الإعلام وأخلاقيات المهنة


تتمتع وسائل الإعلام بأهمية كبيرة في العصر الحديث. فقد أصبحت هناك حاجة ملحة لمتابعة الأحداث والأخبار في كل مكان في العالم، ويرجع الفضل في ذلك إلى انتشار التعليم من ناحية والتطور الصناعي المعاصر من ناحية أخرى، حيث انتشر استخدام الراديو والتليفزيون والمحطات الفضائية والإنترنت والصحف والمجلات باختلاف أنواعها واتجاهاتها مما أدى إلى سرعة انتقال المعلومات.
والإعلام بوسائله المتعددة يؤثر تأثيرا كبيراً في توجيه الرأي العام، ويعتبر وسيط التغيير، فهو الذي يخلق وعياً لدى المجتمع بمعوقات التقدم فيه، كما أنه يروج لأفكار المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية.
ويكون التأثير الإعلامي كبيراً عندما يتمتع المجتمع بحرية التعبير التي تعني الحق في نقل الأفكار والآراء والمعلومات بدون قيود حكومية بهدف تشجيع نقل الأفكار التي تتيح سهولة ودقة اتخاذ القرارات المناسبة حول الشؤون العامة وصالح المجتمعات.
إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة فهناك أخلاقيات المهنة التي تحكمها في الأساس أخلاق عامة مثل الصدق والشرف والنزاهة، وإلى ما شاكل من أخلاقيات، والغرض منها في النهاية هو تحسين الأداء الإعلامي والتحكم في وسائل الإعلام لصالح عامة الناس.
والفكرة في الأساس أن يكون هناك حوار بين جميع الأطراف في المجتمع للوصول إلى المعايير الأخلاقية الهامة، خاصة أن هناك معايير أخرى لا يمكن إغفالها في عالم اليوم مثل الكفاءة والقدرة وفهم المتغيرات الحقيقية التي يشهدها العالم وهي أهم قيمة الآن في أخلاقيات المهنة، بحيث تستند على احترام الأفكار التي تطرح من الأطراف الأخرى ليحدث التوازن الطردي بين العاملين والمستهلكين في حقل الإعلام.
وفي هذا الإطار يجب أن نشير أن هناك 4 وظائف أساسية تقوم بها وسائل الإعلام، الأولى، وظيفة سياسية وتعني إبلاغ المواطنين بكل ما يدور في الحكومة والهيئات الأخرى من أنشطة حيث تصبح وسائل الإعلام جزءاً متداخلاً في العملية السياسية من خلال مراقبة مراكز السلطة على كل المستويات. الثانية، الوظيفة التعليمية، وتشمل تقديم التقارير الصادقة ومناقشة مختلف الأفكار والآراء والمواقف. الثالثة، وظيفة المنفعة، وتعني تقديم المعلومات المرتبطة بالأحداث، أي أن تكون الصحافة مر ة لما يقع من أحداث في المجتمع. والرابعة هي الوظيفة الثقافية، وتعني تدعيم القيم والتقاليد والمعايير المثالية للمجتمع.
وبالتالي فهناك مبادئ أو مسؤولية Responsibility تقع على كاهل وسائل الإعلام لتحقيق الوظائف السابقة بطريقة إيجابية أو مسؤولة من خلال 3 مستويات:
1 - مسؤولية الإعلامي تجاه المجتمع العام ويتحقق ذلك من خلال إتاحة المعلومات وعدم إلحاق الضرر بالآخرين.
2 - مسؤولية الإعلامي تجاه المجتمع المحلي، وهي امتداد للمسؤولية الأولى.
3 - مسؤولية الإعلامي تجاه نفسه، وذلك من خلال أداء الرسالة الإعلامية بأقصى قدر من الدقة والأمانة والصدق والموضوعية لما يعتقد أنه في صالح المجتمع.
وهناك رأي يرى أن وسائل الإعلام كثيراً، ما تضحي بالجانب الأخلاقى عند الممارسة في سبيل الحصول على الأرباح وتحقيق السبق الصحفي، ويتصادم حق وسائل الإعلام في الحصول على الأخبار والمعلومات ونقل الثقافة والفنون والعلوم مع حق المجتمع في الحفاظ على بنائه وأمنه وقيمه وتقاليده، وكذلك حق المواطنين في حماية سمعتهم من القذف والتشهير والحفاظ على أسرار حياتهم. ولكن في رأيي أن الإعلام مظلوم، وحسب نظرية الأواني المستطرقة، فالمياه تأتي عليها من كل جانب سواء من الحكومة أو الرأي العام، ومن النخب، إلا أن هذا لا يبرئ الإعلام، ولكن يجب أن ننظر إلى أطراف المعادلة بالكامل، لأن الإعلام ليس هو المتهم الرئيسي.
كما أن أطراف المعادلة هي القيم التي يجب أن تسود في علاقة الإعلامي بالمؤسسة التي يعمل فيها أو بالمصادر أو بالحكومة أو بالمستهلكين أو بالرأي العام أو بالفكرة، وهذه الأطراف هي التي تخلق هذه القيم والتنافس الحاد في وسائل الإعلام، جعل صاحب الصحيفة والمسؤول عنها من الأطراف الضعيفة جداً، لأنه يجب أن يلهث في هذا الصدد حتى يكون موجوداً في السوق. ولكن إذا خرج عن المعايير التي تسود في هذا السوق أو حاول أن يستغل صحيفته ومهنته، سوف تفشل الصحيفة وتنزوي، وبالتالي لا تكون ذات تأثير كبير، وخاصة أن الإعلام لم يعد مكلفاً، ويصل الآن للجميع، كما أن الميزة الاحتكارية سقطت منذ زمن طويل.
وفي رأيي أننا قادرون على التطور والنمو، ولابد للإعلام من تشجيع روح التفاؤل والرغبة في التغيير والتنظيم ووقف الفوضى والانهيار وقتل روح اليأس والعجز والتشديد على محو النغمة التشاؤمية لأنها ليست من قيم الصدارة، كما أن أصحاب الصدارة عليهم أن يتواضعوا ويسمعوا إلى رجل الشارع، وحق النخب أيضاً أن يسمعوا لأفكار الآخرين ولا يستوردوا الأفكار التي كانت موجودة فيما مضى، فالتعلم من الآخرين يجب أن يكون بالقدر الذي يساعدنا على تطوير مجتمعنا في الوقت الراهن.



فوسائل الإعلام تعكس الكثير من القيم والعادات وأساليب الحياة، ليس لكونها تعبر عن الواقع والحقيقة وإنما لتلبية بعض حاجات المجتمع، إلا أنه لا يجب أن لا ننسى أن هذه الوسائل تخلق عالمها الخاص الذي يبدو حقيقيا أو يتحول إلى واقع بالنسبة للمتلقي.
وقد يتقبل المتلقي هذا الواقع الإعلامي لكونه غير واع بالعمليات التي تحدث لإيجاده، ومع تراكم الواقع الذي تخلقه وسائل الإعلام يبدو هذا الواقع حقيقياً في أذهاننا وقد لا يستطيع الكثيرون منا أن يميّزوا بين الواقع الذي تخلقه وسائل الإعلام والواقع الحقيقي.
وعلى الرغم من أن وسائل الاتصال الجماهيرية تعكس ما يحدث في العالم بطرق عديدة، فإن هذه الوسائل تختار أفقيا ما تعرضه لنا ليبدو حقيقياً، ونحن نقبل هذا التفسير الذي أصبح جزءاً من إدراكنا وخبراتنا.
إلا أنه في عالم اليوم الذي أصبح فيه المجال مفتوحاً والتطور أساسيا ليست هناك حقيقة، ولكن لا يجب أن نكون أسرى في هذا العالم لقيم التشاؤم أو التفاؤل، فنحن في عصر الألوان المتعددة، فعصر اللونين انتهى بالفعل، ويجب أن نعرف أن هناك حقيقة نبحث وراءها، ولم نصل إليها على الإطلاق، وهي وظيفة الإعلامي في هذا العصر، ومن تصور أنه وصل سيجد تحت قدميه رمالا يغوص فيها، وميزة هذا العصر أن الحقائق أصبحت شيئا وهميا والمبدع هو الذي سيجذب القراء والمشاهدين! فمن تصور أنه فهم العالم الجديد فهو واهم، فهذا يحتاج إلى كثير من الفهم والتواضع، وكثير من التواجد.
وأخيراً فقد تميز القرن العشرون بظاهرة تفجر المعلومات التي يتم نقل جانب كبير منها عن طريق وسائل الاتصال الجماهيرية مما يفرض على الإعلاميين ضرورة الالتزام بمسؤولياتهم الاجتماعية حيال مجتمعهم، وعدم تغليب الاعتبارات المهنية الضيقة على الاعتبارات الأخلاقية العامة، كذلك العمل للصالح العام، وليس للمنفعة الخاصة.
والإعلام الحر هو الذي يكون مناوئاً للحكومة، وليس عدائياً، والشخص الواقعي هو الذي يدرك أنه لا توجد حكومة معصومة من الخطإ، وكذلك لا يوجد إعلام معصوم من الخطإ، والتقويم يتم عن طريق النقد الهادف. وبأي حال من الأحوال، فإن العبرة ليست دائماً بفرض القوانين والتشريعات، وإنما العبرة بمراعاة الأخلاقيات عند ممارسة العمل الإعلامي.

hgYughl ,Hoghrdhj hglikm