قانون التحول الشامل أو النمو المستمر (الجدلية الماركسية)

يروي الفيلسوف فونتونيل قصة وردة كانت تعتقد بأن البستاني مخلد. لماذا؟ لأن الوردة لا تذكر أنها رأت غيره في البستان. وهكذا يفكر الميتافيزيقي فهو ينكر التغير. ومع ذلك تعلمنا التجربة أن كل بستاني هالك كما تهلك الورود. ولا شك أن هناك أشياء تتغير بصورة أبطأ من الوردة، فيستنتج الميتافيزيقي من ذلك أنها خالدة لا تتغير، فيجعل من ثباتها الظاهري شيئا مطلقا، فهو لا يرى من الأشياء الا جانبها الذي تبدو فيه أنها لا تتغير. فتظل الوردة وردة ويظل البستاني بستانيا. أما الجدلية فهي لا تكتفي بالظاهر بل تدرك الأشياء في حركتها، فلقد كانت الوردة برعما قبل أن تصبح وردة فإذا ما نمت تغيرت من ساعة لأخرى بالرغم من أن العين لا ترى شيئا من هذا التغيير، كما أنها ستفقد أوراقها حتما وستتولد وردات أخرى محلها تتفتح بدورها هي أيضاً.
نستطيع أن نجد في حياتنا اليومية ألف مثال على أن كل شيء يتحرك ويتحول.
تبدو هذه التفاحة ثابتة لا تتحرك فوق الطاولة. ومع ذلك سيقول الجدلي: مع أن هذه التفاحة تبدو ثابتة فهي متحركة وهي لن تكون في عشرة أيام ما هي عليه الآن. كانت زهرة قبل أن تصبح تفاحة خضراء، كما أنها ستتحلل مع الزمن وتتساقط بذورها التي إذا ما زرعها البستاني نشأت منها شجرة تحمل عدة تفاحات. كان لدينا في البدء تفاحة واحدة ولدينا الآن العديد من التفاحات. وهكذا يصبح القول بأن الكون لا يعيد نفسه بالرغم من جميع المظاهر.
ومع ذلك يتكلم الكثير من الناس كما تكلمت وردة فونتونيل فيقولون ليس من جديد تحت الشمس، ولسوف يكون هناك دائما أغنياء وفقراء كما سيكون هناك دائما مستغِلون ومستَغلون وأن الحرب أبدية الخ… ولا شيء أمر إلى الاضلال من هذه الحكمة الواهية، ولا شيء أشد خطر منها، فهي تدعو إلى السلبية والعجز والاستسلام. أما الجدلية فهي تعلم، على العكس، أن التغير صفة لازمة للأشياء تلك هي الميزة الثانية للجدلية التي تقول بأن التغير يشمل الكون وأن النمو مستمر.

2 – ميزة الجدلية الثانية

لا تنظر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، إلى الطبيعة على أنها حالة من الهدوء والثبات، والركود وعدم التغير، بل تنظر إليها على أنها حالة من الحركة والتغير الدائمين، والتجدد والنمو المستمرين، حيث يولد كل شيء بينما ينحل شيء آخر ويزول.
ولهذا تريد الجدلية أن لا ينظر إلى الظواهر فقط بالنسبة لعلاقاتها وترابطها بعضها بالبعض بل ينظر إليها أيضاً بالنسبة لحركتها وتغيرها ونموها في ظهورها واختفائها[1].
ولقد رأينا أن كل شيء مترابط: وتلك هي ميزة الجدلية الأولى. ولكن هذا الواقع المتوحد هو حركة أيضا. فليست الحركة مظهرا ثانويا من الواقع وليس هناك الطبيعة يضاف إليها الحركة، أو المجتمع يضاف إليه الحركة بل أن الواقع هو الحركة. تلك هي حال الطبيعة والمجتمع.

3 – في الطبيعة

تشمل الحركة بالمعنى العام، كشكل من أشكال وجود المادة وصفة من صفاتها، جميع التغيرات وما يحدث في الكون من مجرد تغيير المكان حتى التفكير نفسه[2].
والحركة عند ديكارت هي فقط تغيير المكان كالمركب الذي يتحرك أو التفاحة التي تتدحرج على الطاولة. تلك هي الحركة الميكانيكية الآلية. ولكن حقيقة الحركة لا تقتصر على ذلك. فالسيارة تسير بسرعة ستين كيلو مترا في الساعة وهذه حركة آلية (ميكانيكية) ولكن السيارة التي تتحرك تتحول ببطء؛ إذ يبلى محركها آلاتها ودواليبها كما أنها من ناحية ثانية تتأثر بالمطر والشمس. الخ.. وكل هذه أنواع من الحركة. وهكذا ليست السيارة التي قطعت ألف كيلو متر كأول أمرها، بالرغم من أننا نقول بأنها نفس السيارة إذ سوف يأتي وقت تجدد فيه قطعها ويعاد إصلاح هيكلها، الخ… حتى تصبح هذه السيارة لا تصلح للاستعمال.
وكذلك شأن الطبيعة إذ نجد للحركة فيها أوجها متعددة، كتغيير المكان وتحول الطبيعة وكذلك تحول صفات الأشياء (ككهربة جسم من الأجسام أو نمو النباتات وتحول الماء إلى بخار، والكهولة).
كانت الحركة عند نيوتن (1642-1727) العالم الإنجليزي الكبير عبارة عن حركة آلية (ميكانيكية) هي تغير المكان. وهكذا كان الكون أشبه بساعة حائط كبيرة تعيد باستمرار نفس الحركة؛ ولهذا كان يعتبر مدارات الكواكب خالدة. ولقد أدى تقدم العلوم منذ القرن الثامن عشر إلى غنى فكرة الحركة، وقد بدأ ذلك أولا بتحويل الطاقة في مطلع القرن التاسع عشر.
ولنعد إلى مثال السيارة التي تسير فهي إذا ما انطلقت مسرعة في سيرها ارتطمت بشجرة واشتعلت فيها النار. فهل زالت المادة، كلا. إذ أن السيارة المشتعلة هي حقيقة واقعة مادية كالسيارة التي كانت تسرع في سيرها، فهي مظهر جديد للمادة وصفة جديدة لها. لأن المادة لا تزول بل هي تتغير وتتحول، وما تحولاتها هذه سوى تحولات الحركة التي تكون مع المادة شيئا واحدا. فالمادة حركة والحركة مادة، وتعلمنا الفيزياء الحديثة أن الطاقة تتحول لأن الطاقة، وهي كمية من الحركة، تبقى بالرغم من تحولها واتخاذها أشكالا متنوعة.
أما في مثال السيارة التي التهب زيتها بتأثير الضغط فقد تحولت الآن الطاقة الكيميائية، التي كانت تتحول في المحرك إلى طاقة حركية، إلى حرارة (طاقة حرارية). ويمكن للطاقة الحرارية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة حركية فتتحول بذلك حرارة القاطرة إلى حركة تدفع القاطرة
ويمكن للطاقة الآلية أن تتحول إلى طاقة كهربائية فيدير السيل المحرك الكهربائي الذي ينتج الطاقة الكهربائية، كما تتحول الطاقة الكهربائية (التيار) إلى طاقة ميكانيكية تدير المحركات أو أن الطاقة الكهربائية تتحول إلى طاقة حرارية فتمدنا بالتدفئة الكهربائية. كما أن الطاقة الكهربائية تمدنا بالطاقة الكيمائية فيقوم التيار الكهربائي، في بعض الحالات، بتحليل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وكذلك يمكن للطاقة الكيمائية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة كهربائية (البطارية الكهربائية) أو إلى طاقة حرارية (حرق الفحم في الموقد).
وما هذه التحولات الا صور للمادة المتحركة: وهي كما نرى أشد غنى من الانتقال البسيط أو تغيير المحل وأن كانت تحتوي عليهما[3].
وهناك عدا اكتشاف فكرة تحول الطاقة اكتشاف فكرة التطور التي أغنت فكرة الحركة كثيراً.
وقد بدأ ذلك بتطور الكون الفيزيائي أولا؛ فقد اكتشف كل من كانت ولابلاس منذ نهاية القرن الثامن عشر أن الكون له تاريخ. وهو بدلا من أن يعيد نفسه، كما كان يعتقد نيوتن، يتغير ويتحول وما النجوم (ومنها الشمس) والكواكب، (ومنها الأرض) سوى ثمرة تطور هائل لا يزال مستمرا. ولا يكفي القول إذن، مع نيوتن، أن أجزاء الكون تنتقل بل يجب القول بأنها تتحول.
وهكذا يكون للأرض، وهي جزء صغير من الكون، تاريخ طويل (ما يقارب الخمسة مليارات من السنين) يدرسه علم طبقات الأرض (geologie)
وكذلك فأن النجوم تتكون وتنمو وتموت. فقد اكتشف العالم الفلكي الفيزيائي أمبر تسموميان أن هناك نجوما تولد باستمرار.
ولما كان الكون يتوالد باستمرار فهو ليس بحاجة لمحرك أول كما كان يعتقد نيوتن. بل يحمل في أحشائه إمكانياته الخاصة في الحركة والتحول، فهو حركة ذاته.
أما المادة الحية فهي تخضع أيضا لعملية تطور مستمرة. فلقد تكونت، ابتداء من أول مراحل الحياة الفقيرة، أنواع النبات والحيوان. ولذا لم يعد بالإمكان الاعتقاد بالخرافة التي نشرها الدين منذ مئات السنين بأن الله خلق الأنواع مرة واحدة فهي لا تتغير. وبرهن العلم بفضل داروين (في القرن التاسع عشر) أن هذا العديد من الأنواع الحية قد تولد عن عدد صغير من الكائنات البسيطة والعلقات ذات الخلية الواحدة (الخلية هي الوحدة التي ينتج عنها بالتعدد والاختلاف النبات والحيوان[4]) ولقد تكونت هذه العلقات من مضغة البومينية لا شكل لها تغيرت الأنواع ولا تزال تتغير بتأثير التفاعل بينها وبين البيئة[5]. ويخضع الجنس البشري لقانون التطور العظيم.
فلقد نشأ عن الحيوانات الأولى مختلف أنواع الحيوانات وفصائلها حتى انتهى بها الأمر إلى الحيوانات التي يبلغ فيها النظام العصبي أكمل نموه وهي الحيوانات الفقرية؛ ومن ثم أدركت الطبيعة ذاتها في الإنسان[6].
وهكذا تكون الطبيعة – سواء كانت فيزيائية أم حيَّة- عبارة عن حركة. وذلك لأن الحركة هي الصورة التي توجد عليها المادة. ولهذا لم توجد قط مادة بدون حركة ولا يمكن أن توجد قبل هذه المادة. فالحركة موجودة في فضاء الكون وفي الحركة الميكانيكية، واهتزازات الجسيمات في صورة حرارة أو تيار كهربائي أو مغناطيسي، وكذلك نجد الحركة في التحليلات والتركيبات الكيمائية، وفي الحياة العضوية؛ إذ تشارك كل ذرة من المادة في الكون، في كل لحظة، بصورة من صور الحركة هذه أو بعدة صور في نفس الوقت.. ولهذا لا يمكن تصور المادة بدون الحركة كما لا يمكن تصور الحركة بدون مادة[7].
وهكذا فان موضوع العلم يظل واحدا وهو الحركة سواء كان علم فلك أو فيزياء، أو كيمياء، أو علم حياة (بيولوجيا).
ولكن ربما قال قائل: فلماذا، إذن، لا يؤمن جميع العلماء بالمادية الجدلية؟.
كل باحث جدلي في تجربته العيانية؛ فهو لا يستطيع فهم الواقع الا إذا أدركه في حركته. ولكن هذا الباحث الجدلي في التطبيق، يصبح غير جدلي إذا ما فكر في العالم أو إذا ما فكر في تأثيره على العالم لماذا؟ لأنه يعود فيخضع عندئذ لتأثير نظرة ميتافيزيقية عن العالم كالدين أو الفلسفة التي تعلمها في المدرسة. وتعتمد هذه النظرة على السنة القديمة وهي خليط من المعتقدات الذائعة التي تؤثر في العالم دون أن يشعر ولو خيل إليه بأنه حر في تفكيره. وهكذا نجد أن أحد الفيزيائيين لا يحتاج إلى فكرة الله في دراسته التجريبية للذرات ثم إذا به يعود إلى هذه الفكرة عند مخرج مختبره، لأن هذه العقيدة، بالنسبة إليه، لا مجال للشك فيها: كما نجد بيولوجيا آخر خبيرا بدراسة الأجسام الصغيرة.(micro-orgamismes) تتملكه الحيرة كالطفل أمام أقل مشكلة سياسية. هذا البيولوجي وذاك الفيزيائي كلاهما فريسة لتناقض بين الناحية العملية التطبيقية عند العالم وبين نظرتهما إلى العالم. فالناحية العملية جدلية (لأنها لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا كانت جدلية) بينما لا تزال نظرتهما للعالم ميتافيزيقية، ولا تستطيع إلا المادية الجدلية التغلب على هذا التناقض. فهي تمد العالم بنظرة موضوعية عن الكون (الطبيعة والمجتمع) على أنه كل دائم الصيرورة؛ وبهذا يتيح للعالم أن يجعل الناحية العملية عنده في كل مترابط الأجزاء.




4 – في المجتمع

إذا كان حقا أن العالم يتحرك وينمو باستمرار، وإذا كان حقا أن زوال القديم وظهور الجديد قانون عام للتطور والنمو، فأنه من الواضح إذن أنه ليس هناك من نظام اجتماعي أبدي أو مبادىء خالدة للملكية الخاصة والاستغلال؛ كما أنه ليس هناك من أفكار خالدة عن خضوع الفلاحين للملاكين والعمال للرأسماليين.
ولهذا يمكن استبدال النظام الرأسمالي بنظام اشتراكي كما أن النظام الرأسمالي حل محل النظام الإقطاعي في زمانه[8].
وهذه نتيجة جوهرية للصفة الثانية في الجدلية، تقول بأنه ليس هناك من مجتمع أبدي لا يتغير، على عكس ما تقوله الميتافيزيقا، إذ يعتقد الميتافيزيقي أن المجتمع لا يتغير ولا يمكنه أن يتغير لأنه يمثل على الأرض مشروعا إلهيا خالدا فلقد أراد الله هذا النظام الاجتماعي ولهذا كانت ملكية وسائل الإنتاج الخاصة مقدسة؛ كما كان الذين يثورون على هذه الحقيقة المقدسة مخطئون باسم الأخلاق وما عليهم إلا التكفير عن خطيئتهم! فالله هو حامي الملاكين وهو المهيمن على الأعمال الحرة. فإذا ما حدث بعض التغير فما ذلك سوى حادث سيء لا خطر له بل هو حادث عابر، يمكن بعده ـ بل يجب ـ العودة إلى الحالة السابقة السوية وبهذا يصبح للحملة ضد الاتحاد السوفياتي ما يبررها: إذ يجب إعادة الضالين إلى الحظيرة الرأسمالية الخالدة.
وقد لجأت الميتافيزيقا، بعد طردها من ميدان علوم الطبيعة، إلى ميدان علوم الإنسان والمجتمع.
لأنه لو قلنا بأنه يمكن تغيير الطبيعة؛ فأن الإنسان خالد لا يتغير هناك طبيعة إنسانية خالدة بعيوبها التي لا تزول. فما الفائدة إذن من القول بإصلاح المجتمع؟ يا له من وهم خلب…
تلك هي عقيدة الخطيئة الأصلية التي يعظ بها الناس فرنسوا مورياك على صفحات الفيجارو. وهي نظرة خاصة بالمفكر المسيحي. كما تنتشر في بعض الأوساط البرجوازية المتوسطة التي لا تؤمن بالله أو الشيطان فيخيل إليها أنها فوق كل معتقد بال، وهم إذا كانوا لا يذهبون إلى الكنيسة فأنهم يؤمنون بالنظرة الميتافيزيقية التي تجمد الإنسان والتي خلفها لهم الدين منذ آلاف السنين. فإذا بمحرر في جريدة تصدر للمعلمين من الشبان يكتب عن نقص الجنس البشري الأصلي فيتحدث عن كيس الجلد الذي نلزمه طيلة حياتنا. فيا لها من طبيعة إنسانية شقية ترتكب جميع المخازي!
وهذا القول في صالح المستغلين للجنس البشري. وإذا كان هناك من يشكو من هؤلاء المستغلين، فليعلم إذن أن الإنسان خلق هكذا وأنه لا سبيل لتغييره.
وهكذا أصبح اضطهاد الناس وشقاء الفقراء وإعلان الحرب له ما يبرره على مر القرون. إذ يعيد المجتمع ذاته لما لا نهاية لأن الإنسان يظل كما كان. (نلاحظ هنا أن مثل هذه النظرة ترى في الإنسان كائنا بذاته بينما الإنسان في جوهره كائن اجتماعي) ولما كان هذا الإنسان فاسدا كان لا بد من أن يكون المجتمع مرذولا؛ ولا شك أن الدين يقول بأنه يمكننا، لا بل يجب علينا، أن ننقذ أرواح الأفراد. اما فيما يتعلق بالمجتمع فان هذه مسألة أخرى لأنه يجب الامتناع عن أي تحسين لحاله لأنه لا خلاص للإنسان على وجه الأرض.
ولنلاحظ هنا أن هذه الميتافيزيقا المثقلة بعبء السنين هي التي تبرر كل ما يقوم به زعماء الديمقراطية الاشتراكية ضد الإتحاد السوفياتي. ولقد قال ستالين في 26 كانون الثاني سنة 1924.
تقوم عظمة لينين، قبل كل شيء، على أنه اثبت في الواقع، بتأسيسه لجمهورية السوفيات، إلى الجماهير المضطهدة في العالم أجمع، أن الأمل في الخلاص لم ينقض، وأن سيطرة كبار الملاكين والرأسماليين ليست خالدة، وأنه يمكن أقامة حكومة العمال بواسطة جهود العمال أنفسهم، وأنه يجب إقامة هذه الحكومة على الأرض وليس في السماء. وهكذا أشعل لينين في قلوب العمال والفلاحين في العالم أجمع جذوة الأمل في التحرر. وهذا ما يفسر أن اسم لينين قد أصبح أعز اسم على قلوب الجماهير الكادحة المستغَلة.
وهذا ما لا يرضاه بلوم صنيع البرجوازية داخل الحركة العمالية.
وتعتمد النزعة المناهضة للسوفيات، عند الزعماء الاشتراكين، على فلسفة يائسة. فإذا بلينين وستالين والشعب الروسي مجرمون لأنهم أرادوا، لا بل نجحوا في القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وإذا بليون بلوم وجي موليه يكثران من الخطب حول النزعة الاشتراكية المحررة بيد أنهم لا يعتقدون ما يقولون. فلقد روضتهم البرجوازية الرجعية المعتدية فرسخت فيهم عقلية الفاشلين المغلوبين. ولهذا نرى بلوم في كتابه على مستوى الإنسان يعلن تضامنه مع الفاتيكان، كما يعلن الحرب على الشيوعيين، محاولا إقصاءهم عن الأمة القومية. لماذا؟ لأن الشيوعيين يشهدون بأفعالهم عن أيمانهم بتغيير المجتمع كما يرون في الاتحاد السوفياتي المثل الذي يجب أن يحتذيه جميع العمال.
وهذا ما لا يرضى به صنائع البرجوازية، فيعملون جاهدين لأبعاد العمال عن الاتحاد السوفياتي الذي يدلهم على طريق الإصلاح. ولهذا لا يتراجع هؤلاء أمام أية نميمة للتدليل على أنه لم يتغير شيء في الاتحاد السوفياتي، ويصحب ذلك بالضرورة مراقبة كل أدب، يصدر عن الاتحاد السوفياتي، يظهر حقيقة ما غيرته الثورة ومنعه.
وهكذا تبدو فلسفة الاشتراكية الديمقراطية فلسفة ميتافيزيقية صرفة، تقوم على محاربة الحماسة والتضليل وتثبيط همم المناضلين، ولا ادل على ذلك من الجريدة اليومية (Franc-Tireur) أو المجلة الهزلية (Le canard enchaine) إذ نرى أن الفكرة السائدة فيهما في الجد أو السخرية في الخداع أو السباب هي أن لا جدوى من النضال ضد الرأسمالية، والحال سيظل كما كان. لأن أكلة الخوارنة هؤلاء يفكرون بعقلية دينية ولأنهم مقتنعون بعجز الإنسان الأساسي، ولما كانوا هم مفلسين فقد جعلوا التاريخ يفلس أيضاً معهم. ولهذا ظهر الرياء في سخريتهم التي تنم على اليأس والقنوط.
وذلك لأن التغير ليس من صميم حقيقة المجتمع والطبيعة فقط بل أن المجتمع يتطور بصورة أسرع من تطور الكون الطبيعي؛ فلقد توالت على الإنسانية منذ انحلال المجتمع البدائي أربعة أشكال من المجتمعات وهي: مجتمع الرقيق، المجتمع الإقطاعي، المجتمع الرأسمالي والمجتمع الاشتراكي وكان المجتمع الإقطاعي يعتقد بأنه أبدي كما كان رجال الدين يرون فيه عملا من أعمال الله، كما يجعل اليوم الكردينال سبيلمان من شركات الاحتكار الأميركية إرادة الله. ومع ذلك حل محل المجتمع الإقطاعي المجتمع الرأسمالي، كما حل محل المجتمع الرأسمالي المجتمع الاشتراكي، كما يستعد الاتحاد السوفياتي إلى الانتقال لمرحلة أسمى هي مرحلة الشيوعية.
لما كان الإنسان كائنا اجتماعيا فليس هناك من إنسان خالد. أو لم يمت الإنسان الإقطاعي عند مطلع العصور الحديثة في شخص دون كيخوت؟ أما ما يدعي بالأنانية الأصيلة فقد ظهرت مع تقسيم المجتمعات إلى طبقات، فكانت عبادة الذات المشهورة التي تقول بأن الأنا فوق كل شيء ثمرة البرجوازية السائدة التي تجعل من المجتمع مأسدة يتصارع الناس فيها لتحقيق أغراضهم بواسطة الخداع والقوة وأن اضطروا لبناء صرح سعادتهم على شقاء الضعفاء! ومع ذلك ينشأ في المجتمع الرأسمالي نفسه انموذج إنسان جديد لا يرى سعادته الا ضمن سعادة المجتمع، ويجد أسمى نعيمه في النضال من أجل الإنسانية جمعاء ويتحمل في سبيل ذلك أعظم التضحيات. وهكذا تشارك هذه الأم العاملة في شركة رينو بالإضراب من أجل زيادة الأجور مع علمها بأن الجوع سيحل بأطفالها طيلة أيام الإضراب. كما يرفض عمال مرفأ روان، تضامنا مع عمال العالم، سبعة عشر مرة تفريغ الاسلحة المخصصة لمحاربة السوفيات مؤثرين ألم الجوع والحرمان[9].
ليس هناك إذن، إنسان خالد، كما أنه لم يكن هناك خطيئة أصيلة. ولهذا فأن جميع الذين يناضلون، اليوم ضد الرأسمالية يعملون في نفس الوقت على تغيير أنفسهم. وتزداد إنسانيتهم بقدر محاربتهم لنظام غير إنساني، لأن الحقيقة الإنسانية، ككل حقيقة، جدلية. فقد ارتفع الإنسان، عن مستوى الحيوان، بنضال استمر آلاف السنين ضد الطبيعة، وليس هذا النضال في آخر مراحله بل هو لا يزال في أول مراحله كما يقول بولس لانجفين، وليس تاريخ هذا النضال منفصلا عن تاريخ المجتمعات؛ فإذا بنا نعثر هنا، من خلال القانون الثاني للجدلية القائل بأن كل شيء يتغير، على القانون الأول القائل بأن كل شيء مترابط مع غيره إذ لا يمكن فهم الوعي الفردي خارج المجتمع. ولهذا يمكن للإنسان، في بعض الظروف، التقهقر إلى الوراء. إذ تحاول البرجوازية الرجعية، محافظة منها على مصالحها، أن تعود القهقرى بعجلة التاريخ فتظهر الفاشية: فاشية ايزنهور وماك كارتي أو فاشية هتلر. ولكن هذه الفاشية تنحط بالإنسان لأن رجال شرطة هتلر (s.s) الذين اضطهدوا المشردين قد اضطهدوا في نفس الوقت الإنسانية التي لا تزال ترقد في أنفسهم، فهم إذ ما داسوا إنسانية الغير بأرجلهم أنما يدوسونها في أنفسهم أيضا. وليس جانب الصلاح في الإنسان عطية من الله بل هو كسب ناله على مر الأيام. وهذا الكسب هو ما تعرضه البرجوازية، كل يوم للخطر. فإذا بالقنبلة الذرية تسيطر على تفكيرها وإذا بالدولار يحتل ضميرها. ولهذا حق للمحامي عمانوئيل بلوش أن يهتف مساء تنفيذ حكم الإعدام بآل روزنبرج: أن الذين يحكموننا هم حيوانات!.
فكيف لا نعارض قسوة طبقة فاسدة بالرحمة التي تخيم على الإنسانية في المجتمع الاشتراكي؟ تبدو لنا هنا قوة المادة الجدلية التي تضيء طريق الشيوعية وحقيقتها. فلقد دلت أعمال رجال السوفيات الذين تحرروا من الاستغلال على حقيقة التأوهات عن خلود الشقاء. ولهذا ليس هدف قانون الجزاء السوفياتي تأديب المجرم بل تغيير حاله عن طريق العمل الاشتراكي. تحيق بالمجرم في النظام الرأسمالي لطخة عار لا تمحي حتى بعد انقضاء مدة سجنه أما في الاتحاد السوفياتي فلقد وجد الشواذ من الشبان الذين قام على إصلاحهم ماكارانكاو طريق الحياة كما أصبح المجرمون واللصوص مواطنين شرفاء قد تخلصوا من أوزار الماضي، وليس من الصدفة أن زال شذوذ الشبان في الاتحاد السوفياتي بينما هو يزداد في المجتمع الرأسمالي يوما بعد يوم.
فلقد ماتت في المجتمع الاشتراكي فكرة القضاء المحتوم.
ونجد اليوم دليلا رائعا على ذلك عند الأطباء السوفيات زملاء بافلوف. فلقد كان قول التوراة عن المرأة سوف تلدين في الألم يحيق بالأجيال المتتابعة. فإذا بالولادة لم تعد ألما مضنيا في روسيا بفضل دراسة عمل المراكز العصبية دراسة جدلية وتوضيح مشكلة الألم. هكذا تزعزعت الفكرة القديمة القائلة بأن الألم قانون الولادة وأنه ضريبة الخطيئة الأصلية و متعة الجسد. وسوف تنمو الفكرة الجديدة وتنتقل من جيل لجيل بينما تنحل الفكرة القديمة عن الولادة في الألم لتزول إلى الأبد. أما أن يرجع الفضل في مثل هذا الاكتشاف الرائع للأطباء السوفيات فليس هذا من قبيل الصدفة. لأنه عمل علماء جدليين يعتقدون أن ليس في الكائن الإنساني أي عيب أبدي[10].

5 – الخلاصة

أن الاقتصار على جانب واحد من الواقع والاكتفاء بلحظة واحدة من مراحل التطور وكذلك الاعتقاد بأن الماضي لا حاجة به للمستقبل كل ذلك دليل على جهل جدلية الواقع. كما أن من يحكم على أميركا اعتمادا على شخصية الشيخ ماك كارتي فيعتقد بأن مستقبل أميركا سوف يكون صورة مطابقة لما جرى في التاسع عشر من حزيران سنة 1953 (حين نفذ حكم الإعدام بآل روزنبرج) يخطىء خطأ فاحشا. ذلك لأن مستقبل الولايات المتحدة هو بالأحرى من صنع القوى الجديدة التي يحاول المدافعون عن القديم القضاء عليها. ولقد كتب ستالين يقول: أن أهم شيء هو ما يتطور. إذ مهما كانت ضئيلة جرثومة هذا التطور فإنها تحتوي مع ذلك على الحياة، وهذه الحياة هي ما يجب الحفاظ عليه بجميع الوسائل، لأنها تستحق كل عناية. وهكذا فأن نضال أيتيل وجولويوس روزنبرج ضد الجريمة سوف ينتصر بالرغم من أن الجريمة قد اضرت بهما. وكما أن تباشير الصباح تشير بمولد النهار فأن أمثولة آل روزنبرج تبشر بميلاد أميركا عادلة مسالمة. كما قالت ايتيل روزنبرج لأولادها:
لسوف يكون العالم يا بني سعيدا مخصبا فوق قبرينا[11].
أما أولئك الذين قضوا عليهما أملا في إيقاف عجلة التاريخ فلقد حاق بهم الموت أكثر من الأموات.
ينقص الميتافيزيقي الاحساس بالتغير والإحساس بالجديد. وهذه هي ميزة الجدلي في كل حين والتي تهب الماركسي قوته المبدعة الخلاقة. إذ ليست الماركسية عبارة عن مجموعة من الوصفات التي تصلح لكل مكان وزمان بل هي علم التغير والتحول الذي يزداد مع التجربة. ولا يأبه الميتافيزيقي بما يتغير فهو يعتقد بأنه قد حدثت حربان عالميتان، ولهذا فلسوف تتبعهما حرب ثالثة وإذا كان كل شيء يتغير حوله فأنه لا يرى هذا التغير. ولما كانت البرجوازية تحلم بالبقاء فهي تخشى الجدلية التي تدل على أن سيطرة البرجوازية آخذة بالأفول وأن بدت وطيدة الأركان لمن لا يتعمق الأشياء فيحسب ضربات المطارق دليلا على القوة. ولهذا كتب ستالين معلقا على الميزة الثانية للجدلية:
يجب أن لا نعتمد في عملنا على الطبقات الاجتماعية التي لا تتطور وأن كانت تمثل في الوقت الحاضر القوة السائدة، بل على الطبقات الاجتماعية التي تنمو وتتطور لأن المستقبل لها وأن كانت لا تمثل في الوقت الحاضر القوى السائدة[12].
لأن الموقف العلمي لا يقوم على الاكتفاء بما نشاهده أمام أنظارنا بل في فهم ما يموت وما يولد وأن نهتم أكثر ما نهتم بما يولد. وأما المساواة في الاهتمام بهما فأن في ذلك مساً بالواقع وتشويها له لأن الواقع حركة دائمة. ولهذا كان الماركسيون ذوي نظر للمستقبل لأنهم ينظرون لكل واقع حسب صيرورته ولهذا كشف الماركسيون بجدليتهم الصحيحة، منذ البداية، كل ما يتضمنه مشروع مارشال[13] بينما كان الزعماء الاشتراكيون يرحبون بالمشروع على أنه رخاء وازدهار.
ينقد ستالين في كتابه مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي الذين لا يرون الا الظواهر الخارجية ولا يغوصون إلى الأعماق والذين لا يرون القوى الدخيلة، التي وأن كانت تعمل بصورة موقتة وبصورة خفية فأنها تؤثر مع ذلك في تحديد اتجاه الحوادث.
وهذه ملاحظة قيمة لنا جميعا ولا سيما لأوساط العمال، لأن ما يولد وينمو هي وحدة العمال التي توطدت أولا بين العمال الشيوعيين والعمال الاشتراكيين ثم اتسعت فإذا بالثقة في الانتصار القريب تفعم قلوب الجماهير. تلك هي القوة التي لا تقهر والتي، إذا ما انقلب النسيم ريحا عاصفة، ستزيل جميع العقبات. ذلك لأن النضال لتوحيد العمال الذين تختلف آراؤهم وتتحد مصالحهم يتفق وقانون الجدلية الثانية ولقد دل اتساع حركة الإضرابات عام 1953 على اشتراك جميع طوائف العمال في النضال الايجابي.
ونرى المنشق، على عكس ذلك، ميتافيزيقيا. فهو يرفض دعوة زميله للعمل المشترك بحجة أنه اشتراكي أو مسيحي. فهو يجهل بذلك قانون التغير والتحول كما أنه لا يريد أن يرى أن وعي هذا العامل سوف يتغير بتأثير العمل المشترك من أجل تحقيق هدف واحد: ذلك لأن العمل جنبا إلى جنب يقضي على الشكوك والأوهام. أما المنشق فهو يفكر كما لو كان قد علم شيئا دفعة واحدة وهو ينسى أن الإنسان لا يولد ثوريا بل يصبح ثوريا. كما ينسى أن عليه أن يتعلم الشيء الكثير. والثوري الحقيقي هو الجدلي الذي يعمل على تهيئة الظروف الملائمة لتقدم الشيء الجديد. وكلما ازداد عزم الزعماء الاشتراكيين على الحيلولة دون توحيد جبهة العمال، كلما ازداد عزمه على تحقيق هذه الوحدة في موقفه من العمال الاشتراكيين.



[frame="1 80"]

[1] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية ص 405

[2] انجلز: جدلية الطبيعة، ص 75. المطبوعات الاجتماعية.

[3] يقول انجلز: تحتوي كل حركة على حركة ميكانيكية (آلية) (جدلية الطبيعة ص275. المطبوعات الاجتماعية) وهكذا فأن التفاعل الكيمائي يستخدم الذرات التي تكون الجسيمات المادية وهذه الذرات متحركة. كما يحدث في الذرات. داخل النواة، تحركات سريعة تدرسها الفيزياء الذرية. وكذلك لا تنفصل الطاقة الكهربائية عن تنقل الأليكترونات وهي جسيمات صغيرة جداً.

[4] انجلز: لودفيج فورباخ، ص 36، دراسات.. ص 47

[5] تدل أبحاث ميتشورين ورفاقه وتجاربه أنه يمكن في بعض الظروف تحويل نوع إلى نوع آخر.

[6] انجلز: جدلية الطبيعة، ص41. المطبوعات الاجتماعية.

[7] انجلز: ضد دورنج، ص 92. المطبوعات الاجتماعية.

[8] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص8.

[9] راجع حول هذا الموضوع قصص أندريه ستيل الرائعة: الصدمة الأولى (Le premier choc)، طلقة المدفع (Le coup du canon)، باريس معنا (Paris avec nous)، اتحاد الناشرين الفرنسيين.

[10] تمثل لنا أفضل القصص والشرطة السوفياتية بصورة ملموسة قوى التحول التي تعمل عند الإنسان بفضل الاشتراكية، كشريط الفارس ذو النجمة الذهبية Le chevalier a l etoile dor وقصة أجايف: بعيدا عن موسكوLoin de Moscou وقصة ج. نيقولايف الحصاد La Moisson . اتحاد الناشرين الفرنسيين.

[11] راجع قصيدة ايتيل روزنبرج لأولادها. في رسائل منزل الموت جاليمار.

[12] ستالين: المادة الجدلية والمادة التاريخية. ص 9.

[13] م. توريز في اللجنة المركزية في أسي – مولينو، حزيران 1953.
[/frame]

rhk,k hgjp,g hgahlg H, hgkl, hglsjlv (hg[]gdm hglhv;sdm)