين". يطرح أرسطو ثلاثة قواعد جوهرية :الأولى،وهي أن نحاول تعريفها بشكل ذهني مجرد،أي شكل ممكن للحكومة سيكون أفضل ونحن نعرف أن هذا التعريف الذهني المجرد لا يمكن تحقيقه إلا في شروط أهما عدم وجود عناصر خارجية. الثانية، محاولة اكتشاف أفضل الأشكال للحكومة بالنسبة لشعب محدد.الثالثة،يجب أن نجهد لكي نعرف ما هي الوسائل التي تسمح بالاحتفاظ و لأكبر فترة ممكنة بالشكل الحكومي الذي نعتبره الأفضل في خياراتنا.

    2ـ معيار المنفعة العامة.
    يقول أرسطو:" إنه من الواضح أن جميع الدساتير التي لديها رؤية للمنفعة العامة هي صحيحة من منظار العدالة المطلقة؛أما الدساتير التي لا تهدف للمصلحة العامة فهي فاسدة،وهي منحرفة عن دساتير صحيحة". إذا البحث عن تحقيق المنفعة العامة هو معيار جوهري نقيم من خلاله النظام السياسي.

    3 ـ سيادة القانون.
    يعتبر أرسطو أنه لا يوجد حكومة جيدة ممكنة إذا كنا لا نستطيع ضمان سيادة القانون:" القوانين،وبشرط أن تكون موضوعة بشكل صحيح،عليها أن تكون ذات سيادة،فعندما القضاء لا يستطيع اتخاذ القرار بشكل سيادي، القوانين ستكون عاجزة عن القرار في مسائل محددة".

    4ـ حكومة الطبقة المتوسطة.
    في تحديده لمعيار الحكومة الجيدة،أرسطو يتبنى مفهوما واقعيا وليس مثاليا كما كان من قبله،إنه لا يبحث عن تعريف الدستور الأفضل "كأولوية" أو وضعه وفق مبادئ فلسفية معتبرة كقواعد أساسية. ما هو مهم لديه،وقبل كل شيء،هو الوصول إلى وضع :" شكل أو منهج للحياة حيث معظم الناس يستطيعون العيش بشكل مشترك،ودستور يتم تبنيه من معظم هؤلاء". " الحياة الأفضل هي تلك تشكَّل من خلال شيء وسطي، وهذا الشيء الوسطي يوضع في التنفيذ من خلال الطبقة الوسطى". ففي المدينة يوجد ثلاث طبقات اجتماعية : الأشخاص الأكثر غنى،الأكثر فقرا، و "الأشخاص في الوسط بين الطبقتين السابقتين".

    ج ـ أهمية عمل أرسطو.

    العمل السياسي لأرسطو "كتاب السياسة" هو الأكثر تأثيرا، والأكثر عمقا واستمرارا عبر التاريخ. في العصر الروماني،أطروحات أرسطو أثرت على أكبر المنظرين الرومان، مثل Polybe و Ciceron ،واللذان اعترفا بضرورة الأخذ بالتحليل الأرسطي لنماذج الحكم أو الأنظمة السياسية. فيما بعد وفي العصر الوسيط،كان أرسطو المرج الدائم فجملة " كتب أو قال أرسطو" كانت موجودة و مستخدمة من قبل معظم الكتاب. أيضا حضرت أفكار أرسطو في عقول وقلوب فلاسفة السياسة في عصر الأنوار. بالمقابل،خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين تم إهمال الفكر الأرسطي. طبعا هذا لم يستمر طويلا،حيث النظريات الحديثة لعلم السياسة، كما "الوظيفية" مثلا، أخذت أيضا من مناهج و أفكار الأرسطية. إذا "كتاب السياسة" كتاب يفتن القارئ ويذهله كونه تحدث عن قضايا كثيرة نعيشها اليوم،وكونه مصدرا عظيما للفكر الإنساني.

    أعمال حول فكر أرسطو بالفرنسية و الإنكليزية.
    BARKER,E. ,Greek Political Theory, Aristotle and his successors, London, Methuen, 1918.
    CLOCHE, P., La démocratie athénienne, Paris Beauchesne, 1932.
    DEFOURNY , M., Aristotle, Fundamental of his Development, 2e ed. Oxford, Clarendon Press, 1970.
    NEWMAN, W.L, The Politics of Aristotle, 4 vol. Oxford, 1887-1902.
    ROMILLY, J.de., La loi dans la pensée grecque, des origines à Aristote, Paris, Ed.des Belles lettres, 1971.
    SINACEUR, M.A., Penser avec Aristote, Toulouse, Erès, 1991.
    WEIL. R., Aristote et l’histoire, Essai sur la Politique, Paris, Klincksiek, 1960.


  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي

    الفصل الثاني
    الفكر السياسي المسيحي
    بين السياسة و الفضيلة



    1ـ المسيحية وعلم السياسة

    لقد حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: " إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي". إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور.
    لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه. بعد هذا المفهوم السقراطي سيأتي المسيحيون و يغيرون هذا الفهم، ثم يأتي المحدثون و يقومون بعكسه.

    ولكن،كل التغيرات في فهم السياسة و علومها بعد المسيحية تقودنا لطرح مجموعة من الأسئلة كانت قد طرحت بأشكال متعددة منذ حدوث هذه التغيرات التاريخية: ما هي الطريقة الأفضل للتفكير بالسياسة ؟ هل نستند إلى " الكلام السماوي" ؟ هل نبحث عن السياسة من باب الفضيلة فقط أم نطبق عليها كل تقنيات العلوم ؟ هل على العقل النظري إدارة و قيادة العملي؟ وهل يمكن أن يكون الله حاضرا دائما في السياسة؟
    من أثينا إلى مكة مرورا بالقدس، مصادر " علم السياسة " تختلف بطبيعتها : فالمصدر الأساسي ليس أبدا أو دائما داخل العقل ولكنه أيضا داخل الوحي. فالأفكار لا تأتي دائما أو نهائيا من الإنسان الباحث عن اكتشاف العالم، إنها تأتي من الله " الواحد" وهو صاحب السيادة و الذي يرسل للناس ويبقى محاطا بالغموض و الألغاز. العقل اليوناني ارتفع و ارتقى باتجاه السماوي الإلهي ( من الأرض باتجاه السماء)، أما العقيدة اليهودية، المسيحية و الإسلامية تنتمي " لكلام" ينزل من الله ( من السماء إلى الأرض ).

    يقول سقراط، بداية الفلسفة هي الحيرة و الدهشة والاستغراب التي تعطي الاهتزاز و الحراك للعقل، أما هي في الإنجيل و التوراة Ecritures saints أساس الإيمان أو الاعتقاد و بالتالي هي ابتعاد عما يدركه العقل أو يمكن أن يدركه إذا هي"فعل ثقة".فالنبي إبراهيم يجسد إنسان الإيمان لأنه يخضع من غير تذمر لأوامر الله، هذا الله الذي لا يفهمه إبراهيم رغم محاولاته.أما التوراة فإنه يعلم و يبشر بمشاعر غريبة بالنسبة لليونان، إنها مشاعر الخضوع: فمن أنت، إنسان، في مواجهة أزلية و أبدية الله !!

    هناك تغير أو انقلاب في الرؤى. حيث سان بول في Epitre aux corinthiens يعارض الحكمة داخل هذا العالم و خاصة التأمل أو التفكير اليوناني، فالحكمة الحقيقية، هي الحكمة الغامضة و الخفية لله. حيث سان بول يرتبط و بشكل مبكر بما هو قلب التعليم المسيحي : العمل الخارق لتجسد المسيح Incarnation،أي حكمة الله تجسدت في شخص المسيح المصلوب. مع ذلك المسيحية قامت و بسرعة باستقبال الفلسفة اليونانية و البحث الفلسفي. فالعصر الوسيط المسيحي عرف بحثا مكثفا للفلسفة و لكن تحت الرقابة، رقابة الكنيسة. والعقل احتفظ بمكانة ثانية أو مساعدة ولكنه مع ذلك بدأ يربح أهميته و استقلاليته.

    في القرن الثامن عشر سان توماس حاول أن يعيد الكثير إلى الإيمان و العقيدة و إلى التعليم من خلال الوحي، وإلى الجزء الشرعي من العقل. لذلك حاول " تصحيح" أرسطو وفق الإيمان المسيحي هذا الإيمان الذي رأته المسيحية الممثل بامتياز للحقيقة. ولكن كيف يمكن شرح هذا التغير أو التطور؟ يمكن أن نعيد هذا لسببين رئيسين يعودان إلى المنطق الداخلي في العقيدة المسيحية ( أو على الأقل للمسيحية التي شُرحت داخل الكنيسة الرومانية ). الأول: يتعلق بالوحي Révélation حيث الوحي لا يلغي العقل أو يقصيه، ثانيا: كما أن ما هو فوق طبيعي لا يلغي الطبيعي وحيث أن خالق ما فوق طبيعي هو من خلق الطبيعي. هناك معرفة عقلانية للأشياء ما فوق طبيعية وللحقائق الروحية الداخلية في الوحي. كل هذا " التقليد" يؤكد إمكانية معرفة أكيدة و طبيعية لله و في نفس الوقت وجود قانون أخلاقي و روحي طبيعي في داخل كل إنسان. إذا يوجد حقائق عقلانية خالصة : و الباب مفتوح أمام الفلسفة. و يوجد أيضا و بالتحديد حقائق منزلة أو موحى بها و التي يسمح للعقل أن يعمقها، لاسيما باستخدام أدوات الفلسفة اليونانية.

    هذه الحقوق للعقل تُفهم أو توَّضح من جهة ثانية كما يلي: بالاختلاف عن الديانة اليهودية أو عن الإسلام، المسيحية ليست دين من الأحكام، الشرائع و القوانين. فاليهود و المسلمون هم ملزمون بالخضوع و الالتزام إلى مجموعة من الأحكام المنزلة سماويا أو إلهيا، أو إلى تشريع ديني و الذي له طابع شامل يدير الحياة العامة و الخاصة على حساب المساحة الممنوحة لاستقلالية العقل. " العهد الجديد" Nouveau Testament أو الإنجيل لا يصدر قانونا مدني، ولا قانونا جزائيا، ولا حتى قانونا دستوريا. في النتيجة، المسيحية التاريخية جوبهت بهذه المشكلة الأساسية: الوحي يسجل ثورة روحية ولكن المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو جماعة من المؤمنين تعيش في الزمني، المسيحيون ينتمون إلى مجتمعات تاريخية و سياسية. أي موقف إذا يمكن اتخاذه تجاه النظام الزمني، التاريخ لا يتوقف، كيف يمكن الفصل بين النظام الزمني و بين النظام الروحي ؟

    جيَّش العقل اللاهوتي نفسه حتى يفكر بمعنى التاريخ و العلاقات بين الكنيسة و السلطة السياسية، انطلق العقل الفلسفي ليعالج النظام الطبيعي و المستقل عن السياسة. في كل الأحوال، ظهر توتر جوهري داخل المسيحية: بين الروحي و الزمني، بين فكرة العمل من أجل الخلاص وبين فن السياسة.
    ومن المعروف أن المسيحية لم توجد أو تؤسس على الأفكار، إنها أُسست على الأحداث. فالمافوق طبيعي surnaturel تم تسجيله في التاريخ، والله ظهر حتى في الحياة الأرضية الدنيوية التي يعيشها الإنسان. هذا التاريخ المقدس سيصل إلى ذروته مع الأحداث التي رافقت حياة السيد المسيح. إذا العقيدة أو الإيمان المسيحي تم تعليقه أو اعتماده كليا على صدق وصحة الأحداث التاريخية. بشكل خاص ما جرى تاريخيا ليلة " القيامة" Pâques " عيد القيامة عند المسيحيين"، هذا الحدث الذي يقود كل ما تبقى من المسيحية:"إذا المسيح لم يبعث أو يحيا، كتب سان بول، إذا فإن تبشيرنا بديننا عبث وبلا جدوى، وعقيدتنا هي عبث أيضا " ( I، Corinthiens،14،15 ).

    لكن حياة المسيح ذاتها ليس إلا بلوغ مغامرة طويلة، هي تخليص الإنسانية و الشعب المختار، مغامرة صيغت بفعل الحب ومن عدم الوفاء الذي وجد و استودع في " العهد القديم" Ancien Testament.و من وجهة نظر المسيحية، إن العهدين القديم و الجديد يعودان لتاريخ واحد متشابه حيث تنتشر عناية و تعاليم الله، الوحي يتقدم، يكتمل ويتحقق مع فعل التجسد Incarnation. ماذا يقول هذا الوحي و الذي تم تجذيره في التاريخ؟ التوراة أو الكتاب المقدس (الكتاب المقدس عند المسيحيين لا يطابق الكتاب المقدس عند اليهود، حيث الكتاب المسيحي يضم زيادة على الآخر سبعة وعشرين جزءا ضمن " العهد الجديد". معنى النص ليس بالتأكيد هو ذاته في كلتا الحالتين، إنه أيضا مختلف بالنسبة للمؤمنين أو الأديان الأخرى أو عند الذين لا يؤمنون لا عن طريق قناعة أو عن طريق دراسة. النقد التاريخي ساهم بتقدم المعرفة ولكنه ترك السؤال مفتوحا : هذه الكتابات هل هي موحى بها أم لا؟ من وجهة نظر مسيحية خالصة، قراءة النصوص مرتبطة بإظهار أن العهد القديم و العهد الجديد يشكلان وحدة عضوية. لهذا السبب، الآباء الكنسيون طبقوا شرحا هو بشكل جوهري رمزيا allégorique، المفسرون في العصر الحديث يصرون على التعليم الإلهي وتقدم الوحي..)، أو كما يسمى " كتاب الكتب" هو الكتاب أو المؤلف المتنازع فيه بامتياز، و الدراسات و الملاحظات التي كرست له تشكل مكتبة ضخمة لوحدها. وفق الكنيسة الكاثوليكية، الأناجيل يجب أن تكون متناولة ضمن نطاق "الرواية" أو الحديث Tradition الذي جاء من الرسل Apôtres. و في الواقع، الكاثوليكية ليس دين في كتاب مقدس Livre ولكنها دين من الكلام المقدس Parole.
    صعوبات التفسير والشرح متفق عليها، لكنها أصبحت أقل :" التوراة، يقول الأب Lagrange مؤسس المدرسة التوراتية في القدس،هو بحر من النور و أيضا من الظلام". هذه الكتابات حيث توضح خبرة دينية تنتقل من جيل إلى آخر خلال ألف وخمسمائة عام، هي شهادة وفق الكاثوليكية على أن : الله أرسل للبشر من خلال كلامه و أفعاله، لقد ذهب للقائهم، دعاهم للارتباط به من جديد. إنه عرض تحالفه وجدد عهده، ولكن ماذا يعني هذا العهد؟ لقد أخذ أشكالا متعاقبة فهو يترجم تطورا روحيا و أخلاقيا، أو بمصطلح مسيحي، هو تقدم للوحي. المسيح يقدَّم كرسول لتحالف جديد. في كلام ساطع ولكن أيضا غامض، إنه يعلن" الخبر الجيد الجديد": وصول مملكة الله. طبيعة هذه المملكة هي في المعنى التالي: هي ليست مملكة زمنية، بل يجب أن تكتمل في العالم الآخر. بالمقابل، في هذه اللحظة ووفق شكل قدموها، المسيح يقدم خطابين. من جهة، حكم الله هو مملكة ستأتي و إنها ستأتي قريبا " توبوا لأن مملكة الله هي قريبة" ( إنجيل متى، الرابع، 17) و ستكتمل بالعودة المجيدة للمسيح في نهاية الزمان. ومن جهة أخرى، إنها مملكة موجودة مسبقا داخل هذا العالم " إنها موجودة بينكم أو في داخلكم" ( إنجيل لوقا،17، 21) على شكل بذرة وضعت في قلب الإنسان.

    المسيح لا يتكلم ولا يتصرف كنبي عادي وفق الكاثوليكية. إنه يشيّد بشخصه ملك الله. ووفق الوصف الإنجيلي،المسيح لا يتحدث نهائيا عن نفسه، بل هناك طابع غامض ومستتر للحديث.التفسير الكاثوليكي يراه ظهورا لإرادة تعليمية: المسيح لا يستطيع التحدث بوضوح قبل أن تتم القيامة أو الإعادة.مهما كان، علم اللاهوت الذي جاء به سان بول سيعمل من المسيح نفسه، متحدا مع الله، مخلصا للبشر، إنه مركز الوحي الإنجيلي : المسيح في شخصه هو دعوة إلى الله. في قلب الوحي المسيحي،إذا هناك اقتصاد في الخلاص أو اقتصاد الخلاص،أو يمكن أن نسميه مخطط الله على البشر: الله يدعو جميع البشر إلى الحياة السعيدة،إنها مملكة القدس الإلهية.مرسلا كذلك إلى البشر، الله يكشف عن نفسه ويكشف أعماله.إن شرح جميع هذا الكلام المقدس الموحى تم تثبيته من قبل الكنيسة بعد مناقشات متعددة وتمزقات حوله.هذا التثبيت هو علاقة قطيعة عميقة جدا مع الفكر القديم. الله،العالم،الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها:

    الله، العالم، الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها: إله التوراة هو جديد بشكل جذري وفي سموه المطلق.ليس فقط إله واحد،إنه خالق،خارج عن العالم الذي أراده وشكله بنفسه.إنه مطلق أبدي. لا شيء يوجد إلا ويتبع له ويعتمد عليه. هذا الله لا شريك له و لا يشترك بشيء مع آلهة الميثولوجيا القديمة،إنه يختلف عن إله الفلاسفة اليونان الذي هو جزء من الطبيعة أو الكون Cosmos ويُدرَك كأبدي. اليهودية و المسيحية بعد هذا التغير قدمتا العالم و كأنه العمل المجاني لله.الله في الكتاب المقدس التوراتي إنه شيء آخر،إنه فوق البشر و العقل البشري لن نستطيع إدراكه ولا فهمه، إنه إله كله ألغاز وغموض لأنه مختف ولا يمكن الوصول إليه.أما الله في المسيحية هو " رب يحبنا حبا لا ينتهي، أراد الموت من أجلنا "، أي بعكس الديانات الأخرى وخاصة الإسلام حيث نحن الضحية و نموت في سبيل الله. هنا يبقى الله شيئا آخر لكنه يصبح أكثر قربا من كما تقدمه المسيحية.إنه شيء آخر بهذا القرب نفسه حيث تنتشر قداسة لا يمكن إدراكها، فالله في المسيحية لغز من المحبة.

    العالم إذا تغير في حالته.إنه ليس طبيعيا أو سماويا، إنه عمل أو إنجاز لإرادة فوق طبيعية.إنه ليس أبدي،لديه الآن تاريخ.اليونان رأوا في الكون Cosmos نظاما مرتبا،متناغما، حيث الله نفسه هو جزء من هذا التناغم و الإنسان لا يشغل فيه إلا مكانا تابعا. الرؤية المسيحية هي بشكل جذري مختلفة: الترتيب و التناسق الجميل،السمو و الرقي الهندسي لهؤلاء الذين ليسوا إلا أشياء مخلوقة، وسيكون لها بداية ونهاية.العالم هو غير مقدس ويخضع للتاريخ. إذا اليهودية والمسيحية تدخلان مفهوما خطيا للزمن، على النقيض antipode من المفهوم الدائري عند اليونان.فكرة العودة الأبدية هي " لا يمكن احتمالها" في الفكر المسيحي،وفق كلمة سان أوكستان، لأن "المسيح قد مات مرة واحدة من أجل خطايانا، وسيبعث بين الأموات،ولن يموت نهائيا" ( من كتاب La cité de Dieu، XII،17 ). إذا يوجد قبل وبعد، زمن له معنى، ماض ينطلق من الخلق إلى النهاية، ومن النهاية إلى الخلاص، ومستقبل ينطلق من الخلاص Rédemption إلى نهاية الأزمان. وفق المسيحية كل مخلوق بشري هو كائن محبوب من الله، المسيحية تعطي الإنسان شرفا ومجدا جديدا كان مجهول في العالم القديم، إلى التساوي في الخلق بين الجميع، إنها المساواة بين أطفال الله.الحالة المثالية اليونانية للحياة الفلسفية كانت محفوظة للبعض فقط، بينما الخلاص المسيحي هو مفتوح أمام الجميع. هذه النظرة المسيحية الكونية هي علاقة قطيعة مع الماضي. الحياة الدنيوية هي إذا مرتبة ومنظمة إلى نهاية تتجاوزها. الانجذاب المسيحي إلى مملكة الله يتناقض مع الحالة المثالية الوثنية القديمة، كما يتناقض مع الرؤية المثالية للحياة الفلسفية. ونعود هنا لطرح مسألة الزمني والروحي. فالروحي في المسيحية في جزء منه هو مرتبط مع الزمني.

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي


    2ـ بين الله والقيصر

    في الإنجيل لا يوجد برنامج سياسي كما أنه لا يوجد في الكتب المقدسة الأخرى " القرآن مثلا "، ولا يوجد برنامج للإصلاح الاجتماعي و الاقتصادي. فالمسيح يدعو إلى تغيير القلوب، وليس للقوانين أو المؤسسات. كما أنه "نهائيا" لم يتطرق إلى مسألة النظام أو المشاكل الأخلاقية و السياسية للحروب. الإنجيل يعتني بشكل كبير بإزالة الصورة المتعلقة بالمسيح كما عرفت في السابق. فرغم التطور الروحي الذي تشهد به النصوص التوراتية وكل كلام القديسين، الفكرة القديمة عن مسيح منتصر تبقى الأقوى في داخل المجتمع اليهودي: "المسيح سيأتي ليقوم أو يكمل مهمة سياسية " إقامة المملكة الدنيوية لإسرائيل " إذا وفق ظروف الزمن، سيضع نهاية للاحتلال الروماني. ولكن هذه المهمة ليست نهائيا في شيء مما حاول المسيح إكماله.

    الأناجيل تبين ذلك مع محاولات جاهدة وحذرة لتحاشي عدم الإسراف أو التشتت: المسيح لم يقبل إلا في نهاية حياته أن يحيا " كمسيح ". لقد أفشل المسيح الفخ الذي وضع له من قبل الفريسيين pharisiens،مميزا مجال عمل القيصر عن عمل الله، لقد ردَّ على الاتهامات السياسية معلنا أن مملكته "ليست من هذا العالم".إذا المسيح يبتعد عن السياسة و بشكل عام عن جميع الشؤون الزمنية الخالصة. فإذا تحدث عن الفقر، و إذا حذر الأغنياء، هذا لأن الفقر يذهب إلى الأسوأ في مرحلة " الطفولة الروحية".

    النقد هنا ليس نقدا اجتماعيا، بل يتم النقد لأن العالم أصبح خاضعا لحكم المعلمين المزيفين و الكاذبين و بسبب البؤس الروحي. ولكن هل الإنجيل ضمن هذا المعنى هو مخرَّب أو مدمَّر من الناحية السياسة ؟
    الدين في الإنجيل، كتب جان جاك روسو: " بعيد عن ربط قلوب المواطنين بالدولة (....)، إنه يفصلهم كبقية الأشياء الموجودة على الأرض. لم أعرف شيئا أكثر منه معارضة للروح الاجتماعية ". ( من كتاب " العقد الاجتماعي"، الفصل الرابع، 8 ). مع ذلك يوجد وجه آخر للتعليم الإنجيلي. المسيح لا يرفض المدينة الدنيوية. بشكل عام، موقفه لم يكن غنوصيا رافضا للعالم: إنه يحاول شفاء المرضى، يتحدث عن جمال الخلق création، إنه يتحدث في كل كلامه عن الحياة و العمل في كل الأيام...،يدعو ويقول إن محبة الله هي محبة لمن حولنا جميعا أيضا. في النهاية إنه لا ينكر السياسة.



    التعليم الأكثر خاصية أو الأكثر مباشرة من الناحية السياسية للإنجيل يعود إلى جملة حيث يعترف فيها بالمجال و الحقل الخاص للقيصر. الأناجيل تروي أن الفريسيين الراغبين بتعريض المسيح للخطر أرسلوا له تلامذتهم ليسألوه إذا كان مسموحا بدفع الضرائب أم لا للإمبراطور. أجاب السيد المسيح إجابة طبعت و بعمق كل التاريخ السياسي للغرب: ففي إنجيل ( متى، الجزء 22، 18 ـ 22 ) تدور القصة التالية:
    " المسيح يعرف أنهم منافقون، فيرد عليهم قائلا: لماذا تضعون لي هذا الفخ ؟ دعوني أرى أموال الضريبة، ثم قدموا له درهما أو فلسا، فقال لهم: " لمن هذا النقد الذي عليه صورة " ؟ فقالوا: " إنه للقيصر". وقتها قال لهم: " إذا أعطوا للقيصر ما هو لقيصر ولله ما هو لله ".

    " أعطوا للقيصر..."، بمعنى أولي، هذه الجملة كانت انقلابا أو ثورة. إنها تطرح مبدأ غريبا على العالم اليوناني/الروماني كما أيضا على العالم اليهودي: الدين و السياسة لهما مجالات مختلفة. القاعدة الجديدة تتعارض مع كل النظام السياسي/الديني ومع كل الحكم الثيوقراطي، إنها تكسر الوحدة التقليدية للسلطة. وبمعنى آخر هذه الجملة ليست قطيعة، بل إنها تعترف بالجزء الشرعي للسياسة. هذا الشكل ربما يفتح الباب أمام صعوبات في التفسير و الشرح ولكنه يعني بوضوح أن: المسيح لا يدعو إلى التخلي عن السياسة.وفق التعليم القاسي و المتشدد للإنجيل، يرى سان بول: " بالنسبة لنا، مدينتنا تتواجد داخل السموات، ولكن منتظرين عودة المسيح، على المسيحيين ألا يتواجدوا على هامش المدينة الزمنية".

    إذا يمكن القول أن السياسة تنتمي إلى عالم الإنسان المسيحي، وأن السلطة هي في خدمة خير لا يستطيع أن يكون هنا إلا خيرا طبيعيا. السلطة لها غايات خاصة، إنها تندرج ضمن نظام طبيعي للسياسة المرادة من قبل الله. اللاهوت السياسي الذي جاء به سان بول سيفتح الطريق أمام الفلسفة السياسية.

    وفق رؤية الرسول سان بول، هذه القضايا تبقى رغم كل شيء ثانوية بالنسبة للقضايا الجوهرية: الأمل و الرجاء بما هو فوق طبيعي وعلى الأرض هو تكوين وتطوير تجمع أتباع وتلامذة المسيح كتجمع روحي. ويبقى أن المسيحي في هذا العالم هو جزء يستحوذ في نفس الوقت على المدينة الروحية و على المدينة الزمنية. علم اللاهوت لدى سان بول أظهر تفوقه ونجاحه، ولكن الصعوبات في الشرح و التفسير ازدادت مع متابعة الزمن التاريخي وتغيرات و تحولات السياق و الصيرورة الدينية، أو بمعنى آخر انتصار المسيحية على الوثنية. وهذا ما سيقود إلى طرح أسئلة في غاية الأهمية: كيف نرى هذا الانتماء الثنائي أو هذه المواطنة الثنائية في عالم أصبح رسميا مسيحي ؟ كيف يُنظَّم تاريخ المدينة الزمنية و تاريخها الروحي؟ المدينة الزمنية أو ( مجال عمل القيصر ) لديها استقلاليتها، ولكن تشارك بالنظام الطبيعي الذي أراده الله.فما هو هذا النظام الطبيعي وكيف يمكن ترتيبه وتنظيمه مع النظام ما فوق الطبيعي؟
    هل الكنيسة مكلفة بمتطلبات الخلاص، وهل تدافع عن النظام الطبيعي، كيف تُنظَّم السلطة الكنسية والسلطة السياسية ؟ هذه الأسئلة تتقاطع، وتاريخية الإجابة التي أعطيت عليها هي معقدة جدا. ولكن هناك عملان مسيطران، واللذان كان في أصل و أساس تقليدين داخل الكنيسة، عمل سان أوغستان و عمل سان توماس.

    فيما يتعلق بالممارسة في الميدان السياسي، هذه الممارسة حصلت على حريات مع مبدأ التمييز بين الأنظمة وهذا ظل حتى ردة الفعل الحديثة.أي منذ صعود Ascension المسيح و بانتظار عودته .هنا كيف تُرجِم مخطط الله في تاريخ البشر؟ المسيحيون الأوائل، على ما يظهر، كانوا في معظمهم مقتنعين يوشك نهاية الزمن. مع ذلك كان هناك أمل عند سان بول، لكنه أمل حذر: لا أحد يعرف تاريخ العودة لا في اليوم ولا في الساعة. لذلك دعا إلى حياة منظمة وبعيدة عن الفوضى، كل فرد فيها يملأ واجباته الاجتماعية. منتظرين عودة المسيح Parousie، التاريخ سيستمر. هذه المتابعة للتاريخ الإنساني تستدعي تفسيرا أو شرحا لاهوتيا. فالتاريخ المقدس هو في حركة سير دائم، ولكن بأي شكل؟


    إذا تم تبسيط المسألة، نستطيع أن نميز أو نحدد إجابتين: من جانب، نموذج من التفسير جاء قبل سان أوغستان،يطور هذا التفسير لاهوتا زمنيا للتاريخ. العناية الإلهية تصبح واضحة ومفهومة عبر التاريخ المرئي للبشر، إنها تتجسد أو يجب أن تتجسد في تلك المدينة الدنيوية. ومن جانب آخر،التفسير الذي له تأثير وسلطة داخل الكنيسة الكاثوليكية و الذي أعطي من قبل سان أوغستان في القرن الخامس. حيث التاريخ المقدس هو ذاك المصير أو القدر الروحي للإنسانية، إنه غير مرئي. في النتيجة، الكنيسة ليست مرتبطة بأي شكل تاريخي.

    إن علم اللاهوت الزمني للتاريخ أخذ أشكالا متعددة. شكله الأساسي يرتكز على رؤيا القديس يوحنا Apocalypse de Saint Jean، وهي " الألفية" Millénarisme ( وهي نظرية عند بعض المسيحيين تقول بأن المسيح سيملك الأرض لفترة زمنية قدرها ألف سنة قبل يوم قيامة الأموات ). نص يوحنا في العهد الجديد هو وصف متوقد، متوهج و مليء برموز نهاية الأزمان وهو يدور حول النظرية الألفية. هذه النظرية رفضت من قبل كبار اللاهوتيين المسيحيين، بشكل خاص سان أوغستان و الذي يقول:" إن وصف سان جان أو " يوحنا " يجب أن يقرأ كمجاز أو استعارة روحية، انتظار " الألفية" هو من غير هدف لأن ولادة المسيح هي التي لها علامة البداية".



    تفسير آخر يظهر أنه أكثر " اعتدالا" فيما يتعلق بعلم اللاهوت الزمني للتاريخ وقد تم تطعيمه بتاريخ المسيحية نفسها. ماذا تقول حقيقة هذا التاريخ المرئي؟ إنها تروي نجاحات التنصيرchristianisation. فالإمبراطورية الرومانية كانت خاضعة للدين الذي اضطهدته. هذا التاريخ ظهر كتيار في الفكر المسيحي، كظهور لإرادة الله. التقليد الشرقي رأى فيما حصل بهذه الإمبراطورية وكأنه عناية إلهية. المسيحية ارتبطت بشكل سياسي ( تحالف دائم في الشرق والذي سيحدث التحالف بين القيصر و أتباع البابوية papisme في الإمبراطورية البيزنطية).

    سان أوغستان ( 354 ـ 430) رفض كل هذه التفسيرات لأنها من غير أساس حقيقي في الكتاب المقدس وتخالف تعليماته. إنه يتعارض مع نظرية " الألفية "، ثم يفصل قدر الإمبراطورية عن قدر ومصير الكنيسة، إنه يرفض الفكرة القائلة بأن الشرور ستختفي مع الزمن. باختصار، المسيحية الأوغستينية تتمرد على كل طوباوية،فالكمال ليس من هذا العالم. " مدينة الله " ( 427 ـ 415 ) واحد من أهم المؤلفات التي سيطرت على الفكر في الغرب المسيحي.المؤلَّف أخذ اتساعا كبيرا، عظيم في بلاغته وبيانه، لا يشكل وحدة منظمة كليا. من جانب هو كتاب لظروف وحالات، ومن جانب آخر هو توسط أو وساطة حول قدر الإنسانية على ضوء الوحي. أما الظروف و الحالات فهي: في عام 410،القوطيون Wisigoth استولوا على " المدينة الخالدة الأبدية" ونهبوها. النتائج كانت كبيرة: إنها نهاية عالم كان يبدو غير قابل للتدمير.

    فالمؤمنون بالدين الروماني القديم يتهمون المسيحيين بكونهم مسؤولين عن هذه الكارثة التي حصلت في الإمبراطورية. سان أوغستان يمسك بريشته للرد عليهم: إنه يشير إلى ضعف روما الوثنية،ثم يتحدث عن قيم الفضائل المدنية المسيحية. في الجانب الآخر من هذا الحديث و الاختلاف، إنه يفصل قدر الإمبراطورية التي هي في خطر عن قدر الكنيسة.

    بلا شك لقد كان هو أيضا مواطنا وفيا لإمبراطوريته، ولكن كمسيحي أراد أن يقول: الدين الحقيقي لا يخضع أو لا يتضامن مع السياسة بأي شكل أو أي وقت. التعمق في تأمله وتفكيره سيقود إلى علم لاهوت عام للتاريخ. علم اللاهوت الأوغستيني " للمدينتين "، الدنيوية و الإلهية، يبين العديد من الصعوبات في التفسير ويمكن أن يفهم خطأ. سان أوغستان يستخدم تارة صيغا دقيقة، وتارة أخرى صيغا ليست كذلك، ثم يأخذ أو يعتمد كلمة "المدينة " في معان متعددة و مختلفة. بشكل جوهري كما يظهر، إنه كمن يستخدم لوحتي مفاتيح. اللوحة الرئيسة هي القدر الروحي للإنسانية:" هناك نوعين من الحب، يكتب الأسقف Hippone في فقرة مشهورة جدا، الحبان يبنيان مدينتين. حب الذات حتى أو لدرجة ازدراء الله في المدينة الدنيوية. وحب الله لدرجة ازدراء الذات في المدنية السماوية". الحد الذي يفصل بين المدينتين هو حد غير مرئي، هو من نظام و ترتيب الوحي. المدينة الدنيوية أو الأرضية لا تختلط مع الحقيقة الزمنية للمدينة الإنسانية، إنها الجزء الفاسد من الإنسانية. " مدينة الله " ليست الكنيسة المرئية، إنها تضم هؤلاء الذين اختاروا الجزء الأفضل، هؤلاء الذين، هم داخل الكنيسة ولكن أيضا من هم خارج الكنيسة يكرَّسون للحقيقة و الفضيلة. هاتان المدينتان مختلطتان بشكل كبير في هذه الحياة، كما هو حال البذرة الجيدة و الأخرى الفاسدة كما تقول الحكمة أنه لا يمكن الفصل بينهما إلا في وقت الحصاد.
    أما اللوحة الثانية هي العلاقة بين المدينة الإنسانية و الكنيسة. هنا المدينة الدنيوية الأرضية تختلط مع المجتمع السياسي و المدينة الإلهية ( بشكل أكثر أو أقل ) أيضا مع الكنيسة، أي بمعنى آخر مع مجتمع المسيحيين. بهذه المعاني، المسيحي هو عضو في المدينتين. إذا كيف يمكن تنظيم ثنائية المواطنة هذه ؟
    إن موقع مبدأ أوغستان واضح جدا: إنه يميز وبقوة النظام الروحي و النظام الزمني، بين مجال السلطة الكهنوتية الكنسية ومجال السلطة السياسية. لكنه يعالج هذه القضايا بشكل عام ولم يعط أية نظرية دقيقة للعلاقات بين الكنيسة والدولة. بالتأكيد هو يتمنى أن المدينة السياسية تلقَّح بالمسيحية لكنه لا يرى أية ضمانة أن هذا الحل سيطبق أو سيستمر. في النهاية سان أوغستان لا يهتم إلا بشكل بسيط بالسياسة.
    يتبع في الأجزاء القادمة.

    3 ـ الطبيعة و الإنسان.

    في عام 430، عندما مات سان أوغستان، عالم بأكمله كان في حالة تغير، إنه عالم الإمبراطورية الرومانية ومعها عصر الهرطقة الذي لم يكن قد انتهى أيضا. ثمانية قرون فيما بعد، عندما أخذ سان توماس الأكويني ( 1225 ـ 1274 ) ريشته للكتابة ، كانت المسيحية في القرون الوسطى قد وصلت الذروة. بالإضافة لذلك ومن الجانب الآخر للأحداث: النجاح التاريخي للمسيحية الرومانية تم تأكيده وتقويته في الغرب. رغم ذلك، القرن السابع عشر كان مسرحا لأزمة فكرية لم يسبق لها مثيل. حتى هذه اللحظة، الفلسفة كانت قد أصبحت مدجنة في بعضها : فبعد " آباء الكنيسة "، أفلاطون ومن أتى بعده اعتُبروا روادا أو سباقين وعليهم العقيدة اعتمدت ولهم افتقدت. مصير وقدر الفلسفة كان التنازل عن استقلالها " داخل معرفة وحيدة مطلقة منظمة و مرتبة بواسطة الوحي Révélation. ترجمة أرسطو و شارحيه و مفسريه العرب في القرن الثاني عشر زعزعت هذا اليقين أو هذا الوهم. هنا انبثقت و انتشرت كرائحة البارود فلسفة جديدة وثنية، هددت بالاستيلاء على العقل و على الفكر المسيحي. حيث يظهر أن العقل تم توجيهه في مقابل أو مواجهة العقيدة.

    هل كان من الواجب تقليص العقل في مواجهة أسلحة العقيدة؟ جرأة سان توماس الأكويني قامت باختيار فعل معاكس ومعارض : في خدمة العقيدة، و بالاعتماد أيضا على العقل. الأكويني يميز ما بين الأنظمة. إنه في البداية عالم باللاهوت لكنه يدرك أيضا الفلسفة. القاعدة هي سهلة و أساسية: يجب متابعة العقل و السير وراءه إلى أكبر بعد ممكن. توماس الأكويني سيعيد التفكير بالقضايا اللاهوتية مستعينا بالعقل الفلسفي وبشكل خاص بالأدوات التي حصل عليها من أرسطو. نظرتان أو اتجاهان هما مرتبطان: هذا يعني، مع احترام الاستقلالية، أن يكون هناك عمل على الاثنين، العقل والعقيدة.
    الأكويني يتقدم خطوة مريحة : بين عقل يأتي من الله ووحي يأتي أيضا من الله، التوافق لا بد أن يتم بالضرورة. لم يتردد بتعنيف الوعي الديني في زمنه لأجل طيّه أو إخضاعه لمتطلبات الفكر الفلسفي.

    الأكوينية، في داخل الفكر الكاثوليكي، هي المحاولة التحديثية الوحيدة التي لم تنجح أبداً كما يقول Etienne Gilson. حجر الزاوية في مشروع الأكويني هي الحكمة التي يعيدها إلى ( somme théologique): "النعمة أو الفضل لا يدمران الطبيعية و لكن يجعلانها أكثر كمالاً، أو يحملانها إلى الكمال". النعمة، العفو، الفضل لا تتعارض مع الطبيعة لأنه، إذا " العالم" هو سيئ، فالخلق هو جيد. الحقيقة التي أوجدت بواسطة الله لها استقلاليتها وحقيقتها، ولها أيضا قيمها الخاصة. طبيعة الإنسان، سيطرته على أفعاله، كل هذا يجعل منه شريكا بجزء من الله. التقليل أو التصغير بالمخلوق هو ازدراء للخالق، أو أن الخالق هو مخطئ. كما نرى علم اللاهوت الأكويني حول الخلق يؤسس منذ ذلك التاريخ الطويل " إنسانية مسيحية" أو نظرية مسيحية في حقوق الإنسان.

    ماذا تقول الطبيعة بالنسبة للأكويني؟ من أجل معرفة ذلك، إنه يعود لمدرسة أرسطو و التي هي الممثل بامتياز للعقل الطبيعي. الأرسطية Aristotélisme ظهرت كتهديد، و الأكويني أسكنها ووضعها في داخل الفكر المسيحي. ربما سيكون من الزيادة هنا أن نقول : إن الأكويني قام بتنصير " أو أدخل إلى المسحية" أرسطو. دون شك توماس الأكويني أخذ الكثير من أرسطو و الذي يدعوه " الفيلسوف"، ولكن أيضا قام بتصحيحه أو عدَّل بعض الأشياء من أجل أن يدخله في تركيب synthèse مذهبي doctrinal ( ليس بمعنى طائفي ). الأكويني يتفق مع أرسطو من أجل اعتبار كل من ينقطع عن المدينة هو خارج الإنسانية المشتركة. لكن احترامه الكبير لأرسطو لم يمنعه من كتابة : " لا يوجد أي فيلسوف قبل مجيء المسيح، ورغم كل جهوده، استطاع أن يعرف الكثير عن الله".




    إن الفكر السياسي عند توماس الأكويني هو جزء صغير من عمله الضخم. ونستطيع أن نصنفه كفكر كلاسيكي/ مسيحي لأنه هنا كما في مكان آخر، " القديس توماس " ينظر إلى تنظيم و في تركيب واحد: الطبيعي و ما فوق الطبيعي. من جهة إنه يستند بشكل واسع على التقليد الكلاسيكي وبشكل خاص على أرسطو: السياسة فن، ينضم في نظام طبيعي. ومن جهة أخرى إنه ينفصل عنها لأسباب تتعلق بالعقيدة: السياسة تتركز بشكل نهائي في نظام ما فوق طبيعي.

    فيما يتعلق بالقانون الطبيعي، سان توماس الأكويني يأخذ كلمة طبيعة بنفس المعنى الأرسطي، طبيعة كائن هي نهايته. طبيعة الإنسان هي قدره. القانون الطبيعي هو ما يميل الإنسان له وفق طبيعته وما هو معروف لديه بشكل طبيعي وهذا موجود و مسجل في العقل الإنساني. هذه النظرة هي ضمن خط الفلسفة الكلاسيكية، ويمكن وضعها ضمن التقليد المسيحي. القانون الطبيعي يقول سان أوغستان بعد سان بول:" هو قانون متموضع داخل قلب الإنسان، ولا شيء يستطيع مسحه". الأكويني يقدم روايته و رؤيته الأكثر اكتمالا داخل مذهب القانون الطبيعي. القانون الطبيعي يشارك القانون الأبدي ولكن ضمن ما تستطيعه أو تقدر عليه الطبيعية الإنسانية. من أجل أن يكون الإنسان متجه نحو نهايته ما فوق طبيعية، من الواجب إعطائه قانونا آخرا و الذي يشارك وفقه بطريقة سامية في القانون الأبدي : إنه قانون الوحي، بمعنى آخر، وفق شكله الأكمل و المنجز، إنه القانون الإنجيلي. ما هو هذا القانون الطبيعي؟

    سان توماس الأكويني يميز بين المبادئ المشتركة أو الأولى، الثابتة التي لا تتغير، الشاملة و التي يعرفها الجميع، و المبادئ الخاصة أو الثانية و التي هي معرضة للمتغيرات و التحولات المرتبطة بالظروف وهي غير معروفة لدي الجميع. المبادئ الأولى للقانون الطبيعي لا يمكن برهنتها،إظهارها أو إثباتها فهي حقائق بحد ذاتها. هذه التعاليم أو المبادئ هي للعقل العملي ( المتعلق بالفعل الإنساني )، هي المبادئ الأولى الجلية و المفهومة ( مثال : الكل أكبر من الجزء ) وهذا للعقل العلمي. في أساس السلوك الأخلاقي كما في المعرفة، هناك حقائق عقلية. ولكن ما هي هذه الحقائق؟

    الحقيقة الأولى، عليها تؤسس كل المبادئ و القواعد الأخرى للقانون الطبيعي وهي : يجب البحث وعمل الخير وتجنب الشر. الخير الذي نتحدث عنه وهو الذي يحمل إليه الإنسان بشكل طبيعي. الأكويني يميز ثلاثة نماذج من الرغبة أو الميل الطبيعي. أولا، الإنسان هو كائن، وبما أنه كذلك، فهو يهدف إلى الحفاظ على نفسه.ثانيا، الإنسان هو حيوان، وبما أنه كذلك، فهو يميل للاتحاد مع الذكور و الإناث ويعتني بالصغار الخ... ثالثا، الإنسان هو حيوان عاقل، وبالتالي هو مدفوع للبحث عن الحقيقة و العيش في مجتمع ثم تجنب السرقة والقتل و احترام والديه الخ... كل هذه المبادئ العامة تضاف على مفاهيم أخرى " ثانية" وهي نتائج قريبة.

    المبادئ الثانية تحاول أن تكون قوانين طبيعية و لكن ليس لديها الحقيقة الفورية كما هو في المبادئ المشتركة وتطبيقها يمكن أن يتغير كما تتطلب الأوضاع و الحالات. توماس الأكويني يؤكد دائما : أن المبادئ الأولى هي حاضرة في قلب الإنسان دائما، بينما المبادئ الثانية يمكن أن تمحى من القلب الإنساني بسبب العادات أو الدعاية أو الفساد. ينتج من تحليل القانون الطبيعي أن هذا القانون لا يقدم سوى معايير عامة للسلوك الإنساني، إنه القاعدة الأولى العقلانية للبشر، لكنه ليس نهائيا قاعدة كافية. لا بد إذا من أن يتناسق أو يتشكل مع قانون آخر، إنه القانون الإنساني.

    في السياسة، حدد توماس الأكويني سؤالا هاما: ماذا يمكننا أن نطرح حول النظام الذي ترتبط أو تدمج به السياسة؟ فيما يتعلق بالنظام الطبيعي، توماس الأكويني يطور بشكل جوهري بعض المواضيع الأرسطية: أولا، البعد المشترك ما بين الجماعات في الحياة الإنسانية. الإنسان هو اجتماعي بالطبيعة، شخصيته يتوجب عليها الكثير للذين بمصطلح حديث سندعوهم " مجتمعه التشاركي"، فهذه الشخصية لا تكتمل إلا داخل مجتمعها، إلا في حالات خاصة. يقول الأكويني : " من بين كل الأشياء المطلوب من الإنسان عملها، وهو الأكثر ضرورة، هم الآخرون المشتركون معه في الإنسانية". ثانيا، الطابع النوعي للتجمع أو المجتمع السياسي. المجتمع الأول الذي ينتمي إليه الإنسان هو العائلة، إنها ضرورية له بالمطلق، لكنها لا تكفي بحد ذاتها. المجتمع السياسي هو العمل أو الصنعة الأكثر تمامية للعقل العملي الإجرائي.

    ثالثا،الطابع أو الصفة الطبيعية للسلطة السياسية و المكان المركزي لمسألة النظام السياسي. المدينة هي مركبة من أجزاء متغايرة. سلطة واحدة هي ضرورية لترعى خير الجميع و تحافظ على وحدتهم. كما المدينة، السلطة السياسية هي في طبيعة الأشياء. الشكل الذي هي ممارسة ومنظمة من خلاله هو الموضوع المركزي للفلسفة السياسية. رابعا، تعرف غايات ونهايات السياسة من خلال وصولها إلى الخير المشترك. المدينة هي أكبر من حاصل مجموع أجزائها، خير المدينة هو شيء آخر يختلف عن مجموع الأشياء الخاصة، إنه خير مشترك.

    نظرية الخير المشترك هنا، هي المشاركة الرئيسة الشخصية لتوماس الأكويني. الموضوع مع ذلك هو شائك وصعب لأن التناغم بين هذه الأشكال و الصيغ المبعثرة ليس منطلقا من الذات. الجوهري، يظهر أنه يحمل إلى ما يلي: الخير المشترك هو خير الجميع ولكنه غير منفصل عن خير الأشخاص. الخير المشترك هو أرقى و أسمى من الخاص و الشخصي كما هو الحال في أن الكل هو أسمى من الجزء. لكن هذا الكل ليس كيانا مميزا، يفضَّل على المواطنين، الخير المشترك ليس خير منفصل يبعد و ينحي المواطنين. الخير المشترك أو المنفعة المشتركة ليس خير أو منفعة لأنه في خدمة مجموعة من الأشخاص : فكل واحد يحصل على حياة بالاشتراك مع الآخرين، حياة منظمة مرتبة، كل واحد يحصل على المشاركة في عمل ومهمة مشتركة. رؤية الأكويني حول الخير المشترك يمكن أن تعرَّف، كما يظهر، بالشكل التالي: شكل أو طريقة في الوجود بالاشتراك بشرف في الحياة الجديدة، أي بالحياة الكريمة الشريفة وذات الفضيلة للجمهور أو الجميع. ومن أجل إقامة هذه الحياة الجديدة، سان توماس الأكويني يحدد في De Regno ثلاثة شروط ضرورية أو واجبة: على الجمهور"أن يكون ضمن وحدة المدينة من أجل السلام"، " أن يدار و يحكم و يوجه نحو السلوك الجيد"، و أخيرا، ومن " خلال التطبيق الحكومي، يجب أن يكون هناك كميات كافية من الثروات من أجل حمل الجمهور إلى الحياة الكريمة". إن المنفعة المشتركة الزمنية هي غاية السياسة ضمن النظام الطبيعي. هذه الغاية هي ذاتها منظمة ومرتبة إلى نهاية أخيرة حيث على الكنيسة القيام بذلك. لكن هذا يجب ألا ينقص من استقلالية السياسة، " الحق السماوي الإلهي الناتج عن الرعاية والعناية لا يدمر أو يهدم الحق الإنساني الناتج بدوره عن العقل الطبيعي". إذا ما فوق الطبيعي لا يدمر الطبيعي بل يرعاه، و الرعاية السماوية لا تدمر الطبيعية بل هي إكمال وتتمة لها، والله لا يدمر الإنسان لأن الإنسان جزء من الله

    4ـ القوانين بين السماء والأرض.

    إن التنظيم الواقع والمجسد للمجتمع يبين ويوضح القانون الإنساني. هذا القانون يجب أن يستند دائما ويشتق من القانون الطبيعي. هذه القاعدة لا يمكن المساس بها، و لكن لا تطبق بأي مكان بشكل ميكانيكي، بل يجب أن تضم خاصتين: الأولى هي أن القانون الإنساني له صفات و طبائع خاصة، هو قانون وضعي عندما القانون الطبيعي يكون قانونا أخلاقيا. إنه يميَّز لأنه لا يتعلق إلا بالنظام الخارجي وهو يتلاءم مع الإجبار أو الإرغام. القانون الوضعي لا يتم خلطه مع القاعدة الأخلاقية. الخاصة الثانية : الفعل السياسي هو بطبيعته خاص و جائز أو محتمل. العقل الإجرائي أو العملي عليه أن يحصل على النتائج من المبادئ العامة داخل الظروف و الشروط النوعية في حالة واقعة مجسدة. القسر أو الإرغام الحاصل من أجل الوصول للخير و المنفعة يمكن أن يحدث شرا أكثر من الخير. هنا سان أوكستان لاحظ أن القانون الزمني عليه التسامح مع بعض الشر. ويؤكد سان توماس ذلك بالقول :"إن على السياسة أن تلتزم بمبدئها محدثة أقل شر ممكن".



    إن طروحات سان توماس حول هذا الموضوع أشعلت جدلا ونقاشا كبيرا. الصعوبة الأساسية تأتي من أن سان توماس يحدد شيئين أساسيين مهمين : الأول، أن البشر يجب أن يحكموا،ولكن أن يحكموا ضمن نطاق وحدود المنفعة المشتركة،هذا يعني من جهة أخرى أن يحكموا من قبل أناس خيّرين. هنا سان توماس يتبع أرسطو ولكن تفكيره أكثر تشددا و انغلاقا. أما في كتابه De Regno،إنه يأخذ ويضم التقسيم الأرسطي للأنظمة الستة، ولكن يعود وبسرعة ليشدد التحليل حول هذا الموقف: الملكية من جهة، الأشكال المختلفة من الطغيان من جهة أخرى.

    مصطلح " الملك" يجب أن يفهم ويدرك بمعنى يتعلق بجنس الكلمة ونوعها وشموليتها: إنه يشير إلى شخصية واحدة في مجموعة وربما يكون أميرا، إمبراطورا أو رئيسا شريطة أن يحكم للخير و المنفعة المشتركة.إذا فقدت هذه الشخصية غاية السياسة التي هي الخير المشترك و التي هي تشترط شرعيته وشرعية سلطته، فهي ليست شخصية زعيم أو قائد، إنها تصبح شخصية طاغية. الطغيان يمكن أن يمارس من قبل مجموعة صغيرة أو من قبل الشعب نفسه وخاصة عندما المجموع يحكم ويضطهد أقلية صغيرة. سان توماس ينظم في نفس الفئة كل الأنظمة الفاسدة. في الخلاصة، يوجد بشكل أساسي نموذجين من الأنظمة: الأنظمة المنتظمة و الحسنة، والأنظمة الغير منتظمة و السيئة. والقاعدة يتم الحصول عليها من القانون الطبيعي. الشيء الثاني الذي يحدده سان توماس، الذي يجب أو ينبغي كما جاء في كتابه ( somme théologique ) ، أن الجميع لديهم جزء في الحكم أو الحكومة. إنه يلتزم بمبادئه العامة. يدعو إلى تفادي كل الطغيان والأنظمة الطاغية و بكل أشكالها، وعلى الفعل السياسي أن يُمارَس بالشراكة. في النهاية السياسة وفق سان توماس هي : " فن أفضل الممكن".

    المسيحية أعطت وجودا لمجتمع له قدر ومصير شامل: إنه الكنيسة. الكنيسة هي مجتمع من المؤمنين مفتوح ومن غير تمييز لجميع البشر. إنها مؤسسة،أنشئت مع تكليف الرسل والمبشرين،وقد بنيت و أصبحت مركزية بشكل متدرج. المجتمع الكهنوتي أصبح مجتمع حقوق، من خصائصه وجود مؤسسة تراتبية، إنها المؤسسة الكهنوتية. إذا كيف تم تنظيم العلاقات بين الكنيسة ( كمجتمع وكمؤسسة ) و بين السلطة السياسية ؟

    خلال القرون الثلاثة الأولى، المسيحيون احتفظوا بموقف يطابق المذهب أو الطريقة المثبتة من قبل سان بول:احترام مطلق الإمبراطورية،مقاومة الأنظمة التي تحمل ضررا للمعتقد بالله الحقيقي.لكن الدين المسيحي الذي هو أقلية و مضطهَدة أصبح في القرن الرابع الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية،ثم فيما بعد الدين المجمع عليه تقريبا في الغرب أثناء العصور الوسطى. القضية و السؤال العملي للعلاقات بين السلطة الزمنية و السلطة الروحية تطرح بطرق مختلفة: لا يعني نهائيا الحفاظ على استقلال الروحي في مواجهة متطلبات السلطة الزمنية ولكن مصالحة أولوية الروحي و أسبقيته مع استقلالية الزمني.

    بشكل آخر،لا يعني نهائيا معارضة بين حقوق الله و مع القيصر الوثني، ولكن تعريف الحقوق والواجبات للقياصرة المسيحيين وعلاقتهم مع الكنيسة.إذا هو افتتاح لتاريخ طويل للعديد من الإثارات لها أوجه متعددة. ثلاث أفكار عامة يمكن فصلها هنا : استمرار وديمومة ثنائية السلطة، الغموض في الأنظمة تحت شكل النزعات في الأهلية و الاختصاص،الغموض في الأنظمة تحت شكل تقليدية الدولة وصرامتها.
    مبدأ ثنائية السلطة لم يكن موضعا للنقاش.المجتمع المسيحي تمت إدارته وحكمه بنوعين من سلطات القضاء المنفصلة، وفق شرعيتين متمايزتين للقوانين. إذا وجد بشكل دائم سلطتان قضائيتان مختلفتان في طبيعتهما. حاول الباباوات دائما إخضاع السلطة السياسية لكنهم لم يستطيعوا ذلك نهائيا.المؤسسة السياسية و المؤسسة الكهنوتية تبقيان غير مرتبطتين. هذا الانفكاك أدى إلى خصوصية الغرب القروسطي، إذا ما قورن بالمناطق الأخرى في العالم، العالم الإسلامي و الإمبراطورية البيزنطية.

    من جانب آخر،العلاقات بين السلطتين طُبعَت على مر تاريخ العصر الوسيط بالنزعات و الخصومات حول الاختصاص و الأهلية. وهمُ عالم مسيحي قائم بشكل دائم،فكرة المسيحية حيث الاختلاط بين السياسي و الديني، المقارنة عند سان أوغستان بين المسيحية و " مدينة الله"، كل هذا سيعبر الحدود. المسيحية القروسطية كانت نظاما سياسيا/دينيا له رأسين،فيما بعد سيستمر بمنافسة طويلة ونزاع أطول بين الكهنوت Sacerdoce و بين الإمبراطورية.

    في وقت من الأوقات، " شارلمان " حاول توحيد المسيحية الغربية تحت سلطته الخاصة والتي في نفس الوقت هي زمنية وروحية ( حيث اعتبر نفسه زعيما دينيا محاولا أخذ جزء من السلطة الداخلية للكنيسة ). فيما بعد في القرن السادس حتى السابع عشر،حاول الباباوات بجهد كبير إقامة تفوقهم السلطوي. روما مَنحت حق تجاوز وعزل الأباطرة، وذلك للسلطتين الروحية ممثلة بالكنيسة والزمنية ممثلة بالسلطة السياسية ولكن تحت وصاية الكنيسة. هذا التنافس بين السلطتين سيدور في النهاية وبشكل إجباري باتجاه تقوية سلطة الملوك.في نهاية العصر الوسيط، الملكية الوطنية تم فرضها كشكل سياسي. الغموض في الديني والسياسي لم يتوقف : الدين بقي صاحب سلطة ونفوذ في القرن السابع و الثامن عشر،و منظرو الملكية المطلقة سيستندون في تنظيرهم إلى نظرية الحق الإلهي. بعد الإمبراطورية القسطنطينية،وبعد الإمبراطورية القروسطية، الملكية الوطنية ( على الطريقة الفرنسية ) ادعت الاختيار و العناية الإلهية.
    في العصر الوسيط وبعد ذلك، النزاعات استمرت في بعض الأحيان كنزاعات عائلية.مجتمع المؤمنون اختلط بالمجتمع السياسي مع قوة وصرامة الدولة.فالكنيسة تُعَلّم كما كانت تفعل دائما، مع حرية اختيار العقيدة ولكنها عمليا أو إجرائيا على أرض الواقع لم تتناغم مع ما تزعم به. فكرة " الجمهورية" المسيحية وبعدها الأمة المسيحية بررت تجييش وتحريك السلطة السياسية في خدمة وحدة العقيدة. " اليد الزمنية العلمانية " ضربت الانشقاقات أو الانفصال عن الكنيسة الرومانية و الهرطقيات. فقوة القيصر كانت مستخدمة في خدمة شؤون الله. فكرة " الدين يجب أن يكون حرا" هي " خطأ إلحادي أو من الزندقة" كما جاء في كتاب Bossuet (السياسة مستمدة من الكتب المقدسة، الجزء السابع 1709 ).

    الصيغة ( لاهوتي / سياسي ) كانت سلطوية. وتمت ترجمتها على شكل اضطهاد ديني، وتسببت بعد محاولات" الإصلاح" بحروب أهلية خطيرة. هذه الحروب الدينية و الاضطهاد الذي تلاها ساهمت بشكل كبير في تطور الفكر السياسي الحديث. ردة الفعل كانت بعد هذه الحروب كالتالي : الدين يقسم ويفرق، السلطة السياسية تضطهد الدين، في النتيجة الدين يجب أن يبعد عن السياسة. الكنيسة الكاثوليكية، و التي اعتقدت أنها نجحت بأن أصبحت كنيسة الدولة، وُجدت من الآن فصاعدا في موقع دفاعي.
    المحدّثون Modernes التزموا الصراع ضد السلطة السياسية للكنيسة الكاثوليكية وقد وصلت النتيجة إلى النجاح. الكاثوليكية فقدت في بلاد " الكنيسة اللاتينية" موقعها كدين للدولة، الكنيسة الرومانية أجبرت على ترك موقعها الزمني، المبدأ الحديث للتحييد الديني للدولة أصبح القاعدة العامة،المجتمعات تعلمنت أو تحول المجال الكنسي إلى دنيوي Sécularisation . متضررة داخل مواقعها الزمنية،وفي إمبراطوريتها الروحية، ضحية أيضا في بعض الأحيان للسياسة المعادية للدين ( اضطهاد الثورة الفرنسية لها )، أو كما في ألمانيا كما تسمى Kulturkampf ، السياسة " المعادية للكهنوتية" في الجمهورية الثالثة الفرنسية، الكنيسة تمسكت على طول القرن التاسع عشر وبعد ذلك أيضا بالارتباط بالنموذج الماضي: المسيحية أو المدينة الكاثوليكية بمعنى آخر النظام السياسي / ديني.

    الأشياء بدأت بالتبدل مع بابا الفاتيكان Pie الثاني عشر( انتخب في عام 1939). يوحنا الثالث و العشرون تابع التغيير، وتم تكريس التطور من قبل مجلس الفاتيكان الثاني ( 1962 ـ 1965 ). مقياس التغيير كان في غاية الحساسية ومتنازع فيه. النصوص الرومانية هي في الكثير من الأحيان صعبة في الشرح و التفسير وذلك بسبب عمومية العديد من الصيغ و الأشكال،وبسبب أيضا الممارسة التقليدية للتيار " التوفيقي" Concordisme بين الكتب المقدسة و نتائج التقدم العلمي ( كما يحصل في الإسلام اليوم ). مع ذلك، يظهر أنه و بشكل أكيد أن النصوص التصالحية تطبع وتؤشر إلى تبدل و تغير مهم في المذهب. أي تبدل و أي تغير؟

    الكنيسة أُبعدت عند النموذج السياسي القروسطي. المثالي السياسوـ ديني للمسيحية، مقارنة ومشابهة المجتمع السياسي بالمجتمع الديني، نظرية السلطتان، مع صرامة الدولة و الدعوة إلى الزمني تم التغيير، الدنيوي و العلماني يبدو أنها مصطلحات قابلة للحياة ، فعاشت و استمرت. التجديد الأساسي بالنسبة للتعليم التقليدي يتعلق بالحرية الدينية و الذي يكرس كرامة البشر وحريتهم : لا أحد لأسباب دينية يجبر على التصرف ضد عقيدته أو يمنع من ممارستها.الكنيسة من الآن فصاعدا هي جزء من هذه الثقافة الحديثة والتي هي الجوهر الأكثر قوة ووضوحا لكرامة الشخصية الإنسانية. إذا الكنيسة تم فصلها عن نموذج أخذته وورثته عبر التاريخ. أما بالنسبة للمبادئ الأساسية تبقى وفية لتعليمها التقليدي. ولكن ماذا يقول هذا التعليم في النهاية ؟

  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي


    5 ـ بين مملكتين.


    لقد قدم علم السياسة تفسيرات متعددة لفهم السياسة منذ العصور القديمة وحتى الآن،أو ما يمكن أن نسميه نماذج التفسير و الفهم للسياسة.هذه النماذج تقسم منهجيا إلى ثلاثة: تفسير القدماء ( خاصة الفلاسفة اليونان)، ثم التفسير والفهم (المسيحي) و أخيرا التفسير الحديث. ربما يكون هذا المنهج في التقسيم عرضة للنقد وهذا حق الجميع دون أدنى شك، ولكن عدم التطرق للتفسير من قبل ( الكنيسة الشرقية) أو رأي الأديان الأخرى في منطقتنا أو بمعنى أخر استبعادها عن منهج فهم السياسة، هذا يعود إلى رؤية أولية نستطيع القول من خلالها أن هؤلاء لم يدخلوا سوق إنتاج المفاهيم السياسية بصفتهم منتجين،و إنما لهذه الدقيقة هم من المستهلكين لهذه المفاهيم،الشروح و التفسيرات. أو بمعنى آخر أيضا، الإسلام كان هو الحل منذ ألف سنة، ومازال في نظر المسلمين هو الحل بعد انقضاء الألف سنة رغم أن كل شيء قد تغير حتى الله ( بمعنى النظرة إليه وفهمه) وفي قوانينه الاقتصادية والاجتماعية والإنسان في اختراعه لأديان ومعتقدات جديدة (سياسية وحتى عقائدية).

    كنا قد تحدثنا في نهاية الجزء الرابع من " المسيحية وعلم السياسة" عد طرح قضايا تتعلق بالحرية الدينية و أن الكنيسة أصبحت جزءا من الثقافة الحديثة، ثم أن الكنيسة لم تعد ذاك الموروث التاريخي الذي يشكل عبئا على المؤمنين أو غير المؤمنين بالمسيحية. تبقى الإجابة على السؤال الذي طرح سابقا : إذا انطلقنا من الخطاب "السياسي" للكنيسة، إلى أين يقودنا المذهب السياسي لهذه الكنيسة وخاصة " الرومانية" منها؟
    ثلاث أطروحات يمكن مناقشتها ضمن هذا الإطار:
    أولا ـ النظام السياسي و النظام الروحي يجب ألا نخلط بينهما و ألا نفصلهما:
    من جانب، و بالتطابق مع الحكمة الإنجيلية، مجال السلطة السياسية و مجال السلطة الروحية هما مجالان مختلفان. يوجد زوايا متعددة يمكن النظر منها للقدر الإنساني، كما كتب سان توماس، مع كل واحد الوسائل و الغايات الخاصة به. الدولة لها قوانينها، الكنيسة لديها قوانينها أيضا. لكل مهنته. " في الميدان الخاص بهما، المجتمع السياسي والكنيسة هما مستقلان الواحد عن الآخر" ( Gaudium et spes, 76.3). ومن جانب آخر، الرسالة الدينية للكنيسة لا تتحدد بقطاع واحد خارج الوجود الإنساني، إنها تضم كل الإنسان. المسيحي يبقى دائما مسيحي، يجب ألا يعيش بشكل مزدوج أو بنسختين، بمعنى أن يكون مؤمنا يوم الأحد، وإنسان من غير عقيدة بقية أيام الأسبوع. ضمن هذا المعنى،الكنيسة عليها عمل الكثير حتى تكّون أو " تنفخ" روحا مسيحية في كل مجالات العمل الإنساني، أيضا ضمن هذا المعنى لا يمكنها أن تبقى غير مختلفة عن النظام السياسي و الاجتماعي حتى ولو أن هذا الأخير يتفق أو لا مع متطلبات الشخص أو الأشخاص." إنه غير مقبول،ويخالف الإنجيل، الإدعاء بتحديد الدين ضمن الفضاء الخاص بالشخص. إنه سيكون من التناقض أن ننسى بعده السياسي و الاجتماعي". ( جان بول II ، مدريد، 13 حزيران 1993).

    كيف يمكن الذهاب مع هاتين الرؤيتين؟ نموذج المصالحة أو التصالح يمكن، كما يظهر، أن يكتب كالتالي: لا يوجد مشروع سياسي مسيحي أو برنامج سياسي مسيحي، ولكن يوجد مبادئ سياسية مسيحية. الكنيسة ليس لديها حلول مجسدة واقعة أو تقنيات سياسية لتقدمها، " إنها لا تقترح أنظمة أو برامج سياسية واقتصادية، أنها لا تظهر كمرجع عند هؤلاء أو الآخرين، شريطة أن تكون الكرامة الإنسانية واجبة الاحترام و على أن يكون لهذه الكرامة و الشرف الإنساني الفضاء و المتسع الضروري لتكملة مهمتهما داخل هذا العالم". (جان بول،المرجع السابق،الصفحة 41).

    موضوع المذهب أو النظرية الاجتماعية للكنيسة لا يكون من أجل تعريف نموذج سياسي/اجتماعي،أو" طريق ثالث" بين الرأسمالية الليبرالية و الجماعية الماركسية collectivisme marxiste ، ولكن هو تثبيت لمبادئ و توجهات، مؤسسة على الوحي Révélation وعلى القانون الطبيعي.
    ضمن هذا المعنى أو الاتجاه، لا يوجد " سياسة مسيحية"، ولكن يوجد " متطلبات مسيحية في السياسة". مع ممارسة و تطبيق الحل، الأفضل سيكون " تعاون صحيّ وسليم " بين الكنيسة والدولة، آخذين بالاعتبار بعض الظروف. ( Gaudium et spes, 76.3 ).

    ثانيا ـ السياسة هي " فن نبيل":

    السياسة هي فن لأنها في نفس الوقت مخصصة لغايات جوهرية و تابعة لظروف زمنية و مكانية. ولكن ما هي هذه الغايات؟ وفية لتقليدها و بشكل خاص لسان توماس، الكنيسة تذكر بشكل دائم بثلاثة مبادئ أساسية:
    1 ـ السلطة السياسية هي خدمة، موجه إلى للخير المشترك وبشكل قاطع إلى خير الأشخاص.السياسة ليس شيء آلي ميكانيكي، لا تختزل إلى تقنيات، إنها فعالية أخلاقية تأخذ على عاتقها ظروف الحياة المشتركة و العمل، مستندة إلى الحرية و جوهر ومعنى المسؤولية، وضمن معنى الكمال الإنساني. المرجع هو خير موضوعي، إنه الإنسان الكامل، وليس جزء من الإنسان. حيث أن الإنسان البدائي حصل عليه.
    2 ـ النظام السياسي يجب أن يحترم بل يرتقي ويرتفع بالبعد " التجمعي" للحياة الإنسانية. مجتمع منظم جيدا ليس تراكم agrégat من الأفراد المعزولين تحت سلطة الدولة. بل يضم مستوى وسطي " وساطة"، إنه تجمعات مشاركة كل وفق مقياس معين. هذه " الأجسام الوساطة " لها أشكال مختلفة: العائلات "وهي الخلايا الأولى و الحيوية للمجتمع"، البلديات، الجمعيات و المنظمات، النقابات..الخ على أن تكون جميعها من تجمعات مختلفة من الأشخاص، هذه التجمعات تهدف لتحقيق فضيلة الاتصال و الارتباط الاجتماعي القوي وفي نفس الوقت تسمح لكل فرد بأخذ جزء ناشط وفعال من الحياة المشتركة. داخل الدولة، " الأجسام الواسطة" و الأشخاص، توزيع المهارات و الكفاءات يجب أن يخضع لمبدأ التناوب الذي وضعه Pie XI في عام 1931،بشكل دائم يتم تكراره : سلطة القرار يجب أن تمارس على أكبر قدر ممكن من قبل الناس. خير الإنسان يتطلب أن يكون هذا الإنسان لديه مسؤولياته، و أن يكون فاعلا مسؤولا، وليس موضوع أو شيئا سلبيا.

    3 ـ الثابت في كرامة الإنسان لديه بعد سياسي/اجتماعي. تنظيم المجتمع يجب بطريقة لا تقلب العلاقات و الوسائل في النهاية: حيث أن الدول وجدت من أجل الإنسان و ليس الإنسان موجود من أجل الدولة، الملكية وجدت أيضا من أجل الإنسان وليس العكس،العمل أو الاستهلاك هما في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمتهما، العلوم التقنية و التكنولوجيا هي منظمة و موجهة لخير الإنسان وليس العكس. الكنيسة تنبذ كل التفسيرات التي تُخضع الوجود الإنساني لمتطلبات جزئية أو إخضاعية كما في اتجاه économisme أو technicisme. الاتجاه أو المذهب الاجتماعي للكنيسة ولد مع Rerum Navarum ( 1891) حيث Léon XIII تحدث عن الظرف القائم للتكتلات العمالية. اليوم، القائمون على العقيدة يلتزمون أو يرتبطون قبل كل شيء باللامساواة التي توجد في هذا العالم. " القضية الاجتماعية هي اليوم عالمية" ( Paul VI ،Populorum Progressio ،1967، المدخل).

    الكنيسة تدعو إلى تطور وتنمية جوهرية و التي لا تفصل الاقتصاد عن الإنسانية و أن تحقق متطلبات و حقوق جميع الأشخاص. أن يكون لديك و أن تملك هذا شيء مهم ولكن على أن يكون ذلك في خدمة الكائن الإنساني.
    بناءا على هذه المبادئ، الكنيسة تطلق العديد من التقييمات و الأحكام فيما يتعلق بالأنظمة لكنها لم تقف أبدا لصالح هذا أو ذاك الشكل من الحكم. في مواجهة الديمقراطية الليبرالية، الكنيسة تبين في نفس الوقت انتقادات و تقييمات لصالح هذه الديمقراطية. يجب التمييز هنا: القائم على العقيدة" يقدر" النظام الديمقراطي كضامن لمشاركة المواطنين في اختياراتهم السياسية، حيث يظهر مثل الليبراليين دعاة حقوق الإنسان، لكن أيضا يطعن في ديمقراطية مطلقة و كل ليبرالية راديكالية : إرادة الشعب لا تعود لها الشرعية الوحيدة في القرار، أيضا إرادة الفرد ليست الوحيدة التي تبرر مسيرة الحياة. المعيار الأساسي هو احترام الخير المنشد أو المقصود. الإرادة الإنسانية ليست صاحبة سيادة، العقل الإنساني ليس هو مقياس و قاعدة الأشياء. هنا يكون دائما "حجر عثرة" pierre d’achoppement بين الفكر الكاثوليكي و الفكر الحديث ( على الأقل في صيغته النقية الخالصة ).

    الكنيسة تطرح العديد من المبادئ و التوجهات. تدعو أولئك الذين يمارسون مهنة السياسة و الذين اختاروها إلى هذه المبادئ. و المهم أولا، هي المعطيات الأخلاقية: أن لا يكون الشعب كتلة من البشر، أن يكون رجال السياسة أصحاب ثقة ويسعون نحو الكمال، أن يكون قلقهم الأول هو الخير المشترك. و المهم ثانيا، الأهلية و الجدارة أو العلم و المعرفة بالحكم وظروفه و حالاته الخاصة أي بمعنى آخر " الانتباه و الحذر". المسيحيون مدعوون لإعطاء القدوة و المثال. بما أنهم مواطنون، عليهم التصرف ليس باسم الكنيسة أو بإقحامها ولكن باسمهم الخاص ( في الفعل المجسد و الواقع، التعددية السياسية هي شرعية). بشكل آخر للقول، الكنيسة تنسب إليها التمييز أو التفريق الذي قام به Jacques Maritain بين " التصرف كمسيحي" و " التصرف بالمسيحية". استلهام المسيحية يجب أن يكون حاضرا بشكل دائم ولكن لا يوجد برنامج سياسي مسيحي.

    ثالثا ـ السياسة لديها حدودها لكن التاريخ مفتوح للفضيلة والعفو.

    الذي نستطيع أن نتأمله من السياسة هو بالطبيعة موجود لكنه لم يتحقق. نظام السياسة لن يكون لديه نهائيا قيما مطلقة، الرجاء أو الأمل المسيحي هو في جانب آخر أو أبعد من السياسة، بل أبعد من الزمن.ضمن نظامها الخاص، السياسة نذرت نفسها لعدم الكمال. إذا وجدت " بنىً للخطيئة " ، لا يوجد أنظمة سماوية.( جان بولII). في نهاية المطاف، كل شيء يعتمد على الإنسان و الإنسان منقسم في داخله لأن طبيعته مجروحة بالخطيئة. الشر داخل الإنسان، " الصراع ضد قوى الظلام والجهل تمر خلال كل التاريخ عبر الإنسان" وهذا سيستمر إلى نهاية الأزمان" أما المدينة الكاملة ليست من هذا العالم.
    من جانب آخر وبشكل غير مرئي، الفضيلة موضوعة في التنفيذ داخل التاريخ و " المملكة" Royaume بالحرف الكبير، هي مسبقا موجودة فوق هذه الأرض. المدينتان مختلطتان بشكل خفي أو غامض في هذا العالم. لهذا السبب، إذا كان من الواجب التمييز بعناية التقدم الإنساني نحو أو بتدرج باتجاه " حكم المسيح"، هذا التقدم هو مع ذلك مرتبط في جزء منه مع " المملكة " ضمن مقياس حيث " يأنس" humanise الحياة المشتركة للبشر. ( Gaudium et spes, 39.2). هذه " الخميرة " الإنجيلية تقرب الإنسان من الله (ونعتقد أن جميع الأديان تحتاج لهذه الخميرة)، إنها تقرب أيضا البشر من بعضهم أو فيما بينهم.
    كذلك الكنيسة الكاثوليكية تجهد لتمسك بطرفي السلسلة، و أن تقدم ما عليها في المدينتين. إنها تعلم في نفس الوقت عدم كفاية العالم وعظمة الخلق، أسبقية الروحي و استقلالية السياسة، السير الغامض للتاريخ المقدس و فضائل النظام الطبيعي، ثم ضرورة وجود السلطة. المذهب الكاثوليكي يتناقض مع كل راديكالية أو مع كل طوباوية سياسية، إنه راديكالي في دعوته للأشخاص، إنه يقول بحكمة القانون الطبيعي. البعدان لا يتعارضان، الفضيلة والنعمة تعلي و ترفع الطبيعة، لكن تنظيمهما هو في حالة تجاذب وتقلب بين القطبين. أو ( بشكل مبسط) : الذي يجسده سان أوغستان و الذي تجسد من خلال سان توماس. التوتر بين المدينتين هو موضوع تعايش أو جوهر مشترك في الفكر الكاثوليكي.

    6ـ تحرير الإرادة.

    من يقرأ الفلسفة السياسية الحديثة يرى أنها ليست متجانسة. مع ذلك نحن نصنف مجموعة من علماء السياسة أو المفكرين في مجالاتها و كأنهم في خانة أو مجموعة واحدة، كما هو الحال مع كارل ماركس،مونتسيكيو،ميكيافليي ...، علما أن بينهم تناقضات كثيرة، إذا ما هو سبب هذا التصنيف ؟
    في النظرة أو الوهلة الأولى، وحدة الفلسفة السياسية الحديثة تعود لنفس الرفض: الحداثة ترفض تقاليد الماضي وكأنها شؤم أو غير واقعية. أكثر عمقا، هذا الرفض يستند على أشياء مشتركة نستطيع أن ندعوها روح الحداثة و التي تعمل في اتجاه : انعتاق الإرادة. فكرة الانعتاق يمكن أن يكون مفكر فيها بشكل معتدل أو آخر متطرف. تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة يظهر بشكل واسع و كأنها تعميق للإرادة الانعتاقية هذه. في مجريات هذا التاريخ، الحالة الجديدة تعود أو تخص العقل. هذه الحالة تتميز بعدة عناوين أو أشكال. أولا، الروح الحديثة تؤكد استقلال العقل في معنى واحد أكثر راديكالية من الفلسفة الكلاسيكية أو بالأحرى من الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. استقلالية العقل الحديث لا تعني فقط رفض مبدأ السلطة ( و بالتالي رفض السلطة السياسية و الدينية )، إنها تعني أيضا رفض مبدأ الغائية. الإنسان ليس نهائيا جزءا من نظام يتجاوزه( الكون عند اليونان) Cosmos، الخلق وفق لمسيحية Création، ليس موجها أو منظما نهائيا إلى نهاية هي في طبيعته، إنه إنسان مستقل. إن تعرج الروح الحديثة يقود الاقتراح التالي: الإنسان هو سيد، إنه سيد العقل، الضمير و الإدراك. التقليد يجب أن يكون إذا مطعون فيه لأنه يضع الفرد في حالة من التبعية، إنه يمنعه من بلوغ رشده.

    هذا العقل المستقل بشكل كبير وجذري هو، ثانيا، فاتح أو غاز. العقل عند القدماء و عند المسيحيين كان هدفه الحياة الشخصية: العقل يجب أن يسمح لكل منا بالسيطرة على أهوائه و أن يقود حياته بالتطابق مع طبيعته كحيوان عاقل. العقل الحديث يغير الاتجاه: إنه يرتبط بالعالم الخارجي و يمتد لتغيير ظروف الإنسان. أنه متقد بواسطة روح التحرر و الانطلاق و التي تهدف في نفس الوقت السيطرة على الطبيعة اليونانية و على العلم و التقنية، ثم السيطرة على المجتمع عبر تنظيمه بشكل عقلاني. مغامرة كبيرة وجديدة تفتح، إنها المغامرة الخارجية، التي تبدل أو تغير المغامرة الداخلية. العالم منظم، إنه قابل للتطويع أكثر مما اعتقدنا في السابق، وحرية الإرادة الإنسانية أصبحت أكثر كبرا. " العالم الطبيعي هو للاقتحام" يقول باكون وديكارت،" الإنسان يجب أن يصبح سيدا و مالكا"، أما ماركس فيدعو لولادة عالم جديد. تحت شكل أقل أو أكثر راديكالية أو أقل أو أكثر اعتدالا، الروح الحديثة تمتد لإعادة التفكير في العالم من أجل تغييره. يتبع ذلك أن الفارق التقليدي بين النظرية و التطبيق سيصبح أقل بروزا و تضعف معالمه. المعرفة هي سلطة، إنها تعد بعصر جديد لظروف الإنسان.

    ثالثا، هذا الاتجاه الجديد للعقل يعني ما يلي: من جانب العقل الحديث هو فاتح أو غاز،ومن جانب آخر هو عقل خادم. العقل يعطي القدرة على تغيير الأشياء الخارجية، إنه يمتد حتى يترك إدارة الأشياء الداخلية. بشكل آخر للقول، يوضع في خدمة حرية أكثر فأكثر ليس لها حدود، إنه يترك المجال أمام الرغبات الإنسانية. الروح الحديثة فرغت بشكل متدرج فكرة الطبيعة الإنسانية من كل جوهر و نختم الفكرة بالقول: الطبيعة هي حرية نقية صافية، تُبنى داخل و بواسطة التاريخ أو تُبنى كما يراها كل فرد ويفهمها. تحت شكلها النقي الخالص أو شكله الراديكالي، الفكر الحديث يعتبر الإنسان كخالق لنفسه. بمعنى آخر الإرادة تمحي الطبيعة. العقل يبادر بالفعل، إنه بذلك يشكل أداة و يدير الوسائل وفق القوة أو الاستطاعة الإنسانية، استطاعة يجب أن تستخدم من أجل إعادة الحياة أكثر مدة أو طولا، و أكثر راحة، أكثر غنى ممكن، أو استطاعة وقوة يبحث عنها بحد ذاتها.
    بالمقارنة مع الكلاسيكيين، الحديثون يطلبون في نفس الوقت أقل أو أكثر من العقل: من جانب هم يرتقون به و من جانب آخر ينزلون به.في النتيجة،النتائج هي معكوسة: من الآن فصاعدا يوجد مجتمع أو نظام اجتماعي وفق العقل ولكن لا يوجد حياة وفق العقل.

    السياسة بذلك تغير من طبيعتها. الثورة الحديثة تعني أن السياسة تتجاوز السلطة السماوية و السلطات اللاهوتية. بعمق أكثر، المشروع الحديث يعني أن السياسة تتوقف عن أن تكون فنا لتصبح بذلك تقنية أو تكنيكا. التعريف النهائي للسياسة يترك المكان لتعريف أداتي Instrumentale. موضوع السياسة وفق التقاليد كان العمل من العيش الجيد للإنسان، موضوع السياسة وفق الفلسفة الحديثة هو التنظيم و بشكل عقلاني للعالم الاجتماعي في خدمة الانعتاق الإنساني. بالنسبة للكلاسيكيين، السياسة تبقى بشكل ضروري بجانب العقل، وعند الحديثين، المشكلة السياسية لديها حل عقلي. هذا الحل هو مؤسساتي. الفلسفة الحديثة لا ترتبط نهائيا بفضائل الفاعلين، إنها تعتمد على فضائل النظام.

    الفلسفة السياسية أيضا تغير من طبيعتها ومن خلال إستراتيجية. الفلسفة لا تفعل سوى توضيح السياسة، لديها دعوة للحكم. إرادة عقلنة السياسة بشكل كبير تبرر سياسة جديدة للفلسفة: الكتابات الحديثة لديها،بشكل عام، طابع نضالي. التحليلات هي أيضا برامج أو بيانات. اللغة المزدوجة التي يستخدمها الحديثون بشكل مستمر ليس لديها نهائيا نفس المعنى كما عند " اليونان". إنها لا تهدف لوقاية و صيانة الرأي و الفلسفة، بل تهدف لفتح الآفاق أمام الرأي و لنشر الفلسفة. اللغة المزدوجة هي باطنية ésotérique من أجل الدوران على الرقابة و النقد، وهي ظاهرية exotérique من أجل الإقناع من غير تصادم. فالمشاريع الكبرى تحتاج مناورات كبرى.

    في التفاصيل بشكل مؤكد الأشياء أكثر تعقيدا بكثير. في البداية تاريخ الفكر ليس تماما هو مستقيم. فكرة التجذير radicalisation المتدرج للفكر الحديث لم يتم استغراقها إلا تحت مجموعة تحفظات ( ميكيافلي هو أكثر راديكالية من مونتسكيو). فيما بعد الفلسفة السياسية الحديثة ستقسم في تيارات مختلفة. إما، نبسطها مجددا فنقول: من جانب الليبراليين ( بالمعنى الواسع) من أجل انعتاق الأفراد أو حريتهم المستقلة تمر عبر الوضع في التنفيذ تقنيات تحافظ على الحرية؛ من جانب آخر الانعتاق من التاريخ السماوي الإلهي حتى يكون انعتاق الإنسانية داخل و بواسطة التاريخ، والسياسة ستزود بالتقنيات من أجل التحرر. إنهما وجها الحداثة. في الأصل، يوجد الثورة الأخلاقية مصنوعة بكل معرفة بالوقائع بواسطة الرائدين الكبيرين للفلسفة السياسية الحديثة: ( نيكولاس ميكيافلي) و ( توماس هوبز).

    كتاب"الأمير" الذي وضعه ميكيافلي ( 1513) ينتمي إلى شكل أدبي تقليدي : " مرايا الأمراء". هذا الكتاب يأخذ مكانه في سلسلة طويلة ضمن المؤلفات حول فن الحكم. ولكن إذا كانت القربة "الزجاجة" قديمة فإن النبيذ هو جديد. الذي يطوره ميكيافلي ( 1469 ـ 1527)، من غير أن يرفع نبرة الصوت، هي مجموعة من الوصايا والتي بما أنها وصايا للحكم : " لأن البشر إما أن يدمروا بعضهم وإما أن يتلاطفوا "، لأنهم يذهبون إلى الثأر لأقل الأسباب ( الفصل الثالث)، " إنه من المؤكد أن يخافوك الناس أكثر مما يحبوك" (الفصل السابع عشر)، " يجب أن يكون الأمير متصنعا بشكل كبير ومنافقا أيضا" ( الفصل الثامن عشر). في النتيجة بماذا ينصح ميكيافلي؟

    إنه ينصح الملك بأن يأخذ بوسائل الطاغية. تحت ريشته، وفي جميع الأحوال في كتاب "الأمير"، التمييز القديم يُمحى لأن عالم الأخلاق أو عالم ميكيافلي هو نقيض للعالم الأخلاقي لأفلاطون،أرسطو و سان توماس. العلاقات بين السياسة، الخير والشر تغيرت في معناها، كما تغيرت في معنى الكلمات المتعلقة "بالفضيلة" و "الحكمة". التعليم الواضح والمعلن عند ميكيافلي هو تهذيب الأخلاق وفق الضرورة : الشر هو ضروري في السياسة و هذه الضرورة مبررة.
    ميكيافلي هو مفكر جرئ،حاذق و أيضا لغزي مبهم. كيف نشرح أخطاءه الظاهرة و الواضحة جدا، وتناقضاته أيضا التي نجدها في نصوصه؟ كيف ينصح "الأمير"، حيث يأخذ وجهة نظر الملكية ـ الطاغية؟ ما هي آخر كلمة لرجل باعترافه الخاص مارس الفن الذي أوصى به الأمير وهو " النفاق و التصنع": " منذ بعض الوقت لا أقول نهائيا ما أفكر وأعتقد به، و لا أعتقد نهائيا بما أقول" ( رسالة كتبت في 17 أيار 1521 إلى Guichardin)؟ جرأة ميكيافلي تذهب،كما يظهر، أبعد من تعليمه المبين: المشروع الميكيافلي هو مشروع لقلب وتدمير العالم الكلاسيكي ـ المسيحي، لا يهدف فقط إلى تقويض الدور السياسي للكنيسة، إنه يهدف لتغيير وبشكل جذري التعاليم التي تدير وتحكم البشر. هذا الذي يظهر أو يقدم كمستشار للأمير هو في الواقع المُعلّم الخفي للأمراء الجدد. إنه المربي أو المنشئ لفضاء جديد لرجال السياسة. ميكيافلي يهدف " لحكومة غير مباشرة" للبشر كما يرى ( Harvey Mansfield) من خلال تدخل عدد قليل من أولئك الذي لديهم القدرة على متابعة تعاليمه حتى النهاية. البشر العاديون غير قادرين لسماعه بشكل حقيقي أو حتى أن يأخذوا بشكل جدي ما يقوله بوضوح. هؤلاء هم الجبناء،إنهم لا يتجرؤوا، إنهم لا يفهموا هؤلاء الذين يتجرؤون. إنهم مدعوون ليكونوا مخدوعين. في الفصل الخامس عشر من "الأمير"، ميكيافلي يبين بشكل دائم الجديد في خطوته: " لكن قصدي هو كتابة شيئا مفيدا لمن يسمعه. كثيرون تخيلوا جمهوريات و ملكيات لم تتم نهائيا رؤيتها أو معرفتها بشكل حقيقي.

    في الواقع،هناك بعد كبير بين الشكل الذي نعيش والشكل الذي يجب أن نعيش". ميكيافلي يعارض " الأشياء التي تخيلناها" و " الأشياء التي تبدو حقيقية"، بمعنى آخر تحليل الفلسفة الكلاسيكية و الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. فكر أفلاطون و من جاء بعده هو غير واقعي، إنه أسس على فكرة خاطئة بشكل كبير: الإنسان منظم و مرتب بواسطة دعوته إلى الحياة وفق الفضيلة. في الواقع،البشر هم كليا شيء مختلف. إنهم أشرار و محرومون من النهايات الطبيعية. ينبغي إذا إعادة التفكير في موضوع السياسة منطلقين من أهداف تكون بشكل حقيقي متابعة و ملاحقة من قبل الإنسان. ميكيافلي يقلص أو يخفض بعزم و ترو قواعد الفعل السياسي. النظام الأفضل عند الكلاسيكيين هو وهم. النجاح العملي يفرض أن نأخذه" بالحقيقة الفعلية للأشياء".

    ما هي إذا أهداف السياسة كما يقدمها أو يراها ميكيافلي خاصة في كتابه " الأمير" ؟ وهل هي في خدمة الأمير ـ الطاغية ؟ وهل حقيقة ميكيافلي لم يقل كلمة واحدة خلال خمسة وعشرين فصلا من الكتاب عن الخير العام في تمييزه عن خير الملك ؟ هذا ما سنراه لاحقا مع دراسة الفكر السياسي عند ميكيافلي.

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي

    الفصل الثالث
    صعود الاستبدادية (الحكم المطلق) داخل الدولةـ الأمة لعصر النهضة.


    في بداية القرن السادس عشر،المذهب الاستبدادي كان قد وجد قبل ذلك،تأسس في العصر الوسيط من قبل بابا الكنيسة و الملوك على قواعد لاهوتية،ولاسيما،على قاعدة القانون الإمبراطوري الروماني. هذه القاعدة سوف تنتشر، تتثبت و تأخذ طابعا أكثر تنظيما ضمن سياق "عصر النهضة" حيث ستتأكد الدول ـ الأمم.ولكنها ستصطدم مع تقاليد للاستقلال المحلي ومع مؤسسات تمثيلية هي أيضا موروثة من العصر الوسيط.

    أولا ـ الأصول القديمة و الوسطى لمفهوم "السلطة المطلقة" الاستبدادية.

    المذهب الاستبدادي هو من أصول قديمة أي يمكن رده للأفكار السياسية التي ظهرت في العصر القديم والوسيط. ولكن نحن سنبدأ دراسة هذا المذهب منذ العصر الروماني لاعتقدنا بوجوده بشكل ممنهج ومنظم أو قائم على قواعد محددة.

    1ـ السلطة المطلقة في القانون الإمبراطوري الروماني.
    السلطة الفردية للإمبراطور الروماني تم تثبيتها على طول ومر العصور. ففي عصر الإمبراطور Vespasien (69 ـ 79 بعد الميلاد)، الشعب الروماني تخلى عن إرادته في السلطة لصالح الإمبراطور. ولكن بسرعة كبيرة الأباطرة كانوا الوحيدين الذين لديهم حق التصرف فيما يتعلق بالقوانين ووضعها،ثم منح الامتيازات لمن يريدون و تسمية الموظفين الكبار. إذا انتهى تماما ما يمكن أن نسميه حق التشريع للشعب.
    2ـ الإرادة البابوية الكاملة.

    في أوربا الغربية الإقطاعية،قبل القرن الثالث عشر، لم تطبق فكرة السلطة المطلقة إلى من خلال الباباوات.ففي عام (1076) البابا غريغوار السابع أكد أن "السلطة الكاملة" تعود للبابا: إنه رئيس الكنيسة،يستطيع تشكيل السلطات الزمنية، ويشرع أي قانون يريده. وتأتي هذه السلطة من حيث أن البابا هو "نائب للمسيح". ضمن هذا السياق، البابا له سلطات عادية يتصرف فيها من خلال القوانين القائمة،وسلطات ما فوق عادية تسمح له بالتصرف بشكل مطلق بعيدا عن الالتزام بالقوانين القائمة. ولكن الاستبدادية البابوية لم تتعلق في البداية بالسلطة الزمنية للباباوات، بل حصرا في سلطاتهم الروحية. بعد ذلك تحولت إلى سلطة يدعي فيها البابا أنه يأخذ أوامره مباشرة من الله من أجل الكنيسة ومن أجل المملكة أيضا، وكان هذا في القرن السادس عشر. إذا السلطة البابوية وحتى طبيعة السلطة التراتبية القائمة داخل الكنيسة أصبحت في أوربا العصر الوسيط نموذجا للملكية المطلقة والإدارة المركزية.

    3ـ تطبيق البابوية على السلطة الزمنية.

    أصبحت البابوية مدرسة بسبب هيبته القائمة والوزن المتنامي للقانون الكنسي. هذه المبادئ سوف تطبيق بعد فترة وجيزة على الملوك. ولا نسى أنه حتى الملوك كانوا يدعون بأنهم ممثلون لله على الأرض. إذا فكرة السلطة المطلقة كانت ماثلة في أوربا منذ وقت طويل. ولكن،في العصر الوسيط، كانت في منافسة مع سلطات أخرى. ضمن هذه الظروف، التغيرات السياسية،الاقتصادية و الاجتماعية التي طبعت عصر النهضة ستساهم في ميل الميزان داخل العديد من البلدان الأوربية لصالح السلطات القوية و المركزية التي اعتمدت الحكم الاستبدادي المطلق.

    ثانيا ـ نشؤ الدول ـ الأمم.

    1 ـ تحالف السلطات المركزية مع القوى الاجتماعية والاقتصادية الجديدة .

    في الواقع ومنذ "الانقلاب البابوي" الكبير ما بين القرنين الحادي عشر و الثالث عشر، الإقطاع بدأ بالتراجع. فالكنيسة مع الممالك القائمة وجدت نموذج الدولة القديمة وعملت على بناء دول كبيرة متمركز على هذا النموذج. وبشكل متدرج،تقدمت في هذا الاتجاه لتضعف استقلالية الإقطاعيين، أيضا الاقتصاد تغير في أبعاده وبنيته ليصبح في جوهر المركزية الجديدة،فمن اقتصاد زراعي ريفي تسيده الإقطاع،إلى اقتصاد منظم تدعمه الاكتشافات الجديدة والسيطرة على الطرق البحرية وفيه مجموعة كبيرة من التجار والصناعيين الباحثين عن استغلال الفرص الجديدة . ضمن هذه الصيرورة الجديدة، أنصار نظام سلطة سياسية قوية، والتي تضفي على نفسها الشرعية من خلال الحكم المطلق، استطاعوا تحقيق مراحل قطعية وجذرية. ولكن هناك اختلافات بين الدول الأوربية تفرض علينا أن نفصل في دراستنا للحكم المطلق في أوربا.

    2ـ اختلاف الحالات في الدول الأوربية.

    لدينا حالة مختلفة ظهرت في هولندا،حيث النزعة الاستبدادية لم تستطع الوصول إلى إضعاف المؤسسات التمثيلية القائمة منذ العصر الوسيط. حالتان أنتجتا أوضاع " وسطية"، إسبانيا و إنكلترا؛ وبلدان آخران يشكلان خصوصية هما إيطاليا وألمانيا؛ وأخيرا حالة فيه الاستبداد أو الحكم المطلق يظهر بشكل كبير وواضح، إنها الحالة الفرنسية.
    في هولندا، بعد سقوط الدوق Charles le Téméraire الذي أراد بناء مملكة موحدة، النزعة الاستبدادية، ورغم حرب رهيبة، فشلت كليا وهزيمتها شكلت الفرصة لولادة أول أكبر جمهورية أوربية حديثة . في إسبانيا، وفي القرن الخامس عشر، تحدث Alphonse الخامس ( 1396 ـ 1458) عن "القوة الكاملة لسلطتنا الملكية، إنها رائعة ومطلقة". هذه السلطة المطلقة والتي وحدت إسبانيا كانت نتيجة لزواج بين " فرديناند أرغون و أليزابيت كاستيل"، ولتصبح إسبانيا أقوى دولة أوربية.أما في إنكلترا، وبعد نهاية حرب Deux Roses،هنري السابع يصبح ملكا ما بين 1485 إلى 1509 ليبني العائلة الملكية Tudor. اعتمد على الطبقة الوسطى،طور التجارة ودعم المغامرات البحرية. بنى نظاما قويا على مركبات استبدادية. ولكن لا هو ولا خلفه الملك هنري الثامن و إلزابيت الأولى استطاعوا أن يبعدوا أو ينهوا دور البرلمان.
    في ألمانيا، وجود إمبراطورية أدى إلى حالة خاصة: الإمبراطورية ضعيفة جدا لا تستطيع القيام بحركة توحيدية،ولكن مجرد وجودها أعاق قيام دولة ألمانية فيدرالية تقوم بالدور بدلا منها. لكن هذا لم يعيق انتصار الحكم المطلق في داخل العديد من الدول الألمانية لاسيما تحت تأثير النظرية اللوثرية luthéranisme. الحالة الإيطالية هي نوعية أيضا بسبب وجود البابوية ودولها.حيث كتب ميكيافلي:"إيطاليا مقسمة إلى خمسة دولة أساسية: مملكة نابولي في الجنوب،دوقية ميلان في الشمال،جمهورية البندقية "فينيس" في الشمال الشرقي،جمهورية فلورنسا والدول البابوية في الوسط.

    في فرنسا. الملكية الفرنسية أخذت ثلاثة أشكال متعاقبة : أولا "إقطاعية"، ثم كانت "معتدلة"، وأخيرا ومع بداية عصر " جان بودان" أصبحت سلطة الحكم المطلق والمستبد. بداية من القرن الثالث عشر وحتى القرن الخامس عشر، بدأت السلطة الملكية الانتقال من الإقطاعية إلى الاستبدادية absolutisme والتي تستلهم القانون الإمبراطوري الروماني. هذه السياسة اصطدمت بمقاومة البارونات barons وأيضا"برجوازية" المدن. نذكر هنا أن هذا التحول قاده كل من :Philippe Auguste, saint Louis, Philippe le Bel.

    حتى النصف الثاني من القرن السادس عشر، الاستبدادية الفرنسية كانت معتدلة، مع انقسام كبير بين المفكرين، فالبعض يفضل الاستبدادية و الآخر يعارضها، أنا الباقي فيسعى لتلطيفها أو التخفيف منها. ولكن من المؤكد أن إشارات التوجه إلى الحكم المطلق كانت واضحة في السلطة الملكية الفرنسية منذ بداية القرن السادس عشر. وتبين التوجه الاستبدادي مع الملك فرنسوا الأول، حيث أكد بأن السلطات الملكية هي: الدفاع، القضاء، الحكومة والإدارة. تحت حكم لويس الثاني عشر الكاتب Jean Ferrault طالب بسلطات غير محدودة للملك. ونحو عام 1550 مجموعة من الكتاب ظهرت كتاباتهم كدعم واضح للاستبدادية المطلقة ومنهم Charles Dumoulin , Etienne du Bourg , Pierre Rebuffi.

    الاستبداديون و أنصارهم اندفعوا بطرح منطقهم من خلال وضع الملك فوق القانون وأرادوا إبطال مفعول البرلمان وأحكامه السيادية الاستقلالية. في النتيجة،فكرة أن البرلمانات تراقب النصوص الصادر عن الملك وتعترض عليها بالنسبة لهم هي فكرة عبثية ولا يمكن قبولها قانونيا. إذا النزعة الاستبدادية تمركزت بقوة وزادت قوتها بعد عام 1560، في عهد حاكمة Hospital والتي في خطاب شهير لها في عام 1561 أكدت أن :" شخصا واحدا يجب أن يحكم و على الآخرين الخضوع". ولكن في هذا التاريخ اشتعلت الحروب الدينية حيث ستغير طبيعة المشكلة كما سنرى فيما بعد. بمعنى أن تيارات ومذاهب جدية ستظهر أهمها " الدستوريون" constitutionalistes، ومنهم انبثقت اتجاهات "ما قبل ديمقراطية" و أخرى"ما قبل ليبرالية"، ولكن لم ينته وجود المناصرين لتعزيز السلطات الملكية.

    بالنسبة لمناصري الاستبدادية، لم يستطيعوا فرض وجودهم بشكل كبير في أوربا القرن السادس عشر والسابع عشر لولا أن العقليات في القرون الوسطى كانت مع تعزيز دور الدولة، وقد جاء التعبير عن هذه الأفكار والعقليات من خلال العديد من الأعمال الفكرية السياسية كما سنرى في الفصل التالي.

    1 ـ ميكيافلي ( 1469 ـ 1527)

    حياته
    ولد في فلورنسا وينحدر من عائلة قديمة في هذه المدينة الإيطالية. شغل أول منصب سياسي له في عام 1494 بعد سقوط الديمقراطية الثيوقراطية في Savonarole، لقوم سلطة جمهورية كلاسيكية مكانها قادها منذ عام 1502 Gonfalonier وكان ميكيافلي رجل الثقة في هذا النظام الجديد. أما مهمته فكانت "سكرتير" (لجنة العشرة من أجل الحرية والسلام)، وهي شكل من أشكال وزارة الداخلية والحرب.خلال أربعة عشر عاما قضاها في خدمة الجمهورية تم تكليفه بالعديد من المهام الدبلوماسية في فرنسا وروما، أيضا عمل في المسائل العسكرية حيث حصل من حكومة فلورنسا على قرار بإنشاء جيش وطني دائم. شغل ميكيافلي ثلاث مرت مناصب رسمية هامة، في عام 1520، 1521 و 1525.



    أعماله
    1ـ كتاب "الأمير". وهو الأكثر شهرة، ولكنه ليس الأكثر أهمية من بين أعماله.كتبه بين عامي 1513 و 1514.
    2ـ "خطاب حول أو عشر كتب"، كتبه بين عامي 1513ـ1519. وهو الكتاب النظري الأساسي عند ميكيافلي.
    3 ـ "تاريخ فلورنسا" ( Storie Fiorentine) كتب بين 1520 و 1526. يتحدث الكتاب عن الفترة من 1251 إلى 1492. ويتحدث فيه عن الأحداث التي حصلت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
    4ـ كتب ميكيافلي أيضا وبين عامي 1513 و 1520 كتابا في غاية الأهمية عن "فن الحرب".

    يعتبر الكثير من علماء السياسة أن ميكيافلي حتى ولو كان أو "اعتبر" منظرا سياسيا، إلا أنه لا يمتلك نظاما مفهوميا متطورا بشكل كلي أو شامل أو أنه متماسك.ففي جميع أعماله التي كتبها مستفيدا من خبراته العملية والوظائف التي مارسها يظهر وكأنه كتب فقط كمستشار للحكومة،الأمير، الباباوات أو القضاة في فلورنسا. ولكن يمكننا القول من جهة أخرى أنه بحث عن قوانين دائمة للحياة السياسية.

    منهج ميكيافلي
    أـ الواقعية.
    رفض ميكيافلي كل أوهام المثالية :" بما أنني أحاول كتابة أشياء يمكن الاستفادة منها لمن ينتظروها، فإنه يظهر لي أكثر إقناعا أن أتبع الحقيقية الواقعي للأشياء وليس كما نتخيلها". وبسبب منهجه "الواقعي" اعتبر ميكيافلي من قبل العديد من الكتاب المعاصرين كأب "لعلم السياسة". وربما يكون هذا التصنيف له ناتج عن أن ميكيافلي كان أول من فصل الأشياء السياسية عن جميع الأشياء الأخرى، الدين،الأخلاق و الاجتماع.
    ب ـ الطبيعة الإنسانية وفق ميكيافلي.
    أفكاره تستند في الكثير منها على التشاؤم، وهي رؤية رما ارتبطت بعد الاستقرار و حالة انعدام الأمن ثم العنف الذي عرفته إيطاليا في زمنه. يعتقد ميكيافلي أن البشر هم هكذا بطبيعتهم في كل زمان ومكان وهذا شيء من المستحيل تغييره أو إصلاحه:" منافقون، جشعون وشرهون للحصول على الربح".( من كتاب الأمير، الفصل السابع عشر، الصفحة 339). أيضا بالنسبة له جميع البشر هم طغاة، والفرق بين إنسان عادي وطاغية، هي أن الثاني لديه الوسائل بينما الأول لا يملكها كي يصبح طاغية ولكنهما متماثلان في الطبيعة.

    بالإضافة لذلك، يرى ميكيافلي أن الفضائل غير موجودة. وفقط هي الضرورة التي تقود إنسانا ما ليكون جيدا في بعض الأحيان، وهو لن يكون ذلك أبدا بشكل عفوي. وإذا اقتنعنا بعكس ذلك سيكون هذا وهما خالصا. ولا يتردد في وصف الإنسان بأنه حيوان، أسد أو ثعلب، وفق الظروف. وهنا يقول أننا نستطيع الحكم بالقوانين على ما هو إنساني في الإنسان،و بالقوة على ما هو من "خاص بالحيوانات". وعندما القوانين لا تكفي علينا ألا نتردد في استخدام القوة، وعلى الأمير أن يعرف استخدام هذه أو تلك.(الأمير،الفصل 18،صفحة 341).

    ت ـ الميكيافلية Machiavélisme
    عندما لا يحدث أي وهم فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية فإن رجل الدولة سيستطيع الحفاظ على الحد الأدنى من النظام الاجتماعي، هكذا يرى ميكيافلي. وبما أنه لا يوجد في المجتمع سوى القوة،المصالح و الأنانية، وليس هناك قيم للعدالة والأخلاق تسمح بإبقاء القيم في حالة تناغم مع المصالح، فإن المشكلة التي على رجل الدولة حلها هي الحفاظ وبشكل مصطنع على التوازن بهدف وضع حدود لتبادل المصالح.وكل فكرة تهدف لإقامة "العدالة" تركها ميكيافلي أو في أحسن الأحوال تجاهلها.

    ويبدو أن ميكيافلي في فكره السياسي يفضل ما يدعوه المعاصرون "بالبراغماتية". حيث أنه لا يوجد مبادئ أخلاقية أو قانونية يمكن فرضها بشكل دائم، فإن القيادة لشؤون الحكم عليها أن تسترشد باعتبارات عملية خالصة، وبقدر تغير الظروف فإن قرارات الحكم يمكنها أن تتغير." على الأمير أن يكون جاهزا ليدور مع رياح الحظ وتقلبات الأشياء التي يقودها". ( الأمير ، الفصل 18، الصفحات 341 ـ 342).

    المعيار القاطع، في السياسة، ليس أن تكون جيدا أو شريرا، وليس أيضا أن تكون ضعيفا أو قويا، ولكن سعيدا أو كئيبا في هذه السياسة. وهنا يؤكد ميكيافلي على أن الغاية تبرر الوسيلة، فليس المهم ما يفعله رجل الدولة في مراحل اتخاذ القرار بل المهم هو نتيجة هذا القرار. إن كل أفكار ميكيافلي تتمركز ضمن هذا المنطق أو النظام. ولكنها تختلف وفق ما يمكن أن نسميه أو نعتبره بالسياسة الداخلية أو بالسياسة الخارجية.



    ث ـ السياسة الداخلية.
    يفضل بالنسبة للحاكم أن تخافه الناس لا أن تحبه. شيء مثالي أن يكون محبوبا، ولكن، إذا من الواجب الاختيار بين الوسيلتين، الأفضلية يجب أن تعطى إلى الخوف. وهذا يبرر ويعود إلى الطبيعة العميقة للإنسان. ( الأمير، الفصل 17، الصفحة 339). بمعنى آخر، الأمير الواعي أو المتيقظ عليه أن يوجد وفق ما يريد هو، وليس على ما يريد الآخرون، ومن هنا تأتي أفضلية الخوف كأداة في السلطة. (المرجع السابق، الصفحة ، 341). واقعية ميكيافلي وتفكيره حول إستراتيجيات فعّالة للتوازن بين القوى الاجتماعية تقوده يعلن عن الأطروحة التالية : أحيانا، الحكام، ومن أجل تهدئة الشعب، عليهم ألا يترددوا في تقديم "كبش المحرقة" والذي سيخدم في مخرج من غرائزه العدوانية وبالتالي إيجاد حل لراحتهم ولجميع المواطنين. في الواقع هذه التفكير الميكيافلي حول التضحية بأحد المواطنين من قبل الدول هو ما يمكن أن نسميه "بجريمة الدولة". فهو يعطي الشرعية للحكام بتصفية المعارضة من خلال ارتكاب الجرائم، ومن غير تقديم هؤلاء للعدالة، لذلك ندرس الفكر السياسي الميكيافلي هنا كجزء تابع لمرحلة الحكم الاستبدادي أو المطلق. ( يمكن مراجعة "الأمير" الفصل 17، الصفحة 338).

    ج ـ ميكيافلي بين الملكية والجمهورية ؟
    ساند ميكيافلي و بشكل متزامن في كتابه "الأمير" وكتاب "خطابات"، الأطروحات الملكية و الجمهورية، لدرجة أن العديد من المحللين اعتقدوا أن أطروحاته غير متماسكة. في الواقع مسألة نموذج أو شكل الحكم كان ثانويا بالنسبة له. فقد كان في البداية مدفوعا بمسألة الاستقلال الإيطالي، إذا إنها الدولة كمجسدة للأمة، التي اهتم بها في المقدمة. ولكن بواسطة من هذه ستؤسس ويتم حكمها ؟

    في " الأمير" يتحدث ميكيافلي عن الحل الملكي. ولكن في كتاب "خطابات" يظهر وكأنه جمهوريا. في الحالتين، الدولة الميكيافلية عليها وفي جميع الظروف أن تحكم من غير اعتبارات للقوانين أو الأخلاق. فروح الجمهورية الرومانية التي تم تحليلها في كتاب "خطابات" هي نفسها المملكة الفرنسية والإسبانية، أو بمعنى آخر سلطة سياسية مطلقة. ولكن يمكننا القول أن ميكيافلي اعتقد أن الجمهورية ليست شكلا جيدا للحكم في إيطاليا آنذاك، وهي على كل فكرة كانت سائدة بشكل واسع في ذلك العصر. إذا بالنسبة للدولة يجب أن تكون خاضعة لرجل واحد فقط يظهر قوة لا تعادلها قوة أخرى في الدولة. ( من كتاب"خطابات" الفصل 9، الصفحة 405). أما السلطة التنفيذية يجب أن تكون واحدة غير مقسمة لاسيما في أوقات الأزمات.

    من جهة أخرى لا يتردد ميكيافلي في القول أن التعددية فيها إيجابيات كثيرة، وخاصة التعددية في ظل"جمهورية". فأفضل القوانين في روما كما يقول، كانت ثمرة للتعددية. ولكن على هذه التعددية أن تتماشى مع اختيارات الحكام.

    ح ـ ميكيافلي و القومية.
    كان ميكيافلي يشعر بالإهانة بسبب الحالة التي تعيشها بلاده أمام الغزو الفرنسي و الإسباني،التي الدول التي اعتبرها أقل حضارة من إيطاليا وهي في نفس الوقت أقوى منها لأنها استطاعت أن تبني وحدة وطنية. من هنا أراد تحقيق الوحدة الوطنية في إيطاليا. قدم ميكيافلي مفهومه للأمة كشخصية مجردة وهي في نفس الوقت أسمى من الفرد الذي يكونها وأيضا لها طابع دنيوي خالص. هذه الأمة هي شيء آخر غير الفرد فليس من شانها الخضوع لأي أخلاق أو قانون. الفكرة الأهم عند ميكيافلي فيما يتعلق بالشعور القومي كانت في إنشاء جيش وطني مؤلف من جميع المواطنين وليس من ميلشيات. أيضا وقف ميكيافلي إلى جانب استخدام جميع الوسائل في العمل الدبلوماسي ضد العدو خاصة إذا كنا لا نملك القوة لمحاربته. فالأمة هنا ليست مضطرة لاحترام كل أنواع المعاهدات و الاتفاقيات التي وقعتها من أمة أخرى.

    أخيرا وفيما يتعلق بميكيافلي ،نستطيع القول أن أفكار ميكيافلي السياسية لاقت إعجابا كبيرا من قبل أنصار الحكم الاستبدادي المطلق في مختلف الدول الأوربية، فالملوك الذين ترددوا في السير خلف شعار "الغاية تبرر الوسيلة"، وجدوا في كتاباته الوسيلة التي حررتهم من هذا التردد. أما في القرن العشرين فحصلت أفكاره على قوة أكبر عند اليمين المتطرف كما عند اليسار المتطرف. وحتى في القرن التاسع عشر لاقت ترحيبا عند ما يسميهم مؤرخ الأفكار السياسية Philippe Nemo " بأسياد الشك" ماركس ونيتشه، إلى منظري التوتاليتارية الذي أخذوا أيضا من أفكاره. واستخدمه كمرجع كل من الفلاسفة Pareto, Sorel , Maurras ، كما كان مشهورا في الأوساط الجامعية الفرنسية كمفكر سياسي كبير وخاصة عند المفكرين المقربين من الماركسية. ونذكر هنا أن المنظر الماركسي الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي اعتبر أن النظرية الميكيافلية في كتاب "الأمير" هي أول نظرية "للثورة"، وقد كانت "اليعقوبية" في فرنسا الثورة الفرنسية وروسيا البلشفية التجسيدات التاريخية الأولى لكتاب " الأمير".



  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي


    2ـ مارتن لوثر ( 1483 ـ 1546).

    دولة وطنية من غير نفوذ كهنوتي.

    يقول الكاتب الإنكليزي Figgis :" لولا مارتن لوثر فلن يكون لويس الرابع عشر". بداية يمكن القول أن لوثر شارك في مساندة فكرية للاستبدادية. فقد أنكر أن الكنيسة أسست بغرض التصرف كسلطة لها نفوذ. وبشكل عام قاعدة فكره هي القناعة أو اليقين العميق بأن دناءة الإنسان، شره،خطيئته، تجعل من الصعب التعايش و التعاون العفوي والسلمي بين البشر. والنتيجة أن تدخل الدولة يمكن أن يسمح بالحفاظ على النظام الاجتماعي. وهنا يلتحق لوثر مع ميكيافلي ولكن فقط في هذه النقطة.

    حياة وأعمال مارتن لوثر.
    درس لوثر القانون في جامعة Erfurt الألمانية،ثم درس علم اللاهوت وأصبح دكتورا في هذا التخصص في Wittenberg. أعطى إشارات أولية بقدوم الإصلاح عندما عرضا وبشكل علني في عام 1517،بيع "صكوك الغفران" من قبل الكنيسة الرومانية. نشر بشكل متقطع منذ عام 1520 ما يسمى "الكتابات الإصلاحية الكبرى" : ( الدعوة إلى النبل المسيحي للأمة الألمانية)، (الأسر أو العبودية البابلية للكنيسة)، (تحليل أو قراءة الحرية المسيحية). قدم ترجمة ألمانية رائعة للكتاب المقدس.بقي زعيما من غير منازع للكنيسة الجديدة حتى موته في عام 1546.

    ـ الأفكار السياسية عند مارتن لوثر.
    يعود لوثر إلى "التشاؤمية" عند سان أوغستان وسان توماس،ووفقها الطبيعة تعافت أو شفيت بواسطة بفضل رعاية الله،والإنسان يمكنه بشكل واقعي ملاحظة قوانين الله ويعمل بنفسه لخلاصه وخلاص العالم،والعقل لا يستطيع فهم الله، إذا لا بد من الخضوع لقوانينه، ليس لأننا سنفهمها ولكن لأنها قوانين الله."فنحن جميعا عبيد، بؤساء، مرضى و موتى" كما يقول لوثر.

    أما الكنيسة يجب ألا تحصل على سلطات سياسية وقانونية خاصة بها. فإذا كان الخلاص يأتي من خلال الإيمان وحده sola fides فإن الفكرة القديمة لكنيسة تعمل كوسيط للحصول على الخلاص يجب أن تختفي. والكنيسة، كما تشير الكلمة اليونانية ecclesia ليست إلا "شعب الله" Gottes Volk"، أو بمعنى آخر مجلس أو تجمع المؤمنين. وهي لا تتعلق إلا بأعضاء هذا المجلس أو التجمع. وفي هذا الحالة كل المؤمنون لديهم صفة روحية ولديهم القدر على مساندة أخوتهم روحيا، وبالتالي ليس هناك رجل دين، بل الجميع يحملون هذه الصفة ،ويقصد هنا انعدام الوصاية الدينية من أي شخص آخر.

    إذا الكنيسة البابوية ليس من حقها الإدعاء بوجود أية امتيازات لها وليس لديها حق بالحصول على الأموال. كما لا يمكنها الحصول على سلطات قانونية وقضائية خاصة تضاف لسلطات الدولة وتكون بهذه الحالة سلطة أخرى ذات نفوذ داخل الدولة.حتى السلطة القضائية داخل الكنيسة نفسها يجب أن تمارس من قبل سلطة زمنية وليست دينية.

    كذلك،أطروحة لوثر تلتحق بالأطروحة الأصلية عند سان أوغستان : كل أعمال السلطات الزمنية يجب أن تكون معتبرة كإرادة أو مشيئة سماوية إلهية، يقول لوثر :"الملوك أو الأمراء واجبهم استخدام السلطات التي أعطاهم إياه الله، عليهم الانشغال بكل حاجات شعوبهم من سلام وازدهار. عليهم إلا يستغلوا سلطاتهم وخاصة ضد فيما يتعلق بحرية العقيدة. إذا هنا يضع لوثر حدودا للسلطة المطلقة للملوك، فعلينا ألا نخضع لهم عندها لا يظهرون الرحمة.

    هذه الحدود اللوثرية للسلطة تختلف بشكل كبير عن تلك الحدود التي ستضعها فيما بعد التقليد الليبرالية وكما سنراها في الفصول اللاحقة. هذا الاختلاف يأتي من جانبين :
    الأول: لوثر،ومن أجل إنشاء هذا الحد في الخضوع الواجب للحكم، لا يستند على بعض القواعد السامية كما هي في القانون الطبيعي، بل يستند على أن الحكومات لن تذهب ضد إرادة الله، وحيث القديسين في الأرض هم متحدثين باسم الله، فالقانون الطبيعي بحد ذاته ليس له أية قيمة.
    ثانيا : إذا أكد لوثر حق المسيحي في عدم الخضوع للأوامر الإلحادية للحكومة، فإنه أيضا يدين كل مقاومة حقيقية. فالعقوبات الناتجة عن عدم الخضوع يجب ألا نتجنبها لأنها تجارب من عند الله " علينا ألا نقاوم الطغيان، بل الألم مع الصبر". ( المرجع السابق، صفحة 17).

    أخيرا، أفكار مارتن لوثر ساعدت في ظهور الملكية المطلقة في أوربا الشمالية ،ألمانيا،اسكندنافيا وفي مناطق أخرى، وبشكل أقل بكثير في إنكلترا. وجاءت كتابات كل من Philippe Melanchton (1496 ـ1540) في ألمانيا، و William Tyndale (1495 ـ 1536) في إنكلترا، لتطور بشكل كبير المبادئ و نتائج الأفكار السياسية عند مارتن لوثر. هذان الكاتبان اقتسما مع غيرهم أيضا، أفكار سيد Wittenberg والتي تقول بأن النظام الاجتماعي هو مشيئة الله أو بمشيئة سماوية ومن الخطأ القيام بثورة ضده.

  9. #9

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي

    ـ جان بودان (1529ـ 1596) ، منظر للدولة ذات السيادة.
    جان بودان وضع من جانبه أسسا للاستبدادية من خلال وضع نظرية للدولة السيادية وهي من المصادر الأساسية للتقليد الدستوري الفرنسي.

    حياته
    ولد في Anger. كان ابن لتاجر غني ينتمي لعائلة من القضاة. عاش في باريس، "تولوز" و "نانت" (مدن فرنسية)، تعلم القانون ثم أصبح مدرسا له. بعد ذلك أصبح محاميا في البرلمان بباريس. نشر في عام 1566 كتابه " Methodus ad facilem historiarum cognitionem" (منهج من أجل معرفة التاريخ بسهولة). تمت تسميته من قبل "شارل الرابع" مفتشا في منطقة النورماندي. انتقل للعمل بعد ذلك للعمل مع أخ الملك هنري الثالث الدوق "ألينسون" وسافر معه إلى إنكلترا وهولندا.

    أعماله
    أهمها: كتاب "الجمهورية" la République، وفي هذا العمل يتخذ جان بودان مواقف تتعلق بمذهبه الفكري السياسي الذي يتطابق بشكل كبير مع الحكم المطلق، وفي عام 1986 صدر عن دار نشر "فيارد" في باريس تحت عنوان "الكتب الست للجمهورية". وكتب جان بودان "مسرح الطبيعة العالمية" ونشر بعد موته بعام واحد. من جانبا سوف نقرأ أطروحاته الفكرية السياسية التي وردت في "الجمهورية".

    "الجمهورية" هو من أوائل وأهم كتب الفلسفة السياسية في العصور الحديثة (بالمعنى العلماني للمصطلح)،ويقدم نظرية دستورية كاملة. منهج جان بودان في هذا العمل هو منهج قانوني وتاريخي بشكل أساسي. في جوهر العمل،"الجمهورية" يقدم المبادئ التي يمكن أن تبنى عليها دولة ملكية قوية وموحدة،وفيها قانون وإدارة متجانسة. بداية سندرس النظرية العامة للدولة السيادية،ثم النظام الذي تمناه جان بودان لدولته فرنسا. وأخير سنحاول تبيين أن،وبشكل مختصر، هذه النظرية أخذت معناها ضمن سياق وصيرورة كبيرة، سيسيولوجية و وكوسمولوجية. قبل ذلك نشير على عناوين "الكتب الست" للجمهورية وهي كالتالي : الأول (تعريف الجمهورية ونظرية السيادة)، الثاني (الأنظمة السياسية)،الثالث(البنى الإدارية للدولة)، الرابع و الخامس (نظرية الأعراق و المناخات،دراسة التوازنات الاجتماعية،التطورات و الثورات)،السادس (قضايا خاصة تلمس الرقابة أو النقد،الأموال،العملة،الأن ظمة السياسية، العدالة المتناغمة).

    1 ـ الدولة السيادية.
    السيادة هي المفهوم المركزي لنظرية جان بودان في الجمهورية، أي الدولة.هذا المفهوم يسمح بتحديد ماهية الدولة نفسها وما هي عليه بالنسبة للقوى الخارجية. والسيادة تتصف وفق بودان بالعديد من "العلامات"، حيث تعود النقاط التالية وبشكل خاص لمفهوم السيادة:
    أ ـ إصدار و إنهاء القوانين.
    السلطة السيادية أو "صاحب السيادة" يستطيع فقط وضع القوانين، أما السلطات الأخرى التي تصدر أوامرها أو بعض القواعد وإن كنا ندعوها قوانين فإنها لا يمكن أن تصبح كذلك إلا بعد مرورها للبحث أو الدراسة "السيادية". هنا يميز بودان بين "محتوى" القوانين وبين "شكلها". فالمحتوى يمكن أن يحدد من خلال مستشارين قضائيين،التقاليد،العادات ..الخ،بمعنى من خلال أشخاص لا ينطبق عليهم مفهوم السيادة. فالمفهوم الأخير وحده يستطيع أن يعطي للقوانين شكلها أي قوتها المجبرة أو المرغمة. أما السلطة التنفيذية يمكنها أن تمتلك سلطة إعلان أو إصدار القوانين ،تصحيحها وتفسيرها أيضا.ويعارض بودان حق التفسير للقوانين من قبل القضاة، بل يذهب في ذلك إلى الحد الأقصى، فما يرفضه هنا " معارضة أن تكون الهيئة القضائية مصدرا، أو على الأقل مصدرا شرعيا بنفسها، للقانون". وكل "علامات"السيادة الأخرى هي في السلطة التشريعية.

    ب ـ قرار السلم و الحرب.
    هذا القرار يجب ألا يخلط وفق جان بودان مع السلطة العسكرية أو الإستراتيجية. فالقيادة تعطى في مثل هذه الظروف لفرد أو مجموعة تستطيع التصرف في الحرب بصفة ملكية وتكون لديهم سلطات واسعة بل مطلقة، مع ذلك هؤلاء لا يتصرفون إلا كمندوبين عن "السيادة"، المجلس الشعبي أو مجلس الشيوخ،والذي وحده يمكن أن يدخل البلاد في حرب أو يمكنه أن يسحبها منها.

    ت ـ تسمية منفذي سياسات الدولة.
    هذه التسمية تعود للهيئة السيادية. ويبارك بودان في هذا الصدد السلطة الملكية في فرنسا والتي في عصره قامت بجعل هذه الموضوع محصورا بالملك وسحبته من الإقطاعيين أو الأقل منهم سلطة.



    ث ـ ممارسة حق العفو.
    يرى بودان أنه في روما، كل الحكومات الإقليمية ورغم أنها تجمع في يدها كل السلطات القضائية، إلا أنها لم تمتلك حق العفو،فهذه السلطة تعود فقط للشعب.أما في فرنسا فرأى بودان أنه من الواجب وضع حد فوري لإعطاء هذه السلطة لأي جهة غير سيادية.

    2 ـ استقلالية الدولة ـ الأمة بالنسبة للقوى الخارجية.
    في الكتاب الأول من "الجمهورية" يتحدث بودان عن العلاقات السياسية والاجتماعية التي كانت قائمة مع وجود الإقطاع والطبيعة العائلية لهذه العلاقات التي حولت أوربا إلى فوضى وأنهت الاستقلالية بسبب غياب السلطة السيادية. ففي العصر الإقطاعي، وبسبب علاقات الزواج و الميراث القائمة تمت إعاقة قيام إقليم موحد. فعند جان بودان كان لابد من الخروج من هذه الحالة من خلال إقامة إقليم واضح فيه سلطة أو قوة سيادية واحدة. هذا الخروج يتم بواسطة تبني نظرية قيام "الممالك ـ الأمم". أي يجب تقسيم أوربا إلا دول مستقلة كل منها يمارس سيادة خاصة على إقليمه، وبهذا يكون جان بودان قد ساهم بشكل كبير في وضع مفهوم "الدولة /الأمة" الحديث.

    3ـ سيادة مطلقة ولكن ليست غير محدودة.
    أ ـ السيادة غير مجزئة.
    أطروحة بودان هنا، هي أن إرادة الملك يجب أن تكون أكيدة وتظهر في كل لحظة، وهذا لن يكون ممكنا إذا كانت السيادة مجزئة. هذه الحالة نجدها في الأنظمة "المختلطة". ويقف بودان بكل قوته ضد هذه الطرح التقليدي الذي كان مطروحا في زمنه من قبل الدستوريين البروتستانت. يعتقد جان بودان أن الدولة يجب أن تبنى وفق تراتبية تشبه البناء المعماري، حيث كل فيها يستطيع أن يكون له سلطة أساسية، ومنها كل السلطات الأخرى للدولة وكل القواعد القانونية تستطيع أن تكون معتبرة كصادرة وفق صرامة وشفافية، أو ما يسميه بودان " تراتب القواعد والقوانين". النظام المختلط لا يستطيع إلا أن يكون مفتوحا باتجاه هذه التراتبية.

    ب ـ السيادة ثابتة أو خالدة.
    السلطة المطلقة لن تكون محدودة مع الزمن. لذلك السلطات ذات الفترات المحددة مثل القضاة و القواد، أو نواب الملك،الأمراء والحكام ستنتهي عند عزل هؤلاء، وبالتالي لا يمكن اعتبارها سلطات سيادية.(من كتاب الجمهورية الأول،الصفحة 180).

    ت ـ السيادة هي مطلقة.
    السلطة ومن أجل أن تكون "سيادية"، يجب أيضا أن تكون "مطلقة"، وهنا في الواقع نلمس المفهوم المركزي لمذهب "السلطة المطلقة". حيث جميع القوانين الداخلية مهما كانت فهي لا تستطيع أن تقف أو تشكل صعوبة أمام القانون الصادر عن الملك. (من الجمهورية الأول،الصفحة 192).

    ث ـ الملك ليس لديه عقد مع الشعب.
    يتابع جان بودان أطروحته، لا يوجد أي عقد يربط الملك مع الجسم الاجتماعي. لأن هذا العقد سيكون القانون المشترك للأجزاء التي تكونه، وبالتالي هذا يحد من السيادة المطلقة ( الجمهورية الأول، الصفحة 187)، وهنا من جديد يتجلى الفكر السياسي عند بودان والداعم للسلطة المطلقة.

    ج ـ الحد الحقيقي للسيادة المطلقة: هي "قوانين السماء والطبيعة".
    مع كل ما سبق، فإن جان بودان لا يصل إلى الحالة الميكيافلية. في الواقع،وفق بودان، السيادة المطلقة والتي هي غير محدودة بالنسبة للملوك وفق ما رأينا، هي بشكل قاس محدودة بشكل آخر: "السلطة المطلقة لا يمكنها أن تمتد لتصل لقوة القوانين الإلهية أو قوانين الطبيعة". (الجمهورية، الكتاب الأول،الصفحة 193). يمكننا ترجمة احترام السيادة المطلقة أو السلطة المطلقة "لقوانين الله والطبيعية" عند جان بودان من خلال وضع حدود مجسدة جدا وواضحة لسلطات الدولة. كما أنه على الدولة احترام الملكيات الخاصة واحترام المواطنين أيضا.

    ح ـ مشكلة الضريبة والعملات.
    الضريبة كانت في عهد جان بودان كشيء جديد وقليل الشرعية. ومنها يرى بودان أن الملك لا يستطيع إقرار الضريبة أو ضرائب غير عادية من غير موافقة المقاطعات أو الدول التابعة له. أيضا بالمقابل يعتقد بودان أنه لا يوجد شخص على الإطلاق،وابتداءا من الملك، يستطيع التلاعب بالعملة أو بالنقد.






    [4 ـ النظام الأفضل: الملكية أو "الملكية الشرعية".

    النظام المثالي الأفضل،وفي جميع الظروف،بالنسبة لفرنسا عام 1576 هو،وفق بودان، "الملكية الشرعية". "ملك فرنسا عليه أن يحكم بناءا على القوانين حتى ولو كان هو لذي يضعها أو هو الذي يغيرها. عليه أن يحترم الحريات الفردية و الملكيات الخاصة.فالملكية المثالية لفرنسا ستكون شكلا من أشكال عودة الإمبراطورية الرومانية، أو على الأقل عودة ما استطاعت هذه الإمبراطورية تقديمه في أفضل أيامها تحت حكم عائلة "أنطونيوس".هذه الملكية الشرعية تتعارض مع الملكية الطاغية التي لا تحترم القوانين ولا "قانون الله أو قانون الطبيعية". إذا إنها تصالح بين الحكم المطلق و حرية الأفراد الذي يجب أن يبقون أسيادا على أنفسهم وممتلكاتهم. في الملكية الشرعية كل يخضع لقانون،الناس لقانون الملك،والملك لقانون الله والطبيعة"،( الجمهورية،الكتاب الرابع،الصفحة 210 ـ 213)، وهنا يظهر بودان قريبا جدا من "شيشرون" المفكر السياسي في العصر الروماني أكثر مما هو قرب من ميكيافلي أو هوبز.

    في النهاية، "دولة" جان بودان ستكون ملكية متجانسة وتراتبية، حيث النظام والتماسك سيكونان مضمونان بوجود سلطة ملكية مطلقة،غير مجزئة ولا اعتراض عليها. وضمن فكر جان بودان، ممارسة هذه السلطة المطلقة لا تهدف في النهاية لتوحيد المجتمع في شكل واحد،بل على العكس من ذلك يجب أن تكون موجهة لقيان التعددية والحفاظ عليها في المجتمع أو ما يسميه بودان بالتناغم. فالدولة الملكية التي تحكم بشكل متناغم هي الأكثر جمالا والأكثر كمالا. ( الجمهورية،الكتاب الخامس، الصفحة 303).

    التماسك الفلسفي أو الروحاني "الخفي" لفكر جان بودان هو ناتج عن فكرة أن البنية التناغمية و الانسجامية harmonique للعالم ترتكز على الوحدة الغير مجزئة للسيادة، إن كانت في الكون حيث الله هو صاحب السيادة الغير مجزئة، و في الدولة حيث الملك صاحب الحكم المطلق، أو إن كانت في الروح حيث العقل أو الفكر هو صاحب السيادة الغير مجزئة. يقيم جان بودان من خلال هذا التماسك الذي يكاد يتطابق مع النموذج الأفلاطوني الأكثر اكتمالا، توازيا بين شكل الروح وشكل المدينة. (انظر: الجمهورية، الكتاب السادس، الصفحة 307).

    هذا هو برنامج جان بودان الذي اقترحه على ملوك فرنسا. ولكنهم بالإضافة للقضاة وحاشيتهم، لم يفهموا جيدا هذه التعليمات.لم يفهموا أو يستوعبوا دروسه الأساسية حول التناغم و الانسجام التي ضمت بين سطورها مبدأ التعددية الديمقراطية والليبرالية، بل أخذوا منها ما يتعلق فقط بالحكم المطلق أو السلطة المطلقة.

  10. #10

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر السياسي الغربي


    4ـ توماس هوبز ( 1588 ـ1679).

    في انكلترا،الملوك Stuarts أرادوا السير على خطى ملوك السلطة المطلقة في فرنسا.وفي اللحظة التي ووجهت سلطتهم بالرفض من قبل الثوريين "الطهريين" puritains (جماعة بروتستانتية طالبت بالتمسك بالفضيلة)، ظهر منظر كبير للدفاع عن الحكم المطلق، إنه توماس هوبز. النقاط التي انطلق منها هوبز تختلف عن الآخرين السابقين الذين نظروا للسلطة المطلقة. عند هوبز لا يوجد"قانون سماوي"، لا توجد مرجعية للقانون الإمبراطوري الروماني ولا إلى فكر سان أوغستان. لقد انطلق من مفهوم مادي للإنسان.

    حياته
    حياة هوبز وأعماله تتمركز ضمن سياق الثورة الإنكليزية الأولى. بسبب انتمائه لعائلة غير ميسورة،قام عمه بتقديم المساعدة له كي يستطيع إكمال دراسته والتي أتمها في جامعة أكسفورد.عمل بعد ذلك سكرتيرا عند المستشار "فرنسيس باكون" وهو "رئيس وزراء" شارل الأول. وبسبب الحرب الأهلية غادر إلى فرنسا واستقر فيها حتى عام 1651 حيث تعرف على العديد من المثقفين والعلماء الفرنسيين( Mersenne, Gassendi , Descartes) . وخلال هذه المرحلة من حياته وفي باريس أنجز أهم عملين سياسيين لديه De Cive ( 1642)، Léviathan (1651).

    عاد إلى إنكلترا، ولكن أعداءه أشاعوا عنه أن هذه العودة هي بسبب ارتباطه بنظام Commonwealth of Cromwell ، وهو نظام يتطابق عمليا مع أطروحة هوبز الأساسية في كتابه Léviathan،والقائلة أن شرعية أي نظام سياسي هي في قدرته على تامين وحماية النظام العام والاستقرار. أثناء "عودة العرش" Restauration في عام 1660، لم يقلق هوبز كثيرا، ولكن الملك شارل الثاني منعه من نشر كل كتابة سياسية له ويعود هذا في جوهره لسمعة هوبز بأنه ملحد ولا يعترف بالأديان. تفرغ هوبز بعد ذلك لإكمال عمله الفلسفي، قضايا الرياضيات والعلوم الطبيعية، ثم قام بترجمة هوميروس.

    أعماله
    ـ السياسية : "عناصر القانون" بالإنكليزية، طبع في عام 1650؛ " المواطن" De Cive باللاتينية، عام 1642؛ "التنين" Léviathan بالإنكليزية، عام 1651، وظهر عنه نسخة مصححة باللاتينية في عام 1668.
    ـ الفلسفية : De Corpore 1655، De Homine 1658، Elementa philosophica، ثم عمل عن فلسفة ديكارت في عام 1641.
    ـ التاريخية : Behemoth أو the Long Parliament أو بصيغة أخرى ( Dialogue of the Civil wars of England كتب نحو عام 1668، لم ينشر أثناء حياته، وهو وصف للثورة الإنكليزية.
    ـ العلمية : كتاب في البصريات، كتاب في الرياضيات ويقول فيه أن وجد حلا لتربيع الدائرة.

    كتاب Léviathan ( وهو واحد من وحشين مذكورين في التوراة)، يشكل عملا فلسفيا كبيرا. في قسم كبير منه يحلل الإنسان، طبيعته، روحه، طرقه للمعرفة وللعلوم. وفي القسم الثاني يكرسه "للجمهورية" أو بمعنى آخر الدولة. القسم الثالث والرابع للقضايا الدينية.

    1ـ حالة الطبيعة عند هوبز.
    أ ـ حرب الكل ضد الكل:
    في رأيي هوبز، الطبيعة جعلت من الناس متساويين. في الواقع يوجد اختلافات في القوة الجسدية والفكرية بين البشر،ولكن هذا لا يبرر اللامساواة الدائمة. فالضعيف،يقول هوبز،هو دائما لديه القوة الكافية من أجل قتل القوي، فالاختلافات الجسدية يمكن أن تصبح لا قيمة لها. أما بالنسبة للاختلافات العقلية فهي وهمية لحد كبير: فكل واحد يعتقد نفسه أكثر ذكاء من الآخرين، ولكنها فكرة موجودة عند كل البشر.
    ب ـ (...) من المساواة تأتي الريبة والشك:
    المساواة نفسها تسمح لكل واحد بالاعتقاد أنه يستطيع هزيمة الآخر، أو أن يكون مهزوما من قبله.إذا المساواة وبعكس ما نعتقد في الغالب، لا تحدث الألفة أو الود،بل تحدث الشك والريبة .
    ت ـ (...) من الشك إلى الحرب:
    بفعل هذه الريبة، فإنه تصرف عقلاني بالنسبة للإنسان ألا ينتظر أن يهاجمه الآخر، بل أن يأخذ المبادرة و يجعله غير قادر على مضايقته المحتملة وحتى يصل إلى درجة لا يمكن لأي شخص أن يهدده.(المرجع السابق).

    ضمن هذه الظروف، نحن نفهم أن المجتمع، في حالة الطبيعة، هو بشكل كبير غير مستقر، وفي هذه الحالة البشر "هم في ظرف كهذا نستطيع أن نسميه بالحرب، وهذه الحرب هي حرب الكل ضد الكل" ،"وما هو أخطر من كل شيء، أن هذه الحالة من الحرب هي مستمرة، وبالتالي حياة الإنسان ستكون مليئة بالوحدة والرعب وقريبا جدا من حياة الحيوان" .

    2 ـ حالة الطبيعة هل هي حقيقة موجودة ؟
    هوبز يجيب : لم يوجد لحظة في التاريخ حيث كل الإنسانية عاشت في حالة الطبيعة. بالمقابل يوجد مناطق عرفت هذه الحالة ويعطي مثالا عن القارة الأمريكية. وحالة الطبيعة توجد أيضا بين الأمم، أما الدليل فهو واضح جدا: كل الدول تتسلح وترسل الجواسيس وتبني جيوشا. لكن المثال الأكثر عمقا عن حالة الطبيعة عند هوبز فيراه في "الحرب الدائمة وحالة الطبيعة الدائمة" في الدولة البوليسية نفسها، فهي تهدد بالظهور في كل لحظة.
    3 ـ لا يوجد عدالة في حالة الطبيعة.
    يصل هوبز إلى هذه النتيجة من خلال العديد من المضاعفات التي يتحدث عنها. ففي الحرب"العنف و الخديعة هما الفضيلتان الأساسيتان"،حيث لا مكان للحديث عن العدالة و الظلم، ما يمكن حسابه فقط هو علاقات القوة. وحالة الطبيعة هي حالة من الحرب، إذا نستطيع القول أن العدالة و الظلم غير موجدين فيها،حتى أنه لا يوجد قانون طبيعي". (المرجع السابق،الصفحة 126). أيضا يقول هوبز:"في حالة الطبيعة، مفاهيم الشرعية و اللاشرعية،العدالة و الظلم، ليس لها مكان. هنا حيث لا يوجد سلطة مشتركة،لا يوجد قانون". ( الصفحة 126).
    4 ـ مشكلة التعاقدات.
    حالة الطبيعة إذا لا يمكن العيش فيها، لذلك لا بد من البحث عن مخرج. ولكن كيف؟ للإجابة على هذا السؤال ،يحاول هوبز توضيح مفهوم العقد أو التعاقد. فالقانون الأول للطبيعة هو حماية النفس،ولهذا الغرض الإنسان يقوم بالحرب. ولكن إذا وجدت وسائل أقل تكلفة للحماية من الأخطار، فإن هذا سيكون بالنسبة للإنسان قانونا طبيعيا للعقل أن يقبل بالوسائل الجديدة. وحتى توجد هذه الوسيلة لا بد من المضي إلى مرحلة العقد. للأسف،من أجل إقامة العقد لا بد إجباريا عند هوبز من رفض الأفكار التقليدية "للحالة الاجتماعية الطبيعية"، للوعي الأخلاقي وللنيات الطيبة، هذه الأفكار التي تقع ضمن النظريات التقليدية للقانون الطبيعي؛ لأن هوبز يعتقد ومن أجل الوصل للتعاقد مع الآخر، أنه لا بد من الحديث معه، لكن الكلام لا يكفي فهو ليس إلا كلاما في الهواء، خاصة عند يشعر الإنسان بخطر يهدده فإنه يتخلى عن هذا الكلام. وفي هذه الحالة لا يحترم الكلام إلا بوجود قوة مشتركة تعاقب من لا يحترم التعاقدات وفي جميع الظروف وبالتساوي بين الجميع. وفي هذه الحالة فقط لا غير يمكننا الاعتماد على احترام التعاقد، ويصبح العقد عقلانيا و ليس طبيعيا. يبقى في هذه الحالة اختبار مدى إمكانية و طرق إقامة تلك القوة التي تحكم بين الجميع والتي هي إشارة لانتهاء عصر بأكمله وبداية طريقة أخرى في الحياة. في الجزء الثاني من كتاب"التنين" والمعنون "بالجمهورية" يختبر هوبز هذه الإمكانية.



    5ـ العقد الاجتماعي عند هوبز.
    أ ـ مقدمة أساسية:
    القوة التي ستحك بين الناس سيتم إذا التعبير عنها من خلال عقد اجتماعي، هذا العقد سيكون فريدا بشكله ومحتواه، بمعنى أنه لن يحتاج إلا ضامن له، لأنه هو الضمان بحد ذاته. هنا هذا العقد سيؤدي إلى قيان "سلطة مرئية" قادرة على :" إقامة الاحترام بين البشر، ربطهم ببعضهم من خلال الخوف من العقوبة" . يحدد هوبز في هذا الموضوع العديد من النقاط الأولية :
    ـ القوة "التحكيمية" التي سيقيمها العقد يجب أن تكون وحيدة في الدولة، حتى لا توجد قوى أخرى ضد هذه القوة.
    ـ بما أنه لا يوجد عدالة أو ارتباط واختلاط اجتماعي طبيعي، فإن هوبز يرد بشكل "مبطن"،كما سنرى، على أطروحة أرسطو والتي وفقها يوجد تناغم عفوي أو طبيعي بين البشر،وأن العقد ليس ضروريا.

    ب ـ إنشاء أو خلق الكومونويلث Commonwealth أو "الرابطة".
    ما يجب القيام به وفق هوبز:" أن يسلم أو يعهد الناس بكل سلطتهم وقوتهم لشخص واحد،أو إلى مجلس واحد والذي يستطيع التقليل أو تخفيض كل أشكال العنف، وذلك من خلال قاعدة الأغلبية، أو على إرادة واحدة (....)حيث كل واحد يعترف و يعترف له ككاتب لكل ما سيحصل أو ما يجب أن يحصل فيما يتعلق بالسلم والأمن المشترك".( الجمهورية،الكتاب الثاني، الفصل 17، الصفحة 177).

    وما يجب أن يحصل:" من خلال تعاقد كل واحد مع الآخر و كأن كل منهم يقول للثاني: أسمح لهذا الإنسان أو هذا المجلس وأترك له حقي في حكمي". (المرجع السابق). نشير هنا إلى أن العقد الاجتماعي عند هوبز ليس بين مواطنين وملوك، بل "بين واحد و واحد آخر". أما العلاقة هنا فهي قائمة بين المتعاقدين، والملك "أو صاحب الحكم والسيادة" هو خارج العقد وليس جزءا منه. بمعنى آخر انه غير مرتبط بأي شيء،لا يعد المتعاقدين بشيء. طبعا هذه النسخة من العقد الاجتماعي هي أصلية وجديدة أتى بها توماس هوبز. إذا المتعاقدون والملك لا يشكلون كائنا واحدا نسميه الجمهورية (الكومونويلث أو civitas في اللاتينية)، لأنه من خلال هذا النقل للإرادات إلى إرادة واحدة تمثلها جميعا،هذا النقل هو أكثر من "توافق". فما يتم تحقيقه هو وحدة حقيقية، "شخص واحد". ومن يمتلك هذه الشخصية نسميه الملك، والآخرون هم خاضعون له " حيث أنه،هذا الملك،يمثل المجموع،وأن هذا العقد للتمثيل هو من يؤسس المجموع، فالملك هو المجموع.لا يوجد مجموع لوحده و ملك لوحده من جهة أخرى، فالمجموع ليس مجموع أو جماعة إلا لأن أعضاءه يربطون شخصيتهم في ممثل واحد لهم هو الملك". (المرجع السابق). بهذه الحالة نلاحظ عدم الفرق عند هوبز بين المجتمع والدولة،إنهما كلا واحدا. المجتمع هو الدولة، والدولة هي المجتمع. والسبب أنه لا يوجد عقد بين " ليفياثان" Léviathan ( وهو وحش مائي في الأسطورة الفينيقية تم ذكره في التوراة،حيث أصبح رمزا وثنيا للعبادة) و الشعب،لا يوجد مكان في نظرية هوبز للفكرة الليبرالية القائلة "بمجتمع مدني" يميز عن الدولة. فالمجتمع ليس موحدا إلا من خلال وداخل الملك،ليس له سوى رأس واحد وصوت واحد، إنه صوت الملك، وإذا هذا الأخير رفض أو تاجر بسلطته المتفردة فإنه يتوقف عن الوجود.

    6 ـ " الليفياثان" Léviathan.
    يرى هوبز أن الدولة هي كائن قوي مهما كان الشكل أو الطريقة التي وجدت من خلالها. هوبز يعطي أو يهب هذه الدولة اسما غريبا " الليفياثان الكبير"، وهو أقل من إله وأكثر من إنسان، و عن هذا الكائن أيضا يقول هوبز :" إن سلامنا وحمايتنا تعود لهذا الله الذي لا يموت" أي الدولة. إنه يشكل بهذه الطريقة بل يؤسس من دون أدنى شك واحدة من النظريات الأكثر تطرفا التي عرفت عبر التاريخ فيما يتلق بموضوع الدولة وسلطاتها على الأفراد.

    "الليفياثان" هو من سيضع القانون القضائي والأخلاقي في كل ما يتعلق بالأفراد. فالقانون ليس شيء آخر سوى إرادة الملك.القانون بالمعنى الدقيق للكلمة هو "قيادة الشخص"، هذا الأخير الذي لديه في نفسه مبدأ الخضوع. ( من كتاب " المواطن" De Cive ، الفصل 14، الصفحة 1). القانون هو : " بالنسبة لكل خاضع، مجموعة من الأحكام، والتي الجمهورية، شفهيا أو كتابيا أو أية طريقة أخرى تشير إلى إرادتها، تقوده للتميز بين ما هو صحيح وما هو خطأ ( right….wrong) بمعنى ما هو ضد القانون وما هو ليس ضده". ( الليفياثان،الكتاب الثاني، الفصل 26،الصفحة 282).

    يرى هوبز أن المذاهب البرلمانية أخطأت عندما اعتقدت أن قبول أو رضاء الجسم التمثيلي يمكن أن يضيف شيئا على القانون. فسلطة الملك غير محدودة.لا يوجد قانون أعلى منه، فهو من يعرّف القانون والأخلاق،وهي ليست إلا شرحا لإرادته. سلطته أيضا لا يمكن الحد منها بسلطات أخرى، لأن جميع السلطات موهوبة منه. أيضا حكمه المطلق غير قابل للتجزئة وهنا يلتقي هوبز مع جان بودان في هذا الموضوع.
    أيضا ووفق هوبز، لا يستطيع أحد الاعتراض على المؤسسة الملكية التي تم الاعتراف بها من قبل الأغلبية، ولا أحد يستطيع تجريم أفعال الملك. لأن كل واحد أراد مسبقا كل ما يريده الملك؛ لا شيء من تصرفات الملك يمكن أن يعاقب عليها من قبل الخاضعين له، لأننا نعاقبه بهذه الحالة بسبب فعل قمنا به بأنفسنا. الملك هو من يقدر الضروري للسلام والدفاع عن رعاياه. إنه يختار مستشاريه ووزرائه،يحقق العدالة،يقرر السلم والحرب.
    إن نظرية الحكم المطلق عند هوبز،كما هي عند جان بودان، تتلاءم مع أشكال متعددة للأنظمة، لأنها تستطيع اتخاذ تجسيدات متعددة للملك، ومنها التقسيم التقليدي للأنظمة: ملكية،أرستقراطية و ديمقراطية.لكن هوبز يفضل الملكية من بين مختلف الأنظمة الأخرى التي تشبه الملكية. إن حجج هوبز في دعمه للملكية أو أهمية نظريته تكمن في أنها تدافع عن السلطة المطلقة للدولة، وبعيدا عن أية مراقبة ديمقراطية، أخلاقية أو أي شكل من أشكال القضاء. فالدولة عند هوبز لديها جميع الحقوق.

    خاتمة حول الحكم المطلق أو الاستبدادي.
    لقد رأينا في هذا الفصل الذي تحدثنا فيه عن الحكم المطلق أن لطبيعة هذا الحكم مصادره في القانون الإمبراطوري الروماني، مصادر لم تخلو من طعم السلطة البابوية الكنسية ثم الدول "العلمانية" التي استخدمت هذا الحكم في صراعها ضد الإقطاعية في القرون الأخيرة من العصر الوسيط. مع ذلك،وخلال فترة طويلة جدا، الكنيسة و الدولة كانتا قوتان متوازنتان لا تستطيع قوة من بينهما إخضاع الأخرى وتأسيس سلطة مطلقة بشكل كامل. العقبة أمام السلطة الكهنوتية جاءت من خلال "علم لاهوت عصر الإصلاح". أما ما تبقى من البنى الاجتماعية الإقطاعية فقدت شرعيتها مقابل الدولة ولو في بعض الدول من دون غيرها. إن مذهب الحكم المطلق الغير قابل للتجزئة تم رسمه على يد جان بودان، وتبعه معظم القضاة الفرنسيين في مجال القانون العام. ولكن ميلاد علوم اجتماعية جديدة سيضع هذا المذهب بعد فترة زمنية قيد المساءلة و البحث.


 

 
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الفكر السياسي عند جون لوك
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-02-2012, 19:34
  2. الفكر السياسي الروماني
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-01-2012, 19:23
  3. الفكر السياسي الحديث
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 29-01-2012, 18:27
  4. الفكر السياسي الاغريقي
    بواسطة كبرياء أنثى في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 19-12-2011, 15:24

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •