اللغة تعبير عن واقع الحضارة، فإن هبطت هبطت اللغة، والعرب اليوم في انحطاط، ولذا فاللغة العربية مهددة بالزوال، كما كان العرب مهددين بالزوال.
والزوال ليس عضويا بل ثقافيا، ولذا تحدث القرآن عن موت الأمم، وهو غير موت الأفراد، فقال: لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
وفي يوم وجدت الأمة الغالية والقرطاجية والفرعونية، وحاليا لا يوجد فرد واحد ينطق بالديموطيقية أو الهيروغليفية.
وقد يحدث هذا مع اللغة العربية، فتتحول إلى لغة الكهنة مع الطقوس الدينية، كما يقرأ البنغالي والهندي والسندي والتركي القرآن ولا يفهم منه كلمة.
وحاليا توجد في العالم ستة آلاف لغة تنقرض بأسرع من انقراض الحيوانات النادرة والحشرات الغريبة وفصائل النمل والفراشات، ويتم كل ذلك على حساب امتداد مجموعة من عدة لغات لأمم تنتج المعرفة وتكتسح العالم بثقافتها، كما هو الحال مع اللغة الإنجليزية والماندرين.
ولأن اللغة العربية لا تنتج المعرفة فهي في طريقها إلى الموت، مثل أي مريض مدنف شارف على الموت. وفي يوم كان يطلق على الدولة العثمانية الرجل المريض، حتى قام كمال أتاتورك بتوزيع دعوة النعوة ودفن الخلافة بعد أن لم تبق خلافة وعمامة.
وأتاتورك أحقر من أن يدفن خلافة، رجفت لها أوربا قرونا وامتدت بأفضل من الإمبراطورية الرومانية، ولكنها آجال الأمم، فكما خرت جثة سليمان بفعل دابة الأرض، فقد قام كمال أتاتورك بقضم منسأة الخلافة فخرت جثة متعفنة.
والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون.
وهذه الرؤية ليست تشاؤمية، بل تقرير أزمة وجودية تهدد الثقافة العربية.
وأذكر يوما من تجربتي الشخصية في بلد خليجي أنه وأثناء تفقد السجلات الطبية، راع الطبيب الهندي، المكلف بوظيفة المدير الطبي، أن يقرأ اللسان العربي في سجلاتي الطبية، بجنب اللغة الإنجليزية، وأنا أحسن الإنجليزية، وأتقن الألمانية على نحو أفضل، بجنب اللاتينية، ولا تعجزني الكتابة باللغة الأجنبية؟! ولكنني أكتب باللغة العربية في بلد عربي، وهو أمر اعتدت عليه، لقناعتي بأن أقرب الأشياء إلى الإنسان ثلاثة: لغته ودينه واسمه!! وباعتباري في بلد عربي، فأول واجب العروبة الكتابة بالعربية!!
هكذا خيل إلي، ولم أعرف معنى الاستلاب الكامل، حتى جاءتني رسالة المدير الطبي الهندي تحذر وتنذر، وتلفت نظري إلى هذا الخطأ الفادح؟
قال في خطابه: إن اللغة العربية غير مصرح بها، أي أن اللغة العربية غير مسموح بها في هذا البلد العربي الأمين؟
وهنا، أدركت أن محنة اللغة العربية متعددة الجوانب مثل كل محن العربان..
وفي يوم، كنت استمع إلى حوار بين طبيب نيجيري ومريض سعودي وهو يسأله عن شكواه؟ فكانت مسرحية كوميدية تعجز عنها الأوبرا الفرنسية، لأن السعودي كان يتكلم باللهجة المحلية، ولم تكن عربية فصحى!! والطبيب النيجيري يشتغل عقله على ثلاث موجات، لفهم الكلمات بثلاث ترجمات: الأولى من العربية إلى الإنجليزية، والثانية من العربية باللهجة المحلية إلى الفصحى، والثالثة من لغة الثقافة إلى لغة المصطلحات الطبية؛ فعليه أن يعرف أن كلمة (حمّ) هي ارتفاع الحرارة، وأن (الكتمة) هي ضيق النفس، وعليه أن يفك سر كلمة (الفحمة) التي تعني السواد باللغة العربية، ولكنها شكوى عند المريض تشير إلى قلبه.
ونفس النيجيري أو الهندي ـ وهم كثرـ يتكلمون الإنجليزية بطريقتهم الخاصة، فيرطنون بالإنجليزية المكسرة من سهول كيرلا وساحل العاج وغابات الكونغو برازافيل.
وهذا معناه أنه يجب إضافة ترجمة رابعة إلى الترجمات الثلاث السابقة من إنجليزية ويلز ونيويورك إلى الإنجليزية النيجيرية أو الإنجليزية الهندية بلكنة كيرلا وهضاب هندوستان ومرتفعات نيبال وجزر الملايو والفلبين!!
كنت أراقب هذه الكوميديا وأتذكر رحلتي للاختصاص في ألمانيا، ومعهد غوته لتعلم اللغة الألمانية.
كنا نقرأ الإعلانات تقدم عروضا إلى الأطباء الأجانب، كما هو الحال في دول الخليج، ولكنهم كانوا يكتبون في الإعلان بشكل واضح أن شرط الفوز بالوظيفة ومعها الراتب المضمون هو:التمكن من اللغة الألمانية كتابة ونطقا (Beherschung der deutschen Sprache in Wort und Schrift).
وأول ما بدأت به رحلتي في ألمانيا هو الإمساك بمفتاح كل المفاتيح، أي اللغة، فمن نطق الألمانية فتح المجتمع الألماني بابه على مصراعيه أمامه.
وهكذا، ذهبنا إلى دورة مكثفة في معهد (جوته) في الجنوب الألماني، وكان يمكن في دول الخليج، مثلا، أن تـُنشأ معاهد للغة العربية، كشرط لعمل أي قادم إلى هذه البلاد لكسب رزقه، سواء من مانهاتن في أمريكا أو من جزر اليابان وساحل العاج وغواتيمالا وسخالين.
ونحن في ألمانيا نطقنا الألمانية في ثلاثة أشهر، وتمكنا منها في ستة أشهر، واعتلينا صهوة البيان في ثلاث سنوات.
وما زلت أقرأ في الثقافة الألمانية بعد مغادرتي لها بربع قرن؟؟
وما زلت أستفيد من اللغة الألمانية في الثقافة أكثر من الطب.
والواقع أن دول الخليج لو اعتمدت سياسة التعريب ببطء، لنشرت اللغة العربية في العالمين، فهناك ربما ستون جنسية مستوردة إلى المنطقة.
والاتصال هو ميزة بني آدم، فلا يمكن أن يعالج طبيب مريضا إذا لم يفهم عنه ما يعانيه، ولا يمكن استقدام ترجمان في كل مرة ومكان.
وعدد المرات التي طلبت فيها للفصل بين الطبيب والمريض ألا يستأصل مرارة بدون مبرر، ولا يفتح بطنا دون التأكد، أو يجرح لإزالة فتق في الجنب الغلط.
واليوم يشتغل الواقع بطريقته الخاصة، فإذا لم يتعلم الناس العربية الجيدة فلسوف ينطقون العربية المكسرة.
وهكذا، ولدت لغة بحكم الواقع هي عربية وعجمية في نفس الوقت، وهي من أعجب الكلام، فالعامل البنغالي مثلا يقول: أنا في كلام أنت في معلوم؟ يقصد أنه يتحدث وأن الآخر فهم عنه.
وعندما يراجع الإنسان تاريخ قوة اللغات وانتشارها من ضعفها وانقراضها، فإن هذا يرجع إلى قوة الحضارة.
واليوم، تظهر قناة الديسكفري لغات لم يعد يتكلم بها أكثر من 150 شخصا كما في لغة المايا في غواتيمالا.
ومقابل ذلك، فقد تم إحياء اللغة العبرية بعد أن كانت ميتة، في الوقت الذي تقتل فيه العربية وهي حية.



وتنقرض عشرات اللغات في السنة، فلا يبقى إلا الأفراد الذين يتكلمون بها.
وهناك حاليا ستة آلاف لغة على وجه الأرض، في ستة مليارات من البشر، ولكن بعد نصف قرن قد لا تتبقى إلا المئات منها. وهناك مشروع حجر رشيد لحفظ اللغات في الأنترنيت..
وقصة اللغة العربية تحكي قصة التفوق الحضاري أو الهزيمة.
وابن خلدون في «المقدمة» عقد فصلا عجيبا بعنوان «فصل في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده».
ويعلل ابن خلدون ذلك بأن «النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم»..
ثم يروي ابن خلدون كيفية سريان هذه القاعدة على تقليد الناس لأهل الحاميات العسكرية فيقول: «وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان لأنهم الغالبون لهم».
ثم يستشهد بواقعة من هذا النوع لاحظها في أهل الأندلس في زمانه فيقول: «كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل والجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله».
وكلام ابن خلدون ينطبق على موضوع اللغة.
وجامعة دمشق حاولت تعريب الطب، ولكنها دخلت معركة خاسرة، وزادها بوارا انتقال زمام هذه المحاولة إلى يد البعثيين الشوفينيين الخائبين الذين محقت البركة مع حضورهم، كما في حضور الشياطين المجالس، فما وضعوا يدهم في شيء إلا نكب وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش..
وأما في المغرب فقد تحولت العربية إلى خليط لغات تكاد لا تفقه لهم قولا!!
تأمل هذه الفقرة من جريدة «المساء» المغربية صفحة (ركن الجواج) أي الزواج:
«هجالة بالدارجة تاعنا. كان يكول لي المرحوم مال سنانك ديما بايتين في الزنقة. مشيت عند طبيب الأسنان باش نقادهم، كال لي المشكلة عندك في لاماشوار اللي خارجة بزاف»؟
أو أفي صفحة الكاريكاتير السياسي

l,sl hkrvhq hggym hguvfdm