مثل الصياد والصدَفة
كان صياد في بعض الخلجان يصيد ذات يوم في الماء إذ أبصر صَدَفةً فتوهمها شيئاً، فألقى شبكته فاشتملت على سمكة كانت قريبا منها فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة. فما أخرجها وجدها فارغة فندم على ما في يده وتأسف على ما فاته. ولما كان في اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان ورمى شبكته فأصاب حوتاً صغيراً فحاول أخذه ورأى أيضاً صدفة سنيّة فلم يلتفت إليها وساء ظنه بها وتركها. فاجتاز بعض الصيادين بذلك المكان فرآها وأخذها فوجد فيها درة تساوي مبلغاً وافراً.
وكذلك الجهال على إغفال أمر التفكّر والاغترار في أمر هذا الكتاب وترك الوقوف على أسرار معانيه والأخذ بظاهره دون الأخذ بباطنه. فقد قالت العلماء: إن مثل هذا الرجل الذي يظفر بعلم الفلسفة ويصرف همه إلى ابواب الهزل، كرجل أصاب روضة هواؤها صحيح وتربتها طيبة فزرعها وسقاها حتى إذا قرب خيرها وأينعت، تشاغل عن ثمرها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوك فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجمل عائدة.
وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدهما ما قصد من وضعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهل الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم، لأن هذا هو الغرض بالنوادر من الحيوانات. والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساً لقلوب الملوك ويكون حرصهم أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطل، فيخلق على مرور الأيام بل ينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا.



والغرض الرابع، وهو الأقصى، وذلك يخص الفيلسوف خاصة، أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة.

leg hgwdh] ,hgw]Qtm