خصوصية بيئة الإدارة المحلية الجزائرية

من أجل المعرفة العملية لعلاقة تخلف البيئة السياسية و الإدارية و الإجتماعية و الثقافية بعجز بناء الحكم الصالح للإدارة المحلية في الجزائر، يمكن مقاربة الموضوع من خلال التطرق إلى خصائص الحكم السيئ أو غير الصالح ( Poor Governance ) ـ و هذا حتى يسهل علينا معرفة أسباب إستمرارية العجز في التوصل إلى عمل تنموي إداري شامل في الجزائر، و من ثمة تحديد آليات معالجتها ـ هذه الخصائص تتمثل في:
1 ـ الحكم الذي يفشــل في الفصل الواضح بين المصالح الخاصة و المصلحة العامة، وبين المال العام و الخاص، و يتجه بشكل دائم إلى إستخدام الموارد العامة أو إستغلالها لصالح مصلحة خاصة.
2 ـ الحكم الذي ينقصه الإطار القانوني، و لايطبق مفهوم حكم القانون.
3 ـ الحكم الذي لديه عدد كبير من المعوقات القانونية و الإجرائية أمام الإستثمار الإنتاجي بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعي و المضاربات.
4 ـ الحكم الذي يتميز بوجود أولويات تتعارض مع التنمية و تدفع نحو الهدر في الموارد المتاحة و سوء إستخدامها.
5 ـ الحكم الذي يتميز بوجود قاعدة ضيقة و مغلقة و غير شفافة للمعلومات ، و لعملية صنع القرار بشكل عام ، و عمليات وضع السياسات بشكل خاص .
6 ـ الحكم الذي يتميز بوجود الفساد و إنتشار آلياته بما في ذلك القيم التي تتسامح مع الفساد(11).
وإذا كانت هذه الخصائص تشترك فيها معظم مناطق العالم، فإن الدول العربية و من بينها الجزائر تعد إدارة الحكم فيها أضعف من كل مناطق العالم الأخرى. و هذا ما بينته دراسة البنك الدولي وتقرير التنمية الإنسانية العربية.
وبناءا على هذه الخصوصيات التي يثبت واقع المجتمعات المستضعفة صحتها، فإنه لا يصعب على من يراقب العمل التنموي الإداري في الجزائر أن يلاحظ مدى فشل الحكومات المتعاقبة وعجزها منذ الإستقلال 1962 إلى اليوم في تهيئة بيئة ملائمة لبناء حكم صالح، ومدى تخلف نسقها السياسي والإداري و عجزه في مواجهة الضغوطات الإنمائية، و في تحقيق طموحات المواطنين و تلبية إحتياجاتهم بالمستوى المطلوب.
على هذا الأساس، و في محاولة لرسم إطار واضح و محدد حول خصوصية بيئة الإدارة المحلية الجزائرية، يمكن أن أوضح أن جميع هذه الخصوصيات ترتبط أساسا بمشكلة التخلف السياسي والإداري (12). وبطئ عملية المشاركة الديمقراطية الأمر الذي أدى إلى وضع حدود للقوة و النفوذ النسبي للمؤسسات الديمقراطية كالمجالس الشعبية المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني. و في ظل هذا الإختلال البنيوي والوظيفي في توازن السلطات و ضعف النمو السياسي، نمت العديد من مظاهر الأمراض المكتبية " Bureaupathologie « وبخاصة إستشراء الفساد الإداري.
و هذا ما اعترف به خطاب السلطة إذ جاء فيه : " ... أن محاربة ما تفشى من ممارسات من مثل الفساد و الرشوة و المحاباة و التدخلات أضحى حتمية " (13) ، كون هذه الممارسات تشكل السبب الرئيسي لتباطـئ الإدارة و سوء تنظيمها و التي تقوض أركان العمل التنموي السياسي الشامل و تأتي على ثقة المواطن . لدا فمن الضروري "... وضع حدّ للسلوكات البيروقراطية التي تجمد المبادرات و تلحق وخيم الضرر بإقتصاد البلاد والتنمية المحلية، ... وغياب الشفافية والتواصل، الذي يتناقض والحاجة إلى إدارة ناجعة، في خدمة المواطنين و الإصغاء لإنشغالاتهم، فالكسل والرشوة والآفات الإجتماعية والضياع والتسيب، كلها تنتشر يوما بعد يوم، و تنتشر بخطورة... " (14).
هذا بالإضافة إلى قناعة المواطن الجزائري وإدراكه المتزايد بأن الفساد مستشر في الأجهزة الإدارية المحلية. ومهيئة لإنتشار أوسع لهذه الظاهرة في ظل التغييب المستمر للشفافية، والمساءلة، والرقابة، وحكم القانون. كل هذا يدفعنا للتساؤل عن ماذا قدمت السلطات المحلية للمواطن ؟ و ما قيمة التكلفة التي دفعتها الخزينة العامة على تلك الخدمات ؟ ثم أن المشاريع الكبرى تنفق فيها الأموال الطائلة ثم تتوقف لأبسط الأسباب، و منها مشاريع إنعاش الإقتصاد، و القضاء على البطالة، و منها عقود الصفقات العامة. وكم كلفت القرارات الخاطئة الخزينة العامة ؟ وكم ضيعت الإدارة المحلية من فرص منذ الإستقلال سنة 1962 إلى اليوم 2008 للتنمية وفي مجالات مختلفة إنعكست آثارها على الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية وعلى العلاقة بين المواطن و أجهزة الإدارة العامة ؟ وما هو مبرر وجود أجهزة ومؤسسات تكاليفها أكبر بكثير من عائداتها ؟ و هل تحولت السلطة و المسؤولية في الجزائر من إعتبار أنها تكليف فأصبحت ترقية و تشريف ؟ و من مسؤولية وواجبات إلى حقوق وإمتيازات ؟ وفي كل ذلك لماذا لا تحاسب القيادة البيروقراطية على نتائج عملهم فتحسب لهم أو عليهم ؟
كل هذه الأسئلة و غيرها التي يطرحها العام و الخاص تحتاج إلى إجابة علمية تصحح مسار العمل التنموي الإداري، و تنقية الجهاز البيروقراطي من الإنحراف و الفساد.
وما يعمق من شعور المواطنين بتفشي الفساد في الأجهزة الإدارية المحلية هو أن الخطاب الرسمي لم ينفك بالإعتراف بالفساد، و الوعود بالقضاء عليه، و لكن من دون جدوى، فاقتصرت حملات المكافحة على التضحية أحيانا ببعض الكوادر الإدارية الولائية والوزارية كوسيلة لإمتصاص الغضب، مما يشكل إعترافا حكوميا ضمنيا بإنتشار الفساد وتغلغله في رموز الحكم نفسه. إذ جاء في نص خطاب رئيس الجمهورية الموجه للأمة: «... إن الدولة مريضة معتلة، إنها مريضة في إدارتها، مريضة بممارسة المحاباة، مريضة بالمحسوبية، والتعسف بالنفوذ والسلطة، وعدم جدوى الطعون والتظلمات، مريضة بالإمتيازات التي لا رقيب لها ولا حسيب، مريضة بتبذير الموارد العامة، و نهبها بلا ناه ولا رادع، كلها أعراض أضعفت الروح المدنية لدى الأفراد والجماعات، وأبعدت القدرات.... وهجرت الكفاءات، ونفرت أصحاب الضمائر الحية، والإستقامة، وحالت بينهم، وبين الإسهام في تدبير الشؤون العامة، وشوهت مفهوم الدولة، وغاية الخدمة العمومية ما بعده تشويه... « (15).
كذلك ما يعزز إدراك المواطن بوجود الفساد على مستوى الإدارة العامة بشكل عام والمحلية بشكل خاص، هو تردي واقع هذه الإدارة، و التي كانت في حد ذاتها هدفا لعمليات الإصلاح الإداري، إذ سنت ترسانة من القوانين لإصلاح الإدارة المحلية منذ الإستقلال إلى اليوم ، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في فعالية هذا الجهاز، خاصة عندما قامت الدولة بمراجعة سياساتها الإقتصادية حيث سنت ترسانة من القوانين والتشريعات الجديدة ،و تخصيص أموال هائلة للإستثمار في ظل غياب المراقبة الفعالة للمال العام. كلها أسباب ساهمت في إنتشار الفساد الموجود في إدارة الدولة، والتي هيأت الوضع لإنتشار الفساد الكبير، خاصة سياسات الخصخصة التي شجعت عليها المؤسسات المالية الدولية، والتي خلقت طبقة جديدة من المقربين من مراكز القرار، و من ذوي المصالح المشتركة.
فعلى الرغم من وجود دوافع القوى الداخلية و الخارجية لإحداث التغيير في السياسات والقوانين حتى تتماشى والتحولات الإجتماعية الكبرى، إلا أن بيئة الإدارة المحلية ما زالت تعتمد في تعاملها مع البيئات الأخرى الإجتماعية والإقتصادية بالإرث الإداري والتنظيمي الموروث، وسلوك القيادة البيروقراطية ما زال يستند على الأسلوب التقليدي القائم على سد الثغرات، و إتخاذ شكل رد الفعل في التعامل مع الأوضاع الجديدة. عوض الإعتماد على مدخل إدارة التغيير. كل هذا أنتج الرداءة و الفساد لواقع الإدارة المحلية، هذا الواقع الذي يتلخص في:
1 ـ غياب المخطط الهيكلي العام، وعدم وضوح السياسات العامة للإدارة المحلية، مما أنتج إزدواجية
وتضاربا بين المسؤوليات أدّيا إلى تكبيـل الجهاز الإداري .
2 ـ تضخم حجم العمالة في الوحدات المحلية وانخفاض مستوى أدائها، ومن شأن هذا أن يعقد الإجراءات الإدارية، و يضعف التواصل مع المواطنين، بالإضافة إلى كونه يعد هدرا لموارد الدولة.
3 ـ عدم المساواة و تكافؤ الفرص الناتج عن المحسوبية و الوساطة، و عدم وضع المواطن في صلب إهتمام الإدارة.
4 ـ ضعف التدريب الإداري و عدم إنتظامه.
5 ـ تسييس موظفي الجهاز الإداري المحلي، الأمر الذي أدى إلى ضعف إهتماماتهم بتنمية قدراتهم ومعارفهم الإدارية.
6 ـ الإعتماد على الحلول المعدة مسبقا، و تقبل كل ما هو جديد دون مراجعة تجديد، ودون إعتبار الإختلاف في الظروف والبيئة الثقافية والإجتماعية والسياسية و الإقتصادية. لذلك لا بد من توفير الأصالة التي لا تستغني في جوهرها عن الإبتكارInnovation وعن الخلق و الإبداع Creativity لأن الإبتكار والإبداع عنصرا الأصالة، وهما في جوهرهما يشكلان توليد التجديد في ضوء الظروف والمستجدات البيئية.
7 ـ بطئ حركة القوانين والتشريعات، وغياب المعايير العلمية مقارنة بالتغيرات والتطورات المجتمعية والعالمية والإدارية.



8 ـ عدم القدرة على تغيير السلوك والقيم السلبية نتيجة وجود قوى تقاوم التغيير، الأمر الذي أدى إلى شيوع الفساد في الوسط الإداري المحلي، وغلبة المصالح الشخصية على المصالح العامة و ضعف الرقابة الإدارية.
9 ـ إخفاء حقيقة الإخفاقات وعدم الإعتراف بالمشكلات أمام الرأي العام، و هذا الإخفاء يعتبر عاملا سلبيا في وجه برامج و خطط و إستراتيجيات محاربة الفساد.
10ـ إنتشار المظاهر السلبية في المؤسسات الإدارية المحلية، نتيجة إنحسار المد القيمي الأخلاقي وتحلل العاملين فيها من القيم المهنية والأخلاق الوظيفية التي توجه سلوكهم وتحكم قراراتهم وترشد تصرفاتهم الرسمية وغير الرسمية.
11ـ التهرب من المسؤولية، وانتشار أساليب الإتكال ، والتهرب من الواجبات لإعتقادهم بأنهم يعملون، وغيرهم يجني الثمار، وهذا ما يؤدي إلى إنعدام روح المبادرة و الإبتكار.
12 ـ الظاهرة الأخرى التي لا تقل خطورة عن سابقتها تتمثل في إسهام العديد من المؤسسات الإدارية المحلية في التخفيف من وطأة القيم الإيجابية الأصيلة المستمدة من التراث الحضاري للأمة، والتواطؤ مع الممارسات السلوكية الشاذة والمنحرفة التي تقترفها العناصر الضعيفة التي إستطاعت أن تقفز إلى المواقع القيادية بأساليب ملتوية و غير مشروعة (17). إن شيوع هذه الممارسات ما هو إلا إستمرار لقيم متأصلة و مكتسبة من ثقافة إدارية إستعمارية من جهة، وإلى عدم تجديد الإدارة وتحديثها من جهة ثانية، إضافة إلى ذلك الفراغ السياسي والإيديولوجي الذي تمر به البلاد حاليا إذ أن غياب العامل السياسي والإيديولوجي الذي يستطيع فرض رقابة شديدة على البيروقراطية ويوجهها ليجعل هذه الأخيرة تتحرك في نوع من الفراغ الجزئي.
13ـ غياب الرقابة الفعالة في الإدارة المحلية الجزائرية أدى إلى تفشي الظواهر السلبية للبيروقراطية كالفساد الإداري، والرشوة، والمحسوبية، والوصولية، والتحايل على القوانين، والغيابات غير الشرعية، وإحتقار العمل كقيمة حضارية.
14ـ التناقض الكبير بين الوضع الرسمي والواقع، ويتجلى هذا في الظهور بما يجب أن تكون عليه الأمور خلافا لما هو عليه الواقع . والغريب أن يتم إخفاء هذه الفجوة بين التوقعات و الحقائق عن طريق إصدار القوانين التي لا يتم تطبيقها، والعمل بتنظيمات تتعلق بشؤون التوظيف، ولكن يتم تجاوزها، والإعلان عن تفويض صلاحيات إدارية مع إبقاء رقابـة المركز محكمة، و حصر حق إتخاذ القرارات فيه، وإصدار التقارير بأن النتائج قد حققت الأهداف المرجوة بينما الحقيقة أن النتائج لم تتحقق إلا جزئيا.
15ـ تجاهل دور المجالس الشعبية المحلية في حل قضايا أساسية مثل البطالة، وتنظيم الأسرة، ومحو الأمية، وحماية البيئة...
وعليه، فإن مع إقتران هذا الكم الهائل من المظاهر السلبية للأجهزة الإدارية المحلية بضعف أجهزة الرقابة و المساءلة في المجالس الشعبية المنتخبة. ومع إنتشار الفساد والمفسدين، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته بل إن القانون نفسه يفقد هيبته وإحترامه. ذلك أن بترسّخ الفساد فإنه يعمل على حماية نفسه و ذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها ، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات ، لذلك نجد أن المسؤولين المحليين غير مبالين بالتغيير و ذلك ضمان لإستمرار مناخ وثقافة الفساد اللذان يضمنان لهم إستغلال النفوذ . هذه الثقافة التي ترسخت في المجتمع الجزائري عامة، والجهاز الإداري خاصة ما تزال تتسع دائرتها، و تتشابك حلقاتها، وتترابط آلياتها بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، الأمر الذي أصبح يهدد مسار العمل التنموي السياسي والإداري ومستقبل المجتمع الجزائري في الصميم.
لعل حجم مشكلة الفساد في الأجهزة الإدارية المحلية الجزائرية، و مخاطر تشعبها وتفاقمها تستدعي تفعيل آليات لمحاصرة الظاهرة والقضاء على تداعياتها السلبية على عملية بناء قدرات الإدارة المحلية، وفق إستراتيجية شاملة واضحة متكاملة بعيدة المدى، وليس إجراءات ظرفية قائمة على التغيير الشكلي والتي تكون أقرب إلى إدارة الفساد.

ow,wdm fdzm hgY]hvm hglpgdm hg[.hzvdm