التحرير الصحفي في عصر الإعلام الرقمي

رغداء زيدان
يعتبر التّحرير الصّحفي علم وفن في آن واحد, فهو علم يدرس القواعد والأسس الّتي تنظّم عمليّة الكتابة وصياغة الأخبار وتقديمها للقرّاء. وهو فن لأنّه يُظهر إبداع المحرر ومدى توفيقه في إيصال المعلومة للقارئ بشكل جذّاب, نتيجة لما يقدّمه له هذا العلم من قواعد وأسس وتوجيهات ومبادئ, تساعده وتوجّهه في عمله.
ومع تطوّر وسائل الإتصال وتنوّعها, ووصولها إلى كلّ بيت بأيسر السّبل وأسهلها, وتفجّر المعلومات بهذه الصّورة الكبيرة, حتّى غدا العالم معها قرية صغيرة, فإنّ التّحرير الصّحفي كعلم وفن ازدادت أهميّته, وخصوصاً في مجتمعاتنا العربيّة, الّتي

تعاني من مشاكل كثيرة على كافّة المستويات والصّعد, ومن نقص كبير في عدد القرّاء الّذين يسعون وراء المعلومة, مما يحتّم على المحرّر الصّحفي العمل على تقديم المعلومة الموثّقة, الّتي تشدّ القرّاء إليها, والّتي تزوّدهم بالمعرفة الصّحيحة, وتساهم في توعيتهم وتنبيههم إلى ما يدور حولهم من أحداث, وتحثّهم على التّفاعل والإهتمام بقضاياهم وقضايا أمّتهم. وهنا تظهر حرفيّة ومصداقيّة المحرر الصّحفي الّذي تقع عليه مسؤوليّة تقديم الخبر الملفت الصّادق, والّذي يضع نصب عينيه أنّه صاحب رسالة سامية, هدفها العمل على إنهاض الأمّة, والمساهمة الفاعلة في إصلاحها وتقدّمها.
مقاربة تاريخيّة للموضوع
عرفت البشريّة الإعلام عبر وسائل بسيطة, تطوّرت مع تطوّر المجتمعات, فمن دقّ الطّبول, والنّداء من الأعالي, إلى إشعال النّار, إلى رجل الماراثون والحمام الزّاجل, وصولاً إلى الكتابة على الجدارن والورق, ومن ثمّ ظهور وسائل الإتصال الإعلامي الأخرى كالإذاعة والتّلفزيون والأقمار الصّناعيّة والأنترنت. ومع اختلاف هذه الوسائل وتطوّرها, تطوّر معها التحّرير الصّحفي وأساليبه, وبرزت إلى الوجود قواعد ونظريّات تؤطّر هذا العلم, وتبيّن أسسه الّتي يستند إليها.
تعريف المصطلحات المفتاحيّة للموضوع
إذا أردنا تحديد مفهوم التّحرير الصّحفي وتعريفه, فيمكن لنا وصفه بأنّه: علم وفن تحويل الأحداث والأفكار والخبرات والقضايا الإنسانيّة, ومظاهر الكون والحياة إلى مادّة صحفيّة يمكن فهمها عند مختلف فئات المتلقّين, سواء المثقّفين منهم, أو غيرهم من الفئات الأخرى ذات الثّقافة المتوسّطة أو المتدنّية. وهو يستند إلى النظريّة العامّة للصّحافة, ونظريّة الأنواع الصّحفيّة, الّتي تحدد الأنواع الصّحفيّة ومجالات استخدامها, والمهمّات والوظائف القادرة على إنجازها, والمراحل الّتي تمرّ بها عمليّة ابداعها. ويعتبر التّحرير الصّحفي انعكاساً لإمكانات الصّحفي الفكرية والثّقافيّة والمهنيّة.
والأنواع الصّحفيّة هي أشكال أو قوالب يستخدمها الصّحفي في عمله, مثل:
1 ـ الخبر الصّحفي, وهو إحدى الأنواع الصّحفيّة, يقدّم الحقائق والوقائع والمعلومات المتعلّقة بالأحداث والظواهر الرّاهنة, وهو كما يُقال يهدف إلى الإجابة عن الأسئلة: ماذا, من, متى, أين, كيف, لماذا, ومهمّة الخبر الأساسيّة هي نقل المعلومات والوقائع المتعلّقة بالحدث بأسرع وقت ممكن.
2 ـ التّقرير الصّحفي, وهو نوع صحفي يقدّم الوقائع الجوهريّة والتّفصليّة عن حدث معيّن, ويقدّم شرحاً ووصفاً وتحليلاً للحدث وأسبابه وشخصيّاته, يقدّمه الصّحفي كشاهد عيان يعيش الحدث ويراقبه, ويهدف إلى تقديم السّياق العام الّذي أنتج الحدث, من خلال بيان أسبابه ودوافعه وشخصيّاته.
3 ـ التّحقيق الصّحفي, هو نوع صحفي يعتمد الشموليّة والعمق في تقديم وشرح وتفسير وتقييم مواضيع مهمّة, تهمّ شرائح كبيرة من المجتمع, ويستعين بخبراء ومختصّين ومعنيين بهذه الأحداث, ويتوجّه أساساً إلى قارئ مهتّم ومختّص, بهدف إحاطته بجوانب المشكلة, من أجل دفعه للمساهمة في حلّها, فهو يساهم في توعية القارئ, ويحثّه على التّفاعل والمشاركة في دراسة الحدث ومعالجته.
4 ـ الحديث الصّحفي, هو نوع صحفي يجريه الصّحفي مع شخصيّة خبيرة أو مسؤولة أو مشهورة, حول موضوع معيّن, يهمّ شرائح اجتماعيّة واسعة, ويُستخدم فيه أسلوب الحوار المباشر, ويهدف إلى توعية المتلقّين.
5 ـ المقال الصّحفي, وهو إحدى الأنواع الصّحفيّة الفكريّة, يقدّم معالجة فكريّة منهجيّة لقضيّة ما في مسار تطوّر المجتمع, ويقدّم أفكاراً تساهم في تكوين وعي القارئ.
6 ـ التّعليق الصّحفي, ويتضمّن رأياً صريحاً, حول قضيّة أو حدث أو ظاهرة, في مختلف المجالات, ويتضمّن شواهد ودلائل تؤّيد هذا الرّأي, بهدف إقناع القارئ به.
7 ـ بالإضافة إلى أنواع أخرى كالعمود الصّحفي الّذي يقوم بكتابته شخصيّة صحفيّة مشهورة, ويقدّم فيه الكاتب رؤيته للحوادث والوقائع والأفكار.
وسيجد الباحث تعريفات كثيرة ومختلفة لكلّ نوع من هذه الأنواع الصّحفيّة, يختلف باختلاف الأيدلوجيات والسّياسات والمدارس الصّحفيّة, الّتي تختلف في تحديدها لوظائف الصّحافة, فبعضها يعتبر أنّ وظيفة الصّحافة تتمثّل بالإعلام والتّثقيف والتّرفيه والتّسلية, بينما يرى آخرون أنّ وظيفتها هي التّحريض والدّعاية والتّنظيم, وعند آخرين فإنّ وظيفتها هي التّعبئة والتّنشئة والتّجنيد و الإسهام في التّنمية. ومع اختلاف هذه النّظريّات يختلف تعريف الأنواع الصّحفيّة بين مدرسة وأخرى.
ولكنّ هذه الأنواع تعكس الواقع بشكل مباشر, وبطريقة واضحة سهلة, غايتها تقديم وصف وتحليل وتفسير للأحداث والظواهر والتّطوّرات في مختلف مجالات الحياة بأسلوب متفاوت في عمقه وشموليّته, والهدف هو إيصال رسالة إلى القارئ, بقصد إمداده بالمعرفة, والمساهمة في تكوين أفكاره, وتوجيه سلوكه نحو الأفضل. وهي تتصف بالاستمراريّة, وتقوم بتقديم واقع انتقائي, بمعنى أنّها تقوم بعمليّة انتقاء واختيار للأحداث والتّطوّرات والوقائع على حسب درجة أهميّتها وسياقها الإجتماعي, والمتلّقي الّذي تسعى للوصول إليه.
وبالطبع فإنّ تقديم النّوع الصّحفي وصياغته ومعالجته تقع على عاتق المحرر الصّحفي الّذي يجب أن يتّصف بمجموعة من الصّفات تؤهّله لتحمّل هذه المسؤوليّة, ومن أهمّها:
1 ـ أن يكون صاحب رسالة سامية يحرص على ايصالها للقارئ.
2 ـ أن يملك من الثّقافة والإتقان ما يجعله أهلاً لحمل هذه الرّسالة.
3 ـ سلامة اللغة وسلاسة الخطاب, وهذا يُظهر مدى وضوح الأفكار, وفهم الأحداث في ذهن المحرر.
4 ـ التّخصص العلّمي والتّقني.
5 ـ حسن الإختيار للموضوعات الّتي يحرّرها.
6 ـ العقلانيّة والموضوعيّة في مناقشة الأمور والأحداث.
7 ـ البعد عن الإسفاف والتّحيّز والتّملّق.
وهذا للأسف لا نجده عند الكثيرين ممن يعملون في هذا المجال, حتّى ابتعدت كثير من الصّحف والمجلّات ووسائل الاتصال الأخرى عن مهمّتها الشّريفة, وانغمست في توافه الأمور.
ومن الوسائل الصّحفيّة الّتي يستخدمها المحرر الصّحفي لايصال رسالته للقرّاء شبكة الأنترنت, الّتي بدأ ظهورها في الولايات المتّحدة في أواخر السّتينيات لأغراض عسكريّة, ثمّ انطلقت لتدخل مجالات أخرى تعليميّة وتجاريّة, حتّى وصلت إلى الأفراد, وطرحت نمطاً اتصاليّاً مختلفاً, يعتمد على الاستخدام التّفاعلي للوسيلة الإعلاميّة من جانب المتلقّي, مما يتيح له قدراً كبيراً للتّحكّم في البيئة الاتصاليّة والإعلاميّة, حيث تُدرج المعلومات في شكل النّص المفتوح, الّذي يمكن فتحه على نص ثاني, والثّاني على الثّالث وهكذا..., بما يحقق الوصول إلى المعلومات بدرجة كبيرة من الثّراء في الكم والنّوع, ويتيح مقداراً أكبر من التّفاعل بين المتلقّي والمعلومات المتداولة في الشّبكة.
أمّا الصّحافة الإلكترونيّة فهي منشور إلكتروني دوري يقدّم معلومات تدور حول موضوعات عامّة أو ذات طبيعة خاصّة, وتتميّز بأنّها تتيح لقارئها أن يختار المواد الصّحفيّة الّتي تهمّه لمطالعتها. فتَعَامُل القارئ مع النّصوص الإلكترونيّة هو تعامل هادف ومقصود, لأنّ المفتاح الأساس لقرّاء الصّحف الإلكترونيّة هو فهرس كامل وشامل للمادّة الصّحفيّة, ويستطيع القارئ أن يختار ما يريد قراءته من هذه الموضوعات المعروضة, الّتي تصله مباشرة بعد تحريرها, أينما كان.
ونتساءل الآن, هل يمكن اعتبار كلّ موقع صحفي هو صحيفة إلكترونيّة؟ بالطّبع لا, فالمواقع الإلكترونيّة تختلف في مقصودها والغاية الّتي أُنشئت من أجلها, فهناك مواقع تجاريّة هدفها التّرويج لمنتج ما, ومواقع حواريّة كالمنتديات وأمثالها, ومواقع تعريفيّة, تعرّف بمؤسسة, أو شخص, أو موقع جغرافي, أو نشاط معيّن, ومواقع صحفيّة مكمّلة لمحطات فضائيّة أو صحف ورقيّة, بالإضافة إلى المواقع الصّحفيّة البحتة, والّتي تقوم بدور صحفي معيّن, وتحمل أيديولوجيّة ما, تحاول تقديمها للقرّاء, وغالباً ما تكون هذه المواقع تحت إشراف نخب من المثقّفين المتخصّصين, الّذين يسعون لإيصال رسالة محددّة للقارئ, عن طريق تقديم الأنواع الصّحفيّة المختلفة بصورة تُوصل معها الفكرة الّتي يحاول الموقع التّعريف بها وايصالها. وفي الغالب فإنّ هذه المواقع بأنواعها المختلفة تسمح للقرّاء بالتّفاعل مع ما تنشره من مواد, عن طريق السّماح لهم بإبداء آرائهم, أو التّعليق على ما يتمّ نشره من مقالات وأخبار.
تحليل ومناقشة
ما هو موقع التّحرير الصّحفي في عصر الإعلام الرّقمي؟ وماذا تحتّم هذه التّغييرات على المحرر الصّحفي الملتزم؟
إنّ التّطوّرات المتسارعة الّتي يشهدها العالم في عصر المعلومات والتّقنيّات, وظهور هذا الكم الهائل من المواقع الإلكترونيّة المتنوّعة, الّتي تقدّم الأخبار بطريقة متميّزة عن الوسائل الأخرى, حيث السّرعة والسّعة الكبيرة, وإمكانيّة استخدام الكتابة والصّور سواء الثّابتة منها أو المتحرّكة, والأصوات والمشاهد الحيّة من موقع الحدث مباشرة, بالإضافة إلى إمكانيّة المتابعة وإضافة آخر التّطوّرات أوّلاً بأوّل, مما فتح مجالاً واسعاً للمحرر الصّحفي للتّعامل مع هذه التّقنيّات, فحررته من النّمطيّة, ووضعت أمامه خيارات كثيرة يستطيع من خلالها تقديم عمله بطرق متنوّعة ومؤثّرة.
كلّ هذه التّطوّرات تجعلنا نلمس مدى الحاجة الماسّة إلى التّخصّص والإحتراف في العمل الصّحفي الإلكتروني, هذا العمل الّذي مازال يعاني من عقبات وصعوبات كبيرة, وخصوصاً في عالمنا العربيّ, أبرزها:
1ـ غياب الضّابط المميّز للموقع الصّحفي عن غيره من المواقع الموجودة على الشّبكة. بالإضافة إلى عدم وجود تعريف واضح لمن يعمل في هذا المجال, وهل يمكن عدّه صحفيّاً كغيره ممن يعملون في الأنواع الصّحفيّة الأخرى.
2 ـ غياب الأسس القانونيّة والأدبيّة المعتمدة لحفظ الحقوق الفكريّة للكتّاب والصّحفيين العاملين في مجال النّشر الإلكتروني, مما يجعل انتاجهم معرّضاً للسّرقة.
3 ـ قلّة النّخب المحترفة المدرّبة الّتي تعمل في هذا المجال.
4 ـ ضعف الإمكانات الماديّة, وقلّة التمويل الّذي يقف حاجزاً أمام تطوير العمل, وجذب الكفاءات اللازمة للموقع, بل إنّه يحكم في أحيان كثيرة على استمراريّة الموقع الصّحفي, فيؤدي إلى توقّفه وإغلاقه.
5 ـ بالإضافة إلى المشاكل الفنيّة الّتي يتعرّض لها الموقع أحياناً, سواء المقصودة منها عن طريق التّخريب المتعمّد, أو المشاكل الفنيّة البحتة, والّتي تخصّ برمجة الموقع.
6 ـ مع ملاحظة قلّة القرّاء في العالم العربيّ عموماً, لأسباب كثيرة أهمّها:
أ ـ تفشّي الأميّة الّتي وصلت نسبتها في البلاد العربيّة إلى حوالي 36% عام 2002م, أي ما يعادل عدد 108 مليون شخص.
ب ـ غياب الوعي الكامل بأهميّة القراءة, ودورها الرّئيس في تطوّر الأفكار الّتي تمدّ المجتمع بأسباب تقدّمه وتطوّره.
ج ـ قلّة مستخدمي الأنترنت في العالم العربي والّذي قُدّر في أحسن حالاته بعشرة ملايين مستخدم, قلّة منهم يسعون وراء الثّقافة الهادفة.
هذه الصّعوبات هي غيض من فيض, فالعمل الإلكتروني العربي مازال في مرحلة الهواية إن صحّ التّعبير, ولم ينتقل بعد لمرحلة الإحتراف والتّخصص.
أمّا المحرر الصّحفي الملتزم, ونقصد بالملتزم هو ذلك المحرر الّذي يملك فكراً ورسالة ما, غايتها الإصلاح والعمل لرفعة الأمّة وتقدّمها, وهو يعمل على ايصالها للقرّاء بكلّ الوسائل المناسبة, فهذا تقع على عاتقه مهمّة كبيرة, على اعتبار أنّه المسؤول الأوّل عن جذب أكبر عدد ممكن من القرّاء للموقع الّذي يعمل فيه, وعليه ايصال الرّسالة الّتي يسعى للتّعريف بها, وهذا يتطلّب منه:
1 ـ مزيداً من التّخصّص والإحتراف في عمله.
2 ـ الإلمام بآخر التّطوّرات الفنيّة والتّقنيّة الّتي تساعده على تحسين عمله وتطويره.
3 ـ قدراً معقولاً من التّفرّغ والاهتمام, حتّى يستطيع التّركيز على عمله مما ينعكس بصورة إيجابيّة أكثر, سواء على شكل العمل أو على مضمونه.



4 ـ الاستعداد لتقديم أفضل ما عنده من خبرات وامكانات, في سبيل الغاية الّتي يسعى إليها, وهذا يُظهر مدى حبّه لما يقوم به, ومدى ايمانه بالرّسالة الّتي يريد توصيلها للقرّاء.
5 ـ وبالطبع فإنّ هذا المطلوب من المحرر الصّحفي لن يستطيع القيام به ما لم يكن عنده حصيلة علميّة وثقافيّة, سواء منها العامّة, أو المتخصّصة بقواعد التّحرير الصّحفي.
توصيات وتوجيهات عمليّة للمتدرّبين
ويقدّم الموقع الإلكتروني عادة رسالته للقارئ مستخدماً الأنواع الصّحفيّة المختلفة, كالخبر, والتّعليق, والتّقرير, والتّحقيق, والحوار, والمقال, وهذا يحمّل المحررين العاملين في الموقع مسؤوليّة كبيرة, تتمثّل في وجوب سعيهم الدّائم لتّطوير عملهم وزيادة ثقافتهم المهنيّة.
وكما نعلم فإنّ جودة التّحرير الصّحفي, وحسن العرض للموضوعات, والقدرة على تغطية جوانب الحياة المختلفة, بصدق ومنطقيّة وحرفيّة, كلّ هذا يضمن للموقع البقاء والاستمرار والتّطوّر, ويكسبه السّمعة الحسنة, والثّقة من القرّاء, مما ينقله من مجرد موقع صحفي ينقل الأخبار, إلى موقع فاعل ومؤثّر ومنبّه لعقول القرّاء, يفسّر, ويحلّل, ويقيّم الأحداث والأفكار في كافّة المجالات الّتي تمّس الأمّة وتقدّمها, مما يساهم في توعية القرّاء, ودفعهم للمساهمة بالإصلاح المنشود.
ومن خلال العرض السّريع السّابق لموضوع محاضرتنا, يمكن أن نلمس أهميّة أن يلتزم المحررون في الموقع بعدّة أمور أهمّها:
1 ـ المعرفة التّامة بمفهوم التّحرير الصّحفي وخصائصه وأهميّته بالنّسبة للموقع, فالتّحرير الصّحفي هو عمليّة ابداعيّة, تتطلّب فهماً عميقاً للواقع, ومهارة صحفيّة جيدة, لأنّ إنجاز مهمّة التّحرير لا تقتصر فقط على الكتابة والتّنسيق الجيّد للأنواع الصحفيّة, ولكنّه يشمل أموراً أخرى, أبرزها اختيار الموضوع, وتحديد الهدف من نشره, وتحديد النّوع الصّحفي الّذي يناسبه, واختيار أسلوب المعالجة المناسب, مع الحرص على سلامة اللغة والخلو من الأخطاء, سواء المعلوماتيّة منها أو اللغويّة أوالنّحويّة أوالعروضيّة.
فالتّحرير الصّحفي هو عمليّة فكريّة, وليس مهنة يمكن أن يقوم بها أي شخص, فالمحرر الملتزم يجب أن يكون لديه معرفة عميقة شاملة, واهتمام بما يقدّمه للقرّاء, ويجب أن يكون عنده استعداد واستجابة لمشاركات القرّاء, وقدرة على فهم وجهة نظر الآخرين.
2 ـ التّمييز المتقن بين الأنواع الصّحفيّة المختلفة, مع معرفة مزاياها, وكيفيّة إعدادها, فالأنواع الصّحفيّة وعلى الرّغم من أنّها تشترك في معظمها بعناصر أساسيّة واحدة, هي: الموضوع المعالج, الحقائق والوقائع والمعلومات الّتي يقدّمها النّوع الصّحفي حول الموضوع المعالج, الوصف والشّرح, التّحليل والتّفسير, الرّأي أو الموقف, أسلوب المعالجة, المستوى اللغوي, العامل الذّاتي الّذي تمثّله شخصيّة الصّحفي المحرر, والحجم أو المساحة المخصّصة للنّشر. ولكن يوجد لكلّ نوع صحفي أصول وقواعد لتحريره, لا تتناقض مع الأساس الفكري للنّتاج الصّحفي, ولكنّها تساهم في تقديم المضامين الفكريّة بطريقة مؤثّرة ومقنعة.
3 ـ الإهتمام بالعنوان على اعتباره الجزء الأوّل الّذي يراه القارئ في المادّة المقروءة, وتبدأ عمليّة ابداع العناوين بتحديد الأفكار والوقائع والآراء الّتي سيتضمنها النّوع الصّحفي, ثمّ بتحديد الشّكل الفني المناسب من نوعيّة الخطوط وأحجامها وألوانها إلخ....لإبراز هذا المضمون. ويجب أن يكون العنوان قادراً على إعطاء فكرة عامّة عن المضمون, دون أن يكشفه كلّه, كما يجب مراعاة أن يكون مثيراً لإهتمام القارئ حتّى يجذبه لقراءة المادّة, وهنا يجب إلتزام الصّدق والبعد عن التّهويل الفارغ, بل يجب أن يقدّم صورة صادقة ومحترمة للقارئ, فلا يجوز خداع القارئ باختيار عنوان بعيد عن مضمون المادّة, ويجب أن يكون العنوان واضحاً ومحدداً ومختصراً.
4 ـ إنّ التّطوّر التّقني الّذي يقدّمه الأنترنت كوسيلة إعلاميّة, يتيح للمحرر الاستعانة بوسائل وتقنيّات هائلة, من صور وأصوات وخطوط .....إلخ, ويحرره من النّمطيّة المعتادة الّتي يلتزمها محررو الوسائل الإعلاميّة الأخرى.
وحتّى يستطيع المحرر الاستفادة من هذه التّقنيّات يجب عليه معرفة طرق استخدامها ومزاياها, ومدى ملائمتها لكلّ نوع من الأنواع الصّحفيّة المختلفة, فالتّقرير الصّحفي مثلاً كنوع صحفي, لابدّ فيه من الاستعانة بالصّور والرّسومات مثل المجسّمات والخرائط والجداول البيانيّة, الّتي تعتبر جزءً من بنية التّحقيق الصّحفي لا يمكن الاستغناء عنها أثناءه. وتشكّل الصّورة الفوتوغرافيّة في الحديث الصّحفي جزءً مهمّاً منه أيضاً. ويمكن للمحرر استخدام تقنيّات متنوّعة تتناسب مع المادّة المنشورة, فيمكن استخدام الصّوت مع الحديث الصّحفي مثلاً.
5 ـ وبما أنّ الموقع الصحفي, يتلقّى مساهمات من القرّاء, فيجب على المحررين العاملين فيه أن يحسنوا تصنيف هذه المواد حسب أنواعها الصّحفيّة بصورة متقنة, كما يجب عليهم الإهتمام بمضمون المادّة, والتأكّد من خلوها من الأخطاء على اختلافها, سواء المعلوماتيّة منها كما قلنا, أو اللغويّة, والاهتمام بعلامات التّرقيم, والانتباه إلى تقطيع المادّة بصورة تُظهر ترتيب الأفكار الواردة في الموضوع. ويتطلّب هذا من المحررين إلماماً بالموضوع الّذي يحررونه, واهتماماً باللغة العربيّة وقواعدها, وبالطّبع فإنّ هذا يحمّلهم مسؤوليّة تثقيف أنفسهم.
6 ـ إنّ عبارة " المقالات تعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع" هي عبارة عامّة, لا تلغي مسؤوليّة المحررين عمّا يُنشر في الموقع من مواد, وليس المطلوب هو إلزام الكتّاب بمواضيع معيّنة, أو تبنّي آرائهم, ولكنّ المطلوب هو احترام الآراء الّتي تُنشر في الموقع, وضبط التّعليقات الّتي تأتي على الموضوع المنشور, بصورة ترتقي بأسلوب الحوار, فتبعده عن الإسفاف والمهاترات والشّتائم. فالمحرر الملتزم يجب أن يعمل على تثقيف الناس, وتوعيتهم, وإصلاحهم, بصورة لا تصادر آراءهم, ولا تلغي حريّتهم, ولكن تشذبها وتهذّبها, وهذا يتطلّب من المحرر قدراً كبيراً من التّفهّم لوجهات النّظر الأخرى, فيبتعد عن الأنانيّة والانحياز, ويلتزم بالعقلانيّة والذّكاء والانفتاح.
7 ـ إنّ المتصفّح للمواقع الصّحفيّة الالكترونيّة يلمس مدى تشابهها, فالمواضيع متشابهة, ومصدر الأخبار واحد تقريباً, وطرق تقديم المواد متشابهة أيضاً, وطبعاً ليس التّميّز هو غاية بحد ذاته, ولكنّ أهميّته تبرز في تشكيل هويّة خاصّة للموقع, تصير مؤثّرة في المجتمع وفي القرّاء لغاية الإصلاح. ويمكن تحقيق هذا التّميّز عن طريق الإهتمام بالرّأي, وتقديم تحليلات موفّقة للأحداث.
وهنا يجب العمل على جذب الكتّاب المتخصّصين ذوي الكفاءات العالية للكتابة في الموقع, وهذا لا يتم بالإغراءات الماليّة طبعاً, ولكنّه يتم عن طريق جعل الموقع هو موقع النّخبة, ولن يكون ذلك إلّا بالإنسجام والتّعاون الكامل, والإحساس بالمسؤوليّة, بين جميع العاملين في الموقع, سواء المحررين منهم, أو المسؤولين والإداريين, أو التّقنيين والفنيين, واجتماعهم على هدف واحد, وغاية واحدة, ورسالة واحدة يسعون لايصالها للقارئ.
فالمحرر الصّحفي لا يستطيع أن يقوم بالعمل وحده, مهما امتلك من مهارة وكفاءة وذكاء ونشاط, لأنّ العمل الصّحفي يقوم على عنصر المشاركة والتّعاون بين الجميع.
8 ـ وأخيراً أؤكّد على أمر مرّ ذكره في حديثنا, وهو وجوب سعي المحرر لامتلاك ثقافة وعلم, تؤهّلانه لتحمّل مسؤوليّة التّحرير, ويجب عليه أن يسعى لتطوير عمله, حتّى يصل إلى درجة عالية من الاتقان والاحتراف.
فإذا كان هدف بعض المحررين هو الوصول لمكاسب دنيوية تافهة, فإنّ هدف المحررين العاملين في موقع كموقعنا, يجب أن يكون هدفاً سامياً, غايته المساهمة في إصلاح المجتمع وتوعية النّاس.


hgjpvdv hgwptd td uwv hgYughl hgvrld