بحث حول علاقة التراث بالحداثة

مقدمة
المبحث الأول : التراث والحداثة
المطلب الأول : مفهوم التراث
المطلب الثاني : مفهوم الحداثة
المبحث الثاني : أهم التيارات الفكرية في هذا المجال
المطلب الأول : - التيار السلفي
المطلب الثاني : - التيار الليبرالي العربي
المطلب الثالث : - التيار اليساري العربي
المطلب الرابع : - التبسيط وشرح نظرة هذه التيارات
خاتمة


تمهيد :

لعله يكون من المفيد لمداخلتنا هذه التي اتخذت من محور دور التراث في المحافظة على

القيم والثوابت والشخصية العربية موضوعا لها أن تبدأ من الحديث في العلاقة بيــــــن

الماضي والمستقبل ، أما الحاضر فغير حاضر ليس فقط لأنه مرفوض بل لان

حضورا لماضي قوي في هذا المحور إلى درجة جعلته يمتد إلى المستقبل ويحتويـــه

تعويضا عن الحاضر .

إن الدافع الرئيسي للذات العربية الحديثة إلى تأكيد نفسها بهذا الشكل معروف ومعترف به

لدى الجميع ، انه التحدي الحضاري الغربي بجميع أشكاله وكافة أبعاده ، وكما يحدث دائما

سوء على المستوى الفردي أو الجماعي فلقد اتخذت عملية تأكيد الذات شكل النكوص إلى

مواقع خلفية للاحتما ء والدفاع انطلاقا منها .

إن الأسئلة التي تفرض نفسها في هذا الموضوع هي :

- ما هو التراث والحداثة ؟ - كيف نعيش حاضرنا ونحافظ على ماضينا ؟


المبحث الاول
المطلب الاول :
مفهوم التراث :
التراث هو مصدر الفعل ورث إرثا ، وقد وردت أللفضة في القران الكريم
في قوله تعالى : " وتأكلون التراث اكلأ لما " فالتراث على هذا النحو يكون
كل ما يتركه الميت لورثته ............ (1)
ثم توسعت أللفضة لتشمل كل المخلفات البشرية الحسية والمعنوية ، فالتراث
الذي نعني به هنا هو كل ما خلفه لنا أجدادنا من محسوسان ومعنويات
و قد قسم علماء الانثروبيولوجيون التراث إلى ثلاثة أنواع :
1" – البنايات والمنحوتات والتصوير و الزخارف
2" – المكتوبات والمقروءات ولقد أطلق على هذين النوعين الحظاراة لأنهما يتعلقان بالماديات .
3" – الأديان والعقائد والتقاليد وجميع السلوك البشري ن ولعل هذا النوع الأخير يعتبر من مظاهر ثقافة المجتمع ، وخير ما يفتخر به العرب هو كتاب الله والسنة النبوية
المطلب الثاني :
مفهوم الحداثة :
تعبر هذه الكلمة عن العصرنة بمختلف أشكالها أو عن عملية تحديث وتجديد كل ماهو قديم ، ولذلك نجد استخدام واسع لهذه الكلمة خاصة في المجال الثقافي والفكري والاقتصادي
وبشكل بسيط يمكن تقسيم التاريخ إلى خمسة أجزاء :
1"- ما قبل التاريخ
2"- التاريخ القديم
3"- العصور الوسطى
4"- العصر الحديث
5"- العصر ما بعد الحديث
- إن معظم الحياة الحديثة تغذت من مصادر عديدة قد تكون في الكثير من الأحيان قديمة
- ولذا نجد الكثير من المؤرخين قد اختلفو في تحديد بداية الحداثة
1"- منهم من يرى أنها بدأت باختراع الطباعة المتحركة سنة 1436
2"- ومنهم من يرى أنها بدأت مع الثورة اللوثرية ضد سلطة الكنيسة سنة 1520
3"- وقلة آخرون يرون أنها بدأت مع كتاب فرويد " تفسير الأحلام " سنة 1859 .....(2)

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
(1) مباركي تركي ، مجلة العلوم الإنسانية مجلة دورية محكمة، العدد 36
(2) موقع الكتروني




المبحث الثاني :
- الكثير يرى أن الحضارة الغربية اشتملت على حسنة وهي التقدم التكنولوجي ، واشتملت على سيئة وهي الانحلال الروحي ، غير أنهما غير متلازمان كما يضن بعض الناس
في البداية يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا في الكلام عن الحاضر أو الماضي لأنه لا حاضر لنا نحن بل حاضر الغرب الأوربي الذي يفرض نفسه كذات للعصر كله ، أو للإنسانية جمعاء .
وبتالي فان الحديث عن التيارات الفكرية العربية فيه نوع من لا واقعية أو الخيال الفكري
إن صح التعبير ،لان الكثير من المفكرين انطلقوا من أساس غير صحيح

المطلب الاول :
التيار السلفي :

- البداية تكون من التيار السلفي في الفكر العربي الحديث والمعاصر الذي انشغل أكثر
من غيره بالتراث وإحيائه واستثماره في إطار قراءة إيديولوجية سافرة ، أساسها
إسقاط صورة المستقبل المنشود أو المستقبل الأيديولوجي على الماضي ثم البرهنة انطلاقا من عملية الإسقاط هذه على أن مأتم في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل
لقد كان لهذا التيار نظرة إصلاحية دينية سياسية مع الأفغاني وعبده تنادي بالتجديد
وترك التقليد ، وإلغاء التقليد يعني إلغاء كل التراث المعرفي المنحدر من عصر
الانحطاط والحذر من السقوط فريسة في الفكر الغربي .
- إذا إنها السلفية الدينية التي رفعت شعار الأصالة والتمسك بالجذور والحفاظ على الهوية
المفهومة على أنها الإسلام ذاته الحقيقي لا إسلام المسلمين المعاصرين
نحن إذا أمام قراءة إيديولوجية جدلية كانت تبرر نفسها عندما كانت وسيلة لتأكيد الذات
وبعث الثقة فيها ،إنها آلية للدفاع معروفة وهي مشروعة فقط عندما تكون جزاء من مشروع
لكن الذي حدث هو العكس تماما ،لقد أصبحت الوسيلة غاية ، فالماضي الذي أعيد بناءه
بسرعة قصد الارتكاز عليه ل ( النهوض ) أصبح هو نفسه مشروع النهضة ،هكذا أصبح
المستقبل يقرءا بواسطة الماضي ، لكن لا الماضي الذي كان بالفعل بل الماضي كما كان يجب
أن يكون ، وبما أن هذا الأخير لم يتحقق إلا على صعيد الوجدان (الحلم ) ، فان صورة
المستقبل لا تأتي إلا على شاكلة سابقتها . ..........................(1)
- إن القراءة السلفية قراءة تاريخية وبتالي فهي لا يمكن أن تتيح سوى نوع واحد من الفهم
- للتراث وهو: الفهم التراثي لذات التراث الذي يحتويها وهي لا تستطيع أن تحتويه ، لأنها
التراث يكرر نفسه .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
[COLOR="Plum"](1) محمد عابد الجابري ، نحن والتراث ، الطبعة السادسة ، المركز الثقافي العربي ن بيروت ، ص 12[/COLOR]

المطلب الثاني :
التيار الليبرالي العربي
- المشكلة الآن هي : - كيف نعيش حاضرنا ونحافظ على تراثنا ؟
نبدأ حديثنا بعد هذا الإشكال من وجهة نظر معاكسة للتيار الأول ، إنها نظرة الليبرالي العربي
الذي ينظر إلى التراث العربي الإسلامي من الحاضر الذي يحياه ، حاضر الغرب الأوربي
فيقرءاه قراءة اوروباوية النزعة ، ولذلك فهو يرى فيه ما يراه الأوربي
نعم نحن نتحدث عن القراءة الاستشراقية التي تأخذ امتدادها إلى الأستاذ العربي على شاكلة
(سلفية استشراقية ) تقدم نفسها على أنها قراءة علمية تتوخى الموضوعية وتلتزم الحياد
وتنفي عن نفسها أي دوافع نفعية إيديولوجية .................. لخ
وتدعي أن ما يهمها هو الفهم المعرفي وفقط وإنها تأخذ من المستشرقين منهجهم العلمي
لكنها تنسى أو تتناسى أنها تأخذ الرؤية مع المنهج
إن الرؤية الاستشراقية تقوم من ناحية المنهجية على معارضة الثقافات ، أي على قراءة
تراث بتراث ، وعندما يكون المقروء هو التراث العربي الإسلامي فان مهمة القراءة
تنحصر حينئذ في رده إلى أصوله اليهودية أو المسيحية أو اليونانية ........................... لخ
القراءة الاستشراقية تقول أنها تريد أن تفهم ،- لكن تفهم ماذا ؟
أتريد أن تفهم مدى فهم العرب لتراثهم ؟ إن العرب الذين كانوا وساطة بين الحضارة
اليونانية والحضارة الحديثة الأوربية ، إنما تتحدد قسمتهم بهذا الدور نفسه
الشيء الذي يعني أن ( المستقبل ) في الماضي العربي كان في استيعاب ماضي غير
الماضي العربي ( ثقافة اليونان بكيفية خاصة ) وبالمقايسة يصبح المستقبل في الآتي العربي
مشروطا باستيعاب الحاضر الماضي الأوربي ، وهكذا تنكشف دعاوي المعاصرة في الفكر
الليبرالي العربي الحديث والمعاصر عن استلاب لذات خطير . .....................(1)


المطلب الثالث :
التيار اليساري العربي

- كيف نعيد بناء تراثنا لنحقق ثورتنا ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا للحديث عن تيار ثالث وهو التيار اليساري العربي
المعاصر الذي يتبنى المنهج الجدلي لكنه يجد نفسه تائها في حلقة مفرغة حيال ذالك
لان الفكر اليساري العربي المعاصر لا يتبنى في تقديرنا المنهج الجدلي ل ( التطبيق )
بل يتبناه كمنهج مطبق ، وهكذا فالتراث العربي الإسلامي يجب أن يكون انعكاس للصراع
الطبقي من جهة ،وميدان للصراع بين المادية والمثالية من جهة أخرى ،ومن ثمة تصبح
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
(1) محمد عابد الجابري ، نفس المرجع السابق ، ص 14


القراءة اليسارية للتراث هي تعيين الأطراف وتحديد المواقع في هذا الصراع ( المضاعف )
وإذا استعصى على الفكر اليساري العربي القيام بهذه المهمة بالشكل المطلوب ، وهذا ما



حدث ألقى باللائمة على التاريخ العربي الغير مكتوب ،أو تذرع بصعوبة التحليل أمام هذا
التعقيد البالغ الذي تتصف به أحداث تاريخنا

وهكذا تنتهي هذه القراءة اليسارية العربية للتراث العربي الإسلامي إلى ( سلفية ماركسية )
أي إلى محاولة لتطبيق طريقة تطبيق ( السلف الماركسي ) للمنهج الجدلي وكان الهدف هو
البرهنة على صحة المنهج المطبق لا تطبيق المنهج
وذلك هو السر في قلة إنتاج هذه القراءة وضعف مرد وديتها

- إن الشيء الذي يمكن أن نستشفه من خلال عرضنا لهذه التيارات الفكرية هو النزعة
السلفية التي تطبع الفكر العربي المعاصر ككل ، والقراءات الثلاثة التي مرت بنا لا تختلف
جوهريا
عن بعضها البعض من الناحية الابستمولوجية ،لأنها مؤسسة فعلا على طريقة واحدة في
التفكير ، الطريقة التي سماها الباحثون العرب القدامى ( قياس الغائب على الشاهد ) وهكذا
سواء تعلق الأمر بالاتجاه الديني القومي أو الليبرالي أو اليساري من اتجاهات الفكر العربي
الحديث والمعاصر ، هناك دائما شاهد يقاس عليه الغائب ، والغائب هنا هو المستقبل كما
ينشده أو يتصوره كل من هذه الاتجاهات ، أما الشاهد فهو مجد حضارتنا كما يرى التيار
السلفي ، أن قياس الغائب على الشاهد ، طريقة علمية ما في ذالك شك ،لكن شريطة التقيد
بشروط صحتها .

المطلب الرابع :
التبسيط وشرح نظرة هذه التيارات

- قد يجد الكثير من الزملاء صعوبة في فهم هذه الأفكار ، كما تبدو في البداية غير أن الحقيقة غير ذلك ، وعليه ارتأينا أن نقوم بتفسير ما كتبناه بإيجاز .
1"- التيار الأول : تشبث بالتراث ، ويعتقد هذا التيار انه قادر على العيش في أيطار التقليد الضيق الموروث من السلف ، وذلك بغلق الأبواب في وجه أمواج الحضارة الغربية وثقافتها المندفعة في كل اتجاه .







2"- التيار الثاني : وهو التيار المتغرب يرى هذا التيار انه بالإمكان حل هذه الأزمة من خلال قبول الحضارة الغربية بجميع إبعادها ومتطلباتها ومستلزماتها ، بما في ذلك ثقافة الحداثة التي تختصرها في تحقيق السعادة و التقدم و التحرر ، وذلك طبعا على حساب التنكر للماضي وقطع الصلة مع كل ماهو قديم .

أي أن هذا التيار يرى أن التراث عقبة تحول دون هذا الاندماج الحضاري

← غير أن هذا التيار عجز عن أداء دور يذكر أمام الواقع الماثل في المجتمع
.

3"- التيار الثالث : وهو التيار الإصلاحي وهم قلة قليلة الذين يضعون الأمور موضعها ويعرفون ميزة الحضارة الغربية ، التي تتلخص في التطور المعرفي والتكنولوجي ، وبالمقابل التخلف الروحي إلى جانب التخلف في ميدان العلوم الإنسانية ، ولهذا نجد هذا التيار يحرص على ضرورة اخذ ما يصلح وترك كل ما يتنافى مع التعاليم الدين الإسلامي السمحة .......(1)

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(1) موقع الكتروني

الخاتمة

لعله يبدو جلي للجميع أن أفكار محمود عابد الجابري قد طغت على موضوع بحثنا ، لكن هذا ليس تقصيرا منا ، لان طبيعة الموضوع من جهة وقلة المراجع من جهة أخرى ، حالا دون التوسع في هذا الموضوع بطريقة اكبر
.
لكن على العموم نعتقد بل نجزم على أن الجميع قد اخذ فكرة ولو بسيطة عن هذا الموضوع الذي يعد من بين أهم المواضيع التي تشكل تحدي لجميع الدول الإسلامية على وجه الخصوص والدول النامية التي تعاني من هذا الانسلاخ الخطير عن ثقافاتها وعاداتها .
إن الجميع يدرك مدى خطورة هذا المد الثقافي الغربي ن الذي زاد من حدته تطور وسائل الاتصال بجميع أشكالها .

في الأخير يمكن القول انه من الصعب تهميش التراث أو الماضي الذي يعد الخزان الأساسي للحداثة والتطور ، لكنه لا يمكن تصور حداثة وتطور من دون قاعدة تراثية تكون بمثابة الركيزة أو الدعامة الأساسية للتطور .


قائمة المراجع

- محمد عابد الجابري ، نحن والتراث ، الطبعة السادسة ، دار النشر ، المركز الثقافي العربي
بيروت
- مبارك تركي ، مجلة العلوم الإنسانية ، مجلة دورية محكمة تعني بالعلوم الإنسانية ، العدد
36 tm barek @ yahoo fr


fpe p,g ughrm hgjvhe fhgp]hem