الإمارات وإيران وقضية الجزر

تمثل إيران أحد أكبر دولة في النظام الإقليمي الفرعي الخليجي من حيث المساحة والسكان والقوة العسكرية (بعد ضرب القوة العربية العراقية) والموارد الاقتصادية، وهي الدولة ذات السواحل الأطول على الخليج، وتمتلك من الجزر في الخليج ما يفوق عددا وأهمية استراتيجية واقتصادية جزر طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى المتنازع عليها وبذلك فإن الجزر المتنازع عليها ليست بمثابة حياة أو موت بالنسبة لإيران، ولا يمكن لأي ترتيب أمني في المنطقة (دول مجلس التعاون أو إعلان دمشق أو حتى تحالف مع الغرب) أن يكون ناجحاً إذا لم تكن إيران أحد أطرافه. ومع ذلك فإنه على الرغم من حديث قادة الثورة في عام 1979 عن نيتهم في مراجعة سياسة الشاه الإمبريالية ثم عدولهم عن ذلك نتيجة لأسباب تمثلت في المشكلات الداخلية الحادة واندلاع الحرب العراقية- الإيرانية وما أسفرت عنه من بروز العراق كخصم أقوى في المنطقة إلى تزايد عزلة إيران الدولية، ثم اندلاع أزمة الخليج الثانية مما جعلها غير قادرة على تنفيذ وعودها مما حذا بالبعض إلى القول بأن النوايا والأهداف القومية لإيران لم تتغير بنجاح الثورة ولا بتعاقب الحكومات الإيرانية منذ عام 1979.
ونتيجة لرغبة إيران في استثمار نتائج أزمة الخليج الثانية المتمثلة في الإخلال بتوازن القوى في المنطقة على الصعيدين الإقليمي الفرعي الخليجي والإقليمي واستثمار انقضاء أجل الاتفاقية واستغلال ثغراتها والتي من أهمها أنها لم تنص على مستقبل الجزيرة بعد انتهاء مدة الاتفاقية، كما تبنت إيران الثورة حتى عام 1989 إلى انتهاج سياسة مزدوجة تجاه الإمارات وعملت على التدخل في شؤون الإمارات الداخلية وإلى اشتمال الإمارات في التهديدات الموجهة ضد أقطار الخليج العربي. وتسعي إيران من خلال فرض سيادتها على الجزر العربية إلى تأكيد ملكيتها لثروات هذه الجزر وما تحتويه مياهها الإقليمية المقدرة بـ /12/ ميل بحري تبدأ من نهاية الحدود البرية لهذه الجزر باتجاه الإمارات وبذلك تكون جميع حقول النفط والمخزون النفطي في هذه المياه تابعة في ملكيتها لإيران وتدرك إيران بأن الانقسامات الحادة بين الدول العربية من ناحية وسعي بعض البلدان العربية إلى استرضاء إيران لتحقيق مصالح قطرية أو لأبعاد شبح الخطر الداخل في بلدانها، أو نكالاً في طرف عربي آخر يعد خصماً لإيران، ورغبتها في استثمار الموقف الأمريكي من العراق والوضع الداخلي في الولايات المتحدة ورغبة الأخيرة في استعادة علاقاتها وربما تحالفها مع إيران ورغبة الرئيس خاتمي في إعادة الجسور مع الغرب عموماً ومع الولايات المتحدة خصوصاً لتعزيز مكانته الداخلية ومكانة إيران الإقليمية.
ولكن ما هو موقف دولة الإمارات العربية المتحدة ؟ يتضح للمراقب أن الإمارات حرصت دائماً على سياسة حسن الجوار والدبلوماسية الهادئة في علاقاتها مع إيران وقد سعت دائماً إلى تغليب العقلانية على العاطفة والدعوة إلى حل المسائل العالقة مع دول الجوار بالوسائل السلمية ويتضح للمراقب أن دولة الإمارات كانت سباقة في دعمها لخيار الشعب الإيراني لنظام حكمه، وفي التعاون مع الحكومة الثورية في إيران والمحافظة على علاقات جيدة مع إيران إذ شكلت شريكاً تجارياً هاماً بالنسبة لإيران وحافظة على علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في الوقت الذي ساءت فيه العلاقات مع معظم دول الخليج العربي الأخرى، ولم تسع يوماً ما للاصطياد في الماء العكر من خلال استثمار الظروف غير الطبيعية التي مرت بها إيران خلال عقد الثمانينات، ولم تسمح لأيا من الأطراف المتصارعة مع نظام الحكم الجديد في إيران (الولايات المتحدة، العراق، مجاهدي خلق) باستخدام أراضيها ضد إيران على الرغم من استمرار إيران في احتلالها للجزر، ولم تسعى إلى تسخير وسائل إعلامها بكافة أشكاله للإساءة إلى إيران أو النيل من رموزها وقيادتها، ولم تتخذ الإمارات أية خطوات تشريعية ضد الرعايا الإيرانيين أو ضد المنشآت الإيرانية لديها، كما حرصت على التعامل مع الإجراءات الإيرانية الأخيرة بروح من التعقل والدبلوماسية الهادئة على كافة الصعد، وأعلن المجلس الأعلى للاتحاد أن أية اتفاقية معقودة بين أي من الحكومات المحلية ودولة أخرى تعتبر اتفاقية موقعة بين الحكومة الاتحادية وتلك الدولة، وعليه فإن موقف الإمارات ثابتة تجاه قضية الجزر وأن سياساتها ومواقفها من إيران لا يشكل سوى رد فعل على الموقف الإيراني المتشدد بعد أن فشلت محاولات الإمارات لوضع نهاية مرضية للأزمة.
والاحتمالات المتوقعة لتطور الأزمة تؤكد على أن عدم التوصل إلى تسوية سلمية مرضية لطرفي النزاع سيقود إلى تدهور في العلاقات الثنائية بين الإمارات وإيران من ناحية وإلى انحسار في درجة ونوع وكثافة التفاعلات بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من ناحية أخرى. كما سيفرض استمرار الأزمة على دولة الإمارات البحث عن حلفاء في النظام الدولي الجديد، والارتباط باتفاقيات دفاعية وأمنية مشتركة. ومن ناحية ثانية فإنه يمكن لهذه الأزمة أن تساعد على ردم الفجوة القائمة بين البلدان العربية ومد الجسور مع أطراف المعسكر العربي الثاني لإعادة التوازن الإقليمي. كما أن عدم قبول إيران بالتوصل إلى تسوية سلمية سيعيق جهود إيران لتحسين صورتها دولياً وسيفرض على الدول الغربية إثبات مصداقيتها في التعامل مع القضايا الإقليمية مما سيؤثر على التقارب الإيراني- الغربي بصفة عامة. وعلى الرغم من ضعف الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة في حالة عدم قبول إيران بالتحكيم الدولي إذا رغبة الإمارات في عرض قضيتها أمام محكمة العدل الدولية لأن ذلك يتطلب موافقة إيران مسبقاً وهو أمر لن تقبل به إيران قطعاً لقناعتها بأنها لا تملك الأدلة الكافية لإثبات ملكية الجزر، فإن عرض الموضوع على مجلس الأمن لكون استمرار النزاع يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي سيزيد من عزلة إيران الدولية. وإذا كان لدى إيران من البراهين ولأدلة ما يؤكد أحقيتها في الجزر كما أشار أحد مسئوليها مؤخرا في الوقت الذي تتحدث فيه الإمارات عن أن حقها في الجزر تؤكده الحقائق العلمية والوثائق التاريخية والروابط الأنثروبولوجية بين سكان الجزر وأشقائهم في الإمارات فإن على الطرفين القبول بمبدأ تسوية النزاع القائم بينهما حول الجزر في إطار الأخوة الإسلامية والأسرة الخليجية من خلال اللجوء إلى التحكيم الدولي، كما فعلت كل من البحرين وقطر، لوضع نهاية مقبولة لكلا الطرفين تكفل حقوق الجميع وتزيل أحد أهم العقبات الرئيسية أمام تحقيق الاستقرار الإقليمي والانتقال بالعلاقات بين الجانبين العربي والإيراني من التعاون إلى التكامل لأن هناك العديد من مجالات التعاون الاقتصادي الممكنة بين الطرفين (المياه والغذاء والنفط والاستثمار المشترك والتبادل التجاري ... الخ) يؤهلهما لتحقيق تنمية اقتصادية إضافة إلى إمكانية التعاون الأمني والعسكري وإيجاد شفافية في العلاقات العسكرية بين الطرفين مما سينعكس إيجابا على تخفيف حدة التوتر وتقليص الإنفاق العسكري وإبعاد شبح الحرب ومنع التدخلات الأجنبية.



ومع كل ما أوردناه فإننا لا نتوقع مواجهة عسكرية بين الجانبين الإماراتي والإيراني، أو الإيراني والدول العربية أو إيران والدول الحليفة الإمارات، كما أنه لا يمكن أن تبقى المسألة معلقة بعدما وصلت إليه من الإثارة على المستويين السياسي والإعلامي، وعليه فإننا نرى أن إثارة قضية الجزر والحديث عن مواقف الإمارات ومسئوليها بشكل يشوه الحقائق ويزيد من شقة التباعد يهدف إلى تحقيق مأرب خاصة بأصحاب تلك المؤسسات الصحفية واتجاهاتهم السياسية وعلى حكومتي البلدين أن يعملا معا من أجل وضع نهاية مقبولة لكلا الطرفين من خلال التوصل إلى اتفاق ثنائي يكفل للطرفين حقوقهم ويساعد على تحقيق الاستقرار في المنطقة. إذ يشكل التفاهم والحوار وتوفير الأمن والاستقرار والتعايش السلمي وتسوية النزاعات الإقليمية بالطرق السلمية المرتكزات الأساسية لسياسة الإمارات الإقليمية. ويتضح ذلك في الكيفية التي أدارت بها الإمارات أزمتها مع جمهورية إيران الإسلامية حول الجزر الإماراتية الثلاث. وإذا كانت التفاعلات بين الدول لا تكون تعاون مطلق أو صراع مطلق فإن سلوك الإمارات الخارجي إزاء قضية الجزر لا يختلف عن سلوك الدول التي لها خلافات مماثلة كالخلاف المغربي الأسباني حول سبته ومليلة والخلاف الياباني الروسي حول جزر الكوريل والصين ودول جنوب شرق آسيا حول جزر سبارتلي. وفي كل الحالات المشار إليها أعلاه فإن العلاقات الثنائية بين الأطراف المتنازعة متميزة.
يتضح من القراءة السريعة أن الإمارات أدارت أزمتها مع إيران بعقلانية استنادا إلى مبدأ لا إفراط ولا تفريط في التعامل مع قضية الجزر وحشد التأييد الإقليمي والدولي بأسلوب حضاري يقوم على أساس ضرورة تسوية الخلاف بالطرق السلمية. وأصبحت الإمارات اليوم على الرغم من إمكانياتها المحدودة إحدى الدول الرئيسية الفاعلة في النظام الإقليمي الفرعي الخليجي تؤثر فيه كما تتأثر بمجرياته وإن كانت درجة التأثير والتأثر تختلف باختلاف الحدث. وعلى الرغم من الادعاءات الصادرة من جهات غير مسؤولة لا تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الإمارات وإيران فقد نجحت الإمارات بفضل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رئيس الدولة ورئيس سلطتها الدبلوماسية من إدارة الأزمة مع إيران حول قضية الجزر إدارة رشيدة تقوم على أساس اعتماد الوسائل السلمية لفض المنازعات الدولية مع التأكيد على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وهو ما يدحض الأطروحات المتطرفة التي تطالعنا بها بعض الصحف بين الحين والآخر والتي لا تهدف إلى تحقيق استقرار ورخاء المنطقة بقدر ما تسعى إلى تحقيق مكاسب آنية. فهل تحرص وسائل الإعلام في كلا البلدين على تقريب وجهات النظر وتمهيد الطريق أمام علاقات إقليمية مستقرة تقوم على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لينعم الجميع في منطقة الخليج العربي بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي فهل تتضافر جهود دعاة الاستقرار في المنطقة من العرب والإيرانيين للعمل من أجل إزالة أحد أهم المعوقات الرئيسية ألا وهي قضية الجزر من خلال التسوية السلمية؟ وهل يعمل الإصلاحيون على الدفع بالقضية نحو نهاية مرضية للطرفين؟ وهل يتمكن السيد محمد خاتمي بعد التفويض الشعبي الذي حصل عليه في انتخابات 8 يونيو 2001 لمدة رئاسية ثانية من استكمال الدائرة الخليجية وينجح في إقناع الشعب الإيراني بضرورة تسوية النزاع مع الإمارات حول جزر طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى كما فعل السيد رافسنجاني الذي أقنع الإمام الخميني بالقبول بوقف الحرب مع العراق علما بأن مهمة خاتمي أكثر يسرا من مهمة سلفه لأننا لازلنا نتذكر المظاهرات التي خرجت تجوب شوارع إيران احتجاجا على قيام الشاه باحتلال الجزر الإماراتية؟ والله من وراء القصد.

hgYlhvhj ,Ydvhk ,rqdm hg[.v