ميزانية الدولة و إرتفاع الاسعار (مثال عن السعودية)(دراسة حالة):



إرتفع الطلب العالمي على البترول خلال السنوات الثلاث الأخيرة إرتفاعاً كبيراً وإرتفعت معه أسعاره وإيراداته بالنسبة للدول المصدرة له، وإنعكس ذلك بشكل إيجابي على ميزانيات حكومات هذه الدول وموازين مدفوعاتها بعد أن عانت لفترة تقرب من عشرين عاماً من عجوزات متتالية وتصاعد كبير للدين العام. وإذا أخذنا المملكة العربية السعودية مثالاً، وهي أكبر دول الأوبك من حيث حجم الإحتياطات والصادرات البترولية، نجد أنها حققت في فترة السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي فوائض كبيرة مالبثت أن إنقلبت إلى عجوزات ودين حكومي تصاعد منذ عام 1983م حتى وصل الدين العام إلى ما يزيد على مئة بالمئة من حجم الناتج الإجمالي المحلي خلال عامي 1998وَ 1999م. وقد تحسن الوضع المالي للحكومة السعودية تحسناً كبيراً في السنوات الثلاث الأخيرة. ( أنظر الجدول رقم (1) ).

وإذا كان للعجز في الميزانية الحكومية وتصاعد الدين العام مشاكله، فإن للفوائض الماليه مشاكل لا تقل صعوبة عن مشاكل العجز المالي. لقد إتسمت فترة السبعينات من القرن الماضي بتصاعد مفاجئ وكبير جداً في أسعار البترول بلغ 300 % إذ ارتفع سعر برميل البترول من قرابة 3 دولارات إلى 12 دولار في عامى 1973-1974م. وقد أدت هذه الزيادة الكبيرة في الإيرادات إلى زيادة كبيرة جداً في الإنفاق الحكومي أدت إلى نمو إقتصادي كبير كان مرفوقاً بضغوط تضخمية كبيرة جداً زادت من تكلفة خطط التنمية الحكومية. وبالرغم من أن إنخفاض إيرادات البترول والنفقات الحكومية فيما بعد أديا إلى إنخفاض معدل تصاعد التضخم، إلا أن إقتصاد البلاد أصبح مدمناً لمستوى أسعار عال، بحيث أن الحكومة أصبحت مضطرة بشكل شبه دائم للإستدانة من أجل المحافظة على حد أدنى من النشاط الإقتصادي. وقد إنعكس هذا الوضع بشكل سلبي على مجمل إقتصاد البلاد، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي أن معدل النمو الحقيقي للإقتصاد السعودي خلال الفترة 1984-1994م كان سالباً بمقدار 1.7% سنوياً.

و يبدو أننا تعلمنا شيئاً من دروس الماضي فالزيادة في إيرادات البترول في السنوات الثلاث الأخيرة ( أنظر الجدولين رقم (2 وَ 3) ) وإن رافقها زيادة كبيرة نسبياً في الإنفاق الحكومي إلا أن التزايد كان أقل بكثير من معدله الذى كان عليه في الفترة من 1973-1982م. هذا بالإضافة إلى أن التحسن الكبير في البنية التحتية للإقتصاد السعودي زادت من قدرته على إمتصاص الزيادة في النفقات مما قلل إحتمالات تزايد التضخم.

وبالطبع فإن الإعتدال في النفقات وإن كان أمراً حكيماً في حد ذاته إلا أنه سيؤدى إلى تراكم مزيد من الفوائض المالية المرشحه للتزايد أكثر وأكثر، خاصة وأن المؤشرات تدل على أن أسعار البترول مرشحه للتصاعد إن لم يكن بفعل زيادة الطلب، فبسبب تزايد التوتر في العلاقات الدولية وخاصة في منطقة الخليج العربي. وقد إتجهت الحكومة السعودية وحكومات دول الخليج الأخرى حتى الآن إلى إستثمار هذه الفوائض على شكل أصول سائلة في الخارج. وهذا خيار تكتنفه ثلاث مخاطر هي التضخم في الدول المستثمر فيها، وتقلب أسعار صرف العملات بالإضافة إلى المخاطر السياسية على المدى البعيد. ولكن هذه المخاطر ليست المخاطر الوحيده التى تتهدد الفوائض البترولية للسعودية ودول الخليج العربي. إذ أن هناك إحتمالا ًقوياً لتجدد سباق التسلح في منطقة الخليج العربي نتيجة لعاملين مهمين هما: أولاً: إصرار إيران على المضى في برنامجها النووى وإحتمال حصولها على ذلك السلاح. ثانياً: التدخل الإيراني في العراق وتمتع إيران بنفوذ كبير في جنوبه. وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن الفوائض المالية لدول الخليج يمكن أن تتعرض لتآكل كبير نتيجة خططها المبالغ فيها لزيادة طاقتها الإنتاجية من البترول في الوقت الذي لا توجد فيه أية ضمانات لإستمرار الطلب على الزيادة المخطط لها ولا لمستوى الأسعار الذي ستباع به. وكمثال على ذلك تخطط الحكومة السعودية لزيادة إنتاجها من 10.5 مليون برميل يومياً إلى 12 مليون برميل عام 2010م ثم إلى 15 مليون برميل يومياً فيما بعد. ومن المعروف أن الإستثمار في القطاع البترولي يتطلب رؤوس أموال كبيرة يمكن أن تلتهم معظم، إن لم يكن كل ذلك الفائض. وسيكون من عدم الحكمة تمويل هذه التوسعة في الطاقة الإنتاجية عن طريق القروض. ولذلك فإن على مستهلكي النفط أن يمولوا الإستثمارات فيه. ومن هنا فإنه لابد من المحافظة على مستوى أسعار كافٍ لتبرير هذه الإستثمارات.

لقد كان لمضاربات الأراضي والعقارات دور كبير في إمتصاص جزء كبير من السيولة الطارئة خلال فترة السبعينات والثمانينات. وبالرغم من أن هذه المضاربات لعبت دوراً مهماً في إعادة توزيع الثروة في البلاد فقد إستفادت منها بعض قطاعات المجتمع، إلا أنه كان ولايزال لهذه المضاربات دور كبير في إرتفاع تكلفة الإنتاج في دول الخليج. وبالرغم من أن مضاربات الأراضي فقد هدأت نوعا ًما في السنوات الأخيرة، إلا أن تزايد السيولة نتيجة إرتفاع عوائد النفط مرة أخرى بالإضافة إلى حداثة عهد هذه المجتمعات بالأسواق المالية أدى إلى حدوث فورات هائلة في مؤشرات أسواق الأسهم في هذه الدول. ولا شك في أن لهذه التطورات أثر سلبى على جاذبية الإستثمار في أصول حقيقية، فضلا ًعن المخاطر التي يمكن أن تنجم عن إنهيار الأسعار في هذه الأسواق وإعادة توزيع الثروات نتيجة لذلك بشكل سلبي. ولذلك فإن معالجة هذه الظاهرة تتطلب القيام بإجراءات حازمة وحذرة لمنع مزيد من التفاقم في هذه الظاهرة ولمنع حدوث إنهيار مفاجئ في السوق. وسيكون من الخطورة بمكان القيام بتخفيض معدل نمو الكتلة النقدية بشكل حاد. وإذا كانت السلطات السعودية قد إتخذت بعض الإجراءات لتقليل مجال الإستدانة من البنوك من قبل الأفراد، إلا أن هذا قد لا يكون كافياً لكبح جماح السوق. إذ لابد من إجراءات أخرى أهمها تضييق مجال التذبذب اليومي لأسعار الأسهم.

ولعل تراكم الفوائض النفطية يوجب إعادة النظر في بعض سياسات الإقتصاد الكلي كإرتباط العملات الخليجية بالدولار وما ينتج عنه من إرتباط أسعار الفائدة المحلية بسعر الفائدة على الدولار. ومن غير المعقول أن ترتفع أسعار الفائدة المحلية لأسباب خارجية في الوقت الذي تسمح فيه مؤشرات الإقتصادات المحلية بعكس ذلك. ومن المستبعد تماماً في المرحلة الراهنة على الأقل، أن يؤدى فك الإرتباط بالدولار إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج. فالعوائد في أسواق الأسهم الخليجية وإمكانيات النمو الحقيقي في إقتصاديات دول المنطقة هي أكبر بكثير مما هي عليه في الأسواق الأوربية والأمريكية واليابانية. إن وجود سياسة أكثر مرونة لسعر صرف العملات الخليجية تجاه الدولار والعملات الأخرى من شأنه أن يساعد على قيام إستثمارات محلية تحل محل بعض الواردات كما أن من شأنه أن يخفف من أثر تذبذب سعر صرف الدولار أمام العملات الأجنبية الأخرى على تكلفة واردات دول الخليج.

ولما كانت أسواق النفط شديدة التذبذب بشكل يجعل من الصعب التنبؤ الدقيق بإيرادات النفط، فإن على حكومات الدول النفطية المبادرة بوضع الأطر اللازمة لسياسة ضريبية عادلة تساهم في إعادة توزيع الثروة في مجتمعاتها، في نفس الوقت الذي توفر فيه مصدراً آخر لإيرادات خزينة الدولة عندما وحسبما تقتضيه التطورات المستقبلية.

لقد قيل في نهاية عام 2005م أن أسعار البترول مرشحه للإنخفاض في عام 2006م، ولكن يبدو أن ما يحدث الآن هو عكس ذلك تماماً. فقد وصلت أسعار البترول إلى 67 دولار للبرميل عند كتابة هذا المقال في أواخر شهر يناير من عام 2006م، وذلك بسبب تزايد التوتر بين إيران والدول الغربية. وإذا حدث أي إنقطاع في إمدادات البترول الإيراني أو تزايدت التهديدات بذلك، فإن ذلك سيشكل ضغطاً متزايداً على بقية دول الأوبك ودول الخليج العربية منها بالذات، لزيادة الإمدادات وسترتفع الأسعار والفوائض المالية لهذه الدول. وفي الوقت الذي يشكل فيه البترول ثروة ناضبة، فإن زيادة الإنتاج بما يفوق حاجة إقتصاديات هذه الدول في الوقت الحاضر يعنى أن ذلك يحدث على حساب الأجيال القادمة، مما يضاعف من مسؤولية هذه الحكومات عن كيفية إداراتها لفوائضها المالية.

ld.hkdm hg],gm , Yvjthu hghsuhv