بهرني ذلك الرجل البسيط وهو يصحح لي بلهجة واثقة قائلاً: إنها تكنولوجيا يا سيدي وليست تقنية، وعندما سألته عن الفرق، صدمني قوله: أنتج تكنولوجيا وسمها ما شئت شرط أن تنتجها وتمارسها،.. أمارسها؟ سألت.. ومع ابتسامة غير نخبوية وساخرة قال: لك يا عمي شو الثقافة؟ آ..؟.. استطرد: الثقافة هي ثمرة علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، فإذا كانت هذه العلاقة سوية، ظهرت ثقافة سوية، وإذا لم تكن فعلى الدنيا السلام.
هكذا وبهذه الحدية؟ أجاب (لكن شو؟) السيارة التي تعمل بالبنزين لا تستطيع تشغيلها على الحطب مع أن الاثنين ينتجان النار ولكن (هي شي وهي شي)، استطرد: لك يا عمي نحن العرب ما بنصدق حتى نرى، يعني البراد تكنولوجيا والصاروخ والكومبيوتر تكنولوجيا لأننا نستطيع إبصارها ولمسها، بس القانون والمؤسسات والإدارة والأحزاب مو تكنولوجيا بالنسبة لنا لأنها ليست مصنوعة في مصانع!!! نحن وين والعالم وين،... يهز رأسه ويغادر وكأنه صفحة على شاشة الكومبيوتر اختفت.
هكذا وبكل بساطة يطرق دماغك عابر سبيل يرمي الأسئلة الملتهبة بين فصي دماغك ويذهب، ليس لأن هذه الأسئلة جديدة، ولكن درجة اعتقاده بصحتها هو ما يجعلها كذلك، حيث وبمقارنة عاجلة بين وصفة الرجل العابر والواقع، نلحظ مدى الذكاء الثقافي الذي يجعله يقدم هذا الاعتراف المضني، نعم إنها كذلك علاقة سوية بين الإنسان والتكنولوجيا... فمع اختراع كل شيء منذ النار والدولاب والطنجرة كان هناك تغير في الثقافة، ينبع عنه أداء جديد للإنسان الاجتماعي، فالتكنولوجيا هي تجميع وتوظيف المعرفة البشرية في أشكال تحمل مضامين ووظائف، ويمكن لهذه الأشكال أن تكون ذهنية أو مجردة، ولكن لها فعل الآلة تماماً، ويمكن رصدها ورصد نتائجها أثناء عملها، وتقييمه وتعديل مردودها إلى الأجدى في لحظتها الراهنة.
إلى هنا والمسألة تبدو ليست ذات بال، فالتكنولوجيات موجودة وعلمها موجود ويمكن الحصول عليها استيراداً أو اختراعاً، ولكن ماذا عن العلاقة السوية معها هل تكمن العقدة هنا؟!، فالتكنولوجيا صماء باردة محايدة صادقة، والإنسان الاجتماعي لهلوب ذكي يستطيع أن يجبرها ويأخذ منها ما يريد فقط وليس ما يمكن أن تقدم له!!!



ما زلنا كمجتمعات عربية شعوباً وسلطات نبحث عن علاقة سوية مع التكنولوجيا، مع أننا لم نصدق حتى الآن أن التكنولوجيا صماء باردة صادقة ومحايدة ودقيقة، لذلك نستبدل اسمها بالتقنية، علَّ تعريب هذه المفردة وبهذه الطريقة، يبيح لنا مجموعة كبيرة من الاستثناءات والاستبدالات في محاولة لتشغيل هذه (التقنية) (على كيفنا)، وفيما بعد، وعند تفحص المنتجات، يظهر أنها لا تعجبنا وربما أتت بعكس ما أردنا أو توقعنا، وللأهم أنها بغير فائدة ترجى (فنحط الحق عليها) أو على الطليان، ونعود لنقرأ في نشرتها الفنية أو في دفتر طرق تشغيلها، ونهز رأسنا بأسف... ليس هناك من علاقة سوية، فهذه التقنيات تتناقض وخصوصياتنا لذلك سامحونا على التخلف.

j;k,g,[dh>>> jrkdm