كان لون السماء الكئيب ينذر بثلج قادم، عندما كنت وحيداً امشي نزولاً من أعلى منحدر، مغطى بمعطف أسود وقفاز من جلد أخرجت هاتفي من حقيبتي الصغيرة واتصلت:
- أنا في طريقي إلى الحفل
أجابت بعد صمت دام ،،،،،،،
- أحسدك،،،، لأنك ذاهب
-تعلمين بأني أتمني حضورك،،
وبسخرية قالت
- تعلم بأني لا استطيع،،،،،،،،
فأنا خلف قضبان الزمن
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،،
****
كانت أشجار كثيرة عارية تشعر بالبرد مثلي تنتصب بجانبي الطريق الحزين، ثلج ابيض كالقطن يدغدغ وجهي، هواء جاف وبارد يشبه الصمت، ونباح كلب من بعيد
وصوت ريح، وأنفاس كدخان، انتصب أمامي منزل مهجور، ذو نوافذ كبيرة، تحيطه الأشجار من كل صوب كلب نائم عند بابه لم يكترث بي ولا بالثلج المتساقط على كتفي. أخذت انظر إلى الكلب أتراه ينتظر أصحابة الذين هجروه، قلت له بسري وأنا انظر إلية أنت كلب وفي ،لانتظارك السيد (أيسات)
***
المقهى الفرنسي لونه ابيض بكل شيء وهادئ جدا، إضاءته الصفراء تشعرني بالمدفأ، أمامي ساعة أقضيها قبل أن أتوجهه إلى مكان الحفل،أجد مقعدي المعتاد بعدما اخترت الكرواسون بالشكولاتة التي أدمنتها بالطبع لم أنسى قهوتي المعتادة
اقضي هنا ساعات طوال أقراء حتى اعتادت النادلات على صوت أوراقي وخربشاتي الصغيرة أفتح (رواية الخلود) لميلان كونديرا واشرع أقرأ يتناثر بعض من فتات الكرسوان على الكتاب الذي كم تمنيت أن أصبح إحدى شخوصه لأنال الخلود
***
أجد نفسي أمام كنيسة قوطية التصميم تعود إلى القرن الخامس عشر،أقولها صراحة كانت بشعة جدا، ودخيلة على المدينة، وتختلف عن نظيراتها الرومانية الأنيقة والناعمة.
أتصور أن فكرة أول مدرعة في التاريخ قد أخذت منها، سيبدأ الحفل في غضون عشر دقائق، أنا الشاب الوحيد هنا فأغلب الجمهور من كبار السن يبدون سعداء ولو أني لم انظر إلى أحدا منهم بشكل مباشر.
الكنيسة ذات ضوء خافت اصفر،المكان دافئ جدا، ورائحة تشبه الصندل تسيطر على الجو، وجدت مكاني بمساعدة إحدى العاملات، لم يكن احد بجواري مع أن الكرسي الذي اجلس كان يكفي ثلاث أشخاص على الأقل.
الكنيسة من الداخل أنيقة وأنعم بعكس مظهرها الخارجي، فيها أعمدة من الرخام موزعة بكل الاتجاهات حفر فوقها بحروف غريبة لم تكن عبرية ولا يونانية كانت كنيسة كاثوليكية فيها كراسي خشبية عريضة وغير مريحة، في أخرها منصة تشبه المسرح غرز في منتصفها ما يشبه البيانو، أخذت انظر إلى أعلى كانت القبة فوق رأسي مرسوم فيها أطفال وأيائل، وكان المسيح في الوسط ممسكا بكتاب ضخم وخلفه الشمس كان الرسم تقليدا متقنا على طريقة الإيطاليين في عصر النهضة
الرسم بالتأكيد يحكي قصة, ربطت بين أجزائها ولكني لم استطع أن أخرج بصورة واضحة، فالأيائل يقصد بها التضحية، الأطفال براءة من الخطايا، النور الذي بين يديه هو طريق الخلاص
***
بعد برهة ليست بالقليلة خرجت لنا من خلف الستارة الحمراء فتاة شقراء، كانت ثلاثينية ذات عيون بريئة وجسم مكتنز، وبابتسام أخذت تقدم لنا برنامج السهرة بلغة لم أفهمها. خرج من خلفها فتاة في نهاية العشرين من العمر
لم تنظر أبدا بعيون أحد منا وهي تحينا، أخذت مكانها على كرسي البيانو وبدأت العزف لمؤلف غامض بالنسبة لي،المعزوفة من أربع مراحل. كانت سوداء الشعر كتفيها قويان وتنظر بعيون ناعسة إلى الأمام على الرغم من عدم وجود النوت الموسيقية، تلبس فستان سهرة اخضر اللون ينم على ذوق خاص.
المرحلة الثالثة هي الأجمل جعلتني اغرق في التأملات، جعلت النجوم أكثر وضوحاً
صفق لها الجمهور بحرارة.
أتت الفتاة الثلاثينية مرة أخرى وقدمت لنا العرض الثاني
وكان لفتاة عشرينية مكتنزة الجسم جميلة الوجه تلبس الأحمر ساعداها كبيران
يقف خلفها فتى خجول ليس في وجهه شيء يمكن تذكرة
كان ذابل كأنة لم يضق شيء منذ أيام
اخذ مكانة على البيانو بينما هي بدأت تغني بصوت السوبرانو وهي قريبه جداً من البيانو
كانت رائعة جدا وتساءلت مع نفسي من أين يخرج هذا الصوت
عزف البيانو كان بارعا جداً وذو أسلوب أكثر قوة من الفتاة ذات العيون الناعسة
على الرغم أني كنت خائف أن يفقد وعيه من الجوع
لكن لم يحصل شيء من ذالك
أما العرض الثالث فقد كان لثلاثة رجال بيض يبدون من بلاد الشمال
عازفي كمان وعازف تشيلو
وبحق من أجمل الفقرات التي حضرت في حياتي
كانوا فنانين بكل ما تحمله كلمة الفن من معنى
،أحساس جدا عالي ،تجربة عميقة جعلوا اغلب من في القاعة فارغ الفم
ولا أنكر أني كنت واحد منهم
***
انتهى الحفل عندما كان الثلج يتساقط ببطء في الخارج



الشوارع بيضاء خالية من كل شيء
في مخيلتي صوت صاحبة السوبرانو وهي تغني
كنت في طريقي إلى العودة
ويدي داخل معطفي
وبينما أنا غارق في تأملاتي انتصب أمامي لوحة ضخمة
كتب عليها وبشكل غريب جداً كلمات بحروف عربية
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حين تلقى غوتة من بتينا مشروع التمثال
شعر اذا كنتم تذكرون بدمعة تطفر عينيه
كان عندئذ واثقا من أعماقه
تعرفه بهذا الشكل على الحقيقة
،ان بتينا ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
أمعنت النظر فوجدت فتات الكورسون ما يزال فوق كتابي
وأن كوب القهوة قد برد
،عندما نظرت الى الساعة المعلقة خلف النادلة
أيقنت اني هنا منذ مايقارب الساعتين ،
اوه لقد فاتني ان اذهب الى الحفل

ogt rqfhk hg.lk L lpl] hgsfdud