شيئا تعلمته في السجن


في تلك الحفلة التي يقيمها صلاح لزملاء عمله .. دخل أبن عمه "أحمد" ذو الهيبة والملامح الجافة وتوقف لوحده في أحد زوايا القاعة غير مهتم للحاضرين بعيد دون أن يختلط معهم , كانت شخصيته شامخة جذابة مما لفت نظر أحد الحضور والذي أعجب به وظل يراقبه لفترة قصيرة حتى قرر أن يذهب إليه ويلقي عليه التحية ويتقرب منه .

وعندما وصل إليه ألقى عليه التحية :
- السلام عليك ؟

أجابه بصوته الهادئ الخشن :
- عليك السلام يا هذا , أهلا وسهلا بك .

سأله الرجل مستفسرا :
- من أنت يا هذا ؟ لم يسبق لي أن رأيتك من قبل ؟

أجابه :



- نعم .. نعم , أنني أحمد قريب صلاح .

الرجل :
- أتشرف بك في الحقيقة .. ولكن هل لي ان اسألك عن سبب وقوفك وحيدا منعزلا عن الجميع ؟ لما لا تختلط بالحضور ؟

بعد صمت أجابه :
- هذا شيئا تعلمته في السجن .. ألا أتدخل في شؤون غيري وأن أنشغل بنفسي .. أنا لا أعرف أحدا هنا فلماذا أتحدث في اشياء لا تخصني .. فأنا لا أحب الكذب والتباهي .. ولولا أن صلاح أصر علي بالحضور لما حضرت .

أرتعب الرجل قليلا بعدما عرف أنه ذو سوابق , ورغم ذلك ألا أن ازداد به أعجابً .. فلقد علم بأن هذه الملامح والهيبة التي يتمتع بها لم تأتي من فراغ بل خلفها جرائم واسرار , فظل يتكلم معه لوهلة من الوقت دون أن يسأله عن سبب سجنه , حتى أنقضى عليهما زمن قصير وقام المسؤولون عن الحفل بتوزيع طعام العشاء .

وبينما كان أحمد يأكل نظر إلى الرجل وسأله بغضب :
- لماذا وضعوا لنا القليل من الطعام ؟

الرجل :
- لا أعرف , حتى أنا تفاجأت من ذلك .

قال له أحمد تعال معي .. وبالفعل ذهبوا إلى المسؤولون عن توزيع الطعام وراح يصرخ عليهم ويهينهم ويصفهم بالبخل وسوء الأدارة .. حتى وضعوا لهم الكثير من الطعام , فقال له الرجل :
- ما فعلته شيئا جيد .. وينم عن شخصيتك القوية !

أحمد :
- نعم .. أنه شيئا تعلمته في السجن ألا تسكت عن حقك مهما كان صغيرا ولو فعلت ذلك وسكت عنه فلن يحترمك أحد .. سيتلاعب بك الجميع قوي كان أو ضعيفا لأنك في نظرهم جبانً تتنازل عن حقك .

أعجب الرجل بكلامه وفلسفته مما جعله في فضولً ليعرف جريمته التي أدخلته السجن .. وبعد تردد طويلا وخوف .. قال :
- هل تسمح لي بسؤال ؟ ولكن أرجو ألا يغضبك ؟

أحمد :
- تفضل .. اسأل !

الرجل :
- ما سبب دخولك السجن ؟

أحمد :
- لا أريد التحدث عن ذلك .. تلك أيام ولت ومضت ونسيتها .. وأحاول البدء من جديد .

سكت بعدها أحمد لبرهة من الوقت ثم قال له :
- أرجو أن تعذرني الآن .. فلدي موعد مع أحد رفاقي وأريد أن أذهب لمقابلته .. لذا استأذن منك .

وبعد رحيله ظل الرجل منبهرا به ومعجب بشخصيته ومبادئه , ألا أن الحيرة قد غلبت على تفكيره لأنه يريد معرفة ماضيه وتاريخه والحياة التي عاشها وجعلته هكذا . لحظات حتى رأى صلاح وحيدا فأستغل الفرصة وذهب إليه بسرعة يسأله ويستفسر منه :
- يا صلاح ! لما لم تخبرني عن قريبك أحمد ؟

أجابه :
- ولماذا ؟

الرجل :
- لا أخفيك .. أنني معجب بشخصيته جدا , هيبته وغموضه وكل شيئا فيه , لقد أخبرني عن دخوله السجن وكيف تعلم هناك اشياء تنفعه في هذه الدنيا .

صلاح :
- نعم .. نعم .

الرجل :
- يبدو أن له صولات وجولات في هذه الحياة جعلته يحمل أكبر الشهادات منها .. تبا يا رجل أبن عمك حكيم وفيلسوف , أرجو ألا تكون خجلً من دخوله السجن ؟

صلاح :
- لا .. بالطبع لا .. لست خجل من ذلك .

الرجل :
- ولكن أخبرني كم سنة قضاها في السجن ؟ وما جريمته ؟

ظل صلاح في هدوء وصمت للحظات .. قال بعدها مبتسما :
- في الحقيقة لم يسجن عدا مرة واحدة في حياته .. وكانت لمدة ساعتين فقط .. لأنه قطع أشارة مرور .. فأخرجته بكفالة لأنه كان يبكي ويصيح خشية أن يضربوه السجناء ويغتصبونه .... فلا تأخذ بكل مايقوله على محمل الجد .



adzh juglji td hgs[k