أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



بحث حول العنف الاجتماعي

بحث حول العنف الاجتماعي خـطــة البـحــث *مـقدمــة. *الفصل الأول: ماهية العنف الإجتماعي. *المبحث الأول: مفهـومـــه. *المبحث الثاني: أنـواعـــه، وأسبابــه. *المبحث الثالث: الحلول المطـروحة. *الفصل الثاني: دراسة تحليلية حول



بحث حول العنف الاجتماعي


النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي بحث حول العنف الاجتماعي

     
    بحث حول العنف الاجتماعي


    خـطــة البـحــث

    *مـقدمــة.

    *الفصل الأول: ماهية العنف الإجتماعي.

    *المبحث الأول: مفهـومـــه.

    *المبحث الثاني: أنـواعـــه، وأسبابــه.

    *المبحث الثالث: الحلول المطـروحة.

    *الفصل الثاني: دراسة تحليلية حول ثقافة العنف عند الطفل الجزائري.

    *خـاتمــــة:



    مقدمة

    أمسى العنف خبزًا يوميًّا للإنسان المعاصر. فهل هذا العنف جزء من الطبيعة الإنسانية؟ أم هو فطرة كامنة في أصوله الغريزية؟
    تضاربت الآراءُ حول أصول العنف، بين قائلين بغريزية العنف (لورنتس) وبين قائلين بأنه صفة مكتسبة (سكينِّر). وتعود جذور هاتين النظريتين إلى الخلاف بين المنظِّرين والعلماء منذ عصر النهضة؛ ثم إلى الخلاف بين المناهج التقدمية، التي كانت تقول إن "الرذيلة" نتاج للظروف الاجتماعية، وبين المناهج المحافظة، التي حاولت أن تثبت أن التنافس بين البشر يعود إلى غريزة متأصِّلة لصالح كمون العنف في أعماقهم.
    إلا أنه في بداية القرن الفائت تمَّ التوصل، عبر منجزات التحليل النفسي الفردي (فرويد) وعلم النفس التحليلي التجريبي (يونغ وفروم)، إلى حسم الصراع، ليَثبُت، بالتجربة، أن العنف ينقسم إلى نوعين:
    أ*. العنف الدفاعي. ب*. العنف الخبيث (حب الإفناء).



    الفصل الأول: ماهية العنف الإجتماعي.

    1- مفهوم العـنف:
    أ- لـغــــة: العنف لغةً: "عنفٌ بيه وعليه ـ عنفاً، وعنافة: أخذه بشدة وقسوة، ولامه" فهو عنيف، (اعتنف) الأمر: أخذه بعنف وأتاه ولم يكن له علم بيه و.. الشيء: كرهه، يقال إعتنف الطعام و.. فلان المجلس: تحول عنه، عنفوان الشيء: أوله، يقال هو في عنفوان شبابه أي في نشاطه وحدّته".
    "غير أن معنى العنف اكتسب دلالة أخرى مختلفة عند العرب المحدثين، فأصبح مقابلاً للفظة Violence في الفرنسية أو الإنجليزية، أو Gewalt في الألمانية، من المعنى الحقوقي الحديث، وفي الحقيقة فإن لفظة العنف كما وردت في الحديث أو الشعر العربي القديم قريبة من معنى Violentia في اللاتينية التي تعني الغلظة والقوة الشديدة، وهي مشتقة من Vis أي القوة الفيزيائية أو كمية ووفرة شيء ما، وهو معنى على صلة بلفظة bia في اليونانية أي القوة الحية، ذلك أن العربية تقول عنفوان كل شيء أوله، وقد غلب على النبات والشباب كما جاء في معجم لسان العرب.

    ب- إصطلاحاً: إن المعنى الحداثوي لـ "العنف" كمصطلح يتسع لكل أشكال العنف، ولما كنا بصدد العنف داخل المجتمع المدني الحديث، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن "العنف كمقولة حقوقية تعود إلى القرن التاسع عشر حيث حدد وفكر فيه داخل التصور الحديث للدولة بوصفه فعلاً أو ظاهرة ترمي إلى إحداث خلل في البنى التي تنظم مجتمعاً ما، مما ينجم عنه تهديد نظام الحقوق والواجبات التي يتوفر عليها الأفراد طالما هم ينتمون إلى شرعية قائمة".
    وعلى أية حال، يستطيع كل واحد أن يعرّف العنف من وجهة نظره، من هذه التعريفات تعريف (د. فرج عبد القادر طه) الذي عرفه من خلال السياق النفسي "بأنه السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثماراً صريحاً بدائياً كالضرب والتقتيل للأفراد والتكسير والتدمير للممتلكات، واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره".
    وإذا قرأنا عدة تعريفات سنجد أن جميع التعاريف السابقة تتمحور حول نقطتين مركزيتين:
    1 ـ أنه من الصعب إعطاء تعريف للعنف خارج النطاق الحقوقي، إذ لا بد من ذكر ثنائيات من مثل الحق/ التجاوز، القانون/ الاختراق، وهذا ما يؤكد لنا أن العنف مقولة حقوقية أو قانونية.
    2 ـ يندرج تعريف العنف ضمن الحقل الوجودي، أي علاقة الأنا مع الآخر، سواء اعتبرنا أنه إنكار الآخر أو استبعاده أو خفضه إلى تابع أو تصفيته معنوياً أو جسدياً فإنها تتم جميعاً في الحقل التصادمي مع الآخر. وفي النهاية نستطيع ضبط العنف من الناحية المفهومية على أنه تجاوز واختراق القواعد أو القوانين التي تنظم وضعيات تعتبر طبيعية أو عادية أو قانونية، فالتعريف بهذا المعنى يوحي بمعنى الإخلال أو بث البلبلة في نظام الأشياء بشكل وقتي أو دائم. وسواء تركز ذلك أو انحبس داخل النفس الإنسانية أو وجد منفذاً ومخرجاً له فتحول إلى الشكل المادي الفيزيقي، أنه يعتبر في كلتا الحالتين عنفاً، فهو في المرحلة الأولى مؤسس، أما في الثاني فهو مؤسس وناتج عن الأولى".
    إن التصادم مع الآخر سواء أكان قريباً أم بعيداً هو أسلوب معين لإثبات الحق، أو وجهة النظر، أو المصلحة المادية، ذلك أننا لا نستطيع أن ننسى أن بداية العنف كانت ترجع إلى الصراع حول الحاجات الأساسية، صراع البقاء المعتمد على تأمين المأكل أولاً ثم بقية الحاجات المادية الضرورية للعيش حسب المستوى الحضاري للإنسان، وبعد وضع النصوص القانونية الأولية التي تبين العلاقة بين الناس ظهرت أنواع متعددة من السلوكيات الرافضة، ومن هنا نشأ السلوك العدواني الذي يسعى لإثبات الذات وتوكيدها. وقد تم تعريف هذا السلوك على أنه "أي سلوك يصدره الفرد بهدف إلحاق الأذى أو الضرر بفرد آخر يحاول أن يتجنب هذا الإيذاء سواء كان بدنياً أو لفظياً تم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو أفصح عن نفسه في صورة الغضب أو العداوة التي توجه إلى المعتدي عليه".
    *** *** ***
    2-أنـواع العـنف، وأسبابه:
    يتفق الباحثون أن العنف الاجتماعي يتخذ أشكالاً متنوعة، مباشرة وغير مباشرة، خفية ومعلنة. لكن ما نريد تأكيده، منذ البداية، هو أن العدوان الخارجي ليس مسوِّغًا لثقافة العنف؛ بل إن ثقافة العنف داخل المجتمع هي تأسيس للهزيمة أمام العدوان الخارجي. فقد حان الوقت كي نتنبه إلى أن التنمية ليست مجرد تنمية للأرقام، بل هي، أولاً وأخيرًا، تنمية للإنسان. إذ يضاف العنف الإنساني، في مجتمعاتنا، إلى تعنيف الطبيعة وقهرها، حيث تقوم ثقافة العنف على منظومة فكرية مركزية عقائدية وأخلاقية تستند إليها.
    وقد قسم المختصون العنف إلى قسمين متباينان هما كالآتي:
    أ-العنف الدفاعي: ويشترك فيه الإنسان والحيوان؛ وهو عنف غريزي يهدف إلى الحفاظ على النوع.
    فالعنف الحيوان دفاعي، ناتج عن غريزة حبِّ البقاء؛ وقد يتبلور إلى عنف بهدف الافتراس عند الحيوانات اللاحمة. وهو يظهر دون عوارض الغضب؛ ويزول التوتر العدائي عند الوصول إلى الهدف (الطعام). وهذا العنف ليس مدمِّرًا ولا ساديًّا. أما الإنسان – وهو حيوان غير لاحم في الأصل – فالعنف عنده قائم بذاته وتلقائي ومدمِّر. وتدل التجارب أن الحيوان الذي يقع في الأسر ويخسر حريته، ليوضع في محيط ضيق وفي بيئة غير بيئته الطبيعية، تظهر لديه ميول إلى العنف مماثلة للعنف العبثي المدمِّر عند الإنسان.
    الرأي العامي يقول إنه كلما كان الإنسان بدائيًّا زاد ميلُه إلى العنف. ولكن (الباليونتولوجيا) تقول إن الإنسان العاقل، الذي أمضى 99% من حياته في مرحلة الصيد، منذ حوالى خمسين ألف سنة مضت، لم يكن يقتل ليستمتع بالقتل أو بالقسوة والعنف، ولم يكن مدمِّرًا ولا عنيفًا، ولم يكن يمثِّل بالضحية الحيوانية إلا بغرض الغذاء والكساء، ولم يكن يتسم بسلوك عدائي بين بني جلدته، بل كان يقتسم الطرائد معهم.
    كان المجتمع البشري آنذاك مسالمًا بشكل عام: لم تكن حتى الكهوف محمية من احتمال اعتداء الإنسان؛ ولم تَظهَر التحصينات الهادفة إلى الدفاع ضدَّ عدوان البشر إلا في مجتمع الزراعة المتقدِّمة، أي بعد انكفاء المجتمع الأمومي وسيطرة الذكورية على الحضارة. ولا توجد في اللوحات التي رسمها الإنسان البدائي كلِّها أية مؤشرات على حروب ومعارك أو على قتل للإنسان، لأيٍّ سبب كان.
    ويتفق علماء النفس على أن الدوافع المكوِّنة للشخصية الثقافية ترتكز إلى عامل الحرية وتحقيق الذات أساسًا. وتتفق التجارب في مجال علم النفس التجريبي على أن الإحباط والقهر وقمع الحرية هو الأساس في الاغتراب والعنف، في حين لا تلعب العوامل الغريزية، مثل الشبع من الطعام والجنس، إلا حيزًا ضئيلاً جدًّا من وعي الإنسان المعاصر ودوافعه العنيفة. وتتأثر هذه الدوافع بالثقافة، فتحرِّضها هذه وتوجِّهها توجيهًا سليمًا أو مرضيًّا.
    إذن العنف لدى البشر ليس من طبيعة ، إنما هو خاصية اجتماعية نَمَتْ الحضارة ونشأت معها؛ وبالتالي هو ليس سلوكًا مرضيًّا فرديًّا لإنسان بحدِّ ذاته. وإن اعتبرنا أن شخصية الجماعة هي ثقافتها، يكون العنف إذن فعل ثقافي مكتسب.

    ب-العنف الخبيث: وهو عنف يختص به الجنس البشري؛ وتندرج فيه السادية وحبُّ الموت والتدمير. وهذا النوع من العنف مكتسب حتمًا؛ إذ من الممكن إثارته، والتأثير عليه، سلبًا أو إيجابًا، بواسطة العوامل الثقافية.
    وهذا النوع من العنف متفشي في المجتمع بأقسام مختلفة، ودرجات متمايزة، ويمكن ذكر بعضها كما يلي:
    *العنف الفردي: ونبدأ بالعنف الفردي، لنجد أنه كان دائمًا ردَّ فعل على عنف اجتماعي واقتصادي. وبين الفعل وردِّ الفعل، بين الفردي والاجتماعي، يدور المجتمع في دوامة. والنتيجة عنف متصاعد من الفرد، إلى العائلة، إلى أرجاء المجتمع كافة، ليرتدَّ عنفًا اجتماعيًّا باسم القيم والعقائد والأخلاق.
    يقوم العنف الفردي على ردِّ فعل توحدي، حيث يتوحد identify الفرد أو الجماعة مع نموذج لفرد زعيم أو معلِّم أو مربٍّ، مسوِّغين العنف بالإصلاح. ويتَّسم المجتمع الذي يهيِّئ لثقافة العنف بجملة من المظاهر:
    - انتقال السلوك والعادات من جيل إلى آخر انتقالاً جامدًا.
    - تحكُّم العادات والتقاليد بالسلوك البشري، لا القانون والتربية والعلم.
    - نظام اجتماعي تحكُمُه مراتب عائلية ودينية واجتماعية واقتصادية جامدة.

    *العنف ضد المرأة: تشكِّل المرأةُ ساحةً عظمى لممارسة ثقافة العنف. إنها ملكية جماعية للعشيرة والقرية والأسرة والزوج والأب والابن، وربما للعمِّ والخال. جسدها ليس ملكًا لها، وليس لها أن تناقش أو تختار أو تحلِّل. وقد أثبتت الدراسات أن الأمم التي تربِّي أطفالها على العنف، ولو لجيل واحد، بحجة البناء أو بذريعة الدفاع ضدَّ العدوان، لا تستطيع، فيما بعد، تلافي توريث هذا العنف للأجيال اللاحقة إلا بجهود شاقة وكبيرة. وهكذا، وكما يجري تقسيم للعمل على أساس الجنس في المجتمع الذكوري، يجري توزيع للأدوار في ممارسة العنف. وتشكِّل الزوجات 76.6% من حالات العنف الواقع على المرأة، في حين يشكل الأبناء 28.6 % من حالات الاعتداء الأسري.
    فالأشخاص الذين تربوا على العنف أطفالاً يمارسونه تلقائيًّا مع أبنائهم. فالطفل المعرَّض للعنف لا يستطيع تمثُّل عنف أبيه، بل يغلي العنفُ في داخله ويختزنه، لينقله إلى أبنائه. وكذا الأم: فالأمهات اللاتي يمارسن العنف على أبنائهنَّ يتميَّزن بشخصية ضعيفة غير ناضجة؛ وتبيِّن الدراسات أن معظمهن تعرَّضن لعنف في طفولتهن.
    وفي مرحلة معينة من نموِّ العنف، يبدو أنه هو المناخ الطبيعي للمجتمع! فيظهر استعبادُ المرأة ليس كاستغلال لكائن مقهور، بل كأنه من طبيعة المرأة ذاتها، ويظهر استغلال البنات والأبناء كأداة في النفوذ وكجزء من العلاقات الطبيعية في الأسرة، بل كحقٍّ مقدس لها لا يجوز المساس به! والحال، لا يُبرَز من الدين إلا ما يؤكد ثقافة العنف وما يؤكد القناعة بالأمر الواقع، في حين أن التقاليد هي الملاذ الذي تفتخر به تلك الثقافة. وثقافة العنف تقف ضدَّ كلِّ ما يخرُج عنها: تلاحقه بالفضيحة، ويُستباح رزقُه وسمعتُه، تشفِّيًا وبطشًا. فالرجل المشحون بمشاعر العنف، المقهور من الخارج، لا بدَّ أن يُسقِط العنف والهوان على امرأته، فتردُّ هي، بدورها، لعبة العنف الذكورية بلعبة العجز الأنثوي والكذب والنميمة والمكر والكيد.
    ولعل في موقف بعض القوى المتنوِّرة والثوريةِ من المرأة مثالاً صارخًا على مآل الوسطية في الثقافة. إن المرأة هي حصن حصين للتقاليد ولثقافة العنف؛ لذلك يتخذها الارتداد المدني الحاصل حصنَه الأول، حيث تكون المرأة مرتكَزًا له، لأنها معقله الأكثر إيغالاً في البُنى الاجتماعية. ومادام هذا الحصن مغلقًا لن يُتاح للحداثة اختراقُ الطبقات الكثيفة التي لا تزال تحيط بكامل المنظومة السلفية.
    حتى التيارات الشعبوية، بأغلفتها المختلفة، أعادت إنتاج القيم التقليدية الدارجة التي تمجِّد الذكورة كمرتكَز قيمي للعداء للآخر: الغرب. بذلك قبلت التيارات العلمانية بالمساواة بين الرجل والمرأة في السياسة، لكنها لم تقبل بها في القوانين المدنية وقوانين الأحوال الشخصية. مثالنا على ذلك ما وَرَدَ في الميثاق الوطني الجزائري للعام 1976: على الاتحاد الوطني النسائي أن يكيِّف نشاطه مع المشاكل الخاصة التي يطرحها انخراطُ النساء في الحياة الحديثة، وعليه أن يدرك أن تحرُّر النساء لا يعني التخلِّي عن المعتقدات والتقاليد الأخلاقية التي يختزنها الشعب عميقًا.
    ثم كيف يتطور ذلك الموقف الوسطي؟ هي ذي صحيفة المجاهد الجزائرية تقول: " ليست النساء مساويات للرجال. فجماهيرنا الكادحة هي في العمق تقليدية ومحافظة. إن اشتراكيتنا تستند إلى الأعمدة السبعة... لا إلى تحرر النساء." وهاهي جريدة المجاهد بعد سنوات تقول: "كان تحرر المرأة عاملاً حاسمًا في انحطاطنا." ثم تتابع: "إن خضوع المرأة لزوجها... لا يمنعها على الإطلاق من المساهمة في الحياة السياسية." ليتابع أحد الأصوليين، بعد سنة واحدة: "حتى صعود النساء إلى الجبال مع المجاهدين كان وبالاً عليهم، ولم يزدْ الجنود إلا خبلاً وفتنة، والله وحده يعلم ماذا كان يحدث هناك."

    وتأتي ثقافة العولمة المتأمرِكَة والتطورات الاجتماعية العاصفة التي تمرُّ بها بلادُنا لتعطي أبعادًا جديدة للعنف الجنسي المسلَّط على المرأة. فالمرأة في الاقتصاد الطبيعي والمجتمع الزراعي والمدني التقليدي تكتسب مكانتها ليس من خلال وظيفة الإنجاب فحسب، بل من تربية الأطفال ومن دورها في الاقتصاد المنزلي. لكن هذه التطورات قد عملت، بدورها، على تضاؤل دور الأسرة في عملية التربية، من جهة، واضمحلال الاقتصاد المنزلي، بشكل خاص في المدن، من جهة ثانية. والنتيجة، بالتالي، هي تراجع دور المرأة ومكانتها.
    وفي ظروف لا توفِّر للمرأة العلم والعمل، لن يكون أمامها إلا أن تستلم لآلة العنف الجسدي، كما يروِّج لها إعلامُ الغرب، متضافرةً مع آليات القهر الداخلية، لتمعن في الأنوثة ابتذالاً، وتحوِّلها إلى هَوَس الجسد وثقافة للسوق ونخاسة الأنوثة وهذا آخر ما تركتْه العولمة والتقاليد معًا لتلك المرأة في مجتمعاتنا. ويتغلغل القمع الجنسي الجمعي، بدوره، من خلال ثقافة العنف، حتى الأعماق، فتتفكَّك المشاعر، ويضعف التعاطف، وينهار احترام الذات.

    *العنف ضد الطفولة: سننتقل الآن لفكرة أبعد: أين يتركَّز العنف في مجتمعنا؟ إنه يتركز، أول ما يتركز، في الأسرة وفي التربية. فالأم الجاهلة بأوليات التربية، المقهورة أصلاً بالعنف التاريخي الواقع عليها منذ الولادة، لن تستطيع أن تكون إلا حاضنة لثقافة العنف. إنها تشترك مع الأب في نقل نظرة خرافية إلى العالم لأولادها. فالوالدان – والأقرباء عمومًا – لا يجيبون عن أسئلة الطفل، بل يُغرقونه في التخويف والكذب؛ يكذبون عليه حتى لا يشرحوا له أو يغطوا جهلهم. إنهم يخيفونه، ولا يتورعون عن تهديده بالنار والحساب، ليبثوا أعنف المخاوف البدائية لردعه حتى عن أكل فتات خبز وَقَعَ على الأرض! – عنف ثقافي لن يجد الطفل–الرجل مخرجًا منه إلا بعنف مقابل. فبين قدسية الأبوة وحرمة الأمومة يسقط الطفل – باسم "الطاعة" – مهشَّمًا تحت وابل الأوامر والنواهي، فينشأ لديه نظامٌ لمفاهيم الحياة قائمٌ على التسلُّط والعنف والاعتباط.
    وتعود المرأة لتردَّ هذا العنف هيمنةً عاطفيةً تعويضية من خلال أطفالها، تعويضًا عن غبن لَحِقَ بها باسم "الأمومة المتفانية"، فتغرس في نفوس الأطفال تبعية الحبِّ وحبَّ التبعية، وتطوِّقهم بعوالم الخرافات والغيبيات، فلا يكون لها إلا أطفال منفعلون، مستلَبون للخرافات، عُجَّز. فالأب، حصيلة خرافات أمِّه ومجتمعه وأكاذيبهما، يأتي ليكمل عمل الأمِّ، خوفًا وهيمنةً وتحريمًا: لا قانون، ولا عقل، ولا تجريد، ولا نقد، ولا شروط سليمة للنموِّ الصحي للعاطفة والعقل – ناهيكم عن الاعتداء الجسدي على الأطفال.

    *العنف المدرسي: العنف أيضًا يبدأ في المدرسة؛ إذ تأتي المدرسة لتتابع ثقافة العنف، عبر سلسلة طويلة من العلاقات التسلُّطية، تفرضها منظومة عقائدية مركزية وسلطوية، قائمة على ثقافة العنف والعسكرة، فالمعلِّم عاجز عن الوصول إلى عقل الطالب إلا عبر العنف، تصير الدراسة، من خلاله، "تدجينًا"، والتعليم خصاءً للفكر، فلا تحليل ولا موقف ولا رأي ولا اختيار، بل تعليم تلقيني، يصنع عقولاً راكدة مستلَبة للخرافة. فالعقل التقني عقل فارغ، وهو مستعد لتلقِّي العقائد الجاهزة؛ إنه عقل خرافي البنية، تلتقي فيه الخرافات والروايات. وهذا النمط من "التعليم" سطحي، تلقيني، امتثالي، بعيد عن النقد والجدل؛ وسلطة المعلِّم فيه لا تناقَش، والطالب يطيع ويمتثل. تعليم يعزِّز الانفعال، ويكرِّس التبعية الفكرية والثقافية، ويَحْرِم من استقلال الرؤية وممارسة التفرُّد في الحياة. (من هنا فإن عملية التدجين المدرسي هي في صلب حركات الرفض والعنف المضاد لدى الشباب.)
    أما المواد الدراسية فغريبة عن الحياة اليومية للطالب، فهي مواد فصامية، نصفها مستورد من خارج المجتمع، ونصفها الآخر مستورد من الماضي. فذاك الذي يلبس لبوس "المعلِّم" يتعامل مع الطالب لفظيًّا وخرافيًّا؛ وبذلك لا يعكس العلمَ ثقافةً، بل يبترُه عن جذوره المعرفية، فيختزله إلى قشرة خارجية تعمِّق الغربة، في حين تبقى لغة الحياة اليومية لغة الأمِّ مشحونة بالانفعال.



    إن ثقافة العنف هذه تندرج في أرجاء التعليم والحياة كافة، في العمل كما في التدريب والتعليم، وفي العلاقة مع الجار والابن والأب والزوج والأخت. فإما أن تكون متسلِّطًا وإما مقهورًا، وغالبًا ما تكون الاثنين معًا، رازحًا تحت هرم من العنف الهائل. جبرية وقدسية وقَدَرية تسود أرجاء الحياة كلَّها: فأنت إما "مع" وإما "ضد" – في حين أن العصر كلَّه يتَّجه نحو تعليم لا يكتفي بنقل العلم والتقنية عبر القوانين، بل نحو علم مؤصَّل ثقافيًّا ومعرفيًّا-.

    *العنف الاجتماعي: إن أية ثقافة تقوم على النرجسية، ورفض الآخر، والانغلاق، والارتداد إلى السلف، القريب أو البعيد، لن تكون إلا ثقافة للعنف، تغلق العقل وتحبط التنمية. إنها لا تصدر عن العقل، إذ ترفض العقلانية بحثًا واجتهادًا ونقاشًا؛ بل إنها تعصُّب انفعالي، في محاولة لإجبار الآخر على الخضوع. ولا تخلو من العنف أية ثقافة؛ لكن ما يميِّز وضعَنا هو تراجُع الثقافة المضادة، القائمة على الحوار والعلمانية والانفتاح الفكري والحضاري، لصالح التعصب والانغلاق.
    بين قهر التقاليد، وقهر الأسرة والعشيرة، والقهر الاقتصادي والسياسي، ترزح شخصية الفرد العربي تحت عنف شامل يمنع تفتحها ومجابهتها لحقائق الحياة والوجود. تنتج لدينا ذهنيةٌ متصلِّبة، محدودة الأفق، حيث كلُّ تجديد وسؤال هو إثْم يستحق العقاب والتصفية، لأنه يزعزع المحرَّمات وحقائق الماضي المهشَّم. فكرٌ أشْوَهُ، وحيدُ الجانب، انفعالٌ مضطرب، وشخصيةٌ مفكَّكة. كلُّ ذلك يولِّد انكفاءً على الذات، وارتدادًا إلى الماضي، تمسُّكًا بالتقاليد، حتى تكاد ثقافة العنف تبدو جزأً من طبيعة الأمور. فالواقع أن علاقة الفرد بالمجتمع يسودها التناقض بين أمل أسطوري وإحباط تاريخي.
    إن الوسيلة الدارجة في مجتمع العنف هي توجيه العدوانية نحو الخارج عبر التعصب الطائفي أو العرقي أو الديني. ويصير الأمل الأخير للفرد المقهور منصبًّا على منقذ موهوم، يُلبِسُه كلَّ الصفات المضادة لضعفه، وسرعان ما يرتد عنه، كفرًا وعنفًا مضادًّا، ليغرق في دوامة جديدة من العنف.
    ولعل موقف الإنسان، في مجتمع العنف، من القانون يعطينا فكرة عن تفكُّك شخصيته، حيث لا يكون الاعتداء على القانون محرَّمًا، بل يكون خوفًا من العنف! فالقانون لا يُفرَض إلا على مَن لا يمتلك القدرة على خَرْقِه. ليس هناك احترام للقانون، بل رضوخ وإرغام – ولك أن تخترق القانون إذا استطعت أن تنفد بجلدك! فإن ضعفتْ سلطةُ القانون، وتراجعتْ قدرةُ المجتمع على فَرْضِه، ينفجر العنف انفجارًا مذهلاً، وتنفجر العدوانية الكامنة، ويتعمَّم الاعتداء على القانون، واستباحة الحدود والممتلكات، دون مراعاة للمُواطَنة والجيرة والمشاركة أو الانتماء أو حقوق الإنسان.

    *العنف الفكري والسياسي: كلُّ المجتمعات التي قامت على عقائد، لا على قيم للإنسان، غدت فريسة للعنف الاجتماعي، وأضحتْ فيها المؤسَّسة بديلاً عن العقيدة، والطقس بديلاً عن القيمة والمغزى الديني أو العقائدي. من هنا فإن ثقافة العنف في الفكر والسياسة تقوم على عقيدة مركزية توتاليتارية، لا سبيل إلى تقويضها بغير العلمانية.
    والعلمانية، في القرن الحادي والعشرين، لم تعد تعني مجرَّد فصل الكنيسة أو الفكر الديني الغيبي عن الدولة والتشريع والإدارة والثقافة، بل أصبحت تعني رفض فَرْضِ كلِّ مسبق عقائدي على العقل والإنسان. من هنا فإن العلمانية هي الطريق للتأسيس لثقافة حقوق الإنسان.
    فأية عقيدة أو مؤسَّسة تضع نفسها فوق المُساءلة والجدال والنقد والحوار ليست علمانية، مهما ادَّعت العقلانية والعلم؛ بل هي تؤسِّس لثقافة العنف والتعصب. وأية جماعة تغتصب أدواتِ الحوار، مدَّعيةً احتكار الحقيقة، بحقٍّ إلهي أو شعبي، لا تلبث أن تُخضِع المؤسَّسة والمجتمع المدني لسطوة مزدوجة: سطوة التقاليد وسطوة الاستبداد. فالضمانة الوحيدة ضدَّ ثقافة العنف هي العلمانية. والعلمانية ليست نفيًا لقيم السماء، ولا لقيم الأرض، بل هي تكريس لعقل الإنسان الحرِّ.

    *العنف والعولمة: وفوق ثقافة العنف التي تعشِّش في مجتمعاتنا، يأتينا القصف الثقافي البخس لثقافة العولمة. إن العولمة لا تنقل إلينا القيم التي أسَّستْ لنهضتها: الديموقراطية، والعلمانية، وقيم المجتمع المدني، والمُواطَنة، بل هي تقصفنا بالتفاهة والعنف العبثي والتسطُّح الفكري، باسم العولمة الثقافية. فالعنف الثقافي هنا "عدوان ثقافي"، لا حوار حضارات، وتكريس للتفوق ولمنهج الإبادة الثقافية والبشرية.[ ]
    وما يقدَّم لنا على أنه نظام للسوق العالمية يهدف إلى ترسيخ فكرة الخضوع لضرورات الإنتاجية بالمعايير الغربية، وكأن الاقتصاد ليس إلا علمًا للأشياء، علمًا للتنمية الاقتصادية فحسب. ويبيع لنا إعلامُ العولمة الجنس العنيف والعنف الجنسي بأبخس الأسعار وبنفس السهولة التي يبيع بها أهم أخبار المجاعات والحروب. وإلى جانب العنف المباشر، تقوم ثقافة العنف العولمي بتكريس مفاهيم البطولة والخلاص الفردي: "اقتل، واضرب، ومزِّقْ، وانفد بجلدك!" عنف فردي يكرِّسه عنف جمعي، ويركَّب فوقه عنف كوني باسم العولمة والأمركة.
    *** *** ***
    3-الحلول المطروحة:
    هل من مَخرَج من حلقة العنف المجنون؟
    يجب أن ندرك، أولاً، ذلك الحيِّز الهائل الذي يحتلُّه العنف وثقافة العنف، بدءًا من حياتنا اليومية، إلى مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية. ولا بدَّ، بعد إقرارنا، من أن نحرِّر الدراسات والبحث العلمي، لتغدو شفافة، سواء في علم الاجتماع أو في غيره من المجالات.
    ثم إن مواجهة كلِّ الأصوليات في المجتمع تحتِّم إعادة الاعتبار لمؤسَّسات المجتمع المدني فهي وحدها القادرة على مواجهة الفكر الشمولي والأصولي، وعلى محاصرة ثقافة العنف. فلقد أثبتت المؤسَّسات السياسية فشلاً ذريعًا في معالجة جملة من القضايا الاجتماعية والجماهيرية، بدءًا من محو الأمية، إلى تحرر المرأة، إلى الثورة الثقافية، إلى حماية المدن والآثار.
    من جهة أخرى فإن أهم الحلول المطروحة وأكثرها نجاعة هو:
    * تأصيل الديمقراطية، وثقافة حقوق الإنسان :
    فلا بدَّ لثقافة حقوق الإنسان من أن تؤسَّس على نهضة مفهوميه جديدة للمُواطَنة، تبدأ، أول ما تبدأ، من الأكاديميات والتعليم. إن ثقافة حقوق الإنسان هي التي تسمح بإعادة تأسيس مجمل العملية التربوية ضدَّ أشكال الفكر المسبق كافة، وبتكريس الوحدة الثقافية بتعزيز التنوع والحرية القائم على مبدأ الحوار والقبول بالآخر، وبإعادة التأسيس للعملية الثقافية على أساس إعادة التجديد من الداخل والانفتاح على الخارج.
    و الأهداف المتعلقة بالتأسيس لثقافة حقوق الإنسان ليست منوطة بطبقة بعينها، مع أن طبقات بعينها قد تلعب أدوارًا تاريخية فيها. إنها نهضة تشمل البُنى الاجتماعية والفعاليات السياسية كافة، لتصهرها حول أهداف النهضة – نهضة تقوم على تكتل تاريخي للمجتمع والأمة بأسرها، لتكريسها، بكلِّ طاقاتها، لهذه الأهداف. وهذا لا يعني أن تتخلَّى الطبقات والأحزاب عن مصالحها وإيديولوجياتها، بل يعني تكريس هذه الأهداف لخدمة نهضة الأمة. إنها تعني وضع الوطني القومي النهضوي الديموقراطي زمنيًّا فوق الإيديولوجي. وهذا يحتِّم أن تقوم الأحزاب والقوى الاجتماعية بالتخلص من تشرنقها العقائدي ومن ترهُّلها الذي تمسخ به ارتباطاتها بالحياة وبقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
    ونستطيع أن نقول إن القيمة العميقة لأية حضارة تكمن في المكانة التي تعطيها لكرامة الإنسان. وفي المقابل، فإن حرية الوطن ليست شرطًا مسبقًا لحرية الإنسان؛ بل إن حرية الإنسان وحقوقه ومكانته كمواطن هي التي تؤسِّس للتنمية الحقيقية. لكن ما حصل أنه إبان فترة الحرب الباردة تمَّ توظيف حقوق الإنسان السياسية، من جهة، وحقوق الإنسان الاجتماعية، من جهة أخرى، سلاحًا في الدعاية والتضليل السياسيين، خدمةً للمصالح الجيوبوليتيكية لهذه الدولة العظمى أو تلك.
    فليس هناك أيُّ معنًى لدولة القانون، ولا لأية تنمية، من دون حقوق الإنسان؛ بل إنها هي التي يجب أن تشكِّل المدخل الرئيسي لحثِّ عملية التنمية والتأسيس لها. فمنطق حقوق الإنسان يجذِّر ويعزِّز أبعاد التنمية ويؤسِّس لها، لتصبح أعمق وأكثر أصالة في بنية المجتمع. وليس هناك أيُّ معنًى لدولة القانون، ولا لأية تنمية، خارج إطار تعزيز حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المُواطَنة. وكما في السابق، فإن النضال في القرن الجديد من أجل حقوق الإنسان سينطلق، أولاً، من تصفية أشكال الثقافة والانتماء ما قبل المدنية، ومن هدم المصالح السياسية والثقافية للمستفيدين من أيِّ تقسيم للمواطنين على أساس طائفي أو عشائري أو عنصري، ثانيًا.
    ولقد أثبتت التجارب أن القوانين لا يمكن أن تكفل حقوق الإنسان. لكن حقَّ الحياة والتعليم والتغذية والعمل والحماية ضدَّ المهانات كافة هي شروط لا بدَّ منها لنجاح التنمية، وليست مجرد أهداف مثالية عامة. إذ إن الجمع بين الأفق التنموي وأفق حقوق الإنسان، القائم على الانتماء الوطني (المُواطَنة)، هو الشرط لتحقيق تنمية بشرية في هذا العصر؛ بل إن كلاً منهما يعزِّز الآخر.
    حيث غيَّر النضال من أجل حقوق الإنسان وجه العالم. وتنخرط فيه، أكثر وأعمق، ثقافةُ الجنسانية ، لتدعمه بزخم كبير من أجل تعزيز النضال العام من أجل حقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، فإن تسريع التنمية الوطنية لا بدَّ منه من أجل استئصال الفقر الذي يشكِّل العائق الأساسي أمام توفير الشروط الأساسية لتحقيق حقوق الإنسان.
    مع ذلك، فإن العنف والقمع لا يزالان متجذِّرين بقوة في مجتمعاتنا، في حين تعاني المؤسَّسة القضائية من اعتباط ونقص كبير في الكفاءة، بسبب ظواهر الفساد. إذ لم تعد التدابير والأنظمة وحدها كافية لحلِّ المشكلة، بل إن الأمر بات يتطلب إعادة النظر جذريًّا في البنية الإدارية والمؤسَّساتية للقضاء ذاته. فإذا كانت العدالة هي الشرط الأساسي لتنمية حقوق الإنسان، فإن الشفافية هي العمود المحوري الذي ينبغي أن تدور حوله المؤسَّسة القضائية للحيلولة دون تسلُّط منطق مراكز القوة وجبروتها.
    وحدها الديمقراطية تستطيع أن توفِّق بين الأشكال الخمسة لحقوق المُواطَنة، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية. إلا أن بعض الديمقراطيات تفشل في تجذير حقوق الإنسان: فهي لا تلبث أن ترتدَّ قمعًا لهذه الأقلية أو تلك، لهذه الثقافة أو تلك، أو لهذا الفكر أو ذاك؛ كما أن الأحزاب غالبًا ما تكون مبنية، من حيث المبدأ، بحيث تستبعد الأغلبية من المشاركة


    fpe p,g hgukt hgh[jlhud


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول العنف الاجتماعي

    *الفصل الثاني: دراسة تحليلية حول ثقافة العنف عند الطفل الجزائري

    ثقافة العنف عند الأطفال(المتمدرسين) في الجزائر:
    *المجتمع الجزائري هو مجتمع عربي مغاربي ينتمي إلى العالم، وهذا يعني أنه يعاني العنف المحلي ضمن الإطار الخاص. ونتيجة كونه عربياً فسيعاني من المشاكل التي يتصف بها المجتمع العربي، كذلك الشرقي، وبانتمائه إلى العالم، فهذا يعني تأثره أيضاً ببعض ما يعاني منه العالم انسجاماً مع الاتصال الذي يحدث بين الجزائر والعالم الخارجي. وتمثل التربية الوسيلة التي يتم من خلالها بث الأفكار العامة ومنها أفكار ومفاهيم تخص العلاقة داخل العائلة التي تمثل اللبنة الأولى في المجتمع.
    وقد انتقد د. هشام شرابي في هذا الصدد هذا الأسلوب حين أشار إلى سلبيات التعليم "إن التعليم كما يجري في إطار العائلة وخارجها، يتميز بصفتين رئيستين، فهو من جهة يقلل من أهمية الإقناع والمكافأة، ومن جهة أخرى يزيد من أهمية العقاب الجسدي والتلقين".
    وما دمنا في الحالة العربية لمجتمعنا الجزائري، فلنا أن نربط بين مناهج الحكم ومناهج التعليم، .. "دور الدولة في التعليم في البلدان العربية يتجاوز دور التنسيق بكثير، فهي بادئ ذي بدء تقوم بالإشراف على كتابة المناهج، وهي لا تتورع عن كتابة المناهج ذات العلاقة الوثيقة بالمسائل السياسية مثل الدين والتاريخ وغيرها، بطريقة تأمل من ورائها اكتساب الشرعية السياسية في نظر الشعب الذي لم تلجأ إليه أبداً للحصول على الشرعية، وأحياناً تلقي الأنظمة السياسية جانباً بكل مظاهر احترام الاستقلال الأكاديمي، حيث تنص قوانين الجامعات صراحة على تحقيق الانسجام والتكامل بين أهداف التعليم العالي ومخططات الدولة"(3).
    لقد كان المجتمع الجزائري جزءاً من الدولة العربية الإسلامية ابتداءً من الفتح العربي الاسلامي حتى سقوط الدولة العثمانية، ثم تعرض للإحتلال الفرنسي،ومع قيام أول سلطة وطنية في الجزائر واستلامها مسؤوليات التربية والتعليم عام1962 حتى الآن،دون أن ننسى العشرية الدموية السوداء التي مرت بالجزائر، والتي كان لها تأثير كبير على ثقافة العنف الاجتماعي، و بالرغم من كل هذا، إلا أن هناك توقاً تربوياً على الأقل نحو تفعيل التربية وعصرتنها وبث مفاهيم ديمقراطية في العملية التعليمية، ومن هذه المفاهيم إقامة علاقة إنسانية بين أركان العملية خصوصاً بين المعلم ـ الطالب، واستلزم ذلك طلب الوزارة صراحة بعدم استخدام أساليب العنف المادي واللفظي تجاه الطلبة بالإضافة لنشر العشرات من المرشدين النفسيين في المدارس لتوجيه سلوك الطلبة وفهم نفسياتهم وحل مشاكلهم بأساليب تربوية حديثة بعيداً عن الأساليب القديمة. ومعنى ذلك أن رأس الهرم التربوي يتفق مع اللاعنف في المدارس، لكن المشكلة تظل كامنة في الطالب والمعلم والمدير، كونهم مواطنين ما زالوا يتأثرون بالمجتمع الذي يعيشون فيه.
    لذلك فإن العنف العام الداخلي الذي نعاني منه هو وليد تراكم طويل، وليس هو وليد يوم وليلة، ومعنى ذلك أن تخفيفه يستلزم فهم تاريخ الوضع السياسي والتاريخي للحياة السياسية والاجتماعية في الجزائر، وقد قمنا بعرض مختصر لهذا التاريخ كإطار عام. ونتيجة ذلك التراكم، أصبح العنف سيداً للأحكام التي تقوم بها الذهنية العربية "إذا كانت الهيمنة أسلوباً للتعامل بين البشر، فإن العنف أو التهديد به يصبح سيد الموقف، اللجوء إلى العنف أو التهديد به لفض المشاكل البسيطة والمعقدة أمر محتوم يبرز في كثير من تفاعلاتنا اليومية، التهديد بالضرب والقتل والاغتيال والتهجير والتدمير يصدر عنا بشكل تلقائي عفوي لا شعوري، العنف من صلب تراثنا، العنف كأسلوب للتعامل جزء من شخصيتنا الاجتماعية والنفسية، حتى أننا نفهم الحب المقدس، وممارسة العشق والوصال، نفهمه فتحاً وخزقاً وقرطاً وحرثاً، واللجوء إلى الهيمنة والعنف أو التهديد بهما أسلوب شامل وعام".
    *المسؤولية الإجتماعية:
    إن الوضع التربوي ليس مسؤولية قطاع التربية والتعليم وحده، لذلك فإن وضع (جزيئية العنف في المدارس) ليس مسؤولية المعلمين والمعلمات، بل أنها مسؤولية مشتركة مجتمعية، لا بد من جميع القطاعات أن تدلو بدلوها من أجل تكامل الرؤية وتنفيذ الحلول لتخفيف حدة الظاهرة والحد منها نهائياً إن أمكن "إن قضية العنف في المدرسة ليس مصدرها الوحيد هو المعلم وإنما نتعامل بأن المعلم في النهاية هو المسؤول الأول عن هذه العملية التربوية المعقدة بكل معانيها ثقافياً وحضارياً، إضافة إلى اكتساب الطلاب العادات الفكرية والوجدانية وأنماط السلوك السليمة وكيفية التفكير حتى يكون دور المعلم مساعداً ودليلاً وداعماً للطالب بحيث يصل مستوى العلاقة بين المعلم والطالب إلى درجة مجسدة بالتعاون والتكامل". وليست القضية مقتصرة على العلاقة بين الطلبة والمعلم، بل أن هناك تجاوزات في علاقات الطلبة الداخلية وصلت حد الدموية، واستخدام الآلات الحادة، وقد تحدث تقرير صحفي عن هذا الموضوع، واستطلعت كاتبة التقرير عدداً من الآراء، فأكد د.بحري توفيق ، أن المدرسة مجال يتعامل فيه الطلبة ويحتكون مع بعضهم البعض مما يهيئ الفرص أمامهم لإبراز شخصيتهم المراهقة باتباع أساليب منحرفة مشيراً إلى أنه كلما زاد الاحتكاك بين الطلبة بشكل أكبر توقعنا حدة في السلوك خاصة أن مدارسنا تفتقر إلى الاتساع وزيادة عدد الطلاب في الفصل الواحد، بالإضافة لعدم وجود ملاعب وبرامج ترفيهية للطلبة ليتم تفريغ طاقات الطلبة من خلالها. إن ظاهرة العنف، بين الطلاب تظهر بشكل ملموس في أوساط الأسر الفقيرة التي تعاني من ازدياد في عدد أفرادها وانخفاض المستوى التعليمي للوالدين، حيث يكون مناخ المدرسة الأكثر نجاعة لاستخدام السلوك العدواني، كما أن توكيد الذات هنا يتم من خلال العنف كأسلوب سيء جداً، وهو يختلف عن توكيد الذات بشكل إيجابي "توكيد الذات: قدرة الفرد على التعبير الملائم عن أي انفعال يتعرض له نحو المواقف والأشخاص، فيما عدا التعبير عن القلق، وتشمل هذه الانفعالات التعبير عن الصداقة والمشاعر الوجدانية التي لا تؤذي الآخرين، أو لا تؤدي إلى انتهاك حقوقهم.
    لذلك يجب أن نظل متنبهين إلى أن المدرسة مجال للتعبير عن السلوك الذي يكتسبه الطالب/ الطالبة في المجتمع "تمثل المدرسة اليوم صندوق رنين يردد صدى كل المشكلات التي يعانيها الصغار، يأتون إليها ليعبروا عن شقائهم وهذا بالتحديد ما يقود إلى تلك اللامبالاة تجاه المدرسة"، وهذا يؤكد أن مشكلة العنف هي مسؤولية مجتمعية "المدرسة كانت عامل اندماج مهم، وينبغي أن تبقى كذلك... أنها تمثل المكان الذي تتقارب فيه الفروق".
    ويتفق الكاتب إبراهيم بن عيشة المقيم بفرنسا وهو يتحدث عن العنف هناك مع ما ذكره الأستاذ جميل بن سليمان في الملتقى التربوي في كون المسؤولية مجتمعية "العنف في المدرسة ليس ظاهرة ناتجة عن طريقة عمل المؤسسة التربوية الوطنية، للأسف فإن المدرسة بمنزلة الصدى للمشكلات التي يواجهها الشبان في مجتمعنا اليوم، وينبغي خصوصاً تفادي تحميل المدرسين مسؤولية الأمر أو أن يقال عنهم أنهم السبب في مشكلة نقص التواصل مع الشباب. إننا في مواجهة اهتزاز يعرفه المجتمع في إطار أزمة اقتصادية دولية، ومن البديهي أن شقاء هؤلاء الأطفال يعبر عن نفسه في المدرسة، ويظهرون بهذه الطريقة ثورتهم على غياب الآفاق أمامهم التي تعني فرص العمل".
    لذلك نرى الكاتب الجزائري المذكور يطالب "بتوفير الإعلام الجاد الذي لا تشوبه مغالطة ويتمتع بالقدرة على إعطاء طابع من المسؤولية للمواطنين، وبالتالي نزع فتيل العنف، والعنف ليس إلا وليد الشعور بالمظلومية والحرمان، ممارسة القدرة على هضم الظلم وتحويله إلى فعل إيجابي، أعتقد أن توزيعاً أحسن للثروات الثقافية والمادية سيكون حلاً جيداً في وجه العنف والتهميش".

    *دور التربية الديموقراطية:
    إن تشديدنا على إشاعة التربية الديمقراطية لم يأت من فراغ، ذلك أن مظاهر العنف هي نتيجة عدم شيوع تلك التربية، حيث ثمة انسجام بين أنظمة الحكم وأسلوب الوعظ والإرشاد الديني وبين أسلوب التلقين في التربية والتعليم، فاستخدام التعلم يتفق مع الديمقراطية لأنه يعطي الفرصة للطلبة كي يشاركوا ولا يظلوا في مجال التلقي السلبي فقط الذي تستلزمه القيم الاجتماعية الناتجة عن نظام حكم سياسي تقليدي "وتنشئ القيم الاجتماعية التقليدية التي تنعكس في نظام تعليمي تقليدي شخصية لها سمات محددة أهمها الضعف في المقدرة على التفكير المستقل والمقدرة على التجديد والابتكار والتطوير، وتفرز عدم الثقة في النفس في نقاش موضوعات لا تتطلب ترديداً أو اجتراراً لمعلومات، وتفرز هذه القيم أيضا الخوف من سلطة المجتمع، وتعزز عدم القدرة على التعامل مع ما هو جديد وغير مألوف، وتضعف الشعور بوجود حقوق فردية لدى الشخص أو الطالب وتنتج شخصية مكبلة عاجزة غير مبدعة ودون مقدرة على إعادة إنتاج المعرفة.
    وفي ظل أنظمة غير ديمقراطية، تزدهر التربية التقليدية، وكما يزدهر القمع السلطوي لمجموع الشعب والنخب المفكرة والآراء المعارضة، لأنه على الجانب الآخر سنجد ازدهاراً لمظاهر السلطة السيئة عند المسؤولين التربويين بدءاً من المعلم ومدير المدرسة، وبالتالي فإن العنف المتبادل بين أركان المؤسسة التربوية هو عنف ناتج عن النظام السياسي والاجتماعي والثقافي بشكل عام. والسلطة أياً كانت فإنها تلجأ خصوصاً في المجتمعات غير الديمقراطية إلى الإلزام والإحكام دون نقاش لأنها أصلاً فاقدة للثقة في قيادتها الفكرية للمجتمع، وتخشى من الرأي الآخر، وهذا ينسجم مع الخطاب الديني القائم على التهديد والوعيد في بلادنا كما ذكر عبد الفتاح عمر في "الديمقراطية والثقافة السياسية" الذي أشرنا إليه من قبل. كما يقول ماكس فيبر:" أن السلطة توجد حينما أفرض إرادتي رغم مقاومة الآخرين لها، وهي حسب فولتير فإنها تجعل الآخرين يتصرفون تبعاً لاختياراتي. إن المرء يشعر نفسه أنه أكثر من مجرد إنسان حين يتمكن من فرض نفسه ومن جعل الآخرين أدوات تطيع رغبته مما يعطيه لذّة لا تضاهي". وهذا يرشدنا إلى أن هناك علاقة بين القوة والعنف.
    إننا نقبل الإرادة إذن التي تستخدم القوة لتنظيم المصلحة والحقوق وفق النظام الديمقراطي، ولا تسمى تلك الإرادة القوية بالعنيفة، لأن العنف كما هو معروف الآن هو أسلوب شاذ في التعامل مع المشاكل. وهذا يسوقنا بشكل عام إلى الحديث الموجز عن شرعية العنف عند الأيديولوجيين الذين لا يقبلون التعددية، وظهر ذلك عند الشيوعيين وغيرهم من المفكرين، حتى عند الوجوديين أمثال بول سارتر، وقد بحث الكثيرون عن مبررات العنف السياسي والفكري كونه طريقاً إلى النجاة للمجتمع والأفراد، ونستطيع الرجوع إلى أدبيات السياسيين الأيديولوجيين لنتعمق في هذا الموضوع الخطير، الذي كانت النازية والفاشية والشيوعية نتيجة له. وما يهمنا هنا هو أنه ما زال العديد من التربويين يلجأون إلى العنف وينادون به تحت ذرائع واهية.
    ورغم أننا قد نتقبل سلوك السياسي غير الديمقراطي في التعامل مع الأفراد والجماعات، إلا أننا لا نجد عذراً للتربوي في إقامة أية علاقة قائمة على العنف وهو يوصل المعلومات ويتعامل مع الأطفال داخل أسوار المدرسة، لأن "التربية تتميز عن غيرها من العمليات بوجود "جانب إدراكي" بمعنى أن المتعلم يدرك (يفهم) ما هو بصدد تعلمه. وفي غياب الجانب الإدراكي لا يكون هناك مفر من الاعتماد على أساليب غير عقلانية في ترسيخ المعتقدات، هذه تشمل في أدنى درجاتها أنماطاً مختلفة من العقاب الجسدي الذي كان عادة متبعة في المدارس إلى عهد قريب، كما تشمل أنواعاً شتى من العقاب المعنوي، مثل النبذ والتخجيل والتهديد". إن الطفل الذي يتعرض لهذه المظاهر يكتسبها، وهو لا يتعلم (المعلومات) فقط، ولا يتعلم عدم المناقشة والطاعة الفكرية والرضا بالأمر الواقع الذي يفرضه أسلوب التلقين فحسب، بل يتعلم بهذه الأساليب جميعها التي تدخل في يناء شخصيته، وهذا مكمن الخطر "إن الطرق التربوية من طراز "تقبل هذا ولا تسأل عن السبب"، "تقبل هذا وإلا..." ليست فقط أساليب تتبع في غرس المعتقدات والقيم في أذهان المتعلمين، فما من ضمانة لدينا أن دورها سوف يقتصر على دور الوسيلة، ذلك أنها جزئياً على الأقل تعبيرات عن قيم معينة. والشخص الذي يتعلم (س) من الأشياء بواسطة التلقين لا يتعلم (س) فقط، إنما يتعلم بالإضافة إلى ذلك أنه من الجائز (بل ربما من الطبيعي) أن يستعمل الإنسان هذا الأسلوب في تعليم (س)، وهذا بالطبع موقف قيمي (بما هو مقبول وطبيعي وما هو خلاف ذلك)".

    *العامل النفسي: (علاقة الطالب بالمعلم)
    إن أكثر المعلمين والمعلمات المتجهمين والعنيفين إنما يلجأون إلى استخدام العنف اللفظي والمادي في التعامل مع الطلبة نتيجة قصور في شخصياتهم (النفسية والتعليمية)، وأزعم أن عدم سيطرة المعلم على إدارة المعلومات داخل الغرفة الصفية وضعفه التربوي في خلق الوسائل التربوية والأساليب في تقديم المعلومات وضعفها يؤدي إلى عدم تحمل ميل الطلبة الحيوي للتفكير والنقاش، كما أن الطلبة يملكون القوة كمتعلمين في تقييم المعلم/ ة، فإذا كان هناك ضعف ما في شخصية المعلم فإنه سيلجأ إلى العنف كمنقذ ومهرب في آن واحد، فالمعلم الذي لا يستطيع جذب انتباه الطلبة وتركيزهم من خلال المعلومات وطرق تقديمها سيلجأ إلى العصا كمخلصة له من هذا الموقف المحرج، لذلك ليس غريباً أن نرى معلمي الرياضيات واللغة الإنجليزية ينتمون إلى هذه الفئة لأسباب موضوعية تتعلق بهذين المبحثين وأسباب ذاتية تتعلق بهما في هضم تلك المواد وجذب الأطفال إليها. ولما كانت العلاقة بين الطالب والمعلم قائمة على الاتصال المباشر، فإن حسن الاتصال القائم على الحوار والمشاركة من قبل الطلبة في التعلم واعتبار (الطالب) محور العملية التعليمية (حقيقة لا شعار) سيخفف من حدة أي عنف محتمل. ولو وسعنا دائرة (المعلم ـ الطالب) إلى (الإنسان ـ الآخر) فسنجد أن العنف أو النزاع أو تصادم الإرادات المحتمل هو وليد هذه العلاقة بين الأنا والآخر. ويمكننا الإشارة إلى أحد تفسيرات علم النفس للعنف من خلال مدرسة وجهة النظر الظواهرية التي تحدث عنها د. مصطفى حجازي حين قال: "إن العنف كغيره من أشكال السلوك هو نتاج علائقي، أو بكلمة أكثر دقة، نتاج مأزق علائقي. أما التدمير والقتل فهو كارثة علائقية تصيب الذات في الوقت نفسه الذي تنصب فيه على الآخر وتبيده. إن العدوانية هي طريقة معينة للدخول في علاقة مع الآخر".
    أليس ذلك دليلاً على أسلوب المعلمين في بداية متجهمة عدوانية في الحصص الأولى في المدرسة التي يعملون فيها أول مرة؟ إن ذلك بلا شك أسلوب إنساني تقليدي قائم على الخوف على الذات من أن ينكرها الآخر، والمعلم يريد أن يضمن خوف الطلبة منه واحترامهم القائم على الخوف ومن ثم يبدأ بالتراخي قليلاً سواء في سحنة الوجه المتجهمة أو الضرب والألفاظ القاسية لأنه فاز في الجولة الأولى معهم، وعليه الآن أن يظهر بريق أسنانه قليلاً.
    *دوافع السلوك:
    حدد إبراهام ماسلو خمسة دوافع للسلوك الإنساني تنتظم في شكل هرمي قاعدته الأساس الحاجات البيولوجية الأولية الفطرية وتليها مباشرة الحاجة إلى الأمن ثم الحاجة إلى الحب والانتماء ثم الحاجة إلى الاحترام والتقدير ثم الحاجة إلى تحقيق الذات، لذلك فإن انتفاء الشعور بالأمان لدى الأطفال والطلبة سيثنيهم عن الانتماء والمشاركة وتحقيق الذات بشكل إيجابي "إحباط الحاجة للأمن عند الطفل أو الرجل بشدة تجعله هياباً متوجساً من كل شيء، من الناس ومن المنافسة ومن الإقدام ومن المغامرة والابتكار والجهر بالرأي وتحمل التبعات، ويبدو ذلك في صور شتى منها الخجل والتردد والارتباك والانطواء والحرص الشديد والذعر من شبح الفشل والعجز عن إبداء الرأي والدفاع عن النفس حتى وإن كان الحق في جانبه أو يبدو في صورة تحد وعدوان أو لا مبالاة".
    إننا حريصون على خلق بدائل تعين المعلم كي يتجنب العنف كسلوك شاذ، كذلك تفيد هذه البدائل الطلبة أنفسهم، وقد ركزنا حديثنا على العلاقة بين المعلم والطلبة كونهم يقضون أطول فترة من الزمن مع بعضهم وهم أكثر عرضة للعلاقة وتفاعلاتها الهادئة والعنيفة. لذلك لا نستطيع مجرد نصح المعلم بعدم استخدام العنف فقط، بل نزعم أن علينا "أن نعطي البديل من خلال التجارب العملية الناجحة لمحاولة اختبارها إن أمكن، فالطلبة وهم جميعاً أطفال ما داموا تحت سن الـ 18 عاماً، هم فئة ذات إيقاع سريع في كل شيء، بينما ينتمي المعلمون إلى الفئة ذات الإيقاع الأقل سرعة حسب مستوياتهم العمرية والنفسية أيضاً. لذلك تنشأ بعض المشاكل من خلال إغفال الكبار ميزات الصغار في الإيقاع السريع، وكأنهم يطلبون منهم (وهذا عنف غير مباشر) أن يكونوا بطيئي الإيقاع مثلهم. لذلك ليس هناك مانع من استخدام اللعب في التعلم لأنه محبب لديهم، فالإيقاع السريع عندهم يدفعهم لطاقة حيوية وعلى المعلمين أن يفرغوها بالتي هي أحسن، أما عن أهمية اللعب للأطفال فقد أوجزته كاترين تايلر بقولها "اللعب أنفاس حياة الطفل، بل أن حرمانه منه يعني حرمانه من حقه في الحياة والنمو".
    لذلك ليس غريباً أحياناً أن ألجأ في الخمس دقائق الأولى خصوصاً بعد الاستراحة، إلى تفريغ الطاقة الحيوية من خلال حركة الأطراف للطلبة مما يجعلهم أكثر سعادة وتقبلاً للدرس بدلاً من الأوامر بالهدوء التام الذي يجعلهم في حالة احتقان. إن البحث عن أسلوب نفرغ من خلاله الطاقة أفضل كثيراً من اللجوء للحل السريع السهل المتمثل بالعنف اللفظي والمادي.

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول العنف الاجتماعي

    خــاتمـــــة:
    هناك مبرر قوي وأخلاقي وعالمي لمحاربة أشكال العنف في جميع القطاعات ومنها القطاع المؤسس للمواطنين، وهو القطاع التربوي، وفي الوقت الذي ننفق فيه على بناء مشاريع البنية التحتية، فإننا بحاجة لمن يحافظ عليها، وعلينا أن نبذل بسخاء لإشاعة هذه الفكرة، لأنها تشكل ضمانة السلم الاجتماعي الداخلي والدولي. وليست المسألة مجرد إنهاء هذه الظاهرة في الصفوف المدرسية، بل هي مدخل لإنهاء الصراع والنزاع الدولي، وهنا مكمن الخطورة والأهمية، إن المعلم الذي يحارب العنف هو مقاتل شجاع ضد ظواهر الحروب في كل زمان ومكان، تلك الحروب التي يكون أُكُلها الناس والأطفال وكل الأبرياء.
    وحتي نتمكن من تخطي أزمة العنف الاجتماعي، لابد لنا من إكتساب ثقافة الحوار مع الأخر واحترام أفكاره ومبادئه. دون المساس بمقدساته.

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول العنف الاجتماعي

    المصادر و المراجع

    1- فؤاد اسحق الخوري: الذهنية العربية"العنف سيد الأحكام"، بيروت، دار الساقي،1993.

    2- معتز سيد عبد الله، وصالح عبد الله أبو عيادة: أبعاد السلوك العدواني، دراسات نفسية، العدد الثالث،1995.

    3- من مقابلة مع الكاتب الجزائري إبراهيم بن عيشة، أجراه الطيب ولد العروسي، نشرته مجلة الجيل، العدد 12، 1998.

    4- د. رجال بهلول: التربية والديمقراطية،سلسلة ركائز الديمقراطية، مؤسسة مواطن لدراسة الديمقراطية، 1997.

    ، 19/06/2006Jalaan.com/book 5- تحسين يقين: العنف في المجتمع ، دراسة نشرة على

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    المشاركات
    61
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    الدراسة
    هواياتي
    الكتابة _ التامل
    شعاري
    لصمتي حكاية ترويها العيون

    افتراضي رد: بحث حول العنف الاجتماعي

    موضوع مميز و قيم
    ابدااع دمتم متالقين
    ننتظر جديدك
    في رعاية الله وحفظه

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. العنف ضد الاطفال
    بواسطة بريق الرعد في المنتدى الحياة الأسرية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-11-2015, 19:49
  2. أيهما أخطر العنف المادي ؟ أم العنف الرمزي ؟
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى الفلسفة 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-04-2015, 11:06
  3. الفرق بين المسح الاجتماعي والبحث الاجتماعي
    بواسطة ~حنين الروح~ في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-11-2014, 12:15
  4. العنف المدرسي
    بواسطة كشرودة مومو في المنتدى الحوار المتمدن
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 16-04-2014, 19:23

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •