أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)

قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية) رأينا أن الواقع متحرك، وأن هذه الحركة الشاملة ترتدي صورتين: كمية وكيفية، مرتبطة كل منهما بالأخرى ارتباطا ضروريا. ولكن لماذا توجد الحركة؟ وما الدافع



قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)


النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)

     
    قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)


    رأينا أن الواقع متحرك، وأن هذه الحركة الشاملة ترتدي صورتين: كمية وكيفية، مرتبطة كل منهما بالأخرى ارتباطا ضروريا. ولكن لماذا توجد الحركة؟ وما الدافع للتغيير وتحول الكمية إلى كيفية والانتقال من صفة إلى صفة جديدة؟ يحمل الجواب على هذا السؤال الميزة الرابعة للجدلية. وهي قانون الجدلية الأساسي الذي يفسر لنا سبب الحركة. وسوف يظهر مثال ملموس هذا القانون.
    ادرس الفلسفة الماركسية، المادية الجدلية. ولا يمكن هذا الا إذا كنت مدركا لجهلي، وأريد أن أتغلب على هذا الجهل وأن اكسب المعرفة. فالدافع لدرسي والشرط الأساسي لتقدمي في الدرس هو النضال بين جهلي وبين رغبتي في التغلب على هذا الجهل، وهو التناقض بين ادراكي لجهلي ورغبتي في التخلص من هذا الجهل. وليس هذا النضال بين الأضداد، وهذا التناقض، بخارجين عن الدرس. فإذا كنت أتقدم في درسي فبقدر استمرار هذا التناقض. ولا شك أن كل كسب جديد يتخلل درسي هو حل لهذا التناقض (أعلم اليوم ما كنت أجهله بالأمس): ولكن يطرأ بعد هذا الكسب تناقض جديد بين ما أعرفه وما أدرك أني أجهله: ينشأ عنه جهد جديد في الدرس وحل جديد يتبعه تقدم جديد. ومن يعتقد أنه يعرف كل شيء لن يتقدم قط لأنه لن يحاول التغلب على جهله. ومبدأ هذه الحركة التي هي الدرس، كما أن الدافع للإنتقال التدريجي من معرفة ضيقة إلى معرفة أوسع، هو النضال بين الأضداد، النضال بين جهلي (من جهة) وبين ادراكي لوجوب التغلب على جهلي (من جهة ثانية).

    2 – ميزة الجدلية الرابعة

    تعتمد الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، على القول بأن أشياء الطبيعة وظواهرها تحتوي على تناقضات داخلية، لأنها تحتوي جميعها على جانب سلبي وجانب إيجابي فلها ماض ولها مستقبل؛ وفيها جميعا عناصر تزول أو تنمو، وأن النضال بين هذه الأضداد، بين القديم والحديث، بين ما يموت وما يولد، بين ما يزول وما ينمو ويتطور هو المحتوي الداخلي لعملية التطور وتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية[1].
    وسوف تتيح لنا دراسة التناقض، كمبدأ للنمو والتطور، تبين ميزاته الأساسية وهي أن التناقض داخلي، وأنه مجدد، وأن هناك وحدة بين الأضداد.
    3 – ميزات التناقض

    أ) التناقض داخلي

    رأينا أن الواقع هو حركة، غير أن الحركة هي نتيجة لتناقض ونضال بين الاضداد. هذا التناقض وهذا النضال هما داخليان. أي أنهما ليسا خارجين على الحركة بل هما جوهر هذه الحركة.
    فهل هذا القول تأكيد اعتباطي؟ كلا. لأن القليل من التفكير يطلعنا على أنه لولا التناقض في العالم لما تغير العالم فلو أن الذرة لم تكن الا بذرة لظلت بذرة دائما. غير أن البذرة تملك القوة على التحول لأنها تصير فيما بعد شجرة. وهكذا تخرج الشجرة من البذرة بعد أن تختفي هذه البذرة. كذلك شأن كل واقع، وإذا كان الواقع يتغير فلانه في جوهره ذاته وشيئا اخر غير هذه الذات. فلماذا تسير الحياة، بعد أن أعطت ورودها وثمارها، نحو الموت؟ تتحول الحياة إلى موت لأن الحياة تحمل في أحشائها تناقضا داخليا، ولأن الحياة نضال يومي ضد الموت (تموت في كل لحظة خلايا بينما تحل محلها خلايا أخرى حتى يتغلب الموت عليها). يعارض الميتافيزيقي الحياة بالموت على أنهما مطلقان دون أن يرى الوحدة التي تجمع بينهما وهي وحدة القوى المتناقضة. ذلك لأن العالم الخالي من كل تناقض انما هو عالم مصيره إلى أن يعيد نفسه دون أن يعرف التجديد. وهكذا يكون التناقض داخل كل تغير.
    سبب كل نمو أساسي للأشياء انما لا يكون خارج هذه الأشياء بل داخلها، في طبيعة الأشياء المتناقضة، فلكل شيء ولكل ظاهرة تناقضاتها الداخلية الكائنة فيها. وهذه التناقضات هي التي تولد حركة الأشياء ونموها، وهكذا تكون التناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي الأسباب الرئيسية لنموها[2].
    ولقد قال لينين “النمو هو نضال الاضداد[3]“
    أو ليس هذا الرجل الذي يدرس هو جاهل ومحتاج للمعرفة في نفس الوقت؟ فهو يمثل في درسه النضال بين هاتين القوتين المتناقضتين. ذلك هو جوهر الإنسان الذي يدرس.
    واذ ما عدنا إلى العملية التي عرضناها في الدرس السابق وهي تحول الماء إلى ثلج أو إلى بخار ماء لرأينا أنه يمكن تفسير مثل هذا التحول بوجود تناقض داخلي: تناقض بين قوى الانسجام بين جزيئات الماء من جهة، وبين حركة كل جزيء الخاصة به من جهة ثانية (وهي طاقة تدفع الجزيئات إلى التفرق)؛ أي التناقض بين قوى الانسجام والتفريق. ولا شك أن هذا النضال لا يبدو إذا نظرنا إلى الماء السائل بين درجتي صفر ومئة بل يبدو كل شيء ساكنا. وكل ما يبدو هو سكون حالة السائل. غير أن المظهر الخارجي يخفي الحقيقة والجوهر أي النضال بين قوى الانسجام وقوى التفريق. وهذا التناقض الداخلي هو المحتوي الحقيقي لحالة السائل. كما أن التناقض يفسر لنا تحول الماء المفاجيء إلى ماء جامد أو إلى بخار ماء. ولا يمكن الانتقال الكيفي إلى حالة جديدة الا بانتصار احدى هاتين القوتين على الاخرى. فتنتصر قوة التفريق في حالة تحول السائل إلى بخار، ولا يقضي هذا الانتصار على القوى المعارضة بل يغير من صفتها. فتصبح، في حالة التجمد، حركة الجزيئات الجانب السلبي (أو الثانوي)؛ وفي حالة الغاز، تصبح النزعة إلى الأنسجام الجانب السلبي (أو الثانوي).
    فالماء، مهما كانت حالته الحالية، هو نضال بين قوى متناقضة وهي قوى داخلية، وبهذا تفسر تحولات الماء.
    هل يعني هذا إن الظروف الخارجية المحيطة لا تقوم بأي دور؟ كلا. فلقد دلتنا دراسة القانون الأول للجدلية (كل شيء مرتبط بالأخر) على أنه لا يجب أن نعزل الواقع عن ظروفه المحيطة به. ففي حالة الماء، هناك شرط خارجي ضروري لتحويل الحالة وهو هبوط الحرارة أو ارتفاعها إذ أن ارتفاع الحرارة يجعل من الممكن ازدياد طاقة الجزيئات من الحركة أي ازدياد سرعتها. بينما يؤثر انخفاض الحرارة تأثيرا عكسيا. ولكن يجب أن لا ننسى أنه لو لم يكن هناك تناقضات داخلية في داخل الشيء (في الماء مثلا)، كما رأينا ذلك سابقا، فأن الظروف الخارجية تفقد تأثيرها. ولهذا تعتبر الجدلية اكتشاف التناقضات الداخلية الكامنة في العملية التي درسناها، التي تفسر لنا نوعية هذه العملية، شيئا أساسيا. فالتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها انما هي اسباب ثانوية[4].
    وهذا ما لا يرضاه الذهن الميتافيزيقي، فهو مجبر على تفسير جميع التغييرات بواسطة تدخلات خارجية، لأنه يجهل التناقضات الداخلية التي تكون الواقع وتدفع إلى التغير الكيفي. وذلك أما بواسطة “أسباب” آلهية (الله “خلق” الحياة والفكر والممالك) أو بواسطة أسباب اصطناعية: فهناك رجال مفضلون يملكون قدرة عجيبة تمكنهم من تغيير الأشياء؛ وهؤلاء هم “الدعاة” الذين “يصنعون” الثورة، و “يغرسون بذورها”. الخ.. وهكذا يرجع بعض المفكرين الرجعيين ثورة 1789 إلى التأثير السيء لبعض الرعاة الأشرار. وكذلك شأن الثورة الاشتراكية التي حدثت في تشرين الأول سنة 1917؛ بينما تدلل الجدلية ، على العكس، بصورة علمية، أن الثورة، كحل للمشاكل التي تعترض سبيل النمو الاجتماعي لا بد منها إذا كان هناك تناقض داخلي يكون هذا المجتمع؛ وهو التناقض بين الطبقات المتنازعة. وما الثورة الا نتيجة هذا التناقض الذي يمر بعدة مراحل؛ ولهذا ليست الثورة من صنع الله أو الشيطان.
    ويجب علينا أن لا ننسى مهمة كل من التناقضات الداخلية كأسباب أساسية ومهمة الظروف الخارجية كأسباب ثانوية. لأنها تفسر لنا أن “الثورة لا تورَّد” إذ لا يمكن أن يكون التحول الكيفي نتيجة مباشرة لتدخل خارجي. ولهذا غيَّر وجود الاتحاد السوفياتي وتقدمه الظروف العامة لنضال البروليتاريا في البلاد الرأسمالية، ولكن لا يمكن، لوجود الاتحاد السوفياتي أو تقدمه، أن يولد الاشتراكية في البلاد الأخرى. لأن ازدياد نضال الطبقات الخاص بكل بلد رأسمالي وازدياد التناقضات الداخلية التي يمتاز بها كل بلد رأسمالي يمكن أن يؤديا إلى انقلابات ثورية في هذه البلاد. ولهذا كان ستالين يردد غالبا، قوله “سوف يقوم كل بلد، لو أراد، بثورته، ولن تقوم الثورة إذا لم يردها”. وكذلك الأمر في لعب الطفل إذ لن تجدي جميع الوسائل لحمله على المشي إذا لم يسمح له نموه الداخلي العضوي بالمشي.
    وهكذا نرى أن ميزة التناقض الداخلية التي يلح عليها ستالين في سرده للميزة الرابعة للجدلية لها مغزى عملي كبير.

    ب) – التناقض مجدد

    لو عدنا إلى نص ستالين للقانون لرأينا أنه يعتبر نضال الاضداد “كنضال بين القديم والحديث، بين ما يموت وما يولد، بين ما يزول وما ينمو”.
    ويزداد نضال الأضداد مع الزمن. ولقد رأينا (في الدرس الثالث) أن للعالم الفيزيائي تاريخه كما للمجتمعات وللطبيعة الحية. وهكذا تكشف التحولات الكيفية، في مرحلة معينة من مراحل تاريخها، عن جوانب جديدة هي ثمرة الانتصار على القديم. ولا يمكن هذا إلا لأن قوى التجديد قد ازدادت كما ازدادت علاقات الإنتاج المتعلقة بها داخل المجتمع القديم الإقطاعي وبالرغم عنه، فنشأ عن ذلك المجتمع الرأسمالي، وكذلك ينشأ اليافع عن الطفل وبالرغم عنه، كما ينشأ البالغ من اليافع وبالرغم عنه. لا يكفي اذن الاكتفاء بادراك الطابع الداخلي للتناقض بل يجب أن ندرك أيضا أن هذا التناقض هو نضال بين القديم والحديث وأن الحديث يولد من أحشاء القديم، وأنه ينمو بالرغم عنه. وينحل هذا التناقض حين يتغلب الحديث نهائياً على القديم. فيبدو عندئذ طابع التناقضات الداخلية المجدد وخصبها. ويصنع المستقبل خلال النضال ضد الماضي، وليس هناك من نصر بدون نضال. يجهل الميتافيزيقي قدرة التناقض المجددة، فهو يعتقد أن التناقض لا يأتي بشيء مفيد. وهو يرى في التناقض ضربا من العبث لأنه ينظر إلى الكون نظرة ثابتة وهو يريد أن يظل الكائن (سواء كان طبيعة أم مجتمعا) على ما هو عليه. ولذلك يسعى لإزالة هذا التناقض. كما يرى الميتافيزيقي في الأزمات الاقتصادية، التي يعتبرها الجدليون دلائل ظاهرة على التناقضات الداخلية الاساسية في الرأسمالية، أمراضا عابرة، كما أنه يرى في نضال الطبقات عارضا مؤسفا سببه اهمال “الدعاة”. يعلم الجدلي أنه حيث يوجد التناقض يوجد الخصب والتجديد والأمل في انتصاره. فنضال الطبقات يبشر بميلاد مجتمع جديد. ولهذا يعمل الجدلي على إيجاد الظروف المناسبة لازدياد هذا النضال الخصب؛ فلا تخيفه مقاومة قوى الماضي لأنه يعلم أن قوى المستقبل تظهر في النضال كما يدل عليه تاريخ الحركة العمالية. ولهذا كانت مهمة الاشتراكية الديمقراطية الأساسية الأبتعاد بالقوى الثورية عن النضال عاملة على افساد هذه القوى وتعقيمها. ويحفل تاريخ العلوم والفنون بالأمثلة التي تدل على خصب التناقض. اذ أن الاكتشافات العظيمة انما هي ثمرة لحل التناقض بين النظريات القديمة والوقائع التجريبية الجديدة. مثال: أثارت تجربة توريشلي تناقضا خصبا بين الواقعة المشاهدة (وهي أن الزئبق الموجود في الأنبوب المقلوب على الوعاء يهبط لعلو معين يختلف حسب الارتفاع عن سطح البحر، وفوقه الفراغ) وبين الفكرة القديمة (وهي أن الطبيعة لا تعرف الفراغ). وتعجز الفكرة القديمة عن تفسير كيف أن مستوى الزئبق في الأنبوب يختلف باختلاف الارتفاع عن سطح البحر. ويحل هذا التناقض اكتشاف الضغط الجوي.وكل تغير كيفي هو حل مثمر لتناقض. ويبدو خصب التناقض في كتب جوركي. فلقد انقلبت “الأم” إلى ثورية في نضالها ضد أفكارها البالية كامرأة مستسلمة للاضطهاد. (وهذا تناقض داخلي يزداد بفضل الظروف الخارجية فتقتدي بابنها المناضل الثوري). كما أن بطرس زالوموف، المحرض على المظاهرة العمالية في أول أيار سنة 1902 في سورموفو، وهو بطل الكتاب، يصرح معتزا إلى المحكمة القيصرية: لقد آلم العمال الاختلاف بين الحياة التي يطمحون إليها وبين الحياة التي يعيشونها في المجتمع، فأخذوا يبحثون عن الوسائل التي تمكنهم من الخروج من الوضع المقيت الذي قدره لهم ما في النظام الحالي من نقص[5]“.
    ويفسر لنا زالوموف كيف استطاع، بواسطة نضاله المستميت للتغلب على هذا التناقض، أن يتحول من عامل يائس إلى رجل جديد ثوري. قلنا في مطلع هذا الدرس أن الرجل الذي يدرس العلم يتقدم في دراسته بحل التناقضات التي يثيرها الدرس باستمرار. وكذلك شأن المناضل الثوري الذي يعرف خصب قوة التناقض فانه يسير على هدى قول موريس توريز: “النقد والنقد الذاتي هما خبزنا اليومي”: نقد ما يقوم به الرفاق من عمل، ونقد كل منا لما يقوم هو به من عمل (النقد الذاتي). ويعتقد العامل، وقد تأثر بأفكار الاشتراكية الديمقراطية، أن النقد الذاتي هو خزي واستسلام. والصحيح أن النقد الذاتي يعتمد على نظرة علمية للعمل الثوري. إذ يهيء المناضل، بواسطة النقد الذاتي، الظروف المواتية للنضال من أجل انتصار الجديد على القديم في وعيه هو وفي نشاطه اليومي. ولهذا كان رفض الانتقاد الذاتي، ليس حفاظا على الكرامة، بل إفسادا لإمكانياتنا في التقدم، وحكما علينا بالتقهقر، وانحطاطا بماهيتنا. لأن ممارسة النقد والنقد الذاتي هي التي كونت الحزب الشيوعي (البولشفيكي) بزعامة لينين وستالين[6]، كما أنقذ موريس توريز، بواسطة هذه الممارسة، الحزب الشيوعي الفرنسي، خلال سنوات 1930، من الهوة التي كاد يتردى فيها على يد جماعة باربيه - سيلور[7].

    ج) – وحدة الأضداد

    لا يوجد تناقض الا بوجود النضال بين قوتين على الأقل. ولهذا يحتوي التناقض على طرفين يتعارضان: فهو الوحدة بين الأضداد وهذه ميزة ثالثة للتناقض. فلندرسها بعناية.
    لا معنى، في نظر الميتافيزيقي، للحديث عن وحدة الأضداد. فهو يعتبر، مثلا، العلم، من جهة، والجهل، من جهة ثانية. بينما لاحظنا أن كل علم انما هو نضال ضد الجهل. ولقد لاحظ لينين “أنه لا يمكن استنفاد موضوع “المعرفة”: فليس هناك، إذن، علم مطلق، بل يبقى هناك دائما شيء تجب معرفته. وهكذا يحتوي كل علم على جانب من الجهل. وكذلك ليس هناك جهل مطلق: ذلك لأن أجهل الناس له احساسات كما له عادة في الحياة وتجربة أولية (والا لما تمكن من الحياة). كل ذلك يكون بذرة للمعرفة.
    وإذا كانت الأضداد تتحارب فانها لا ينفصل كل منها عن الأخر. ولهذا لا توجد البرجوازية في ذاتها. بل وجد أولا، وسط المجتمع الإقطاعي، البرجوازية المناضلة ضد الطبقة الإقطاعية. كما وجد، وسط المجتمع الرأسمالي، البرجوازية ضد البروليتاريا. إذ لا يمكن وضع الاضداد كل منها على حدة. لأنه متى زالت البروليتاريا كطبقة مستغَلَّة زالت معها البرجوازية كطبقة مستغِلة[8].
    وعدم انفصال الاضداد أمر موضوعي تأباه الميتافيزيقا. ولهذا تشجع البرجوازية النظريات الميتافيزيقية التي تدعي، مثلا، “القضاء على ظروف حياة البروليتاريا” (لا سيما باشتراك العمل مع رأس المال)، مع الاحتفاظ بالبرجوازية! فهل يمكن أن توجد برجوازية رأسمالية بدون وجود بروليتاريا تكدح من أجلها!
    لا تفصل الجدلية بين الأضداد ابدا؛ بل هي تنظر إليها في وحدتها التي لا تنفصم. “لا موت بدون الحياة؛ ولا حياة بدون الموت. لا انخفاض بدون العلو؛ ولا علو بدون الانخفاض. لا سعادة بدون شقاء؛ ولا شقاء بدون السعادة، لا صعوبة بدون سهولة، ولا سهولة بدون الصعوبة. لا زارع بدون ملاك زراعي، ولا بروليتاريا بدون برجوازية. ولا برجوازية بدون بروليتاريا. لا مستعمرات ونصف مستعمرات بدون النير الوطني الاستعماري، ولا نير وطني استعماري بدون المستعمرات، وكذلك الحال مع جميع الأضداد التي تتعارض في ظروف معينة من جهة، وهي من جهة ثانية، مرتبطة بعضها ببعض، فيتداخل بعضها ببعض ويتعلق بعضها بالبعض الآخر[9]“.
    تعني هذه الصلة المتبادلة أن الضد أ يؤثر في ضده ب بقدر ما يؤثر الضد ب في ضده أ، وأن الضد ب يؤثر في ضده أ بقدر تأثير أ في ب. وهكذا لا تتراكم الأضداد بعضها فوق بعض بصورة تجعل الواحد منها يغير الآخر الذي يظل بدون تأثير. ولهذا كانت تقوية البرجوازية اضعافا لضدها، وهي البروليتاريا. وكذلك فأن أضعاف الفكرة الاشتراكية هو تقدم للفكرة البرجوازية. والعكس بالعكس. من الوهم إذن الاعتقاد بأن البرجوازية، تضعف إذا لم تناضل البروليتاريا ضدها باستمرار، لأنها إذا لم تفعل قويت البرجوازية وضعفت البروليتاريا. ويوضح لنا ماركس أنه إذا لم تنتهز الطبقة العاملة جميع الفرص لتحسين حالها “فأنها تنحط إلى مستوى جماعة من الكائنات المضطهدة الجائعة التي لا خلاص لها من شقائها[10]“.
    ويصبح لهذا الوحدة بين الاضداد معنى هام حين تتحول الاضداد بعضها إلى البعض الآخر، لأن كلا من الأضداد يتحول، في ظروف معينة، إلى ضده: فتصبح البرجوازية، وهي الطبقة السائدة، طبقة مسودة كما تصبح البروليتاريا، وهي الطبقة المسودة، طبقة سائدة. وكذلك يتحول الإنسان الجاهل، الذي يدرس العلم، إلى ضده، أي إلى إنسان عالم، بينما يتحول الإنسان العالم، بدوره، وقد اكتشف أنه لا يعلم كل شيء إلى ضده، إلى إنسان جاهل يرغب في التعلم من جديد.“لا تموت الوحدة بين الجوانب المتعارضة في ظاهرة موجودة موضوعيا ولا تتحجر بل هي دائما حية، مشروطة متحركة مؤقتة، نسبية. وتتحول جميع الاضداد، في ظروف معينة، كل منها الى الآخر فيكوِّن انعكاس هذا الوضع في تفكير الإنسان النظرة الجدلية المادية الماركسية للعالم، ولا تعتبر الطبقات السائدة الرجعية التي توجد الآن كما وجدت في الماضي، كما لا تعتبر الميتافيزيقا التي تخدم هذه الطبقات، الاضداد حية، مشروطة، متحركة، يتحول كل منها إلى الآخر بل تعتبرها ميتة، متحجرة، وهي تشيع هذه النظرية الخاطئة في كل مكان فتضلل الجماهير الشعبية لتطيل عهد سيطرتها[11]“.
    ولهذا تعلم البرجوازية الرأسمالية، اليوم، كما علمت الطبقة الإقطاعية في الماضي، أن سيطرتها أبدية، فتلاحق الماركسيين اللينيين الذين، يعملون، حسب ما يقول به العلم الجدلي، تحول الاضداد المتبادل، أي انتصار البروليتاريا المضطهدة الذي لا مفر منه، على الذين يستغلونها.
    ومن المهم، مع ذلك، أن لا نجعل لهذا التحول طابعا آليا. فنحن حين نقول بأن الاضداد يتحول كل منها إلى الآخر لا نعني بذلك مجرد تبدل، متى تم الانتقال فيه من ضد إلى ضد، لم يتغير شيء، فتصبح البرجوازية، وهي الطبقة السائدة، طبقة مسودة، وتتحول البروليتاريا، وهي الطبقة المسودة، إلى طبقة سائدة. إذ أن البروليتاريا طبقة تختلف كل الاختلاف عن البرجوازية، لأن هذه البرجوازية مستغلة بينما البروليتاريا، في ممارستها لدكتاتوريتها الطبقية، لا تستغل أي إنسان بل تعمل على توفير ظروف البناء الاشتراكي. أي أن تحول الاضداد المتبادل يوجد حالة كيفية جديدة، لأنه انتقال من السفلي إلى العلوي فهو بذلك تقدم كبير. ويؤدي تحول الاضداد إلى القضاء عليهما معا، لأن الاشتراكية تقضي على البرجوازية كطبقة مستغِلة. كما تقضي على البروليتاريا كطبقة مستغَلة. ثم تظهر تناقضات جديدة يمتاز بها المجتمع الاشتراكي بعد أن يكون التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا قد ولى.
    ولا معنى لوحدة الاضداد، من جهة ثانية، (وتحولها المتبادل) الا بالنسبة لنضال الاضداد الذي هو جوهر هذه الوحدة، فلا يجب إذن محاولة تحقيق هذا التحول المتبادل للاضداد بصورة اعتباطية إذا لم تتحقق ظروف هذا التحول.
    ولقد صدق ماوتسي تونج في قوله، في النص السابق، أن الاضداد يتحول كل منها إلى الآخر “في ظروف معينة”. فما الذي يحدد هذه الظروف؟ يحددها النضال وميزاته الملموسة. وهكذا تتعلق وحدة الاضداد وتحولها بالنضال، فإذا ما انفصمت وحدة ظهرت وحدة جديدة أخرى، ولكن تفسر جميع مراحل هذه العملية بواسطة النضال.
    وحدة.. الاضداد مشروطة، وقتية، عابرة، نسبية بينما نضال، الأضداد، في قضاء كل منها على الآخر، مطلق كما هو شأن النمو والحركة[12].
    وأن من يجهل أن وحدة الاضداد تقوم وتستمر وتنحل في النضال يتردى في الميتافيزيقا.

    [frame="1 80"]
    [1] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص 7

    [2] ماوتسي تونج: “حول التناقض” في “كراسات الشيوعية عدد 7 – 8 آب سنة 1952 – 781




    [3] لينين: المادية والنزعة التجريبية النقدية.

    [4] ماوتسي تونج: “حول التناقض” في “كراسات الشيوعية” عدد 7 – 8 آب سنة 1952 ص 781

    [5] عائلة زالوموف، ص 221. الناشرون الفرنسيون المتحدون.

    [6] تاريخ الحزب الشيوعي (البولشفيكي) الروسي. خلاصة. مسألة 4 ص 398 – 400

    [7] موريس توريز: أبن الشعب. فصل2

    [8] تفيد دراسة الاقتصاد السياسي الماركسي جدا لدراسة وحدة الأضداد لأننا نجد هذه الوحدة في جميع مستويات الاقتصاد. مثال: الصناعة هي وحدة الأضداد فهي جهة قيمة استعمال (كمنتوج للاستهلاك) وهي، من جهة ثانية، قيمة استبدال (كمنتوج للاستبدال). وهاتان القيمتان ضدان لأن المنتوج لا يمكن استبداله إلا إذا كان غير مستهلك، ولأن المنتوج لا يمكن استهلاكه الا إذا كان غير مستبدل. ولقد بسط ماركس بصورة عبقرية جميع نتائج هذا التناقض الداخلي في “رأس المال” الذي هو رائعة من روائع الجدلية. ونلاحظ أن الوحدة هذه تبدو بوضوح في الأزمات التي تصيب الرأسمالية باستمرار: إذ لا تستطيع الجماهير استلاك ما تنتجه لأن هذه المنتوجات، في النظام الرأسمالي، بضائع، فيجب إذن، كي تستطيع استهلاكها، أن تشتري، أي أن تستبدل المنتوج بالمال.

    [9] ماوتسي تونج: “حول التعارض” في “كراسات الشيوعية” عدد 7 – 8 ، آب سنة 1952، ص 807.

    [10] ماركس: “حول الأجور، والأسعار والرباح” ص 39 المطبوعات الأجتماعية. باريس 1948، “حول العمل المأجور ورأس المال” ص 114 المطبوعات الأجتماعية، باريس 1952.

    [11] ماوتسي تونج “حول التعارض” ص 809.

    [12] لينين: كراسات فلسفية (ذكره ماوتسي تونج: “حول التعارض”).[/frame]

    rhk,k kqhg hgHq]h] (hg[]gdm hglhv;sdm)


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)


 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مقالات فلسفية بالطريقة الجدلية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى الفلسفة 3AS
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 28-12-2014, 11:02
  2. بحث حول الماركسية المحدثة
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-01-2012, 19:14
  3. قانون التحول النوعي ( الجدلية الماركسية )
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:35
  4. قانون التحول الشامل أو النمو المستمر (الجدلية الماركسية)
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:33
  5. قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية)
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:31

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •