لم تعد التكنولوجيا مطلباً فقط للمعرفة والتقدم، وإن كان بالأصل الهدفُ منها عند مؤسسيها وصانعيها هو: التقدم والاختراع والابتكار...الخ، بل تعدت ذلك إلى أن صارت وسيلة مهمة في حياتنا الخاصة والعامة للتسلية والترفيه وحتى التعلم ونقل الثقافات والآراء، هذا تحوّل جيد لو قرأناه كما قرأناه، ولكن لو تعمقنا أكثر ونظرنا لواقعنا لوجدناه مغايراً تماماً.
موضوع نقاشي لليوم :(التلفاز).
هذه الكتلة التي كانت في بادئ أمرها كتلة حديدية واجهتها زجاجية ترينا الصورة بالأبيض والأسود والحركة السريعة المصحوبة باللغة الصامتة، حيث لم تتعد في أول الأمر عدد قنواتها قناتين أو ثلاثة، وحيث كانت جهازاً ترفيهيا لا يملكه سوى عدد محدود جداً من أبناء الدول القادرين على امتلاكه، وحيث كان مادةً لا ضرورة لوجودها أبداً عند الكثير من الدول العربية بل عند غالبيتهم فكان يكفيهم جهاز الراديو أو المذياع الخشبي الذي كان يجمع أبناء الحي كلهم ظهراً لسماع نشرة الأخبار، ومساءً على صوت العرب يجمعهم صوت أم كلثوم وأسمهان، صار اليوم أكثر من ذلك بكثير، ربما كان هدف رب البيت حين اشتراه رؤية الأخبار وبعض البرامج الترفيهية لصغاره، هذا ولا شك كان الهدف منه، ولكن هل فعلاً بقي كذلك؟!
هذا الجهاز لم يعد كما كان وسيلة للترفيه ورؤية العالم الخارجي والتعرف إليه وعليه، بل صار وسيلة أخرى أشبه بالمدفعية، أي أن وجه الشبه هو: التدمير والتخريب والتخويف، ولكن الاختلاف بسيط وهو: دون دم، ودون قتل للنفس أي بطريقة(حرة، ديمقراطية!!) فصار هو الوسيلة الأولى للدول الساعية نحو التخريب والسيطرة والغزو الثقافي والمعرفي، وخاصة هذه السنوات الأخيرة حيث عدد القنوات الفضائية تجاوز 6000 قناة توجه برامجها نحو سائر بقاع الأرض! وقد ازداد الطين بله حين دخل *DISH* و DIGITAL DISH** الأماكن الفقيرة المعدومة، فأن ترى في دولة نسبة الفقر فيها تشكل 95% هذا اللاقط فوق أسطح منازلها التي بالكاد تستطيع حمل نفسها ليس بغريبٍ في عصر العولمة والهيلمة.
هذه المقدمة البسيطة تحتاج لمكملة ولاشك، فبالرغم من حلول الحاسب الآلي وسحبه البساط الأحمر من تحت أقدام أخيه التلفاز، ودخوله تقريباً كل مجالات الحياة، إلا أن هذا لم يؤخر التلفاز عن عمله الدءوب في تقديم البرامج الإعلامية 24ساعة/24 ساعة.
*يقول Anneè Dorr : (إن الطفل في هذه الأيام له ثلاثة آباء هم: الوالد والوالدة والتلفاز).
مقولة تستحق الوقوف عندها، وهنا أبدأ بسرد رأيي.
أولاً من الناحية الإعلامية:
إن الناس اليوم لا يعتبرون التلفاز وسيلة ثقافية أبداً، حتى ولو بدا ذلك جلياً في كلامهم، ولكن في مثل هكذا مواضيع لا نأخذ بالنوايا، بل ننظر إلى الفعل.
لا شك أن كل واحدٍ منا يتابع التلفاز متابعة يومية لأكثر من ساعتين، هاتين الساعتين هل نجني فيهما ثقافة أو معرفة أو إطلاعاً يقدمنا؟ أم أن ما نجنيه فيهما هو ذاته الذي نجنيه أثناء نومنا؟
إن المشاهد للتلفاز ينظر إليه على أساس أنه وسيلة للتسلية والترفيه تماماً كالحاسب..(هم أخوة، هل من منكر؟؟).
وهناك دراسات وأبحاث كثيرة تؤكد أن أكثر من 90% من مشاهدي هذا الجهاز يقومون بأعمال تزجهم في غياهب بعيدة كل البعد عن المعرفة والثقافة، حيث أن كل ما يقومون به هو: رؤية هذه الصورة التي تتحرك أمام أعينهم، وأن أكثر من 20% يشاهدون البرامج السياسية والثقافية فقط، لأنهم مشاركين فيها أو أن أصدقاءهم كذلك، وأن الكثير منهم يشاهدون البرامج الثقافية فقط لأنها تهم مصلحتهم الخاصة، كمتابعي برامج السوق وأحواله من التجار، فهم يتابعون هذه البرامج لأن هذا عملهم، يريدون أن يعرفوا ما هي حال السوق حتى يصرفوا منتجاتهم، طبعا هذا ليس بعيبٍ أبداً، وبالمقابل هناك نسبة كبيرة جدا من المشاهدين هذا البرنامج وذاك فقط لارتباط وجداني بينهم وبين المقدم أو الضيف!!
والكارثة الأكبر: متابعي برامج الفن من شبابنا وحتى رجالنا ونسائنا، يتابعونها فقط لأن( تامر حسني هو الضيف، أو أن نانسي هي الضيفة) دون النظر والتمعن في الهدف الذي قد أعد له هذا البرنامج.
هذا الجهاز( اللعين) صار يحمل إلى عقولنا أفكاراً غريبة تدس دساً لا نشعر بها ولم نشعر بها جميعا للآن رغم أن الكثيرين قد تعرضوا لمخاطرها، والجميل في الموضوع أننا نعي هذه المخاطر، ولكننا نضربها بعرض الحائط.
ربما سمعنا عن المسلسل(هيركيوليز) الذي كان يتابعه الصغار والكبار منا- ربما لا يبث الآن- كان الجميع منا ينتظرونه كما ينتظرون –الآن- باب الحارة، صغارا وكبارا ويستمتعون بمشاهدته، ويركزون فيه تركيزاً دقيقاً، وبالمناسبة هو مسلسل فكرته كلها وهدف كله يهودي في يهودي، فحينما اشتعلت الحرب وقام البطل بمحاولة لاستعادة المدينة السليبة، وخسر كل أحبابه ولم يجنِ غير موتهم وفقدهم، صار يتحسر على هذا، فاتجه إلى أبيه كي يرجع الوقت، وحينما فعل، قال البطل (هرقل): "لا تواجهوا أعداءكم بالقوة، بل خذوهم بالمحبة، وما الضير في أن تغسلوا أقدامهم عند الحاجة؟!!".
طبعا المقصود من العبارة واضح جلي.
حسن، ربما يقول الكبار منا: "قد تعودنا على هذه المسلسلات وقد صارت مغروزة فينا، ونحن نعرف ما نشاهده، وإما نريد أن نعرف ما يقدم حتى لا نسمح لصغارنا بمتابعة الأشياء التافهة!!)
لا بأس..(كل واحد عقله في راسه وبيعرف خلاصه)
نأتي للأطفال..
ما نحو 6 فضائيات على مدار (النايل سات) هي قنوات موجهة ومعدة للأطفال، فلنترك جانباً القناة الجديدة (طيور الجنة)..وبشكل عام فلننظر إلى المواد الموجهة لهم، لا أقصد برنامج الدرب، أو مدينة المعلومات أو ما شابههما، وإنما الرسوم المتحركة، وهنا وفي كلمة قصيرة وبسيطة بالنسبة للقنوات المدسوسة، كقناة (MBC3) منذ يومين شاهدت برنامج (مين الأقوى) يشبه برنامج الدرب...ولكن على منهج آخر مختلف مختل متخلف، فأن يسأل سؤال تافه لأطفال أعمارهم 12 سنة عن اسم الفيلم الذي مثله (عادل إمام) !! كالتالي:
اسم الفيلم الذي قدمه عادل إمام كان..التجربة
1- خير برهان
2- الدنامركية

والجميل أن المتسابقين أجابوا على السؤال بسرعة ودون تلكؤ...بينما عجزوا عن إجابة أسئلة أخرى تافهة!!! لا تسأل لطفل عمره 7 سنوات.
ياااااااااااااااااااااااا اااااااااااااااااه.لا تعليق
ونقطة وسطر جديد أفتحه للنقاش.
معروف عند الجميع أن الأطفال من سن عامين حتى عشر سنين يكون مهيئاً للتلقي والحفظ، فهو كالصفحة البيضاء تماماً، بل وأشبه بالصندوق الصغير الواسع، يستقبل كل شيء ويخزنه، وهناك من يشبهه بالمعدة(معدة العرب)، ولكن أنا أشبه بذاكرة الحاسوب.
ذاكرة الحاسوب تحفظ كل شيء وتستعيده كذلك،ولكن يمكن أيضاً أن تتلف، هذا صحيح..لكن لم تلفت؟؟ (لا تقولي: صينية..ولا هندية) والجواب طبعاً معروف.
هذا الطفل الذي نقدم له الرسوم المتحركة التي هي أصلاً (دخيل) على ثقافتنا وهويتنا، فمن ينكر أن أكثر من 95% منها أجنبية؟ وأن غالبيتها أمريكية ثم يابانية وكندية وغيرها؟؟



هذه البرامج الأمريكية لا شك أنها تتبع ثقافة وطنها الأم، هذه الثقافة هي ثقافة: ليبرالية رأسمالية، فينشأ الطفل عليها ويتربى على هذا المفهوم، هو فقط لا أحد غيره، كل ما في يده ملكه الخاص.
إن هذه البرامج لهي برامج قادرة أكثر من الأم على التأثير على الطفل وتوجيهه وإقناعه بما تحمله من نتائج سلبية وإيجابية على حد سواء، تستطيع أن تؤثر في نفسية الطفل وحالته وتصرفاته.
إذن للتلفاز أثره الكبير على الطفل، وهذه الآثار تظهر بوضوح عليه من خلال تحديد تصرفاته واتجاهاته، فالتلفاز لم يعد فقط وسيلة ترفيه وضحك حتى لدى الصغار، فلو بدأ هذا الصغير بمشاهدة الجيد من الرسوم المتحركة، والأهل مطمئنون له (عادي...رسوم متحركة!!) لا شك أن دافعا ما يدفعه إلى مشاهدة البقية، حتى ولو بالخفاء، لأنه يريد أن يعرف ماذا بين هذا المسموح المباح وذاك المحرم الممنوع؟ دافع حب الاستطلاع والاكتشاف، هذا جميل أن يمتلكه الطفل منذ صغره، ولكن..من الذي يضمن لنا أن لا يتوجه الطفل إلى ما هو سلبي منه؟
إن هذه الدوافع إن لم تجد من يوجهها توجيها واعياً بالطرق السليمة فإنها ستؤدي بالصغير إلى مهالك قد لا نستطيع إخراجه منها، قد يهوّل القارئ هذا الكلام إلى حد كبير، ولكنها الحقيقة، فكما أسلفت أن الطفل كالصفحة البيضاء نقطة حبر واحدة فقط تؤثر فيها وتبقى دون أن تزول، أو تزول بصعوبة..فلم لا نتجنبها منذ البداية حتى لا نعاني بعد ذلك؟

كلنا يعرف أن الرسوم المتحركة يرجع تاريخ ميلادها للعام 1907م، حين ابتكرها عالم أو فنان مجهول أمريكي الأصل من سكان نيويورك، ثم بدأت تطور شيئا فشيئا على يد بلاتكون ،ثم ويزني صاحب المسلسل الشهير دونالد وميكي ماوس وبعدها توم وجيري الذي لا يزال يعرض للآن بعد أن كان أول عرض له في عام 1940م.
وكثيرة هي الأفلام المتحركة التي تعرض على سبيستون و MBC3. هاتان القناتان العربيتان اللتان تبثان من أرض إسلامية، لا تزالان –وغيرهما أيضا- متكئتين على العصا الأمريكية والبريطانية والكندية في استيراد هذه المواد الإعلامية الملعونة الهوية والأصل، والتي عملت بشكل كبير على تجسيد تلك الأفكار الواردة في هذه المسلسلات وزرعها في أذهان الأطفال.
والكارثة التي ستؤدي بعد فترة وجيزة بنا إلى حفرة الوحل، هي: الدبلجة..!
فنستورد ونقوم بتعريب الفيلم الكرتوني، ونقل الفكرة بشكل أسهل وسلسل إلى عقول أطفالنا من غير عناء!
صحيح أننا نجد المتعة فيها الكبار قبل الصغار في أثناء مشاهدتها، إلا أنها تبقى كالضمادة تعصب عيوننا وكالمخدر يخدر عقولنا، فلا نفكر فيما نشاهده..
إلكم هذه:

كلنا يعرف توم وجيري ومشاكستها لبعضهما البعض، والكل يحضرها ويعرف كل حلقة منها..لكن، لم لا ننتبه إلى أنها سيئة أيضا؟ إلى جانب أنها ممتعة؟

ljn dsjtdr Yughlkh?>>>