الهجرة

) السمات الأساسية لعرض الهجرة الخارجية للعمل:

تفسر هذه السمات للهجرة الخارجية للعمل بعديد الأسباب الكلية والجزئية الاقتصادية والاجتماعية نذكر أهمها:
أ) طاقة الهجرة والتفاوتات الشاملة:

لقد أدت التحولات التي شهدها العالم خلال العشريات الأربع للقرن الماضي والتي تلت الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) الى بروز طاقة هائلة للهجرة الدولية اتسمت بأحادية الاتجاه من البلدان الفقيرة والأقل نمو الى البلدان الصناعية والأكثر نموا والغنية نسبيا ونقصد بها البلدان الأوروبية أساسا. وتدل عديد الدراسات التحليلية والتجريبية على تظافر عوامل كثيرة لإنماء طاقة الهجرة نذكر منها ما يلي:
ـ الزيادة الهامة التي عرفها حجم السكان في البلدان المتوسطية النامية إذ وصلت المعدلات السنوية المتوسطية الى أكثر من 4% ولم يواكب هذه الزيادة السكانية المفرطة نمو مماثل في المعدلات الإنمائية وفي فرص التشغيل المحدثة.
ـ لعبت الانماط التعليمية والتكوينية التي فرضت على البلدان النامية المتوسطية الحديثة العهد بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية من طرف البلدان الأوروبية المستعمرة، دورا مميزا في هجرة قوى العمل الوطنية، سيما وأن هذه الأنماط المستوردة لا تتكيف شكلا ومضمونا مع الحاجات الإنمائية للبلدان المعنية النامية.
ـ أدت الثورة الاتصالية المتنامية من سنة لأخرى في العالم وخاصة في البلدان الصناعية المتقدمة التي تشهد مستويات نمو مرتفعة الى جلب قوى العمل المتوسطية الجنوبية الباحثة عن الشغل القار والظروف المعيشية المتطورة والمسالك المهنية المستقرة المنعدمة في بلدانها الأصلية.
ـ تفاقم التفاوت بين البلدان الأقل نموا والبلدان الأكثر نموا على الرغم من ارتفاع الدخل نسبيا لعدد وافر من الأسر في البلدان النامية في السنوات الأخيرة.
ـ الزيادة السكانية الهامة التي عرفها سكان المعمورة منذ سنة 1950 حيث بلغ سكان العالم 6 مليار نسمة 80% منهم في البلدان النامية الفقيرة والباقي في البلدان المتقدمة والصاعدة الأوروبية والآسيوية والأمريكية اللاتينية.
ـ التباين المستمر والمتنامي بين معدلات النمو السكاني ومعدلات النمو الاقتصادي التي تتحكم في إيجاد فرص العمل، مما أدى الى ارتفاع نسب البطالة بكل أنواعها الظرفية والهيكلية والتقنية.
تؤثر هذه الضغوط السكانية سلبا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبالأحرى على التكاليف والامتيازات المادية والمالية للإقامة في البلدان النامية أي فيما يعتبره الفرد الاقتصادي الرصيد النفعي لمقر إقامته، الشيء الذي يشجع على ترك البلد الأصلي ويزيد بالتالي في الميل للهجرة الخارجية نحو بلدان بديلة.
ـ من أهم الأسباب الدافعة للهجرة كذلك، توفر العملة أو نقدية الاقتصادات الوطنية، فانفتاح الأسواق التقليدية النامية على العلاقات الاقتصادية الدولية المعولمة والحرة، أدى الى تطور استعمال العملة والكف عن المقايضة في العلاقات التجارية مع بروز وتوسع الأسواق النقدية والمالية في البلدان النامية التي تمكّن من ضمانات عديدة للائتمان والإقراض بغية تمويل برامج نوعية للتدفقات الهجرية في البلدان الصناعية.
ويبدو كذلك وجود اتفاق كلي بين دارسي الهجرة الدولية عموما حول اعتبار هذه الظاهرة كرد فعل على التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين البلدان، سيما وأن هذا التفاوت ما فتئ يتطور بسرعة في العقود الماضية، وينذر هكذا، بتفاقم الأزمات الاقتصادية الدورية مستقبلا، مما يزيد من حجم التدفقات السكانية المهاجرة من البلدان الفقيرة الى البلدان الغنية وبالأحرى الأوروبية والأمريكية.
ب) الهجرة كرد فعل على تباين مستويات الدخل:أكدت مختلف الأدبيات الاقتصادية على الفوارق الجغرافية في توزيع الدخل بين الأفراد الاقتصاديين كعامل رئيسي مسبب للهجرة الخارجية. وقد أدمجت مقاربة الهجرة كعامل ميسر لحياة اقتصادية أفضل مقارنة بما هي عليه في بلدان الأصل.
ففي التحليل النيوكلاسيكي الحدي المبني على المفاضلة بين المزايا والتكاليف وتعظيم المنفعة بأقل الأثمان، تعد الهجرة استثمارا قادرا على إحداث فائض صاف إيجابي يتأتى من الفارق بين الدخل المتحصل عليه في بلد الأصل والدخل المتوقع الحصول عليه في بلد المضيف مع احتساب وطرح نفقات النقل والتنقل.
وقد تطورت هذه المقاربة التحليلية الليبرالية على امتداد الفترات الزمنية الماضية لتدمج في هذا الفائض مؤشر البطالة في مناطق الاستقبال، الشيء الذي أدى الى ظهور مقاربة المردود المتوقع من ظاهرة الهجرة، وذلك مع تنامي تواصل الهجرة الداخلية في البلدان النامية من الريف صوب المدن والتي زادت من حدة البطالة الحضرية حجما وبمعدلات كمية وكيفية هامة.
من جهة أخرى توصلت بعض الدراسات التطبيقية حول الهجرة الداخلية الى نتائج مطابقة نسبيا للتحاليل النظرية القائلة بأن تباين مستويات الدخل عند الأفراد الاقتصاديين يلعب دورا هاما وفعالا في اتخاذ القرارات الخاصة بالهجرة الخارجية. لكن هذه الدراسات المتوفرة مازالت مكبلة بإشكاليات منهجية كبيرة، إذ تحوم شكوك جدية حول نجاعة الطرق الحالية لتقييم تفاعل تدفقات الهجرة مع ما يشهده تباين الأجور من تغيرات مستمرة ومتنامية.
وقد أكدت تحاليل الاقتصادي الأمريكي لوكاس (1985) أننا مازلنا نرى ذلك الإنسان الهامشي الذي يستعمل حاسبته الجيبية.. قصد ضبط مردود الاستثمار في الانتقال الى أماكن أخرى يحسّن فيها وضعه المادي الخاص.
إن النموذج الحدي النيوكلاسيكي المبني على قاعدة التكلفة والفائض تعرض لعديد الانتقادات التحليلية في مدى قابليته للتطبيق بخصوص الهجرة الدولية، نذكر أهمها في العناصر التالية:
ـ لا نستطيع اليوم أن نتوقع تزايدا قطعيا للهجرة الخارجية كنتيجة لتفاقم تباين الدخل بين البلدان نظرا لما اكتسته هذه الهجرة من أبعاد سياسية واجتماعية وعرقية فاصلة تتسم تارة بالضغط وطورا بالجزر. زد على ذلك، أنها تختلف عن الهجرة الداخلية أساسا لكونها عرضة لمراقبة إدارية وسياسية بدرجة كبيرة.
ـ تمثل المعايير الانتقائية الصارمة أمام تدفقات الهجرة في البلدان الاوروبية المتوسطية معوقات جمّة لا تشجع المترشحين للهجرة وتحد هكذا من حجمهم، كما تشكل عمليات الشرطة حاجزا أمام المهاجرين الوافدين غير القانونيين سواء اتجهت نواياهم للإقامة المؤقتة أو الدائمة في البلدان المضيفة.
ـ تشكل أيضا معظم الهجرة الدولية هجرة تعاقدية للعمل بصفة مؤقتة منظمة في إطار اتفاقيات دولية بينية ومتعددة الأطراف وضمن إستراتيجية أوروبية جديدة موحدة بالتعاون مع البلدان المتوسطية المصدرة لهذه الهجرة.
ت) المقاربات الماركسية والبدعية حول الهجرة الدولية:

من المقاربات الأخرى التي تقر مفهوم نمو طاقة الهجرة تلك التي تؤكد على الوضع المحيطي للبلدان الفقيرة والنامية في إطار عالمي دائري تحتل البلدان الغنية الصناعية مركزه وتعمل البلدان الغنية على امتصاص ثروات بلدان المحيط الى حد تفقيرها واستغلالها اقتصاديا وسياسيا وجعلها بالتالي تابعة لها.
إن سلوك البلدان المستغلّة يزيد في اتساع الهوة بين هذين الشقين ويمثل حافزا للهجرة من بلدان المحيط في اتجاه بلدان وسط الدائرة أي الغنية الصناعية او الأوروبية. الشيء الذي يمكّن هذه البلدان الأوروبية من الاستفادة من الموارد البشرية المكونة وغيرها لتعزيز نموها الاقتصادي وتقدمها التقني.
من جانب خر تشكل مقاربات تطبيق "أثر الدوّامة" أو التسبب التراكمي لمردال (1957) تطابقا مماثلا للتحاليل المرتكزة على أفكار المحيط والدائرة حيث تعتبر هاتان الأطروحتان عدم وجود فائض في قوى العمل بالمعنى الرأسمالي للكلمة، عرضا من أعراض التفاعلات التاريخية بين الوسط المتقدم والمحيط المتخلف. فالهجرة إذن، هي حالة من حالات الاستغلال والسيطرة والتبعية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية.
ومهما يكن من أمر وبغضّ النظر على الأسباب التي أفرزت هذه الظاهرة الهجرية الدولية، فإن الاقتصاد العالمي الحر والمتفتح، يجعل من المهاجرين خارج البلدان النامية المتوسطية إما أفرادا عاطلين عن العمل في بلدانهم الأصلية أو قابلين للتعويض من قبل غيرهم من العاطلين في حالات عدم استقرار في البلدان الأوروبية المتوسطية المضيفة التي لا يهمها إلا الأمان والاستقرار الداخلي والإقليمي بالأساس.
ومن المنطلق يمكننا اعتبار الهجرة الخارجية كصمام أمان بالنسبة للبلدان النامية المتوسطية لتقليص الضغوط السكانية والحد من البطالة وتمكينها من تحويلات نقدية ومالية هامة للتنقيص من عجز موازينها التجارية والمدفوعات في الأمدين القصير والمتوسط، ولكن وفي الوقت ذاته وفي المدى البعيد - تكبل هذه الظاهرة السكانية البلدان الفقيرة والنامية بإبقائها داخل نظام اقتصادي عالمي توزع امتيازاته بصفة متفاوتة لصالح البلدان المتقدمة الغنية.
ث) الآثار الاقتصادية لسياسات تصدير العمل:تعزى الى الاقتصاديين "بريبيتس" (1950) و"سنجر" (1968) مقاربة شاملة تؤكد بأن البلدان النامية تنتفع أقل من البلدان الغنية من مساهمتها في الاقتصاد الدولي. ويؤمن الاقتصاديان بكون التفاوت الدولي ينتج عن تدهور في معدلات التبادل الاقتصادي في العالم بصفة مواتية للبلدان المتقدمة وعلى حساب البلدان النامية.
وتمثل التجارة الدولية الحرة الآن عاملا من عوامل تنمية التفاوتات بين هذه البلدان. وإذا كانت الهجرة الخارجية من البلدان الفقيرة للبلدان الغنية مرتبطة بتباعد الدخل بين القسمين، يمكننا التأكيد هنا بأن هذه التجارة تساهم ولو بصفة غير مباشرة، على دفع وتنمية الهجرة الدولية في المنطقة المتوسطية.
كما تتبلور مختلف القوى الاقتصادية في الطاقة الهامة للتدفقات الهجرية البشرية من البلدان النامية الى البلدان المتقدمة. إلا أن المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الطاقة يتوقف عموما على سياسات الهجرة الخارجية والهجرة الداخلية في البلدان المعنية. فالسياسات الاقتصادية المعتمدة في بلدان الهجرة الخارجية مرتبطة أساسا بتصورها للفوائد والتكاليف المنجزة من الهجرة الخارجية للعمل حيث تتمثل امتيازات تصدير قوى العمل للخارج في ما يلي:
ـ تحسين الموازنات الاقتصادية الخارجية الكبرى عبر تحويلات قوى العمل التي تشتغل في البلدان الأوروبية المتوسطية.
ـ الحد من وطأة البطالة وتوظيف قوى العمل الزائدة.
ـ اكتساب مهن وحرف وتقنيات جديدة بواسطة خبرة العمل بالخارج مع إمكانية
إحداث المشاريع بالمشاركة الخارجية.
ـ إدماج الاقتصادات الوطنية في سيرورة العلاقات الاقتصادية الدولية المعولمة ودفع التنمية الاقتصادية على أسس تحررية.
لكن هذه الآثار الاقتصادية المنجزة ليست فقط إيجابية بالنسبة للبلدان النامية، بل تتسم في نفس الوقت، بجوانب سلبية نذكر منها:
ـ تقليص حجم قوى العمل الإنتاجية كمّا ونوعا سيما وأن جل البلدان النامية المتوسطية الجنوبية قد انتهجت سياسات اجتماعية تحد من تزايد السكان والمسماة بالتنظيم العائلي والأسري الذي حقق نتائج إيجابية في التقليص من الزيادة السكانية.
ـ استنزاف الكفاءات الضرورية المتكونة بواسطة هجرة الأدمغة والتي تمثل اليوم إحدى معوقات التنمية الشاملة المعتمدة على التقنيات والتكنولوجيات المتطورة الضرورية لهذه البلدان الصاعدة.
تمثل هذه الآثار الاقتصادية السلبية عوامل خطيرة تفقد مرونة الاقتصادات وتطورها في الأمد الطويل وتجعلها غير قادرة على السيطرة على ثرواتها المادية والبشرية وتتطلب تنظيما كميا وكيفيا للتدفقات الهجرية الخارجية يرمي الى تيسير عودتها الى بلدان الأصل بعد مضي فترات زمنية محددة ومبنية على توفير العناصر الرئيسية التالية:
* العمل على تنوع نسبي للهيكل الإنتاجي الاقتصادي للبلدان.
* توفير عرض العمل بصفة كافية للقادمين.
* إيجاد أنظمة مالية وإنمائية قادرة على استثمارات بسيطة وذات مصادر مختلفة عبر أنشطة اقتصادية كفيلة بضمان الاستمرارية والديمومة.
* تشجيع إعادة توطين رؤوس الأموال الوطنية المستثمرة في الخارج بأطر قانونية ومالية وتنظيمية محكمة.
2) مكانة الهجرة المغاربية في البلدان الأوروبية:
ترجع ظاهرة الهجرة العربية عموما والمغاربية على وجه الخصوص نحو البلدان الأوروبية، الى عدة أسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية. فالظروف الاقتصادية مثل ندرة الموارد المادية، وما يتعرض إليه الإنسان من بطالة وفقر، وفقدان القدرة على إشباع حاجاته الحيوية، تدفعه في كثير من الأحيان الى مغادرة بيئته الطبيعية الى بيئة غريبة عنه. كما أن الظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة وما يلاقيه الإنسان من غياب الحرية الحقيقية، قد يكون أحيانا بفعل قوة خارجية كما يحدث أثناء فترات الاستعمار، ترغم الإنسان على هجر موطنه الأصلي بحثا عن مكان آخر يمكّنه من وجود حدّ أدنى من الأمان والطمأنينة والعيش الكريم.
وتتعدد الأسباب وتتنوع بتعدد المهاجرين، ولكنها تتجمع كلها لتدل على وجود بيئتين: الأولى طاردة والثانية جاذبة. ويكون اتجاه حركة السكان من البيئة الطاردة الى البيئة الجاذبة. ويدل التحليل النفسي الاجتماعي لهذه الحركة على وجود بعض العوامل في البيئة الطاردة التي تحدث في نفس المهاجر شعورا داخليا ينفره من بيئته الأصلية، ويدفعه للبحث عن بيئة جديدة يتوقع أن تكون ظروف الحياة فيها افضل من الظروف التي يعيش في ظلها في موطنه الأصلي.
ويعتمد ذلك على تقييم المهاجر أثناء الساعة التي يقوم فيها باتخاذ القرار الانتقالي، لكن عملية الهجرة لا تكتمل إلا باستعداد البيئة الأخرى لاستقبال المهاجر أي ضمن سياسة اقتصادية محددة واضحة الأهداف ومرسومة الوسائل ترتكز عليها البلدان المتقدمة الأوروبية صاحبة البيئة الجاذبة لتوطين مهاجري البيئة الطاردة النامية العربية المغاربية.
بعبارة اخرى، سواء اعتبرنا الهجرة موضوعا رئيسيا أو ثانويا في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، فإنها تبقى في نظرنا دوما، ظاهرة عالمية ضرورية فالبلدان المتقدمة الأوروبية هي التي اجتذبت في الماضي البعيد والقريب، عمال البلدان المغاربية لعدة غايات سياسية نذكر منها الحروب الاقليمية والعالمية، والاقتصادية المتمثلة أساسا في احتياج الاقتصادات الاوروبية لليد العاملة قصد بناء مقوماتها التي أتت عليها الحروب وتطلبتها فيما بعد ضرورات النمو.
وانطلاقا من الإشكاليات القائمة الآن حول الحجج التي تبرر الهجرة أو التي ترفضها، فإن المسألة الأساسية تتعلق بأحقية تواجد المهاجرين العرب المغاربة بشكل عام في بلدان السوق الأوروبية الموحدة. فهذه الهجرة العربية تستحضر سلسلة من الارتباطات ومجموعة من المواضيع المحتوية على حالات ضمنية منها:
ـ الهجرة واختلال التوازن الاجتماعي، الهجرة والمجتمع، الهجرة والفشل
المدرسي، الهجرة ومظاهر العنصرية، الهجرة والبطالة، الهجرة والركود.
فالانتعاشة الاقتصادية الاوروبية التي تتطلب دراسات ضافية وعميقة لا يمكننا تحليلها في هذه الورقة التي تهدف في المقام الأول وقبل كل شيء الى دراسة السمات الأساسية لأوضاع المهاجرين العرب في البلدان الأوروبية المعنية والتي تعتبر منذ بداية الثمانينات والى اليوم القضية الراهنة الأولى بالنسبة للبلدان العربية المغاربية والاوروبية المتوسطية وغيرها.
إن الهجرة العربية المغاربية، كانعكاس للعلاقة الاستعمارية، تحتل مكانة هامة في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية الحالية نتيجة لبروز الوازع القومي في جل بلدان العالم وحتى في بلدان اوروبا الشرقية بعد سقوط حائط برلين واندثار المنظومة الاشتراكية، وأيضا نتيجة لظهور عدة صعوبات اقتصادية واجتماعية في بعض البلدان المغاربية والعربية ادت الى تكاثر الهجرة نحو البلدان الاوروبية.
ولقد كانت بلدان المغرب العربي الثلاثة (الجزائر وتونس والمغرب) مستعمرات فرنسية منذ نهاية القرن التاسع عشر والى منتصف القرن العشرين. مما حدا بفرنسا الى استقبال حوالي 80% من قوى العمل المغاربية المتنوعة والمتواجدة الآن في بلدان أوروبا الموحدة.
وقد هاجر هؤلاء لتحسين دخلهم المادي وتنمية معارفهم الشيء الذي مكّنهم من العمل والاستقرار في المجتمع الفرنسي والذي كان دوما في حاجة لهم لشد ازر نموه الاقتصادي. إلا أنه سرعان ما أهمل هذا الجانب من طرف بعض السياسيين والدارسين الفرنسيين. وأصبح مشكل الهجرة مطروحا أمام الباحثين والسياسيين.
بعبارة أدق، بقدر ما تفرض مسألة الهجرة العربية المغاربية نفسها اليوم، فإنها تثير نوعين متناقضين من التحليل الخاص بمكانتها في الاقتصادات الاوروبية أو بالأحرى الفرنسية. يعتبر التحليل الأول أن الهجرة المغاربية تشكل جزءا لا يتجزأ من القضية السكانية في أوروبا، وأن مواصفاتها الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية ناتجة عن ظواهر الهجرة في السابق والتي مازالت متواصلة الى اليوم بشكل أقل. فالأمر يتعلق إذن بظاهرة مشتقة من الهجرة الماضية أكثر مما يهم مسارا مستمرا.
أما التحليل الثاني فيعتبر أن شكل الهجرة في أوروبا يختلف في عدة نقاط خصوصا مع بداية فترة الستينات، على الأشكال القديمة للهجرة. فالاقتصاد، الذي يبدأ مرحلة من التطور من خلال تغييرات في الهياكل الانتاجية، يتطلب قوى عمالية جديدة، يقتصر دورها على أنشطة لا تفترض درجة عالية من المهارة ولا مستوى عاليا من التكوين المسبق في الأمد القصير.
وبناء على هذا، فإن الهجرة قد تغير هدفها وطبيعتها بالمقارنة مع الفترات السابقة من تاريخها حيث كان المهاجرون يحلّون في هذه البلدان لتعويض العمال الأصليين أو تعزيز صفوفهم نتيجة العجز الديموغرافي الجهوي والوطني الحاصل باستمرار. فالعنصر العربي المغاربي المهاجر لأوروبا مطلوب لمواصفاته الخاصة بعدم مهارته مقارنة بالعمال الأوروبيين.
فيجب إذن، وضع الهجرة المغاربية في الصف الأخير من سلّم الشغل بحيث لا تستطيع منافسة العمال المحليين الذين يحصلون بذلك عن موقع مميز على مستوى العمل. وهكذا نرى أن المهاجرين المغاربة يعيشون في دمج انتقائي في دائرة الإنتاج. ومن هنا نفهم لماذا يحتل المغرب العربي مكانة متزايدة الأهمية شيئا فشيئا من المناطق الأخرى الموفرة لليد العاملة المهاجرة.
إن الشكل المعاصر للهجرة يختلف عن الحركات السكانية التي مازال بعضها متواصلا ولكنها كانت أكثر حيوية خاصة قبل الاستعمار الأوروبي. أما حركات الهجرة المعاصرة التي ظلت بطيئة نسبيا الى حدود 1929، فما فتئت تشتد منذ الحرب العالمية الثانية وقد أصبحت الآن عامة بالرغم من صعوبة الإحصائيات حول تحديد معنى المهاجر وضبط أهدافه.
إن هذه النظرة الاجمالية لمسألة الهجرة، بغض النظر عن تعدد طرق التحليل، يمكنها إلقاء الضوء أمامنا للوقوف على المجهودات التي تقوم بها البلدان العربية عموما والمغاربية خصوصا المصدرة لليد العاملة قصد تنظيم الهجرة وربطها بالسياسات الاقتصادية الإنمائية فيها علما أن هذه الهجرة تشكل موردا ماليا هاما لها نظرا لأهميتها وعدد أفرادها المتنامي.
أ) وضع الهجرة العربية المغاربية في أوروبا الموحدة:

* هيكلة العمال المهاجرين القادمين من المغرب العربي:

احتل العمال المهاجرون العرب بسرعة، من حيث الكم، مكانة هامة، فقد بلغ عددهم قرابة 16 مليون مهاجر سنة 2000 منهم 20 مليونا في اوروبا أي حوالي 10% من إجمالي السكان الناشطين. وقد شكلت أوروبا المتوسطية في السنوات الأخيرة أهم مخزون لليد العاملة المهاجرة حيث يستقر الآن بفرنسا بقرابة 5 ملايين مهاجر عربي مغاربي، نصفهم من الجزائريين الذين يمثلون ظاهرة قديمة جدا. وهذا يفسر باختلاف الوضع الاستعماري حيث شجّعت فرنسا حسب حاجياتها هذه الهجرة المغاربية خدمة لحروبها ولنمو اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية أي مع بداية تطبيق مخطط مارشال الأمريكي.
من جهة أخرى، تبرز لنا دراسة طبيعة الهجرة المغاربية ما يلي:
ـ 85% من المهاجرين موجودون بفرنسا سنة 2000 و6% في بلجيكا و6% في ألمانيا والباقي في هولندا وبريطانيا والسويد.
ـ لقد تضاعفت الهجرة المغاربية نحو فرنسا بمعدل 2% بين سنتي 1974 و1993 وذلك بالرغم من التدابير التي اتخذتها السلطات الفرنسية من أجل الحد من هذه الهجرة.
ـ يمثل المهاجرون الوافدون من المغرب العربي حوالي 30% من مجموع الجالية الأجنبية بفرنسا.
* فروع النشاط والمهارة:

تشير الإحصائيات التي أجريت أخيرا في ما يخص العمال المهاجرين الى قلة مهارتهم وقوة تجمعهم في عدد قليل من الأنشطة القطاعية الاقتصادية. وبالإضافة لذلك، يتقاضى المهاجرون العرب المغاربة أجورا متدنية مقارنة بنظرائهم من البلدان الأخرى. كما تجدر الإشارة هنا، الى أن أرباب العمل في البلدان المضيفة الاوروبية ينتفعون من التكوين المسبق الذي استطاع العمال المهاجرون الحصول عليه في بلدانهم الأصلية ولا يمكنون هؤلاء العمال إلا من درجة تأهيل ضعيفة جدا مقارنة بالعمال الاوروبيين الآخرين. الشيء الذي يؤكد أن وضعية العمال العرب المهاجرين والقادمين من البلدان المغاربية تبقى مهمشة اجتماعيا وخاصة في إطار الأزمات الدولية المستفحلة.



ب) الأزمات الاقتصادية الدولية كعامل محدد للهجرة العربية:

اتخذت الحكومات الاوروبية غداة "الصدمة" النفطية الأولى قرارات عنيفة وزجرية لتجميد الهجرة متناسية بذلك الوعود الداعية لتنمية تبادل القدرات البشرية والمالية بينها وبين البلدان العربية. وقد حاولت البلدان الاوروبية من وراء قراراتها الحد من هذه الهجرة والتنقيص منها على امتداد بعض السنوات الماضية وعلى إثر التوجهات اليمينية واليسارية السياسية التي تهدف الى الحد من عدد الوافدين على بلدانها.
إلا أنه وعلى العكس من بعض التوقعات، فإن هذه القرارات المنبثقة من الأزمة الاقتصادية لم تحدث حركة ضخمة باتجاه العودة نظرا لحاجة الاقتصادات الأوروبية لليد العاملة المهاجرة حيث ارتفعت معدلات الهجرة غير الرسمية نحو أوروبا الموحدة ورفضت اليد العاملة المهاجرة الرسمية شروط العودة المقترحة لكونها لا تفي بالحاجة بالنسبة لهؤلاء المهاجرين عند رجوعهم الى أوطانهم، زد على ذلك الإشكاليات العويصة التي أفرزها واقع الأجيال المتعاقبة للمهاجرين الذين اتخذوا من البلدان الأوروبية المضيفة أوطانا جديدة لهم.
وبشكل عام، نلاحظ أن اليد العاملة الأجنبية في أوروبا لم تتقلص بصورة ملحوظة خلال سنوات الأزمات الدولية حيث بقي معدل نمو الهجرة في حدود 105% في المتوسط سنويا بين 1974 و1993 و2000.
وسواء تعلق الأمر بتخفيض أو إعادة هيكلة الجالية العربية المغاربية المهاجرة على الخصوص، فإنه ليس من المؤكد أن أبواب التوظف أصبحت مغلقة نهائيا. فمن هنا فصاعدا أصبح الأمر مرهونا بحشد الإمكانات الداخلية قصد استقبال اليد العاملة المهاجرة العائدة الى البلدان العربية الأصلية، وهذا ما تهدف إليه كل السياسات العربية المغاربية الاقتصادية المعنية في إطار برامجها الإنمائية القطرية.
أخيرا، لا بد من الإشارة هنا أن الاقتصادات الأوروبية التي تمر بفترات ركود ونمو بطيء خلال الفترات الزمنية الأخيرة، شهدت تقلصا شديدا في إجمالي وظائف الشغل الجديدة حيث بقيت معدلات البطالة هامة، الشيء الذي يؤكد بوضوح أن الأزمة الاقتصادية ليست السبب الرئيسي في تنامي البطالة والحد هكذا من الهجرة، بل لا بد هنا من تدارس الأسباب الحقيقية انطلاقا من المقومات الأساسية للمنظومة الإنتاجية في البلدان الاوروبية.
ت) من تحول العمال العرب الى التحويلات المالية:

تأتي ضخامة حجم العمال العرب المغاربة المهاجرين لأوروبا كدليل قاطع على حاجة الاقتصادات المعنية لهم، وكمبرر هام يدحض الادعاء السائد بأن هؤلاء لا يستطيعون بلوغ مستوى إنتاجية العمال الاوروبيين بالرغم من ثقل الانشطة القطاعية الاقتصادية التي هي في حوزتهم. ولعل التحويلات المالية الهامة المتأتية من سعيهم والقاصدة البلدان العربية الأصلية خير دليل على مجهوداتهم المنتجة حيث شكلت مثل هذه التحويلات بالنسبة لبلدان المغرب العربي نسبا هامة (سنة 1993) نذكرها كما يلي:
ـ 26% من المداخيل الخارجية في الجزائر.
ـ 24% بالنسبة للمغرب.
ـ 10% بالنسبة لتونس.
مما يبرز بجلاء مكانة مساهمة هذه التحويلات في توازن الموازين التجارية والمدفوعات في البلدان المغاربية الثلاثة وأيضا في المشاركة الفعالة في عملية البناء الاقتصادي الداخلي لهذه البلدان.
على أنه، لا يجب الوقوف فقط على أهمية هجرة اليد العاملة العربية نحو أوروبا، بل علينا أيضا ذكر نوع خر من الهجرة ألا وهو هجرة الأدمغة العربية. فقد أوضحت بعض الدراسات التي أعدتها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة أنه ما لا يقل عن 30 مليونا من العمال والباحثين غادروا أوطانهم في اتجاه البلدان الرأسمالية كالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الموحدة. وتحتل قوى العمل العربية نسبة مهمة من هؤلاء المهاجرين تقدر بحوالي 10% والذين أصبحت تسميتهم بـ "مرشدي رأس المال" بالإضافة الى ذلك، هناك على الأقل 200 ألف علاّمة عربي من طبيب ومهندس واختصاصي غادروا بلدانهم الى كندا وأمريكا وأوروبا الموحدة مما يدل على اتساع هجرة الأدمغة العربية من بلدان نامية في أشد الحاجة لهم قصد التنوع في الاختصاصات الحديثة للعلوم.
ث) الهجرة العربية طرف فقير في النظام الاقتصادي الدولي الجديد:

إن بناء اقتصاد دولي جديد يتطلب حسب نظرنا ما يلي:
* لا نطعن في المبادئ الاقتصادية المبنية على الحرية والمبادرة الفردية واقتصاد السوق، بل ندعو الى شمولية العدالة في توزيع المكاسب المترتبة على العلاقات الاقتصادية الدولية على كل الفئات الاجتماعية المتدخلة في صياغة وتجسيم هذه العلاقات.
* عدم إهمال مجالات الهجرة بكل أصنافها كرافد من روافد العلاقات الاقتصادية الدولية. وأن لا تقتصر على تبادل السلع والخدمات وحرية انسيابها وتدفقها متناسية بذلك محركيها.
* تنظيم مسالك الهجرة وتدفقات المهاجرين بين مختلف البلدان والعمل على إيجاد تشاريع خاصة بالهجرة متعددة الأطراف علما وأن الاقتصاد العالمي اصبح متداخلا، متجانسا، متبادل الاعتماد يحتاج الى يد عاملة متنوعة ومختصة من جميع البلدان.
أخيرا، وفي سياق أزمات الاقتصادات المتقدمة، فإننا نميل الى الاعتقاد بأن الهجرة العربية عموما والمغاربية على وجه الخصوص ليست مجرد عنصر من جملة من العناصر الاقتصادية المهمشة بل هي في المقام الأول عامل حاسم في تغيير النمط التقليدي المختلف وفي دفع حركية النمو الاقتصادي والرقي الاجتماعي.
الخلاصة:

لقد انتهينا في تحاليلنا السابقة الى عديد الاستنتاجات بشأن قوى العمل الاقتصادية المولدة للهجرة الخارجية للعمل نذكر أهمها:
* تشير كل الدلائل الى أن اتجاهات الاقتصاد والسكان الشاملين أدى الى وجود عرض لا محدود للعمال الراغبين في الخروج من أوطانهم الأصلية وبالأحرى البلدان النامية مستغلين فرص الشغل المتاحة والكامنة في البلدان المتقدمة بقطع النظر عن تباين انماط التجاوب مع فرص الهجرة الدولية في البلدان المتشابهة من حيث خاصياتها السكانية والاقتصادية والثقافية.
* على الرغم من أهمية الهجرة غير الرسمية واللاقانونية، فإن محددات حجم الهجرة الدولية تكمن في السياسات الضابطة للهجرة الوافدة، في البلدان المضيّفة الغنية المتقدمة، تلك السياسات التي ترسم بدورها اتجاهات مرتبطة بنجاحات الشغل فيها.
* تلعب الهجرة المغاربية المتوسطية دورا مميزا في كلا الشطرين المتوسطيّين. فهي تمثل إحدى الحلول الهامة التي تمكّن بلدان الأصل الجنوبية من الحد من معظلة البطالة المتنامية والاستفادة من حجم التحويلات النقدية والمالية المتزايدة مع تمكين قوى العمل المهاجرة من الحصول على تكوين تقني وتكنولوجي ينعدم في بلدانها الأصلية، كما تتيح الفرصة للبلدان المضيفة المتوسطية الشمالية الأوروبية من استغلال هذه القوى الإنتاجية كمّا وكيفا في سيرورته الاقتصادية الإنمائية وتطورها التقني.
* لا تمثل الهجرة الخارجية المغاربية إلا حلولا ظرفية بالنسبة للبلدان المغاربية المدعوة من الآن فصاعدا الى تنظيم هذه التدفقات المهاجرة بتوفير حد أدنى من شروط التشغيل المعيارية لصالح مواطنيها فور رجوعهم، من الإقامة والشغل في ظروف معيشية وأمنية مقبولة ومستقرة وذلك عبر اتفاقيات بينيّة ومتعددة الأطراف مع بلدان الاستقبال الأوروبية المتقدمة.
* العمل أخيرا، على إعطاء المكانة المناسبة لظاهرة الهجرة الدولية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد بسن قوانين دولية وتجسيدها تحترم المهاجرين وتصون حقوقهم المادية والأدبية وتزيل عنهم سمات التهميش والعنصرية في المجتمعات المضيفة.
* دعوة للبلدان المغاربية الخمسة التي أبرمت اتفاقيات شراكة ومناطق للتبادل الحر مع بلدان الاتحاد الاوروبي الى إيلاء هذه الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية مكانة مميزة في علاقاتها المستقبلية على أسس متينة ضامنة للنمو والتطور والأمن في المجال الأورومتوسطي.

hgi[vm