الإعلام والتنمية : نظرة في الترابطية والتفاعلية

إن مصطلحي الإعلام ، والتنمية ، من المصطلحات التي فرضتها طبيعة التطور المجتمعي ، والعولمي ، حيث إن كلاً منهما يشكل عنصراً أساسياً من عناصر الحضارة ، وآليات تقدمها . وقد قيل قديما ً إن الاقتصاد عصب الحياة ، والآن صار للحياة عصب آخر هو الإعلام .
أود قبل الدخول لقلب الموضوع أن أمهد ببيان موجز للمفهوم اللغوي ، ثم الاصطلاحي لمصطلحي الإعلام والتنمية ؛ لأن ضبط الدلالات والمفاهيم ، أضمن للإفهام والتوضيح ، وأبعد عن الإيهام والتمويه .
1-الإعلام : يرجع هذا المصطلح في أصله الاشتقاقي إلى الجذر (ع-ل-م ) الذي تشترك تصريفاته الصوتية في الدلالة إلى معنى الوضوح والظهور . فمن ذلك العَلَم ، بمعنى الجبل العالي الظاهر ، وكذا يعني الراية التي ترفع وتكون عالية واضحة . ومن تصاريفه المَعْلم ، وهو الأثر الواضح الذي يستدل به على الطريق ( ).
ومن هذا المعنى الأصلي جاء المصدر إعلام من الفعل أعلم يعلم ، أي أظهر الخبر وأوصله لطرف لم يكن عالماً به. أما المفهوم الاصطلاحي ، فقد وضعت له تعاريف لم يخل كثير منها من خواء دلالي ، فجاءت جوفاء غير دقيقة ( ) . ولن أخوض في نقدها هنا لضيق المقام ، فأوجز مقدماً ما أراه مناسباً حسب رأيي ؛ فأقول : يراد بالإعلام في الاصطلاح أحد أمرين :
- الأول : ذلك العلم الذي يبحث ويدرس الوسائل والتقنيات والنظريات التي تتصل بالعملية الإخبارية ، من حيث آلياتها وأغراضها ، وأطرافها.كل ذلك يدرس ضمن تخصص أكاديمي يسمى بالإعلام
أما الأمر الثاني: مما يسمى بالإعلام : فهو عملية النقل التي يتم بها إيصال خبر ، أو فكرة ، من طرف ناقل مرسِل ، إلى طرف منقول إليه مرسل إليه.
وقد يطلق مصطلح الإعلام ويراد به بعض الوسائل الإعلامية المستخدمة في عملية نقل الخبر . كأن يقال مثلاً : هذا الخبر أورده الإعلام العربي ، أي وسائل الإعلام العربية.

2- التنمية:
يرجع هذا المصطلح للأصل اللغوي الثلاثي (ن م ي) وهو بمعنى الزيادة ، والنقل . فمن الزيادة قولهم مثلا : نما النبات ، والنمو الاقتصادي . ومن النقل قولنا : فلان ينمي عن غيره ، أي ينقله عنه ، ويرفعه ويسنده إليه ( )
أما على المستوى الاصطلاحي فقد وضع لها المختصون كثيراً من التعاريف ، منها أن التنمية ( وسيلة تستطيع من خلالها الدول النامية التصدي لعوامل التخلف ؛ بتبني خصائص أو سمات المجتمعات المتقدمة )( ) . وقيل إنها ((عملية تستند إلى الاستغلال الرشيد للموارد ؛ بهدف إقامة مجتمع حديث ))( ) .
التنمية أراها وضعية أو حالة من حالات المجتمعات ، التي إما أن تكون في حالة تخلف ، أو حالة نمو وتنمية ، أو في حالة رقي وتقدم. من هنا نرى التنمية مرحلة من المراحل التي تقطعها المجتمعات في طريقها لحالة التقدم والرقي . كما يمكن النظر لمصطلح التنمية بوصفه علماً على الحالة المأمول الوصول إليها ، من طرف الدول والمجتمعات الساعة للتقدم والرقي الحضاري .من هنا لا أوافق على التعريف الذي يرى التنمية وسيلة ، لأنها في الواقع غاية ،وليست وسيلة . أنما الوسائل هي التي توظف لتحقيق التنمية من ذلك مثلاً الاستراتيجيات ، والأموال ، والعناصر البشرية العاملة ، والخبرات المسيرة للمسعى التنموي .
معايير تحق التنمية:
يضع بعض الخبراء معايير يرونها دليلاً على تحقق التنمية ، من بين ما ذكر في هذا المجال ما عرف باسم (نموذج كيندلبرجر) الذي يرى أن التنمية تتبدى في مؤشرات كمية كثيرة منها : متوسط الدخل افردي ، ونسبة السكان العاملين في الزراعة ، ودرجة التعليم ، والنسبة المئوية للسكان الحضريين ، ونسبة توزيع الصحف، وعدد أجهزة المذياع ،والسيارات لكل شخص . كما ظهر نموذج الاتجاه الانتشاري الذي يقرر أن عناصر التنمية المادية والثقافية التي تسود في الدول المتقدمة ، إذا انتقلت إلى الدول النامية ؛ فإن انتقالها كفيل بتحقيق التنمية .( )
إن هذا الرأي يقوم على وهم استنساخي ، لايراعي الفروق الذاتية المميزة والفاصلة بين الدول ولا الخصوصيات الثقافية ، والجغرافيةالمتباينة بين مجتمعات ودول العالم ؛ مما لا يسمح بقبول هذا الأنموذج المسمى بالاتجاه الانتشاري .
في هذا السياق المعاييري ظهر سنة 1958م ما عرف بنموذج (دانيل ليرنر) الذي يرى أن الدول المتخلفة يمكنها الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة إذا استطاعت اكتساب خصائص سلوكية ، وسيكولوجية معينة . إن هاته الخصائص التي يشير إليها (ليرنر) هي رهينة بمؤثرات ودوافع يمكنها أن تودعها في المجتمعات الخالية منها ، ولا يخفى دور الإعلام هنا حيث إنه من أقوى العوامل ، وأجدى الوسائل التي يمكنها تحقيق ذلك النقل لتلك الخصائص السلوكية و النفسية ، وهنا لايغيب ملمح هام من ملامح الترابط بين الإعلام والتنمية .
لقد صار من الفروق الظاهرة بين المجتمعات المتخلفة ، والمجتمعات المتقدمة ،مدى توغل وشيوع وسائل الإعلام ونجاحها التأثيري في الرأي العام للمواطنين المتواصلين بوعي مع تلك الوسائل ،إن شيوع الوسائل الإعلامية متناسب طردياً مع ازدياد التنمية ، وبتعبير آخر إن انتشارها وتأثيرها متناسب عكسياً مع التخلف والبعد عن الحالة التنموية .
التنمية في حاجة لوعي جماهيري شعبي ، وهذا الوعي هو من صنائع الإعلام .
الإعلام هو من وسائل تحقيق التنمية فهو آلية ضمن آليات الانتشار التنموي على المستوى الاقتصادي والبشري بعامة ، إنه بلا ريب آلية تنموية فاعلة.علاقتهما ارتباطية متفاعلة ليست علاقة صورية ، ولا وهمية ، ولا معطلة .
إن ثنائية الإعلام والتنمية ثنائية مترابطة في فاعليتها العملية الواقعية ، ولم يكن غريباً أن نجد في بعض الدول وزارة تحمل اسم وزارة الإعلام والتنمية ، كما في جزر القمر . وأن نجد بعض الجامعات تدرس مادة اسمها (الإعلام والتنمية ) مع وجود مصطلحات دراسية من قبيل : الإعلام التنموي ، والاتصال التنموي .فضلاً عن إنشاء مراكز بحوث قائمة على البحث في ثنائية ، وتواصلية ، وتفاعلية الإعلام والتنمية .
التدريب الإلكتروني رابط بين الإعلام ، والتنمية .
ليس خفياً أن تكنولوجيا المعلومات عنصر أساسي في الإعلام . وأنها صارت من صور التسريع التنموي بفائدة الإعلام الذي تسارع تأثيره بتسارع الابتكارات التكنولوجية . إن تكنولوجيا الإعلام الجديد أدت ..إلى اندماج وسائل الإعلام المختلفة ...[من ذلك ]الصحف الإلكترونية ، كذلك جهاز الكمبيوتر أصبح بالإمكان استخدامه كجهاز استقبال لبرامج التلفاز والراديو( )
إن من وسائل تحقيق التنمية تطوير مستويات الأفراد والرقي بكفاءاتهم الذاتية عن طريق عقد برامج تدريبية وخطط تطويرية لكفاءاتهم بواسطة التدريب المباشر الذي يقترن عادة بواجبات الحضور الشخصي واللقاء المباشر بين المدرب والمندوب ثم اجتياز الدورة التدريبية والحصول على شهادة تثبت التدرب هذا هو التصور التقليدي للعملية التدريبية التي هي عنصر أساسي في بناء الكفاءة المؤهلة لتجسيد الآمال التنموية في كل مجال من المجالات المستهدفة للأغراض التنموية لكن التطور الإعلامي لم يبق على الصورة التقليدية للتدريب بل طورها وفعل تطبيقاتها – في العالم المتقدم – من خلال استثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية لاسيما الإنترنت ، فقد شهد أواخر عقد التسعينيات من القرن العشرين ظهور مصطلحات جديد وتطبيقات طارئة على صعيد التكنولوجيا المعلوماتية الإعلامية وتحديداً في مجال تطوير القدرات والكفاءات من ذلك مثلاً ظهور كل من مصطلحات :
- التعليم الافتراضي Virtual Learning .
- المدرسة الافتراضية Virtual School .
- التدريب الافتراضي Virtual Training .(18)
وفي هذا السياق ظهرت جامعات الكترونية تدرس وتعلم وتمنح شهاداتها بطريق التواصل الالكتروني بالإنترنت ، فصار تطوير الكفاءات العلمية غير خاضع للجغرافيا .
ولا يخفى أن ذلك التواصل التعليمي هو غير منحصر في المجالات النظرية بل هو شامل للتدريب المهني العملي .
إن الدول المطبقة لتقنيات التدريب الإلكتروني الإعلامي تعد ذلك من مكاسبها التنموية حيث إن رهان التنمية يهدف إلى أهداف منها : تحجيم وتقليص مقدار الانفاق المادي على الخطط التطويرية المزمع تحقيقها في الدولة ، فكلما كانت الخسائر المادية أقل كان ذلك إنجازاً في السياق التنموي وتطبيقاته الإجرائية . وهذا ما يفسر لنا ارتفاع قيمة الاستثمار في مجال التعليم الإلكتروني سنة 2003 ووصوله إلى 11.5 بليون دولار ، حدث هذا بعد ظهور نتائج مفاجئة أعلنتها بعض الشركات العالمية الكبرى ذلك مثلاً إعلان شركة IBM سنة 2000 توفير 350 مليون دولار وكذا وفرت شركة Cisco 240 مليون دولار في مجال تدريب موظفـيها بعد اعتــماد تقنيات التدريب الإلكتروني (9) (2) .
كل هذا يؤكد مدى توظيف الاستراتيجيات التنموية للإعلام ، ومدى الارتباط الناجع المحقق خلال ذلك التلازم النفعي بين التنمية من جهة ، وبين الإعلام من جهة أخرى .
التنمية لها أنواع ومستويات ومراحل ، ونحن هنا نقصد بالتنمية مستواها الشامل المتصل بالبشر وما يؤثر فيهم من اقتصاد وعلوم .
الإعلام وسيلة لبسط وتحقيق الأهداف التنموية مثلاً: تقليل نسبة الأمية ، وتقليل الأمراض ، الرفع من المستوى المادي للأفراد ، ورفع مستوى الوعي الحضاري ، ورفع المستوى العلمي .
إن الاستراتيجيات التنموية لا تستغني عن الإعلام فهو العمود الفقري للخطط التنموية إن علاقتها علاقة تشابكية موغلة في الترابط على نحو لا يقبل الفصام ، فحاجة الخطط التنموية للإعلام كحاجة الإنسان لأطرافه الحيوية التي يتوصل بها إلى حاجاته الأساسية والكمالية .
الفرضية الأساسية لهذا البحث هي : أن الإعلام أداة لا غني عنها في الاستراتيجيات التنموية ، حيث لا يستغنى عن توظيف الإعلام بصوره العديدة .
من هنا فالتنمية لا يمكنها التحقق في أي مجتمع دون أن تسبقها خطط وتجهيزات يأتي الإعلام على رأسها .

لا يغيب عنا أن الإعلام بصوره ووسائله قد اتُّخذ وسيلة يوظفها كل طرف حسب هواه وإلى مصالحه لاسيما في المجال السياسي ، والعسكري .
لكن يبقى لنا التعويل على أهداف ذات جدوى بمكنة الإعلام أداؤها .فمن الأهداف التي نعول عليها هدفان : هدف أخلاقي ، ثم هدف معرفي .
1-الأخلاقي :
يتركز في التوعية والإرشارد الحضاري للرقي بمستوى الأفراد وسلوكاتهم .
2-المعرفي :
يتركز في التثقيف ، وتنمية المعارف لدى الأفراد ، ذلك من الأهداف المركزية للإعلام سواء في مستواه المقروء ، أو المسموع ، أو المرئي .



لانستثني مما أوردناه هنا إلا ما يرومه الإعلام التجاري في مساعيه الربحية ، حيث لا تقوده أية أهداف معرفية أو أخلاقية إنما يكتفي هذا النوع من الإعلام بهدف واحد هو الربح المادي ، لذلك فهو غير مقصود بما سلف من كلامنا على الإعلام .
هذان الهدفان ( الأخلاقي والمعرفي ) هما أيضاً من المقاصد الرئيسية التي ترمي إليها الخطط التنموية بعامة ، لأن الوصول إلى تحقيقهما أمر يشكل الأرضية الضامنة للوصول إلى ما يمكن وصفه بالتنمية الشاملة التي ستفضي بالضرورة إلى الرقي بمستوى المجتمعات إلى مراحل مطمئنة ولائقة ومواكبة لمستوى الرقي العلمي التقني الذي بلغه العالم في هذا العصر .



الإعلام توعية + تعليم = تنمية
ولا يغيب عنا أن اتساع الفجوة بين العلم والمستوى الحضاري من جهة ، وبين المستوى الثقافي للإنسان ، هو أحد أزمات عالمنا البشري الحديث ، وهي أزمة بإمكان الإعلام - بموازاة الجهود التنموية - العمل على إماطتها في حالة توظيفه لتحقيق ذانك الهدفين أعــني الهدف الأخلاقي ، ثم الهدف المعرفي .


خاتمة :
أخلص بعد هاته الدراسة الموجزة إلى نقاط أساسية تشكل محور النتائج النابطة عن النظر في علاقة الإعلام بالتنمية ، حيث تأكد لنا ما يلي:
1- التنمية : تحتاج لوعي جماهيري شعبي ، وهذا الوعي هو من صنائع الإعلام .
2- الإعلام : من وسائل تحقيق التنمية فهو آلية ضمن آليات الانتشار التنموي على المستوى الاقتصادي والبشري بعامة ( الإعلام آلية تنموية ) .
3- علاقتهما ارتباطية متفاعلة ليست علاقة صورية ، ولا وهمية ، ولا معطلة .
4- التنمية لا يمكنها التحقق في أي مجتمع دون أن تسبقها خطط وتجهيزات يأتي الإعلام على رأسها .
هذه أهم النتائج التي افضى إليها النظر في ثنائية التنمية والإعلام ، مما بسطنا القول فيه بسطاً غير فسيح ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


hgYughl ,hgjkldm k/vm td hgjvhf'dm ,hgjthugdm