بحث حول المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الإجتماعية

هل يمكن الركون للمنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الإجتماعية؟

إن دراسة الظواهر الاجتماعية لتختلف عن دراسة الظواهر الطبيعية لأن الأولى لا تعمل تحت قوانين حاسمة تخضع للتجربة الدقيقة في المختبرات بل أنها تتناول نحواً فريداً يعتمد على عوامل ليست كلها قابلة للعزل التجريبي والتجربة العلمية في المجتمع لها نوع من التصرف الإنساني ذي الصبغة الشخصية عن الموضوعية التي يتطلبها العلم.
فالظاهرة الاجتماعية ليست خاضعة لقواعد المنهج دون تقدير لطبيعتها الخاصة، فـ "المجتمع ليس علماً محضاً، بل يعيش أيضاً بالإنسانيات غير العلمية كالدين والأخلاق والفلسفة، بكل ما يلابسـها من القـيم والمثـل والآمـال والانفعالات". ولاشك أن العلوم الطبيعية قد قدر لها أن تواصل انطلاقها بأسرع مما صنعت العلوم الإنسانية لعوامل متعددة أهمها سهولة انفصالها واستقلالها عن مختلف مجالات النشاط الإنساني الاجتماعي والروحي لأن موضوعاتها محايدة لا تتميز بالوعي والإرادة يؤيدها في ذلك ما كانت تثبته كشوفها من النفع المباشر الذي يتخذ صورة ملموسة .ولعل السؤال الذي بين أيدينا يطرح جزءا من هذه الإشكالية,التي يمكن بسطها من خلال التساؤلات التالية:
• هل الظاهرة الإنسانية عموما والإجتماعية بشكل خاص قابلة للدراسة بذات المناهج التي تدرس بها الظواهر الطبيعية؟ أو بمعنى آخر هل اختلاف الظاهرة الإجتماعية عن الظاهرة الطبيعية يستوجب بالضرورة اختلافا في طبيعة المنهج الذي يعتمده الباحث في دراستها؟
• هل اعتماد المنهج التجريبي في مقاربة الظاهرة الإجتماعية من شأنه أن يعمق أفكار الباحث عن هذه الظواهر أم أنه يشكل عائقا دون تطور العلوم الإجتماعية؟

. إن مقاربة السؤال-قيد الدراسة والتحليل-تستدعي منا من الناحية الإجرائية القيام بتفكيك البنيات المكونة له فقد جاء السؤال عن طريق أداة السؤال هل"وهي أداة غالبا ما تقرن بين قضيتين اثنتين,تكون إحداهما ظاهرة من منطوق السؤال والثانية مضمرة,فالسؤال الذي بين أيدينا يوحي بأنه بالإمكان الركون والإعتماد على المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الإجتماعية,لكن القضية التي لم يعلن عنها السؤال بشكل صريح هي أنه لا يمكن الإعتماد على المنهج التجريبي في مقاربة الظاهرة الاجتماعية لأنها ظاهرة متفردة,ومعقدة تأتي صعوبة تطبيق هذا المنهج عليها من تعالقها بالمجتمع وبالفرد البشري.
هذا وإن فهم السؤال الذي نحن بصدد تحليله ومناقشته عموما يستوجب إيضاح الغموض الذي قد يكتنف العبارات المشكلة له,هكذا نجد عبارات من قبيل:الركون:أي الإعتماد والإتكال/المنهج :يعرفه المعجم الفلسفي العربي بكونه الطريق الواضح في التعبير عن شيء أو عن عمل شيء أو هو الطريقة التي يسلكها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي يثيرها المشكلة موضوع البحث/والمنهج التجريبي يقصد به مجموع الخطوات المتبعة في الممارسة العلمية وقد حدده كلود برنارد في أربعة خطوات هي: الملاحظة والفرضية والتجربة والإستنتاج.
لقد نشأت المطالبة بالدراسة العلمية للظواهر الاجتماعية، باعتبار هذه الدراسة متميزة عن الدراسة الدينية والفلسفية، في أجواء الثقافة الغربية، حيث تأثر الباحثون في الشؤون الإنسانية، بالنجاح الذي حققه المنهج العلمي في العلوم الطبيعية والبيولوجية. فقد نجح العلم الطبيعي في كشف ظواهر الكون، والسيطرة عليها، بعد أن تخلص من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية، قبل عصر النهضة، التي كانت ترى أن غاية البحث هي فهم كلمة الإله في الكون. وعين الضلالة عندها هي: البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدس.
. وكانت الروح المميزة للقرن الثامن عشر، هي روح المشاهدة، والدقة، والمراقبة، وإجراء التجارب، واستنباط القوانين العامة الواضحة والدقيقة، وكما يقول أحد المؤرخين:
"لقد انشغل الناس بالمنهاج المعصوم من الخطأ "المنهج العلمي"، وخُيل إليهم أنه لم يبق من مهمة سوى أن يسحبوا المنهاج العلمي الذي ولد على يدي ديكارت ونيوتن، ليغطي تلك المناطق التي لا تزال خاضعة للخرافات وعدم الانتظام
هكذا وبفضل ما تتسم به الظواهر الطبيعية من طابع خارجي يجعلها مستقلة عن الذات العارفة، استطاعت العلوم الطبيعية - عند نشأتها - أن توفر شرط الموضوعـــية الذي أعــطى لنتائجها مصــداقية لا يختلف حولها الدارسون، وجعل منها تعبيرا عن القطيعة مع التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية حول عالم الطبيعة.. وتحت تأثير هذا النجاح، حــــاول أوائـــــل المهتمين بالظواهر الإنسانية استلهام هذا النموذج العلمي بهدف إنتاج معرفة علمية - موضوعية تسمح بتحرير قارة الإنسان من سلطة التصورات اللاعلمية مثلما حدث مع قارة الطبيعة.
وهذا هو الموقف الذي تبنته النزعة الوضعية من خلال تأكيدها على إمكانية دراسة الإنسان بطريقة علمية تضمن الموضوعية عن طريق تطبيق المنهج التجريبي، سواء تعلق الأمر بالظواهر النفسية (المدرسة السلوكية مع "جون واطسون" في أمريكا)، أو بالظواهر الاجتماعية (المدرسة الوضعية في فرنسا مع "سان سيمون" و"أوغست كونت" و"دوركايم"). فبخصوص الظواهر الإجتماعية، اتفق أقطاب الوضعية الفرنسية على الدعوة إلى إخضاعها للدراسة العلمية من خلال التعامل معها ك"أشياء" أو موضوعات لها وجودها الخارجي المستقل عن الذات، قابلة للملاحظة والتجريب، وتخضع - مثل ظواهر الطبيعة - لقوانين ثابتة يمكن الكشف عنها. وذلك ما تعبر عنه قولة رائد هذا التيار"أوغست كونت" :" القوانين الطبيعية تحدد تطور الجنس البشري مثلما يحدد قانون الطبيعة سقوط الحجر"...وقد أسس "كونـت" عـلم الاجتماع أو "السوسيـولـوجيا" معتـبرا إياها بمثابة "فيزياء اجتماعية"؛ وأكد على ضرورة دراسة الظاهرة الاجتماعية بطريقة علمية/وضعية تمكن من تحريرها من وصاية اللاهوت والميتافيزيقا أسوة بما حصل في ميدان الفلك والفيزياء مع الظاهرة الطبيعية، وذلك في سياق التطور الذي يفرضه قانون "الحالات الثلاث" الذي اشتهر به (المرحلة اللاهوتية / المرحلة الميتافيزيقية / المرحلة الوضعية.. (
وبالمثل، يدعو تلميذه "إميل دوركايم" إلى التخلي عن التصورات الذاتية أو الأحكام المسبقة عند دراسة الظواهر الاجتماعية،وذلك على اعتبار أنها ظواهر تتوفر على وجود موضوعي مستقل كما يدل على ذلك طابعها القهري أو الإلزامي.
وعموما، فالنزعة الوضعية تقيم تطابقا تاما بين الظواهر الطبيعية والإنسانية بناء على تقليدها للنموذج التجريبي الذي نظرت إليه كنموذج مكتمل ونهائي؛ وبذلك تتقابل مع الموقف الذي يؤكد على خصوصية الظاهرة الإنسانية وعدم قابليتها لتطبيق المنهج التجريبي أو تحقيق الموضوعية كما تحددت صورتها في علوم الطبيعة....

وبخلاف هذه النزعة الوضعية حاول ديلتايdeltay إيجاد تفسير وفهم صحيحين في مجال العلوم الإنسانية، وذلك في محاولته الجادة لإقامة العلوم الإجتماعية على أساس منهجي مختلف عن العلوم الطبيعية مركزا على فارق جوهري هو أن مادة العلوم الإجتماعية مادة معطاة – العقول البشرية – وليست مشتقة من أي شيء خارجها، بخلاف مادة العلوم الطبيعية، وعليه فإن العالم الإجتماعي يجد مفتاح العالم في نفسه وليس في خارجها. وعليه أساس الفهم الذاتي الصحيح يتجلى في إقامتها على أساس معرفي وأساس بسيكولوجي ، فالأساس المعرفي عند ديلثي يتأسس على التجربة الذاتية فهي المقابل للتجربة في العالم الخارجي بالنسبة للعلوم الطبيعية. والتجربة الذاتية هي الشرط الضروري الغير ممكن تجاوزه لأي معرفة ما دام أن هناك مشتركا بين الآحاد من البشر، وعليه يصبح من المتيسر الإدراك الموضوعي القائم خارج الذات، إذ أن هذا الموضوعي الإنساني يحمل تشابهات من ملامح التجربة الأصلية عند الذات المدركة. وطبعا هذا الفهم المؤسس على التجربة الذاتية وقراءتها كما الشيء الموضوعي راجع للتعبير سواء كان في سلوك اجتماعي أو نص مكتوب. وبصــدد هـذا الفـارق قـال (ديلتاي):deltay: "إن مادة العلوم الاجتماعية مادة معطاة، وليست مشتقة من أي شيء خارجها، مثل مادة العلوم الطبيعية التي هي مشتقة من الطبيعة. إن على العالم الاجتماعي أن يجد مفتاح العالم الاجتماعي في نفسه وليس خارجها، إن العلوم الطبيعية تبحث عن غايات مجردة، بينما تبحث العلوم الاجتماعية عن فهم آني، من خلال النظرة في مادتها الخام، إن الإدراك الفني والإنساني هما غاية العلوم الاجتماعية، وهذا يمكّن الوصول إليهما من خلال التحديد الدقيق للقيم والمعاني التي ندرسها في عقول الفاعلين الاجتماعيين" .
وتتدخل حرية الإرادة البشرية في الظواهر الإنسانية، وتقوم بتغيير مجراها، تغييراً يجعل من الصعوبة إخضاعها لقانون علمي ثابت، ومن هذا يتيسر التنبؤ في مجال العلوم الطبيعية، وهذا غير مقدور في العلوم الإنسانية على وجه الدقة، لأن سير ظواهره يمكن أن يُغيّر مجراه بتدخل الإرادة، وأحكام الناس تتأثر بعوامل لا تساير منطق العقل .
وقوانين العلوم الإنسانية ليست موضوعية خالصة، إذ أن الباحث في هذه المجالات لا يستطيع أن يتجرد من أهوائه، وهو ينظر إلى موضوعه الذي يتصل بالإنسان من خلال عقيدته وثقافته وتقاليد موطنه وغير ذلك من عوامل تؤثر على نزاهته، وتجعله باحثاً ذاتياً ومتأثراً بالعوامل الذاتية، وهذا عكس العلوم الطبيعية، فإن تحرر الباحث من الميل والهوى ميسور عند علاج موضوعاتها، ومن هنا كان البحث العلمي موضوعياً وليس ذاتياً .
إن الدقة في قوانين العلوم الطبيعية مرجعها إلى صورتها الرياضية، لأن من الميسور أن تقاس مقاديرها بالكمية، أما العلوم الإنسانية فيتعذر إخضاع موضوعاتها لهذا الضبط الكمي، ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضية الدقيقة، مما أدى ببعض الباحثين في العلوم الإنسانية إلى القول بأن علومهم لا تكون عامة أبداً، لأنها لا تخلو من الحالات الاستثنائية التي لا تدخل في طبيعتها.
بل هناك عوائق جمة لا يمكن أن نلتمس من منهج العلوم الطبيعية نتائج إيجابية، إذا ما أردناه أداة فاعلة لتفسير بعض الظواهر في العلوم الإنسانية، أشير - هنا – إلى بعضٍ منها :
1. – في العلوم الإنسانية لا يتيسر للباحث أن يدخل في موقف اجتماعي لأن إدخال ذلك قد يؤدي إلى تعديل غير قابل للتصحيح، فتكرار المتغير لمعرفة ما إذا كانت المشاهدة ثابتة، سوف يقع دوماً على متغيرات لم تعد في أوضاعها الأولى، وما دمنا على غير يقين من عزونا للثوابت أو المتغيرات المشاهدة إلى الحالات الأصلية، فمن المستحيل أن يقرر بالوسائل التجريبية ما إذا كان تعديل معين في ظاهرة اجتماعية يمكن أن ننسبه بثقة إلى نمط معين.
وإذا كان الباحثون قادرون على التغلب على هذه الصعوبات في موضوعات الدراسة غير الإنسانية، باستخدام عيّنات جديدة في كل محاولة تُكرّر، فإن ذلك متعذر في العلوم الإنسانية، لأن العينات على فرض وجود قدر كاف منها قد لا تكون متماثلة في الخواص، فالإطراد سوف يكون أقل ظهوراً منه في الظواهر الطبيعية، وذلك بسبب التعقيد في الظواهر الإنسانية، مما يصعب على الباحث أن يعزل جانباً واحداً من جوانب الموقف التجريبي عزلاً يمكنه من تتبع ذلك العامل .
2. -إن منهج العلوم الطبيعية يمكنه إعادة التجربة في ظروف مختلفة زمانياً ومكانياً، بينما تتسم العلوم الإنسانية بحركيتها، وتغيرها، وعدم ثباتها، ومن ثم فهي ظواهر انفرادية لا تتكرر تحت نفس الشروط، وليس بإمكان الباحث أن يعيد تركيبها، إنها تاريخية تجسد لحظة تاريخية معينة.
3. – تختلف درجة إدراك الظاهرة الطبيعية عن الظاهرة الإنسانية، لأن الأولى تقدم نفسها للباحث شيئاً مستقلاً عنه، تتيح له حرية الملاحظة الخارجية، بوصفها ظاهرة مادية، لها بناء داخلي، يغير من شكلها ومظهرها، ويتفاعل مع المحيط الخارجي الذي توجد فيه، فالباحث في هذه الحالة، يتعامل مع هياكل معينة مجردة من الشعور والتفاعل، أما الظواهر الإنسانية فدرجة تعقيدها أكثر، وهي لا تقدم نفسها على نفس الشكل من البساطة، وليست هياكل ميتة ومجردة عن كل حركة، إنها تتمتع ببناء داخلي خاص، حيث أن الباحث الذي يتعامل مع الظواهر الإنسانية يجد نفسه داخل نظام من العلاقات والتفاعلات، وهنا لا تكفي الملاحظة الخارجية لإدراك حقيقة هذه الظواهر التي يكون فيها الإنسان مؤثراً ومتأثراً، وله حرية تغيير مظهره وسلوكه الخارجي .
4. – تتعامل العلوم الطبيعية مع ظواهر ذات طبيعة بسيطة التكوين، أما العلوم الإنسانية فإنها تتعامل مع ظواهر حية أكثر تعقيداً في تكوينها، وحينما حاول علماء الاجتماع تطبيق النموذج الطبيعي على الظواهر الإنسانية، كانوا يركزون على الظواهر المحسوسة في الإنسان، المتمثلة في السلوك الظاهري القابل للإدراك والمشاهدة، دون النفاذ إلى بواعث هذا السلوك، ودون النفاذ إلى الجوانب الروحية والمعنوية للإنسان، ولذلك جاءت النتائج مشوهة لحقيقة الإنسان الذي اختزلته في الجانب المادي .



5. – تتميز الظواهر الإنسانية بالتعقيد المضاعف: تعقيد على مستوى الفرد في تكوينه الداخلي، وتعقيد على مستوى تفاعل الأفراد في ما بينها، وفي طبيعة العلاقات التي تشكل رابطة بينها، وتعقيد يتعلق بطبيعة الظواهر الإنسانية التي تتميز عن الظواهر الطبيعية بالحركة والتغيير وعدم الثبات والتكرار، ولذا فإن الالتزام بالنموذج الطبيعي في دراسة الظواهر الاجتماعية/الإنسانية يفترض في الإنسان أن يكون عبارة عن هيكل ميت، لأنه لا يدرك منه سوى الجانب المادي، بينما تخفى عليه الجوانب الروحية والمعنوية .
6. – يقوم النموذج الطبيعي في دراسته الفيزياء – مثلاً – على أساس عزل الذرة عن محيطها المادي، وعن الطبيعة التي وجدت فيها، قصد دراستها وملاحظتها والتوصل إلى مكوناتها الأصلية. ولكن تطبيق هذا النموذج على المجال الإنساني لن يحقق ذات النتائج، فتفتيت الإنسانية إلى أجزاء مكونة من أفراد لا يعكس حقيقة الإنسانية، لأن المجتمع البشري في أدنى صوره كالأسرة لا تتكون من مجموعة أفراد تأخذ مكانها في مساحات معينة، وإنما هي مجموع التفاعلات والعلائق التي تربط بين أجزائها، وفهم للدوافع النفسية التي توجه هذه العلاقات والتفاعلات التي تحدد سلوكها الخارجي .
7. -إن الموضوعية القائمة في العلوم الطبيعية من المتعذر تحقيقها في العلوم الإنسانية ، فالظواهر الإنسانية تختلف عن الظواهر الطبيعية ؛ فالظواهر الإنسانية تتميز بتعقد وتنوع الاسباب المؤدية لظهورها وسرعة تغيرها وصعوبة تكميمها ، وصعوبة عزل الباحث عن المجتمع فهو جزء من المجتمع ولابد أن يتأثر بالظواهر الموجودة فيه0
وتبقى إشا رة مهمة حول (العلوم الإنسانية والقيم): فهل بإمكان تلك العلوم أن تنفصل عن القيم التي تعبّر عن ظواهر إنسانية اندمجت فأدت إلى تلك الأحكام؟
لنأخذ علماء الاجتماع مثالاً: حينما عزموا على العزوف عن اعتبار القيم الروحية التي توجّه سلوك الإنسان، قاصدين الالتزام بالموضوعية العلمية التي تركز على الظاهرة القابلة للملاحظة والادراك الحسي، كانت النتائج التي انتهوا إليها على حساب الحقيقة العلمية، بعد أن فشلت تلك الدراسات في أن تعكس الإنسان في واقع أمره، مما يدلل على عدم صلاحية هذا المنهج في استيعاب الجوانب المكوّنة لشخصية الإنسان في كل أبعادها المادية والروحية .كذلك ما حصل لعلماء الإجتماع حينما أرادوا دراسة الظواهر الأخلاقية: فلقد شرعوا مطبّقين المنهج التجريبي لدراسة تلك الظواهر، وكانت تعتمد على الوصف الظاهري للسلوك الأخلاقي، متجنبين الدراسة المعيارية التي تحدد الغايات، وكانت قناعتهم المنهجية تقتضي: أن الدراسة العلمية للظاهرة الأخلاقية، ليس من شأنها أن تحدد الغايات، وتصدر أحكاماً معيارية في ضوء مُثُلٍ معينة، لأن ذلك سوف يخرج عن الوصف العلمي المحايد الذي يقف عند حد الوصف.
فالمنهج التجريبي في دراسته للظواهر الأخلاقية لم يستطع أن يستوعب حقيقة هذه الظواهر لتركيزه على الجانب المادي المتجسد في أفعال الناس، مُجرِّداً الأخلاق من العنصر القيمي والمعياري المهمين، وهذا يكفي في الدلالة على عدم صلاحية المنهج التجريبي في دراسة موضوع ذي طبيعة مخالفة، إن القيم جزء جوهري من الوقائع التي يدرسها الباحث في العلوم الإنسانية التي تقوم على افتراضات قيمية.

هكذا يبدو أن منهج العلوم الطبيعية عاجز عن اكتشاف عناصر من شأنها أن تعمّق أفكار الباحث عن الظواهر الإنسانية، والتزام هذا المنهج يشكل عائقاً خطراً في وجه تقدم هذه العلوم، حيث أن التصرفات يمكن أن تعطي دلالات مختلفة، لا تعبر عن كل شيء.
كما أن الملاحظة والوصف لا يكفيان، والملاحظة البسيطة للواقعة غير كافية للكشف عن الدوافع.
إن اختلاف الظواهر الإنسانية عن الظواهر الطبيعية يستلزم اختلافاً في طبيعة المنهج الذي يتعامل به الباحث مع كلٍّ منهما، وبذلك تكون الدعوة إلى تبني المنهج الطبيعي ونماذجه الطبيعية، والتركيز على الظاهرة المادية للسلوك الإنساني، دون الدوافع الداخلية الموجهة لهذا السلوك، لتحقيق صفة العلمية في العلوم الإنسانية، دعوة جديرة بعدم الاعتبار

fpe p,g hglki[ hgj[vdfd td ]vhsm hg/hivm hgY[jlhudm