بحث حول موقف النظرية التربوية الاسلامية من النظرية التربوية الغربية

مقدمة:

لعل من الثوابت التي أصبحت راسـخــة فـي وجداننـا الحضـاري وسلوكنا الفكـري ـ نحن المسلمين ـ في العصر الحديث، وباتت تـتـحـكـم بقدر غير يسير في منهج دراستنا للظواهر، وتحليلنا لمختلف القضايا الفكرية والتربويــــة، أن نعرض الأنساق والنظم الإسلامية المرتبطة بشتى مجالات النشاط النظري والفكري، في سياق المقارنة بينها وبين مثيلاتها في عالم الغرب، ولا شك أن هــذا الثابت النسبي ستستمر مسوغاته وفعالية تأثيره على تحليلاتنا ودراستنا الفكرية والنـظـريــة، ما دام هناك في واقعنا المعاصر فئات عريضة من الناس تنظر إلى الغرب على أنه مركز الحضارة والإشعاع الفكري المستنير الذي لا نملك إزاءه إلا أن نطأطئ رؤوسنا في خشوع! من هنا أُقبلنا على دراسة موقف النظرية التربوية الغربية ومناقشتها في ضوء معالم التربية الإسلامية؛ بغرض إبراز التصور التربوي الإسلامي للتربية. والواقع: أن منهجية المقابلة هذه لا يمكن للتصور الإسلامي إلا أن يخرج منها منتصراً مرفوع الرأس، هذا لسيطرة التربية الغربية على عقول الأمم العربية. في هذا الصدد سنعرض صورة كاملة عن كلتا النظريتين ونبرز أهم سماتهما وأهدافهما فـيـتـضــح الطرف الهزيل من الطرف القوي، من خلال إبراز العناصر والمكونات التي تدخل في نـسـيــج كل بناء نظري لهما على حدا.

[b]المبحث الاول: دراسة النظرية التربوية الاسلامية
مفهوم التربية في نظر الإسلام:
إن المجتمع الإسلامي الأول قام بالعملية التربوية أحسن قيام مستعيناً في ذلك بما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية من مبادئ- تربوية سامية وشاملة، من هنا ظهر جيل إسلامي فريد، سطر له التاريخ أعمالاً امتد أثرها و عمّ أرجاء الدنيا.
إن التربية الإسلامية نظام تربوي كامل، يقوم كل جانب فيه على تعاليم الإسلام ومفاهيمه ومبادئه ومقاصده ولهذا فهي تختلف عن جميع الأنظمة التربوية من حيث مصادرها وأهدافها، وبعض أسسها ومبادئها ومؤسساتها وأساليبها وخصائصها، وهي التي بدأت بتربية رسول الله عليه الصلاة والسلام لصحابته الكرام وإعدادهم، وتنشئتهم ورعاية جوانب نموهم، وتفتيح استعداداتهم، وتوجيه قدراتهم وتنظيم طاقاتهم، حتى أصبحوا خير الأجيال عبر التاريخ الإنساني، والتربية الإسلامية هي العملية التربوية التي سار عليها المسلمون بعد نبيهم عليه الصلاة والسلام في تنشئة أجيالهم وإعدادهم حتى أصبحوا بها رجال الإسلام، والإيمان، والفكر والعلم، والتهذيب والخلق وسادات العالم وخير أمة عرفتها البشرية، والتربية الإسلامية هي النظام المنبثق من نصوص القران الكريم، والسنة النبوية، والهادفة لتنشئة المسلم وتوجيهه، ورعاية جوانب نموه، لبناء سلوكه، وإعداده لحياتي الدنيا والآخرة، والذي افترض الله على المربين آباء ومسؤولين أن يأخذوا به وحده دون غيره من الأنظمة التربوية.وبذلك يتبين لنا مفهوم التربية في نظر الإسلام.
أهداف التربية الإسلامية:
من الممكن أن تحدد على الضوء التالي:
أولاً: أهداف عامة وهي تقريباً تتلخص في غاية واحدة وهي عبادة الله كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلا ليعبدون﴾، فالهدف الأول إذاً هو تحقيق عبادة الله. والعبادة معنى عام شامل لكل نشاط يقوم به الإنسان على هذه الأرض. أي أن هذا الهدف يتمثل في تحقيق عبادة الله والاستخلاف في الأرض.
ثانياً: أهداف خاصة وهي تعني بإعداد الإنسان الإعداد التام من جميع جوانبه لتحقيق الهدف الأسمى، ببناء شخصيته المتكاملة المتوازنة لتوجد الفرد الوي القادر على تحمل تبعات هذه الأمانة. وإذا كان كل فرد لبنة من لبنات المجتمع، واستطعنا أن نربي كل فرد تربية إسلامية، نكون قد كوّنا مجتمعاً إسلامياً...وهذه المجتمعات بدورها تبني أمة مؤمنة خيرة، ويمكننا أن نوضح أكثر من الأهداف الخاصة على النحو التالي:


1- بناء إنسان متكامل
2- بناء خير امة مؤمنة أخرجت للناس.
3- بناء حضارة إنسانية إسلامية.
ولما كانت الخطوة الأولى لتحقيق هذه الأهداف تنطلق من بناء الإنسان بناءً متكاملاً، فبالأفراد تتكون الأمة وبالأمة تتكون الحضارة.
قواعد التربية الإسلامية الصحيحة:
تبدأ التربية بتعليم الصلاة والأمر بالمحافظة عليها، لكونها قاعدة أساسية للانطلاق الصحيح المستقيم فكراً وسلوكاً، من حيث تقتضي تعلم بعض الآيات القرآنية وغيرها، كما تقتضي تعلم أصول الطهارة والنظافة، فضلاً عما تتضمن من تعويد على النظام والجندية المطيعة للقيادة المخلصة، ومن اكتساب الوليد مشاعر الترابط والإخاء، والثقة بالنفس، والتكيف مع مجتمع الكبار، والانتساب إليه والإحساس بقيمته كعضو في هذا المجتمع، وما يترتب على ذلك من نشاط واستغلال للوقت ببدء يوم المسلم من الفجر، إلى غير ذلك من القواعد والأصول، التي يحتاجها الإنسان في حياته كلها، واختيار الصلاة قبل العبادات والفرائض الأخرى لكونها أيسرها وأقربها إلى طاقة الطفل في أول حياته التكليفية، ثم لكونها الرابطة بين العبد وربه، ثم لكونها مدخل التدريب على الحياة الاجتماعية المنظمة..الخ.
ثم تندرج التربية بالطفل حتى يدرك معاني النظام ومسائل الاجتماع أو معظمها فيتقن آدابها، كالكلام وتبادل الحديث، والأكل مع الغير..الخ.
فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مر على غلمان فسلم عليهم}. وعن عمر بن أبي سلمة قال: كنت في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي: {يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك}، ثم يعلم ضروراتها -أي الحياة الاجتماعية- كالسباحة والرمي وركوب الخيل والعلم بكتاب الله وغير ذلك، مما نصت عليه الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: {من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلمه كتاب الله}، وتجري عليه ممنوعاتها، كالتفريق في المضاجع فجاء الأمر به في حديث الأمر بالصلاة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغو سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع}.
وتقوم التربية السلوكية الصحيحة على عدة عناصر نذكر منها:

* غرس العقيدة السليمة.
* التدريب على العبادة والأمر بها والتنبيه إلى الحلال والحرام.
* التعليم.
* العقاب.
* مصاحبة الآباء للأبناء.
* العدل بين الأولاد.
من سمات النظرية التربوية الإسلامية:
إن التصور الإسلامي في التربية تجاوز ذلك التخبط الرهيب، الذي ظل يلاحق النظريات الغربية؛ لأنه ينطلق من أسس وأصول محكمة وفهم شامل حول الكون والإنسان والمجتمع بني على وحي ممن خلق الإنسان ويعلم حقيقته وجوهره: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، وهو يتعامل مع الإنسان على بصيرة، بمكوناته كلها، دون إغفال إحداها لصالح الأخرى؛ لأن مطبقيه يعلمون أن ذلك الإغفال هو مدخل الخلل في الكيان البشري وانعدام التوازن فيه، وبالتالي إفلات الزمام تماماً من قبضة المربين الذين يتولون تنشئة الإنسان، وتعرّض هذا الأخير للدمار والانتكاس.
فالتربية الإسلامية التي تنبثق من الإسلام ونظرته الشاملة في الكون والإنسان والمجتمع، تميز في المعرفة بين مجال يرتاض فيه الإنسان بطاقاته العقلية، ويصل فيه إلى اكتشاف حقائق وأسرار، وهو مجال الطبيعة الفسيح الذي لا قِبَلَ للإنسان بمعرفته إلا عن طريق الوحي الإلهي: أي عن طريق الدين الصحيح، وهو مجال (ما وراء الطبيعة)، والكيان البشري بتعقيده الهائل وتفاعل عناصره جزء من ذلك المجال، وبتعبير واضح: مجال تنظيم حيـاة الإنسان وعلاقاته بالآخرين في دوائرها المختلفـة وكيفية معاملته لذاته.

المبحث الثاني: دراسة النظرية التربوية الغربية
أصل النظرية التربوية الغربية:
لو استعرضنا التربية الحديثة من خلال النظريات الكونية والعلمية، لوجدنا أن أصل النظرة في العالم الغربي النصراني- قبل دخول الدين النصراني كانت نظرة وثنية- وهذه النظرة النصرانية التي فرضت على الناس، هي: اعتقاد أن رجال الدين، هم كلمة الله المقدسة التي لا يجوز لأحد أن يخالفها بأي حال من الأحوال. والتربية الكنسية النصرانية كانت أول وأهم ما تفترضه أن تقتل في الإنسان مواهبه، ومشاعره، وتطلعاته إلى الأفضل في هذه الحياة الدنيا، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾[الحديد:27] ابتدعوا الرهبانية التي تقتل في الإنسان أي تطلع للعيش في هذه الحياة الدنيا كما أمر الله، وكما يريد الإنسان أن يعيش بحكم الفطرة التي فطره الله عليها.
مذاهب النظرية التربوية الغربية:
*المذهب المثالي: النظرية التربوية المثالية هي صدى للفلسفة الأفلاطونية حيث يقول أفلاطون بعالمين: (العالم المحسوس) ويتألف من الأجسام أو الماديات، و (العالم المعقول) وهو يتكون من الموجودات المجردة.
فتلك النظرية تنطلق أساساً من (الصدارة المطلقة للروح على المادة) وهي تفضي إلى تصرف تأملي يهمل المشكلات الزمنية، وطبيعة الإنسان الأرضية، وتعنى أساساً بكمال الروح ونجاتها.
وانطلاقاً من هذه المعطيات يتجلى لنا الطابع النظري الذي يكتسيه التعليم في إطار النظرية المثالية؛ حيث إن الهدف من التربية يرمي بالدرجة الأولى إلى (تمرس العقل بالتراث الفكري والعقلي الذي خلفته الأجيال السابقة، بل اكتسب هذا التراث صبغة القداسة وأصبح ينقل بحرفيته، وارتبطت موضوعات الدراسة بضرورات التراث بدلاً من ضرورات الواقع، وصارت صلتها الوثيقة بالماضي في تحوّل دون ارتباطها بالحاضر والمستقبل).
*أما المذهب الطبيعي: فإنه على العكس من المذهب المثالي؛ إذ يركز على الجسد وما به من عواطف وغرائز وميول، فيعطيها الأهمية القصوى على حساب العقل.
وإن كان من المعلوم أن هذا المذهب قد تجاوز من طرف التيار النفسي في التربية الذي يستمد أسسه من رائد المذهب نفسه (روسو)، حيث يرى (بأن اللجوء إلى علم النفس هو الإمكانية الوحيدة لتوفير المعيار الحقيقي لموضوعية البيداغوجيا).
ومما يؤخذ أيضاً على هذه النظرية تضييق نطاق التربية بحيث ويرون أن تكون تربية الطفــل بيـن سـن الخامسة والثـالثـة عشرة سلبية، لا يُعـلَّم فيهـا الطفل شيئاً ولا يربى خلالها أي تربية، بل
يترك للطبيعة، محاطاً بأجهزة وأدوات مـن شأنها أن توسع مداركه.
*أما المذهب البرجماتي: وهو ذلك المذهب الذي يحوّل النظر بعيداً عن الأشياء الأولية والمبادئ والقوانين والحتميات المسلّم بها، ويوجه النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار.
فـإن مركـز الثقـل فـي اهتمامـه لا ينصبّ على الحقائق الثابتة، وإنما على ما يحصله الإنسان من منافع يستثمرها في حياته العلمية حتى إنه ينظر إلى الحقيقة على أنها هي المنفعة وفي هذا (خلط واضح بين الحقيقة نفسها، والهدف الأساس من محاولة الظفر بها، فقد ينبغي أن يكون الغرض من اكتساب الحقائق هو استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة، ولكن ليس هذا هو معنى الحقيقة بالذات، فإعطاء المعنى العلمي (البحت) للحقيقة، وتجريدها من خاصية الكشف عما هو موجود وسابق! استسلام مطلق للشك الفلسفي الذي تحارب التصورية والسفسطة لأجله، وليس مجرد الاحتفاظ بلفظة الحقيقة في مفهوم آخر كافياً للرد عليه، أو التخلص منه)، وما دام تيار الحياة متنامياً في سيره، فإن حقائق جديدة تلغي وتتجاوز الحقائق القديمة، فلا شيء يبقى ثابتاً!، وفي ضوء هذه القناعة فإن أصحاب هذا المذهب يرون أن (التربية والنمو صنوان وليس للنمو غاية تتجاوزه أو تعلو عليه، فغاية النمو هو النمو ذاته).
إن من عيوب هذا المذهب جعله الحياة الحاضرة محوراً وحيداً للتربية دون الالتفات للحياة المستقبلية، الأمر الذي جعله يفتقد قاعدة صلبة من المبادئ والأهداف الثابتة التي تضبط حركة الحياة، وتحمي الإنسان من التيه والقلق والتأرجح بين أحداث الحياة وتطوراتها المتلاحقة؛ وتلك نتيجة حتمية لإغفاله للجانب الروحي في الإنسان ورفضه للإيمان بما وراء المادة، وهذا ما حكم على نظريته التربوية بالدوران في حلقة مفرغة، فهي تدور مع حركة الحياة المادية حيث دارت من غير الاستناد إلى مبدأ عميق ومقياس دقيق تفصل بواسطته بين الغث والسمين، والصالح والطالح ضمن تراث الإنسانية المترامي الأطراف، وتنفذ بواسطته وراء أسوار الحياة المادية الضيقة.
سمات عامة في التربية الغربية:
وهكذا فإننا إذا تأملنا المذاهب التربوية الثلاثة تبين لنا بوضوح انطباعُها بطابع النظرة الأحادية الجانب، التي تركز على بُعد واحد من أبعاد الكيان الإنساني على حساب الأبعاد الأخرى؛ فقد لمسنا كيف يضخم المذهب المثالي جانب الروح على جانب الجسد بكل ثقله، مستهيناً بما يستشعر ذلك الجسد من حاجات، عازلاً الإنسان عما تموج به الحياة، مغرقاً إياه في صور وخيالات غريبة لا قِبَلَ له بها، مخرجاً إياه من فطرته التي فطره الله (تعالى) عليها، وهذا في مقابل المذهب الطبيعي الذي يفعل العكس تماماً؛ فليس هناك في ظل ذلك المذهب مُثُلٌ عليا يتجه إليها، غير الانسياق وراء ما تمليه عليه الطبيعة، ولا مكانٌ مرموق لقوى العقل وضوابط الأخلاق، والثغراتُ نفسها تشكو منها النظرية التربوية البراجماتية؛ إذ إن إعداد الإنسان عندها هو الإعداد لحياة هادرة يتقلب الإنسان بعنف وراء أمواجها المتلاطمة دون تحديـد لقواعـد ثابتة يتم الرجوع إليها وللكمـال الذي يأوي إليه.
إن نتيجة مهمة يمكن استخلاصها مما سبق، وهي أن تضارب الأفكار والمواقف الذي تعبر عنه النظريات الغربية، هو برهان ساطع على أن المنطلقات التي تصدر عنها تلك النظريات خالية تماماً من اليقين العلمي، وإلا لانتهت إلى قناعات مشتركة حول قضايا الإنسان والمجتمع، فهذا التخبط الذي تعاني منه هذه النظريات وغيرها نابع من الجهل بحقيقة الوجود وحقيقة الإنسان محور الحياة فيه، وهذا ما يؤكد عليه الدكتور (ألكسيس كاريل) في قوله: (إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة).

المبحث الثالث: دراسة المقارنة بين النظريتين
الاعتماد على العقل لكلتا النظريتين:
1- النظرية التربوية الغربية:
مـنــذ البداية يمكننا أن نلفت النظر إلى حقيقة أساس مفادها: أن النظريات الغربية على تعددهــــا وتباينها في بعض الخصائص والصفات، تكاد يجمعها قاسم مشترك هو: كونها صادرة عن مصدر وحيد في المعرفة هو: العقل البشري في حركته ومعاناته وقلقه المأساوي في البحث عن الحقيقة، وكونها صادرة عن تصور واحد للكون والإنسان والحياة.
والجدير بالاعتبار أنه ما من نظرية في التربية إلا وهي انعكاس لمذهب فلسفي ما، وهذه قاعدة عامة لا يمكن أن يند عنها أي مذهب تربوي.
ولا تعدو الاختلافات التي تظهر بين نظرية وأخرى أن تكون تعبيراً عن الاختلاف والتنوع في الملابسات والتطورات التاريخية التي مرت بها المجتمعات الغربية، بكل ما تحمله تلك التطورات من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وغيرها.
2
- النظرية التربوية الإسلامية:



إن العلم عند المسلم فريضة وشرف، ولذلك على المسلم أن يتعهد العقل بالعلم وان يستخدمه في الكشف عن آلا الله في الكون، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿طلب العلم فريضة على كل مسلم﴾.
ومن ثم كان فرضاً عليه أن يقبل على تعهد عقله بالعلم والمعرفة تعهداً دائماً، لا يقف ما دامت أنفاس الحياة تتردد في صدره، ونبضها يدفع الدم في عروقه.
وحسب المسلم تشجيعاً على طلب العلم أن الله تبارك وتعالى رفع من شأن العلماء فخصهم بخشيته وتقواه، وجعل ذلك الشرف مقصوراً عليهم دون سائر الناس. فما يخشى الله حق خشيته إلا الذين استنار فكرهم، وتجلت لهم قدرة الله وعظمته في خلق الكون والحياة والأحياء، وهم العلماء، فقد فضلهم على غير العالمين بقوله: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾.
ومن هذا الباب يجب على المربين في ك زمان ومكان أن يحثوا الذين يربونهم بطلب العلم وإعمال العقل في التفكير والتدبر، ويصقلونهم على ذلك، وبالتالي: ينشا الطفل على السمع والطاعة من اجل طلب العلم وتنوير العقل.


أهداف التربية بين المنهجين:
إن الخصائص المذكورة التي ميزت النظريات الغربية في التربية، ومن بينها وقوع الفصام النكد بينها وبين الدين، وبالتالي التعويل على العقل وتأليه العلم، كل ذلك أوقع التربية الغربية في الذاتية والهوى ومحدودية الأفق في تحديد الأهداف الكبرى التي تتوخاها، ورغم الشوط الذي قطعته العلوم الإنسانية في الغرب، فإنها لم ترتق بتلك الأهداف (فعلى الصعيد الفردي دعت هذه العلوم الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنها منبع القيم المستقل والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده، وأصبحت الحرية في نظر الغرب متساوية مع الممارسة التي لا تخضع لمبدأ أو قانـون، بل تصدر عن الإرادة الشخصية مجردة)، وقد تأثرت نظرية التربية بهذه النزعة إلى التمركز حول الذات؛ فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجانس في الرغبات بين أفراد المجتمع الواحد، أما إذا تجانست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها. لقد استقرت التربيـة الغربية على أن الهدف الأسمى (للتربية) الذي ينبغي العمل على تحقيقـه هـو إعـداد المواطن الصالح، وشتان بين هذا الهدف الضيق والهدف الرفيع الذي ترمي إليه التربية الإسلامية، وهو إعداد الإنسان الصالح بجوهره الكامن في أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان؛ وذلك معنى أشمل.
من ايجابيات النظرية التربوية الإسلامية:
تمتلك النظرية التربوية الإسلامية منهجاً كاملا للحياة والنظام التعليمي ومكوناته لأنها تضم مناحي الإنسان جميعاً, ولا تؤثر ناحية على ناحية أخرى, أو جانب على جانب مما يدخل تحت مفهوم الإنسان.
وهي تتناول الحياة الدنيا والحياة الآخرة على قدم المساواة, ولا تهتم بواحدة منها على حساب الأخرى.
وهي تعنى بالإنسان في كل مرافق حياته, وتنمي لديه العلاقات التي تربطه بالآخرين, ولا تقتصر على علاقة واحدة أو جانب واحد فقط بل تهتم بالعلاقات كلها وتؤكدها وهذا يحقق التكامل والتوازن في الشخصية.
من إيجابيات وسلبيات النظريات التربوية الغربية:
اشتملت النظريات التربوية الغربية على بعض الاجتهادات في مجال التنظير والتطبيق التربويين، التي مكنت الفكر التربوي الحديث من تجاوز بعض العناصر المثبطة؛ فاهتـداء التربية الحديثة في شخص أحد أقطابها المرموقـين (روسـو) إلى أهميـة وضـرورة تحريـر الطفـل من عوائـق الآباء والمجتمع، وتحذير (البراجماتية) ـ مستفيدة في ذلك من تراث: (روسو) من سلب الطفل فاعليته وقصر نشاطه على تقبل آراء المعلم ومتابعـة أفكـاره، بـدل إشراكـه بطريقة ديمقراطيـة في التفكير والبحث والتمحيص ليصـل إلى الحقائق بنفسه، كل ذلك شكّلَ مكاسب في إطار الفكر التربـوي الغربي أزاحت مجموعة من العوائق التي كبلت الفعل التربوي مما تسبب عنه ارتقاء في المردود التربوي وتحسن في وتيرته.
أما فيما يخص سلبيات النظريات التربوية الغربية فلكونها صادرة عن تصور واحد للكون والإنسان والحياة، كما أن هذه النظريات ضيقة الأفق وأحادية النظرة بشكل أو آخر، فالتربية اليونانية مثلاً قد اهتمت اهتماماً بالغاً بالجانب العقلي للإنسان في الوقت الذي أهملت فيه بقية الجوانب الأخرى، في حين أن التربية الرومانية ركزت اهتمامها على الجانب الجسمي مقابل إهمال غيره من الجوانب. أما التربية المسيحية فقد عنيت كثيراً بالجانب الروحي للإنسان على حساب غيره من الجوانب الأخرى … وهكذا.
أما التربية الإسلامية فقد كانت مختلفة عن هذه المناهج كلها، حيث تميز منهجها التربوي بشموله لحياة الإنسان كلها، وعنايته بجميع جوانب النفس البشرية المتمثلة في الأبعاد الرئيسة الثلاثة (الروح، والعقل، والجسم) دونما إهمال أو مبالغة في حق أحد منها على حساب الآخر. والتربية الإسلامية مع شمولها تسعى إلى تحقيق التوازن المطلوب بينها دونما إفراط أو تفريط، ودون أن يتعدى جانب على آخر.


خــــــــــــــــــــاتــ ـــــــــــــــــمـة:

ختاماً يَتَبَينُ من الـمـعـطيات السابقة أن في الإسلام تصوراً يمتـلك مقياسـاً دقيقـاً يُعْـرَض عليـه ما توصل إليـه التراث الإنساني في المجال التربـوي، يقبـل منـه مـا يقبـل مما هـو داخل في نسيـج الحقائـق الـمعبرة عن واقع الإنسـان، ويرفض منه ما يرفض مما لا تتوفر فيه شـروط الصـدق وموافقـة قـــــوانـين الفطـرة التي فطـر الله النـاس عليهـا.
إن إقامة بناء التربية الحديثة على أسس إلحادية أو علمانية قد أفسد التربية والمجتمع جميعاً؛ فالتربية لا يمكن أن تكون صالحة ومصلحة إلا في إطار غايتها العظمى وهي تحقيق العبودية لله تعالى، بينما التربية النفعية التي أقام الغرب أصولها قد شوشت على الناس إدراك معاني الخير والحق.
وبناءً على ما أسلفنا، فإن التربية الغريبة لم تفلح في إعداد الإنسان السوي، وإلا فما هو تفسير الحروب والدمار والأنانية وحب الذات والضياع الذي يعيشه الإنسان الغربي؟ الإنسان الذي قتل نفسه وغيره بسلاح المادة، وماذا قدمت الحضارة الغربية للطفولة؟ إنها طالبت بتحديد النسل، وتقليل عدد الأطفال الشرعيين، مقابل زيادة مطردة في الأطفال اللقطاء، واهتمت بمأكل وملبس وألعاب الطفل مقابل سلبه لحنان والديه وخروج، أعطته الدنيا وعلقته بها، وسلبته التفكير بالآخرة ونعيمها.
على عكس التربية الإسلامية التي تقوم على مبادئ الإسلام والقرآن والسنة.وتسعى إلى تحقيق التوازن المطلوب بينها وبين الفرد دون إفراط أو تفريط، ودون أن يتعدى جانب على آخر.


fpe p,g l,rt hgk/vdm hgjvf,dm hghsghldm lk hgk/vdm hgjvf,dm hgyvfdm