مستقبل النظام الإقليمي العربي

أمة في شِقاق: مستقبل المشروع القومي العربي في ظل التحديات الراهنة

الأوضاع العربية الراهنة تزداد سوءً يوماً بعد يوم, إذ يتفاقم الانشقاق وتضعف القدرات, وتتراجع الطموحات, ويسود شعور بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل، وكل ذلك يثير تساؤلاً أكيداً عن المصير الذي سيؤول إليه "المشروع" القومي العربي ذاته.
المتفحص للبنية العربية الداخلية سواء على المستوى القطري أم القومي يجد أنها لعبت دوراً مهماً في الإبقاء على الوضع الشاذ لحال الأمة العربية. وذلك من خلال إفرازات النظم و قيمها ذات الجوهر القطري, والتي استمدت مشروعيتها التجزيئية من الأسس الاستعمارية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, والتي جسدتها اتفاقية (سايكس- بيكو)، ونتيجة لتلك التجزئة ظهرت مجموعة أنظمة متباينة في الوطن العربي الواحد. حيث ظهرت نظم جمهورية ونظم ملكية فأخذ بعضها بالنظرية الليبرالية الاقتصادية وأخرى طبقت نظريات اشتراكية، و إلى جانب هذا وذاك، برزت أشكال من الإمارات و المشيخات والتجمعات والاتحادات الإقليمية، كل ذلك كان سبباً في إحداث خلافات (عربية – عربية) سواء شخصية على مستوى الحكام أم جغرافية و التي مازالت آثار بعضها مستمرة حتى الآن.
وجاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي لتشهد تراجعاً واضحاً لدور الدولة في الوطن العربي بدافع عاملين الأول: عامل الكوكبة وهيمنة رأس المال المتعدي للجنسية*على حساب سيادة الدولة في سياساتها التنموية، والثاني: عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب القطاعات الأوسع في المجتمع. ونتيجة لهذين العاملين و جدت الأجزاء العربية عندما شغلت في العقود الأخيرة بالتنمية أن التنمية القطرية متعذرة, وأنها توصل إلى طريق مسدود, وأن التنمية في البلدان العربية إما أن تكون قومية المنطلق متكاملة البنيان أو لا تكون. ذلك أن التنمية وفقاً للمنطلقات القومية هي الرد العملي و العقلاني الذي يستجيب لمنطق العصر و ضروراته نحو الوحدة و التحديث.
كما أن حرب الخليج الثانية في عام1990م أفرزت مجموعة من التطورات أهمها: اهتزاز ركيزة الأمن القومي العربي القائم على اعتبار أن إسرائيل التهديد الرئيسي لأمن المنطقة العربية, فقد وقع العدوان من طرف عربي ضد طرف عربي آخر. بالإضافة إلى كونها عطلت انعقاد القمم العربية سنوات عديدة حتى جاءت المبادرة اليمنية في عام 2000م بشأن إعادة دورية انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي كان لها صدى إيجابي على المستويين الرسمي والشعبي وأحيت جو المصالحة العربية.
أما اليوم فإن العالم العربي يعيش محنة حقيقية تجلياتها متشعبة, ففي فلسطين تحاول إسرائيل فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية, وفي العراق تفرض الإدارة الأميركية وصايتها على الشعب العراقي, وفي سورية ولبنان يتزايد التدخل الأجنبي في شؤونهما الداخلية, فضلاً عن قضايا الإرهاب و الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات والتي ظهرت في ظل النظام الأحادي القطبية كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن العربي الواحد. تلك المعطيات في البنية العربية جعلت المشروع القومي العربي أمام تحديات ـ ليست داخلية فقط ـ بل خارجية تهدف إلى تمزيق الوحدة المكانية والقومية العربية. فعلى سبيل المثال، نجد مشروع الشرق الأوسط الكبير يحمل ثلاثة دلائل، الأول: إلغاء الهوية العربية، فهو يضم في جغرافيته توليفة بشرية وجغرافية غير متجانسة تتجاوز حدود الوطن العربي لتغليب الهوية الجغرافية على الهوية القومية. والثاني: تقسيم الرقعة الجغرافية، حيث أنه يفصل وفقاً لحدوده الجغرافية وإن اختلفت بين عرب المشرق وعرب المغرب. والثالث: مشروع غربي- صهيوني، لأن المراد تطبيقه على جزء بعينه من الأرض العربية وبما يتيح للكيان الصهيوني أن يكون دولة مقبولة في البيئة الإقليمية العربية.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة يوفر لقوى الهيمنة الدولية إمكانية السيطرة على الموارد والموقع والهيمنة على القرار السياسي والحد من توجه العرب نحو إقرار ما يخدم مصالحهم. كل تلك المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية تجعلنا أمام حقيقة أن المشروع القومي العربي أصبح حاجة ملحة لمواجهة هذه التحديات وعليه، فإن مستقبل المشروع القومي العربي مرهون بتحقيق أمرين، الأول: القدرة على التجديد، والثاني: القدرة على المقاومة.

القدرة على التجديد
إن المشروع القومي العربي يحتاج إلى بلورة إرادة شعبية عربية تساهم في تحويله وتغييره في اتجاه التكيف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية. وهذا يتطلب منا إحداث ثلاثة أمور، الأول: تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة باعتبارها الرابطة التنظيمية والقانونية بين الدول العربية, وتظهر أهميتها في كونها تمثل طرفاً أصيلاً من أطراف النظام الإقليمي العربي تتفاعل معه بالتأثير والتأثر. فهي تتأثر به من خلال الالتزام بفكرته القومية وتؤثر فيه طالما أن كل فشل تمنى به يقلل من فعالية العمل العربي المشترك والعكس صحيح.
وبالتالي فإن الظروف المحيطة بالأمة العربية وبالعمل العربي المشترك تفرض بالضرورة أن يتم صياغة العمل العربي المشترك من خلال الانتقال بالجامعة العربية من وضعها الحالي مع كافة أجهزتها ومؤسساتها, و يستفاد من سلبياتها وإيجابياتها على مدى أكثر من نصف قرن إلى كيان عربي جديد يتوافق مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية في جميع المجالات, ويحقق الأمن القومي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية وتعيق تقدمها وطموحاتها لتحقيق وحدة الأمة. وفي هذا الإطار، قدمت العديد من المبادرات العربية لتفعيل الجامعة العربية أهمها المبادرة اليمنية والتي تتفق في مضمونها مع الكثير مما جاء في المبادرات العربية ولتضع أسساً جديدة تتوافق ومتطلبات واحتياجات الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً.
الثاني: العمل على تأسيس مبدأ الديمقراطية بكل جوانبها في إطار المشروع القومي العربي الذي لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل جوانبها المعرفية و الفكرية و السياسية والاجتماعية والإقتصادية ومثل غيابها عائقاً أمام استمرار تنفيذه. باعتبار أن الديمقراطية بما تعنيه من إنشاء مؤسسات فعّالة واتساع حجم المشاركة السياسية والمساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق تؤدي إلى تعزيز الوحدة العربية وسد الثغرات التي تهددها. فالديمقراطية هي قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
الثالث: الاهتمام بالموقف من الدين الإسلامي وعلاقة العروبة بالإسلام لما له من تأثير في الحياة الاجتماعية العربية وتناول تلك العلاقة بشكل يوضح دور الإسلام في التكوين القومي العربي ويدفع بالاتجاه نحو ردم الفجوة بين قوى المشروع والحركات الدينية وصولاً إلى الحوار و التفاعل معها وإيجاد أرضية مشتركة تعزز فاعلية المشروع القومي العربي.

القدرة على المقاومة
المقاومة فعل إيجابي لأنها رفض لواقع سلبي. فهي تترك أثراً إيجابياً يتمثل في تعميق الوعي بالتناقض الأساسي مع المستعمر الأجنبي, وتنمي الشعور بوحدة التحديات بين أبناء المجتمع الواحد. والمقاومة ذات بعد إسلامي يشدد على الصلة الروحية والإيمانية بين العروبة والإسلام, وبعد وطني يؤكد على وحدة كل قطر, وبعد قومي يؤكد على وحدة المعركة من الشرق إلى الغرب. كما تشكل المقاومة جزءاً مهماً من المشروع القومي العربي, وهي الوجه المضيء في مسيرة النضال العربي عبر فترة طويلة من الزمن ضد قوى الاحتلال وخصوصا الصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان قريناً للنظام العربي وارتبط به مساره صعوداً وهبوطاً وتمحور جدول أعماله لفترات طويلة من حوله إذ ينذر أن نجد وثيقة أساسية من وثائق النظام تخلو من تأكيد الالتزام بإقامة الدولة الفلسطينية. أكثر من ذلك فإنه يمكن لنا أن نؤرخ للنظام العربي ونقسم مراحل تطوره تبعاً لدرجة الإجماع أو الانقسام حول سبل تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إذاً المقاومة خيار شرعي رئيسي للأمة العربية ويجب اعتمادها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي غير أن تبني مفهوم المقاومة من قبل المشروع القومي يتطلب أن يكون محركاً سياسياً وفكرياً وإشاعة ثقافة المقاومة لتوليد فعل المقاومة وخلق الحاضنات السياسية والثقافية والشعبية لها وخصوصا بعد احتلال العراق لماله من انعكاسات و تداعيات خطيرة على أمتنا العربية.



وأخيراً، يمكن القول أن المنطقة العربية تعيش لحظة تاريخية عصيبة يصل فيها مستوى الصراع إلى درجة الصراع على الوجود المخرج منها وفقاً للرؤية السالفة الذكر هو المشروع القومي العربي.

المصادر

1- أحمد ثابت, القومية العربية: الأزمة والتجديد, مجلة المستقبل العربي, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, العدد272, 2001م.
2- رضوان زيادة, النظام السياسي العربي وأزمة التغيير, مجلة شؤون الأوسط, بيروت, مركز الدراسات الإستراتيجية, العدد120, 2005م.
3- علي الدين هلال ونيفين مسعد, النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 2003م.
4- قيس نوري, الأصول الفكرية للتجزئة وتحديات الواقع: مكانة العقل في الفكر العربي, جامعة بغداد, 1994م.

lsjrfg hgk/hl hgYrgdld hguvfd