أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية)

قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية) يشارك صاحبنا فلان في النضال من أجل السلام، ويجمع التواقيع على نداء ستوكهولم، ويقوم بتعليق الإعلانات من أجل مؤتمر الشعوب، ويأخذ بالنقاش



قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية)


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية)

     
    قانون التفاعل و الترابط الشامل (الجدلية الماركسية)

    يشارك صاحبنا فلان في النضال من أجل السلام، ويجمع التواقيع على نداء ستوكهولم، ويقوم بتعليق الإعلانات من أجل مؤتمر الشعوب، ويأخذ بالنقاش مع صديقه في العمل أو مع شخص غريب حول حل المشكلة الألمانية حلا سلميا أو حول ضرورة إيقاف الحرب في الفيتنام، كما أنه يدعو ساكني الحي إلى اجتماع في بيته لتأليف اتحاد وطني من أجل السلام.
    وسوف يقول البعض: “وماذا يعتقد هذا المسكين أنه يفعل؟” أنه لا شك يضيع وقته وجهده”. يبدو عمل هذا الرجل، لأول وهلة، عبثا لا طائل تحته. فهو ليس وزيرا، ولا نائبا ولا قائدا في الجيش ولا صاحب مصرف أو سياسيا. إذن؟
    وهو مع ذلك محق في عمله. لماذا؟ لأنه ليس وحيدا.ومهما كان شخصه متواضعا فأن لمحاولاته هذه قيمتها وتأثيرها لأنها ليست محاولات فريدة. بل عمله جزء من عمل كبير هو نضال الشعوب العالمي من أجل السلام. إذ هناك ملايين الرجال الذين يعملون مثله، في نفس الاتجاه ضد نفس القوى. فهناك ارتباط شامل بين جميع هذه المحاولات التي تكون حلقات صغيرة في نفس السلسلة. كما أن هناك تفاعلا متبادلا بين جميع هذه المحاولات، لأن كلا منها تساعد الأخرى بما تضربه من مثل وما تكسبه من خبرة أثناء فشلها وانتصارها. حتى إذا قام جميع هؤلاء الرجال بالمقارنة بين محاولاتهم اكتشفوا أنهم لم يكونوا فيها فريدين بالرغم من اعتقادهم ذلك. كل شيء أذن مرتبط بالأخر.
    (Tout se tient) هذا مثال بسيط استقيناه من الواقع. وهكذا نرى أن قانون الجدلية الأول هو الذي يسمح، لوحده، بتأويل هذا المثال بصورة صحيحة. وبهذا تتعارض الجدلية مع الميتافيزيقا تعارضا أساسيا. ولن يفكر إلا ميتافيزيقي مثل هذا التفكير فيقول: “ما الفائدة من كل هذا الجهد، من صعود الطوابق ومناقشة الناس؟ لأن مصير السلم ليس بأيدي الناس العاديين” لأن الميتافيزيقي يفصل ما هو في الواقع غير منفصل. تكلم في تشرين الأول سنة 1952، في مؤتمر آسيا والباسفيك من أجل السلام، عالم، هو جون هنتون، وكان قد شارك، في لوس آلموس، في صنع القنبلة الذرية الأولى فقال:
    “لمست بيدي أول قنبلة ذرية ألقيت على ناجازاكي. وأني لأشعر الآن بالجرم الذي ارتكبته، كما أشعر بالخزي لأنني قمت بدور مهم في إعداد هذا الجرم ضد الإنسانية. ولكن كيف حدث أني رضيت القيام بهذه المهمة؟ ذلك لأنني كنت أومن بفلسفة “العلم من أجل العلم” الخاطئة. هذه الفلسفة هي السم الذي يقضي على العلم الحديث. ولقد كان من نتيجة الخطأ الذي يقوم على فصل العلم عن الحياة الاجتماعية والكائنات البشرية أني انتهيت إلى العمل في صنع القنبلة الذرية خلال الحرب. إذ كنا نعتقد أننا، كعلماء، يجب علينا أن نكرس جهودنا من أجل “العلم الصرف” وأن على المهندسين ورجال السياسة إتمام الباقي. وأني لأخجل من القول بأنني انتظرت فظائع ضرب هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية لكي اخرج من برجي العاجي وأدرك أنه ليس هناك من “علم صرف” وأن لا معنى للعلم إلا بقدر خدمته لمصالح الإنسانية جمعاء. وأني لا توجه اليوم إلى العلماء الذين يعملون الآن، في الولايات المتحدة وفي اليابان في صنع الأسلحة الذرية والميكروبية قائلا: “فكروا فيما تفعلون!”
    ولا يعتقد الميتافيزيقي أن ما يفعله مرتبط بما يفعله الآخرون. ذلك شأن العالم الذري الذي خيل إليه أنه يتصرف حسب “روح العلم” وكان موقفه، في الواقع، موقفا مناقضا للعلم لأنه لم يتساءل عن الظروف الموضوعية لنشاطه المهني وعن طريقة استخدام عمله.
    وهذا موقف شائع جدا. وهو موقف الرياضي الذي يردد في كل مناسبة “الرياضة هي الرياضة، والسياسة هي السياسة. أنا لا أتدخل في السياسة” ولا شك أن الرياضة والسياسة شيئان منفصلان. ولكن من الخطأ القول بأن ليس بينهما أية علاقة إذ كيف يمكن للرياضي أن يشتري أدواته الرياضية إذا انخفضت قدرته الشرائية. أو توقف عن العمل؟ وكيف يمكن بناء الملاعب وأحواض السباحة إذا التهمت ميزانية الحرب الاعتمادات الضرورية للرياضة؟ وهكذا ترى أن الرياضة ترتبط ببعض الشروط التي يجهلها الميتافيزيقي ويكتشفها الجدلي، لأنه لا رياضة بدون اعتمادات، ولا اعتمادات بدون سياسة سلمية، فلا تنفصل الرياضة إذن عن السياسة. ولا يخدم الرياضي، الذي يجهل هذا الارتباط، قضية الرياضة بل هو يحرم نفسه من الوسائل للدفاع عنها. لماذا؟ لأنه إذا ما جهل أن كل شيء مرتبط بالآخر فانه لن يناضل ضد سياسة الحرب. حتى يحين الوقت الذي يفقد فيه الرياضة وذلك إما لأن خراب البلاد قد قضى على معدات الرياضة وإما لأن الحرب قد وقعت.

    2 – ميزة الجدلية الأولى

    لا تنظر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، إلى الطبيعة على أنها عبارة عن مجموعة من الأشياء والظواهر[1] المنفصل بعضها عن البعض بل على أنها كل موحد منسجم حيث تتصل الأشياء والظواهر اتصالاً عضويا ويرتبط كل منها بالآخر.
    لهذا يرى المنهج الجدلي أنه لا يمكن تفسير أية ظاهرة طبيعية إذا نظرنا إليها على حدة خارج الظواهر المحيطة بها، لأنه يمكن تحويل أية ظاهرة في أي مجال من الطبيعة إلى شيء لا معنى له إذا ما نظرنا إليها في منأى عن الظروف المحيطة بها وفصلناها عن هذه الظروف ، كما أنه، على العكس، يمكن فهم أية ظاهرة وتفسيرها إذا نظرنا إليها من خلال علاقتها بالظواهر المحيطة التي ترتبط بها.
    تدل الميزة الأولى للجدلية على طابعها العام، وتتحقق هذه الميزة بصورة شاملة في الطبيعة وفي المجتمع.

    3 – في الطبيعة

    تفصل الميتافيزيقا المادة الخام عن المادة الحية وعن الفكر. لأن الميتافيزيقا تعتبر أن هذه مبادىء ثلاثة منعزل كل منها عن الآخر.
    ولكن هل يوجد الفكر في الذهن؟ وهل يوجد بدون الجسد؟ كما أن علم النفس (وهو علم يدرس النشاط الفكري) يستحيل إذا ما جهلنا علم وظائف الأعضاء (وهو علم وظائف الكائن الحي) كما أن هذا العلم وثيق الاتصال بالبيولوجيا (علم الحياة عامة). وكذلك تستعصي الحياة على الفهم إذا جهلنا العمليات الكيمائية كما أن الكيمياء[2] تكتشف تركيب الجسيمات (molecules) الذري، ودراسة الذرة خاصة بالفيزياء. فإذا ما أردنا اكتشاف أصل هذه العناصر التي تدرسها الفيزياء، أفلا يؤدي بنا الأمر إلى علوم الأرض التي تظهر لنا طريقة تكوينها؟ ومن ثم ننتقل إلى النظام الشمسي (علم الفلك) الذي تكون الأرض جزءا منه؟
    وهكذا نرى أنه بينما تقف الميتافيزيقا في وجه التقدم إذا بالجدلية تعتمد على العلم في وجودها. ولا شك أن هناك فروقا بين العلوم، إذ تدرس علوم الكيمياء والحياة ووظائف الأعضاء والنفس ميادين مختلفة سوف نعود إليها فيما بعد. ولكن هذه العلوم تكون، مع ذلك وحدة أساسية تعكس لنا وحدة الكون. لأن الواقع كل. هذا ما تعبر عنه الميزة الأولى للجدلية.
    ولا شك أنه من المفيد توضيح التفاعل والترابط بين الأشياء بواسطة الأمثلة.
    أمامنا رقاص معدني. فهل يمكننا أن ننظر إليه في منأي عن الكون المحيط به. كلا لأن هناك رجالا قاموا بصنعه (المجتمع) من معدن استخرجوه من الأرض (الطبيعة). ولنتأمل هذا الرقص جيدا. فهو في سكونه ليس مستقلاً عن الظروف المحيطة: كالثقل والحرارة والصدأ إذ يمكن لهذه الظروف أن تؤثر فيه ليس فقط في وضعه بل في طبيعته (الصدأ). ولندل قطعة من القصدير فإذا بقوة تؤثر على الرقاص وإذا به يتمدد وإذا بشكله يتغير إلى حدا ما، فيؤثر الوزن في الرقاص ويؤثر الرقاص في الوزن لأن بينهما تفاعلاً متبادلا، وأكثر من هذا أن الرقاص مكون من جسيمات ترتبط فيما بينها بتأثير قوة جاذبة فإذا ما بلغ الرقاص وزنا معينا عجز عن التمدد وانكسر فتنقطع العلاقة بين بعض الجسيمات. حتى إذا ما سخنا الرقاص تغيرت العلاقات بين الجسيمات بطريقة أخرى (التمدد). نقول إذن ان الرقاص مكون بطبيعته وتغيراته من تفاعل ملايين الجسيمات التي يتكون منها. كما أن هذا التفاعل مشروط هو نفسه بعلائق الرقاص (في مجموعه) بالوسط المحيط به. لأن الرقاص والوسط هما كل واحد، يقوم بينهما فعل متبادل. فإذا ما جهلنا هذا الفعل أصبح صدأ الرقاص وانقطاعه واقعتين لا معنى لهما. ولقد علق ستالين على ميزة الجدلية الأولى بقوله: “لهذا يرى المنهج الجدلي انه لا يمكن فهم أية ظاهرة طبيعية إذا ما نظرنا إليها على حدة. خارج الظواهر المحيطة بها[3].
    ومن ابلغ الأمثلة على التفاعل الرباط الذي يربط بين الكائنات الحية وبين ظروف حياتها و “بيئتها”. فنرى النبتة، مثلا، تمتص الأكسجين من الهواء وتدفع بغاز الكربون وبخار الماء. وهذا التفاعل يغير كلا من النبتة والبيئة. وتستخدم النبتة الطاقة التي يمدها بها نور الشمس فتقوم، بواسطة عناصر كيمائية تمتصها من الأرض، بتركيب للمواد العضوية يسمح لها بالنمو. فهي في نموها تغير الأرض أيضا كما تغير ظروف نمو نوعها في المستقبل. وهذا يعني أن النبتة لا توجد إلا متحدة مع وسطها الذي تنمو فيه. وهذا التفاعل بينهما هو أساس كل نظرية علمية عن الكائنات الحية لأنها الشرط العام لوجودهما. إذ يعكس نمو الكائنات الحية تغير الوسط الذي تعيش فيه وهذا هو مبدأ العلم عند ميتشورين وسبب نجاحه. فلقد عرف ميتشورين، بعد أن فهم أن الحي والوسط كل لا يتجزأ، كيف يغير الأنواع بتغيير بيئتها.
    كما أنه لم يكن باستطاعة عالم وظائف الأعضاء الكبير بافلوف أن يؤسس علم نشاط الأعصاب لو أنه جهل الاتحاد الوثيق بين الجسم والبيئة. ويجري هذا التفاعل بينهما في القشرة الدماغية (Cortex) ولهذا كان مجموع الجسد تحت تأثير القشرة الدماغية، كما أن هذه القشرة الدماغية تتأثر بدورها بالإثارات الماضية والحاضرة التي تصدر عن الوسط الخارجي (وعن الجسم). وهكذا تتعلق جميع الظواهر التي تحدث في الجسد (كالمرض مثلا) بنشاط الأعصاب الذي يشرف على مختلف الوظائف، والذي يتأثر بالظروف المسيطرة في البيئة الطبيعة وفي المجتمع.
    ولقد كان هذا المبدأ في وحدة تفاعل الظواهر ضروريا لتقدم جميع العلوم. ويمكننا أن نعدد الأمثلة عليه ولنكتف هنا باكتشاف الضبط الجوي على يد توريشلي (1644).
    فنحن إذا قلبنا أنبوبا مملوءا بالزئبق على وعاء مملوء بالزئبق أيضا، رأينا أن الزئبق لا يهبط في الأنبوب إلى ما تحت ارتفاع معين ويظل على ارتفاع أعلى من مستوى الزئبق في الوعاء.
    ونحن طالما عزلنا هذه الظاهرة عن ظروفها لم نفهمها ولكن إذا لاحظنا، على العكس، أن سطح الزئبق (في الوعاء) الذي غمسنا فيه الأنبوب ليس منعزلا بل هو على اتصال بالجو، وأن هناك تفاعلا بين ما يجري في الأنبوب والظروف المحيطة تبين لنا تفسير ذلك: يظل الزئبق معلقا في الأنبوب لأن الهواء يضغط (الضغط الجوي) على صفحة الزئبق الذي يحتويه الوعاء ولذا قال توريشلي يجب أن ننظر إلى الوعاء كما لو كان في قعر محيط من الهواء
    ولن نستطيع القيام باكتشافات علمية إذا ما اعتدينا على القانون الأول في الجدلية، فعزلنا الظاهرة التي ندرسها عن ظروفها المحيطة بها.

    4 – في المجتمع

    تقوم الميتافيزيقيا بعزل الظواهر الاجتماعية كلا منها عن الاخرى فتعزل الواقع الاقتصادي عن الحياة الاجتماعية وتعزل الحياة السياسية عنهما. كما أنها تدخل الحواجز داخل كل من هذه الميادين. وهذا يؤدي إلى القول بأن “إعدام آل روزنبرج الأبرياء على يد الحكومة الأميركية غباوة لا معنى لها”. ويرد الجدلي على ذلك بقوله: “لهذا الإعدام مغزى فهو يعكس سياسة الزعماء الأميركيين بأجمعها، وهي سياسة حرب تحتاج إلى الأكاذيب وإلى الذعر”.
    ولا يفهم الميتافيزيقي تاريخ المجتمعات بل هو عبارة عن خليط من العوارض (أي الظواهر التي لاسبب لها) ومن الصدف العابثة حتى أن هناك فلاسفة يؤكدون (ومنهم البير كامو) أن جوهر العالم هو العبث (L’absurde) هذه الفلسفة مفيدة لصانعي الكوارث. أما الجدلي فهو يعلم أن كل شيء في الطبيعة مرتبط بعضه ببعض. فإذا ما انهارت المدارس فليس ذلك لعجز الحاكمين بل لأن سياسة الحرب تتطلب تضحية أبنية المدارس. ولقد لاحظ (أراجون) أن الاستعداد للموت يقصر الحياة “كل شيء يتعلق بظروف المكان والزمان”. وتستطيع الجدلية أن تفهم الظواهر الاجتماعية وتفسرها لأنها تصلها بالظروف التاريخية التي تولدت عنها والتي تتفاعل معها. أما الميتافيزيقي فهو يعيش في التجريد، ولا يعبأ بظروف المكان والزمان.
    وهكذا يعتقد البعض، بنية حسنة، أنه كان بإمكان العمال الفرنسيين في سنة 1944، بقيادة الحزب الشيوعي، الاستيلاء على الحكم، وأن تقاعسه عن ذلك “فوت عليه الفرصة”. وهذا تقدير مغر لأول وهلة ولكنه تقدير خاطىء. لماذا؟ لأنه يفصل جانبا لا معنى له الا في علاقته بالمجموع.
    الخطأ أنما هو في معرفة طابع حركة المقاومة وهدفها. ولا شك أن القوة الأساسية كانت الطبقة العاملة التي يقودها الحزب الثوري الا وهو الحزب الشيوعي. غير أنه لم يكن هدف حركة المقاومة القيام بثورة عمالية، بل كان هدفها تحرير البلاد والقضاء على الفاشية. ولقد وحد هذا الهدف الفرنسيين في جميع الطبقات (حتى أنه قسم البرجوازية على نفسها وانفضت طائفة منها عن حكومة فيشي). وهكذا اتخذت حركة المقاومة صورا شتى من نضال مسلح، واضرابات العمال، ومظاهرات النساء في الشوارع، ورفض الفلاحين تسليم المحصول، ونسف لجهاز حكومة فيشي الاضطهادي على يد الموظفين، ونضال الشبان ضد الخدمة الإجبارية في ألمانيا والمعلمين والعلماء ضد الهتلرية المضللة. فكانت حركة المقاومة عملا قوميا عظيما. ذلك هو طابعها الأساسي. ويرجع الفضل للشيوعيين الفرنسيين في أنهم فهموا الوضع بمجمله، فعملوا على تكوين جبهة وطنية واسعة للنضال ضد هتلر ومعاونيه، ولم يسمحوا بأن تصبح حركة المقاومة حزبا منفصلا عن جماهير الشعب الفرنسي. وهكذا أمكنت الثورة الوطنية عام 1944 ضد العدو الذي أصبح وحيداً آنذاك.
    ماذا كان يحدث لو أن طبقة العمال حاولت، في تلك الأيام، “القيام بثورة” وتأسيس الاشتراكية؟، لو أن الشيوعيين في سنة 1944، بينما كانت الحرب ضد هتلر لا تزال مستمرة، قالوا: “لم يعد هدفنا تحرير فرنسا و العالم من النازيين بل القيام بالثورة العمالية”، لو فعلوا ذلك لرأوا ملايين الفرنسيين من مختلف الطبقات، المستعدين للنضال من أجل تحرير البلاد، ينفضون عن طبقة العمال لأنهم غير مستعدين لمساعدة حركة ثورية، فيا له من عيد للهتلريين وأعوانهم من البرجوازية الفيشية الرجعية! وهكذا تصبح طبقة العمال وحيدة في الميدان فتفقد قيادة حركة المقاومة، تلك القيادة التي بذلت من أجلها أغلى التضحيات. ويخلو طريق الدكتاتورية أمام ديغول بمساعدة الجيش الأميركي. وذلك لأن الجيش الأميركي، وهذه هي المسألة الثانية التي يجب توضيحها، لم يهبط أرض فرنسا إلا لأن الانتصارات الروسية قد جعلت الجبهة الثانية أمرا لا مفر منه في أوروبا. كان غرض الزعماء الأميركان حرمان الشيوعية من الاستفادة من انهزام هتلر في البلاد المحتلة. فإذا ما اندفعت الطبقة العاملة، متجاهلة هذه الأوضاع الموضعية، للاستيلاء على الحكم لكان مصير شعبنا القتل، ولاتخذ الجيش الأميركي صفة الجيش المحتل كما يفعل اليوم، ولقضى على الثورة بمساعدة النازيين العائدين كما عادوا إلى أورادور.[4]
    ألم يكن أمل ألمانيا الهتلرية والبرجوازية الألمانية (كآل كروب الذين أطلق الأميركان سراحهم) زوال التفاهم بين الكبار الثلاثة؟ وهكذا عاد تحالف ميونيخ بين البرجوازية والرجعيين ضد بلد الاشتراكية، ضد الاتحاد السوفياتي الذي قام بدور كبير في تحرير الشعوب. فإذا بجميع الفوائد والجهود والآلام التي عانيناها خلال أربعة أعوام يمحوها دم الشعب الفرنسي.
    بينما كانت المطالبة بالقضاء على الفاشية وإقامة جمهورية ديمقراطية برجوازية تتفق ومجموع “الظروف المحيطة” وهذا ما فعله الشيوعيون. وكان ذلك مطلبا في مستوى جماهير الشعب الفرنسي، يمكن تحقيقه بصورة تدريجية لأنه كان يمثل خطوة كبرى إلى الأمام. وذلك لأن طبقة العمال تجد في الجمهورية الديمقراطية البرجوازية أفضل الظروف لنضالها الطبقي. ويفسر لنا هذا ازدهار حركة العمال الفرنسية في الأشهر التي تلت التحرير، وقد حمل هذا الازدهار الشيوعيين إلى الحكم وعاد على شعبنا ببعث اقتصاده وارتفاع مستوى المعيشة والضمان الاجتماعي وتأميم الصناعات وإيجاد مجالس الإدارات وبدستور ديمقراطي، وورقة الانتخاب، وإعطاء المرآة حق التمثيل في المجلس، وقانون الموظفين. الخ.. وهكذا وجدت الطبقة العمالية نفسها في عام 1947 في أفضل الظروف النضالية لمجابهة قوى الرجعية في هجومها المعاكس.
    كما أتاح استمرار تفاهم الكبار الثلاثة، على المستوى العالمي، ضد ألمانيا الهتلرية، والقضاء على الطيران الألماني(Wehrmacht)، كما أنه أمكن من تكوين الأمم المتحدة وعقد اتفاق بوتسدام، فأصبح ذلك فيما بعد حجر عثرة في وجه النزعة الإمبراطورية الأميركية. كما سهل مهمة الديمقراطيين الشعبيين الشبان في أوروبا، وهذه مسألة مهمة جدا. ولو أن الشيوعيين الفرنسيين اتبعوا سياسة خرقاء عام 1944 لكان من الصعب الحصول على هذه الانتصارات. ولقد اضعفت هذه الانتصارات الرأسمالية العالمية. ولهذا يجب النظر إلى الحركة العمالية في بلد ما في نفسها بل في علاقتها بالمجموع.
    لا نستطيع تحليل العديد من الأمثلة الأخرى التي تدل على ضرورة النظر إلى الحوادث في ترابطها وكليتها وأن لا نفصل الواقعة عن “ظروفها” المحيطة، ولنكتف بالمثل التالي:
    أن المطالبة بجمهورية ديمقراطية برجوازية ضد البرجوازية الفاشية هي مطلب يتفق تماما ووضع الحركة العمالية الفرنسية اليوم. وهي مطالبة بامكانها أن تضمن أكبر تجمع للشعب حول طبقة العمال ضد العدو الرئيسي وهو البرجوازية الرجعية التي لا أمل لها، كي تعيش، الا في القضاء على شرعيتها الخاصة. غير أن المطالبة بنفس الشيء في الاتحاد السوفياتي لا معنى لها. لماذا؟ لأنه إذا كانت الديمقراطية البرجوازية تعتبر تقدما على الفاشية، فأن الجمهورية الاشتراكية السوفياتية (التي تضمن للعمال ملكية وسائل الإنتاج) تعد أيضا تقدما باهرا على الجمهورية البرجوازية. وهكذا يصبح ما كان خطوة إلى الأمام، بالنسبة لشعبنا، خطوة إلى الوراء بالنسبة للاتحاد السوفياتي.
    يجهل الميتافيزيقي أوضاع الزمن والمكان، ولهذا يفصل الديمقراطية عن ظروفها، كما لا يميز بين ديمقراطية برجوازية وديمقراطية سوفياتية. وبما أنه لا يعرف سوى الديمقراطية البرجوازية فهو يماثل بينها وبين الديمقراطية، فيأخذ على الاتحاد السوفياتي بأنه ليس “ديمقراطية”.
    وهذا حق، فليس الاتحاد السوفياتي ديمقراطية برجوازية لأنه قضى على الاستغلال الرأسمالي وأوجد ديمقراطية جديدة تجعل السلطة كلها بيد العمال.
    ومجمل القول أن الميتافيزيقي يفصل ويجرد الصورة السياسة عن مجموع الظروف التاريخية التي أوجدتها والتي تفسرها بينما الجدلي يعود إلى الأخذ بهذه الظروف.

    5 – الخلاصة

    ليست الطبيعة وليس المجتمع خليطاً يستعصي على الفهم بل ان جميع جوانب الواقع تترابط فيما بينها بروابط ضرورية متبادلة.



    ولهذا القانون أهمية عملية. يجب إذن أن ننظر إلى وضع أو حادثة أو مهمة نظرة تحيط بالظروف التي تولد هذه الأشياء وتفسرها، كما يجب الاهتمام دائما بما هو ممكن وما هو غير ممكن.
    إذ لا يجب أن نجعل من رغباتنا حقيقة واقعة، ويجب على الثوري أن يدرك الوقائع في حقيقتها. وهكذا أعتقد أننا نتخذ قرارا معينا في ظرف معين حتى إذا ما تغير الظرف اتخذنا قرارا مختلفا عن الاخر الذي اتخذناه أولا. فنحن نتراجع إذا لم تعد ظروف النجاح كافية، كما نسير رأسا إلى القتال إذا أملنا بالنصر بهذا الهجوم. وعلى كل لا يمكن أن نرتبط بصيغة أو قرار لأننا لا يمكننا أن نعرض حركتنا للخطر[5]
    وما تجاهل ظروف العمل الا نزعة عقيدية متطرفة (dogmatique) إذ بينما مصلحة العمال في احترام هذا القانون الأولي للجدلية فأن البرجوازية تود أن تنسيهم اياه لأن مصلحتها تتعارض وهذا القانون. فهي تجيب على الذين ينددون بالظلم الاجتماعي “هذا نقص موقت!” كما أنها تصور الأزمات الاقتصادية على أنها “ظواهر سطحية عابرة”. ويجيب العلم الجدلي على ذلك بأن الظلم الاجتماعي والأزمات الاقتصادية هي نتائج حتمية للرأسمالية.
    يقدس الفلاسفة البرجوازيون الميتافيزيقا لأنها تتيح تجزأة الواقع وتشويهه لمصلحة الطبقة المستغلة. حتى إذا بلغ التفكير الواقع في كليته اعترض هؤلاء الفلاسفة قائلين بأن ذلك لم يعد “تفلسفا”. لأن الفلسفة عندهم ملف تحتفظ فيه كل فكرة بمكانها: فهنا الفكر وهناك المادة، هنا “الإنسان” وهناك المجتمع، الخ…
    أما الجدلية فهي تعلمنا أن كل شيء مترابط مع الآخر وأن ليس هناك من جهد ضائع لتحقيق هدف معين. وهكذا يعلم المناضل من أجل السلام أن الحرب ليست ضربة لازب لأن كل عمل يقوم به لمنعها هو عمل له قيمته، يمهد السبيل لانتصار السلام.
    ولهذا يدرك المناضل الثوري، وقد تسلح بالجدلية، مسؤولياته. فهو لا يترك شيئا للصدف بل يقدر كل جهد قدره.
    ويتيح لنا هذا الفهم للواقع أن ننظر بعيدا. كما يمدنا بالشجاعة التي لا تقهر حتى أن الفيلسوف الجدلي ف. فلدمان استطاع أن يصرخ في وجه الجنود الألمان الذين رموه بالرصاص قبل أن يخر صريعا: “يا لكم من أغبياء. أني أناضل من أجلكم!”.
    وقوله حق، لأنه كان يناضل من أجل الشعب الألماني كما ناضل من أجل الشعب الفرنسي، لأن مصير كل منهما مرتبط بالآخر.

    [frame="1 80"]
    [1] نعني بالظاهرة كل مجلى لقوانين الطبيعة (كسقوط الحجر أو غليان الماء) أو لقوانين المجتمع (كالازمة الاقتصادية).

    [2] لسنا ندعي بأن الحياة عبارة عن عمليات كيمائية، لأن مثل هذا القول مناقض للجدلية. وسوف نعود لمعالجة هذه المسألة فيما بعد. كما أننا لا نقول بأن التفكير هو مظهر من مظاهر وظائف الأعضاء. بل نحن نقول: لا تفكير ألا عند الكائن الحي، وليس من كائن حي وليس من جسم بدون الكون الفيزيائي الكيمائي.

    [3] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص4 لم نعرب النص بأكمله لأن المؤلف قد أورده كاملا فيما سبق. (المعرب).

    [4] أوراد ور: قرية فرنسية هدمها الألمان وقتلوا جميع سكانها. (المعرب).

    [5] م. توريز: “حديث في المؤتمر الثالث لاتحاد عمال ما تحت الأرض” (1924) ورد في “أبن الشعب” ص 43. المطبوعات الاجتماعية، باريس 1949.[/frame]

    rhk,k hgjthug , hgjvhf' hgahlg (hg[]gdm hglhv;sdm)


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي قانون التحول الشامل أو النمو المستمر (الجدلية الماركسية)

    قانون التحول الشامل أو النمو المستمر (الجدلية الماركسية)

    يروي الفيلسوف فونتونيل قصة وردة كانت تعتقد بأن البستاني مخلد. لماذا؟ لأن الوردة لا تذكر أنها رأت غيره في البستان. وهكذا يفكر الميتافيزيقي فهو ينكر التغير. ومع ذلك تعلمنا التجربة أن كل بستاني هالك كما تهلك الورود. ولا شك أن هناك أشياء تتغير بصورة أبطأ من الوردة، فيستنتج الميتافيزيقي من ذلك أنها خالدة لا تتغير، فيجعل من ثباتها الظاهري شيئا مطلقا، فهو لا يرى من الأشياء الا جانبها الذي تبدو فيه أنها لا تتغير. فتظل الوردة وردة ويظل البستاني بستانيا. أما الجدلية فهي لا تكتفي بالظاهر بل تدرك الأشياء في حركتها، فلقد كانت الوردة برعما قبل أن تصبح وردة فإذا ما نمت تغيرت من ساعة لأخرى بالرغم من أن العين لا ترى شيئا من هذا التغيير، كما أنها ستفقد أوراقها حتما وستتولد وردات أخرى محلها تتفتح بدورها هي أيضاً.
    نستطيع أن نجد في حياتنا اليومية ألف مثال على أن كل شيء يتحرك ويتحول.
    تبدو هذه التفاحة ثابتة لا تتحرك فوق الطاولة. ومع ذلك سيقول الجدلي: مع أن هذه التفاحة تبدو ثابتة فهي متحركة وهي لن تكون في عشرة أيام ما هي عليه الآن. كانت زهرة قبل أن تصبح تفاحة خضراء، كما أنها ستتحلل مع الزمن وتتساقط بذورها التي إذا ما زرعها البستاني نشأت منها شجرة تحمل عدة تفاحات. كان لدينا في البدء تفاحة واحدة ولدينا الآن العديد من التفاحات. وهكذا يصبح القول بأن الكون لا يعيد نفسه بالرغم من جميع المظاهر.
    ومع ذلك يتكلم الكثير من الناس كما تكلمت وردة فونتونيل فيقولون ليس من جديد تحت الشمس، ولسوف يكون هناك دائما أغنياء وفقراء كما سيكون هناك دائما مستغِلون ومستَغلون وأن الحرب أبدية الخ… ولا شيء أمر إلى الاضلال من هذه الحكمة الواهية، ولا شيء أشد خطر منها، فهي تدعو إلى السلبية والعجز والاستسلام. أما الجدلية فهي تعلم، على العكس، أن التغير صفة لازمة للأشياء تلك هي الميزة الثانية للجدلية التي تقول بأن التغير يشمل الكون وأن النمو مستمر.

    2 – ميزة الجدلية الثانية

    لا تنظر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، إلى الطبيعة على أنها حالة من الهدوء والثبات، والركود وعدم التغير، بل تنظر إليها على أنها حالة من الحركة والتغير الدائمين، والتجدد والنمو المستمرين، حيث يولد كل شيء بينما ينحل شيء آخر ويزول.
    ولهذا تريد الجدلية أن لا ينظر إلى الظواهر فقط بالنسبة لعلاقاتها وترابطها بعضها بالبعض بل ينظر إليها أيضاً بالنسبة لحركتها وتغيرها ونموها في ظهورها واختفائها[1].
    ولقد رأينا أن كل شيء مترابط: وتلك هي ميزة الجدلية الأولى. ولكن هذا الواقع المتوحد هو حركة أيضا. فليست الحركة مظهرا ثانويا من الواقع وليس هناك الطبيعة يضاف إليها الحركة، أو المجتمع يضاف إليه الحركة بل أن الواقع هو الحركة. تلك هي حال الطبيعة والمجتمع.

    3 – في الطبيعة

    تشمل الحركة بالمعنى العام، كشكل من أشكال وجود المادة وصفة من صفاتها، جميع التغيرات وما يحدث في الكون من مجرد تغيير المكان حتى التفكير نفسه[2].
    والحركة عند ديكارت هي فقط تغيير المكان كالمركب الذي يتحرك أو التفاحة التي تتدحرج على الطاولة. تلك هي الحركة الميكانيكية الآلية. ولكن حقيقة الحركة لا تقتصر على ذلك. فالسيارة تسير بسرعة ستين كيلو مترا في الساعة وهذه حركة آلية (ميكانيكية) ولكن السيارة التي تتحرك تتحول ببطء؛ إذ يبلى محركها آلاتها ودواليبها كما أنها من ناحية ثانية تتأثر بالمطر والشمس. الخ.. وكل هذه أنواع من الحركة. وهكذا ليست السيارة التي قطعت ألف كيلو متر كأول أمرها، بالرغم من أننا نقول بأنها نفس السيارة إذ سوف يأتي وقت تجدد فيه قطعها ويعاد إصلاح هيكلها، الخ… حتى تصبح هذه السيارة لا تصلح للاستعمال.
    وكذلك شأن الطبيعة إذ نجد للحركة فيها أوجها متعددة، كتغيير المكان وتحول الطبيعة وكذلك تحول صفات الأشياء (ككهربة جسم من الأجسام أو نمو النباتات وتحول الماء إلى بخار، والكهولة).
    كانت الحركة عند نيوتن (1642-1727) العالم الإنجليزي الكبير عبارة عن حركة آلية (ميكانيكية) هي تغير المكان. وهكذا كان الكون أشبه بساعة حائط كبيرة تعيد باستمرار نفس الحركة؛ ولهذا كان يعتبر مدارات الكواكب خالدة. ولقد أدى تقدم العلوم منذ القرن الثامن عشر إلى غنى فكرة الحركة، وقد بدأ ذلك أولا بتحويل الطاقة في مطلع القرن التاسع عشر.
    ولنعد إلى مثال السيارة التي تسير فهي إذا ما انطلقت مسرعة في سيرها ارتطمت بشجرة واشتعلت فيها النار. فهل زالت المادة، كلا. إذ أن السيارة المشتعلة هي حقيقة واقعة مادية كالسيارة التي كانت تسرع في سيرها، فهي مظهر جديد للمادة وصفة جديدة لها. لأن المادة لا تزول بل هي تتغير وتتحول، وما تحولاتها هذه سوى تحولات الحركة التي تكون مع المادة شيئا واحدا. فالمادة حركة والحركة مادة، وتعلمنا الفيزياء الحديثة أن الطاقة تتحول لأن الطاقة، وهي كمية من الحركة، تبقى بالرغم من تحولها واتخاذها أشكالا متنوعة.
    أما في مثال السيارة التي التهب زيتها بتأثير الضغط فقد تحولت الآن الطاقة الكيميائية، التي كانت تتحول في المحرك إلى طاقة حركية، إلى حرارة (طاقة حرارية). ويمكن للطاقة الحرارية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة حركية فتتحول بذلك حرارة القاطرة إلى حركة تدفع القاطرة
    ويمكن للطاقة الآلية أن تتحول إلى طاقة كهربائية فيدير السيل المحرك الكهربائي الذي ينتج الطاقة الكهربائية، كما تتحول الطاقة الكهربائية (التيار) إلى طاقة ميكانيكية تدير المحركات أو أن الطاقة الكهربائية تتحول إلى طاقة حرارية فتمدنا بالتدفئة الكهربائية. كما أن الطاقة الكهربائية تمدنا بالطاقة الكيمائية فيقوم التيار الكهربائي، في بعض الحالات، بتحليل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وكذلك يمكن للطاقة الكيمائية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة كهربائية (البطارية الكهربائية) أو إلى طاقة حرارية (حرق الفحم في الموقد).
    وما هذه التحولات الا صور للمادة المتحركة: وهي كما نرى أشد غنى من الانتقال البسيط أو تغيير المحل وأن كانت تحتوي عليهما[3].
    وهناك عدا اكتشاف فكرة تحول الطاقة اكتشاف فكرة التطور التي أغنت فكرة الحركة كثيراً.
    وقد بدأ ذلك بتطور الكون الفيزيائي أولا؛ فقد اكتشف كل من كانت ولابلاس منذ نهاية القرن الثامن عشر أن الكون له تاريخ. وهو بدلا من أن يعيد نفسه، كما كان يعتقد نيوتن، يتغير ويتحول وما النجوم (ومنها الشمس) والكواكب، (ومنها الأرض) سوى ثمرة تطور هائل لا يزال مستمرا. ولا يكفي القول إذن، مع نيوتن، أن أجزاء الكون تنتقل بل يجب القول بأنها تتحول.
    وهكذا يكون للأرض، وهي جزء صغير من الكون، تاريخ طويل (ما يقارب الخمسة مليارات من السنين) يدرسه علم طبقات الأرض (geologie)
    وكذلك فأن النجوم تتكون وتنمو وتموت. فقد اكتشف العالم الفلكي الفيزيائي أمبر تسموميان أن هناك نجوما تولد باستمرار.
    ولما كان الكون يتوالد باستمرار فهو ليس بحاجة لمحرك أول كما كان يعتقد نيوتن. بل يحمل في أحشائه إمكانياته الخاصة في الحركة والتحول، فهو حركة ذاته.
    أما المادة الحية فهي تخضع أيضا لعملية تطور مستمرة. فلقد تكونت، ابتداء من أول مراحل الحياة الفقيرة، أنواع النبات والحيوان. ولذا لم يعد بالإمكان الاعتقاد بالخرافة التي نشرها الدين منذ مئات السنين بأن الله خلق الأنواع مرة واحدة فهي لا تتغير. وبرهن العلم بفضل داروين (في القرن التاسع عشر) أن هذا العديد من الأنواع الحية قد تولد عن عدد صغير من الكائنات البسيطة والعلقات ذات الخلية الواحدة (الخلية هي الوحدة التي ينتج عنها بالتعدد والاختلاف النبات والحيوان[4]) ولقد تكونت هذه العلقات من مضغة البومينية لا شكل لها تغيرت الأنواع ولا تزال تتغير بتأثير التفاعل بينها وبين البيئة[5]. ويخضع الجنس البشري لقانون التطور العظيم.
    فلقد نشأ عن الحيوانات الأولى مختلف أنواع الحيوانات وفصائلها حتى انتهى بها الأمر إلى الحيوانات التي يبلغ فيها النظام العصبي أكمل نموه وهي الحيوانات الفقرية؛ ومن ثم أدركت الطبيعة ذاتها في الإنسان[6].
    وهكذا تكون الطبيعة – سواء كانت فيزيائية أم حيَّة- عبارة عن حركة. وذلك لأن الحركة هي الصورة التي توجد عليها المادة. ولهذا لم توجد قط مادة بدون حركة ولا يمكن أن توجد قبل هذه المادة. فالحركة موجودة في فضاء الكون وفي الحركة الميكانيكية، واهتزازات الجسيمات في صورة حرارة أو تيار كهربائي أو مغناطيسي، وكذلك نجد الحركة في التحليلات والتركيبات الكيمائية، وفي الحياة العضوية؛ إذ تشارك كل ذرة من المادة في الكون، في كل لحظة، بصورة من صور الحركة هذه أو بعدة صور في نفس الوقت.. ولهذا لا يمكن تصور المادة بدون الحركة كما لا يمكن تصور الحركة بدون مادة[7].
    وهكذا فان موضوع العلم يظل واحدا وهو الحركة سواء كان علم فلك أو فيزياء، أو كيمياء، أو علم حياة (بيولوجيا).
    ولكن ربما قال قائل: فلماذا، إذن، لا يؤمن جميع العلماء بالمادية الجدلية؟.
    كل باحث جدلي في تجربته العيانية؛ فهو لا يستطيع فهم الواقع الا إذا أدركه في حركته. ولكن هذا الباحث الجدلي في التطبيق، يصبح غير جدلي إذا ما فكر في العالم أو إذا ما فكر في تأثيره على العالم لماذا؟ لأنه يعود فيخضع عندئذ لتأثير نظرة ميتافيزيقية عن العالم كالدين أو الفلسفة التي تعلمها في المدرسة. وتعتمد هذه النظرة على السنة القديمة وهي خليط من المعتقدات الذائعة التي تؤثر في العالم دون أن يشعر ولو خيل إليه بأنه حر في تفكيره. وهكذا نجد أن أحد الفيزيائيين لا يحتاج إلى فكرة الله في دراسته التجريبية للذرات ثم إذا به يعود إلى هذه الفكرة عند مخرج مختبره، لأن هذه العقيدة، بالنسبة إليه، لا مجال للشك فيها: كما نجد بيولوجيا آخر خبيرا بدراسة الأجسام الصغيرة.(micro-orgamismes) تتملكه الحيرة كالطفل أمام أقل مشكلة سياسية. هذا البيولوجي وذاك الفيزيائي كلاهما فريسة لتناقض بين الناحية العملية التطبيقية عند العالم وبين نظرتهما إلى العالم. فالناحية العملية جدلية (لأنها لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا كانت جدلية) بينما لا تزال نظرتهما للعالم ميتافيزيقية، ولا تستطيع إلا المادية الجدلية التغلب على هذا التناقض. فهي تمد العالم بنظرة موضوعية عن الكون (الطبيعة والمجتمع) على أنه كل دائم الصيرورة؛ وبهذا يتيح للعالم أن يجعل الناحية العملية عنده في كل مترابط الأجزاء.




    4 – في المجتمع

    إذا كان حقا أن العالم يتحرك وينمو باستمرار، وإذا كان حقا أن زوال القديم وظهور الجديد قانون عام للتطور والنمو، فأنه من الواضح إذن أنه ليس هناك من نظام اجتماعي أبدي أو مبادىء خالدة للملكية الخاصة والاستغلال؛ كما أنه ليس هناك من أفكار خالدة عن خضوع الفلاحين للملاكين والعمال للرأسماليين.
    ولهذا يمكن استبدال النظام الرأسمالي بنظام اشتراكي كما أن النظام الرأسمالي حل محل النظام الإقطاعي في زمانه[8].
    وهذه نتيجة جوهرية للصفة الثانية في الجدلية، تقول بأنه ليس هناك من مجتمع أبدي لا يتغير، على عكس ما تقوله الميتافيزيقا، إذ يعتقد الميتافيزيقي أن المجتمع لا يتغير ولا يمكنه أن يتغير لأنه يمثل على الأرض مشروعا إلهيا خالدا فلقد أراد الله هذا النظام الاجتماعي ولهذا كانت ملكية وسائل الإنتاج الخاصة مقدسة؛ كما كان الذين يثورون على هذه الحقيقة المقدسة مخطئون باسم الأخلاق وما عليهم إلا التكفير عن خطيئتهم! فالله هو حامي الملاكين وهو المهيمن على الأعمال الحرة. فإذا ما حدث بعض التغير فما ذلك سوى حادث سيء لا خطر له بل هو حادث عابر، يمكن بعده ـ بل يجب ـ العودة إلى الحالة السابقة السوية وبهذا يصبح للحملة ضد الاتحاد السوفياتي ما يبررها: إذ يجب إعادة الضالين إلى الحظيرة الرأسمالية الخالدة.
    وقد لجأت الميتافيزيقا، بعد طردها من ميدان علوم الطبيعة، إلى ميدان علوم الإنسان والمجتمع.
    لأنه لو قلنا بأنه يمكن تغيير الطبيعة؛ فأن الإنسان خالد لا يتغير هناك طبيعة إنسانية خالدة بعيوبها التي لا تزول. فما الفائدة إذن من القول بإصلاح المجتمع؟ يا له من وهم خلب…
    تلك هي عقيدة الخطيئة الأصلية التي يعظ بها الناس فرنسوا مورياك على صفحات الفيجارو. وهي نظرة خاصة بالمفكر المسيحي. كما تنتشر في بعض الأوساط البرجوازية المتوسطة التي لا تؤمن بالله أو الشيطان فيخيل إليها أنها فوق كل معتقد بال، وهم إذا كانوا لا يذهبون إلى الكنيسة فأنهم يؤمنون بالنظرة الميتافيزيقية التي تجمد الإنسان والتي خلفها لهم الدين منذ آلاف السنين. فإذا بمحرر في جريدة تصدر للمعلمين من الشبان يكتب عن نقص الجنس البشري الأصلي فيتحدث عن كيس الجلد الذي نلزمه طيلة حياتنا. فيا لها من طبيعة إنسانية شقية ترتكب جميع المخازي!
    وهذا القول في صالح المستغلين للجنس البشري. وإذا كان هناك من يشكو من هؤلاء المستغلين، فليعلم إذن أن الإنسان خلق هكذا وأنه لا سبيل لتغييره.
    وهكذا أصبح اضطهاد الناس وشقاء الفقراء وإعلان الحرب له ما يبرره على مر القرون. إذ يعيد المجتمع ذاته لما لا نهاية لأن الإنسان يظل كما كان. (نلاحظ هنا أن مثل هذه النظرة ترى في الإنسان كائنا بذاته بينما الإنسان في جوهره كائن اجتماعي) ولما كان هذا الإنسان فاسدا كان لا بد من أن يكون المجتمع مرذولا؛ ولا شك أن الدين يقول بأنه يمكننا، لا بل يجب علينا، أن ننقذ أرواح الأفراد. اما فيما يتعلق بالمجتمع فان هذه مسألة أخرى لأنه يجب الامتناع عن أي تحسين لحاله لأنه لا خلاص للإنسان على وجه الأرض.
    ولنلاحظ هنا أن هذه الميتافيزيقا المثقلة بعبء السنين هي التي تبرر كل ما يقوم به زعماء الديمقراطية الاشتراكية ضد الإتحاد السوفياتي. ولقد قال ستالين في 26 كانون الثاني سنة 1924.
    تقوم عظمة لينين، قبل كل شيء، على أنه اثبت في الواقع، بتأسيسه لجمهورية السوفيات، إلى الجماهير المضطهدة في العالم أجمع، أن الأمل في الخلاص لم ينقض، وأن سيطرة كبار الملاكين والرأسماليين ليست خالدة، وأنه يمكن أقامة حكومة العمال بواسطة جهود العمال أنفسهم، وأنه يجب إقامة هذه الحكومة على الأرض وليس في السماء. وهكذا أشعل لينين في قلوب العمال والفلاحين في العالم أجمع جذوة الأمل في التحرر. وهذا ما يفسر أن اسم لينين قد أصبح أعز اسم على قلوب الجماهير الكادحة المستغَلة.
    وهذا ما لا يرضاه بلوم صنيع البرجوازية داخل الحركة العمالية.
    وتعتمد النزعة المناهضة للسوفيات، عند الزعماء الاشتراكين، على فلسفة يائسة. فإذا بلينين وستالين والشعب الروسي مجرمون لأنهم أرادوا، لا بل نجحوا في القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وإذا بليون بلوم وجي موليه يكثران من الخطب حول النزعة الاشتراكية المحررة بيد أنهم لا يعتقدون ما يقولون. فلقد روضتهم البرجوازية الرجعية المعتدية فرسخت فيهم عقلية الفاشلين المغلوبين. ولهذا نرى بلوم في كتابه على مستوى الإنسان يعلن تضامنه مع الفاتيكان، كما يعلن الحرب على الشيوعيين، محاولا إقصاءهم عن الأمة القومية. لماذا؟ لأن الشيوعيين يشهدون بأفعالهم عن أيمانهم بتغيير المجتمع كما يرون في الاتحاد السوفياتي المثل الذي يجب أن يحتذيه جميع العمال.
    وهذا ما لا يرضى به صنائع البرجوازية، فيعملون جاهدين لأبعاد العمال عن الاتحاد السوفياتي الذي يدلهم على طريق الإصلاح. ولهذا لا يتراجع هؤلاء أمام أية نميمة للتدليل على أنه لم يتغير شيء في الاتحاد السوفياتي، ويصحب ذلك بالضرورة مراقبة كل أدب، يصدر عن الاتحاد السوفياتي، يظهر حقيقة ما غيرته الثورة ومنعه.
    وهكذا تبدو فلسفة الاشتراكية الديمقراطية فلسفة ميتافيزيقية صرفة، تقوم على محاربة الحماسة والتضليل وتثبيط همم المناضلين، ولا ادل على ذلك من الجريدة اليومية (Franc-Tireur) أو المجلة الهزلية (Le canard enchaine) إذ نرى أن الفكرة السائدة فيهما في الجد أو السخرية في الخداع أو السباب هي أن لا جدوى من النضال ضد الرأسمالية، والحال سيظل كما كان. لأن أكلة الخوارنة هؤلاء يفكرون بعقلية دينية ولأنهم مقتنعون بعجز الإنسان الأساسي، ولما كانوا هم مفلسين فقد جعلوا التاريخ يفلس أيضاً معهم. ولهذا ظهر الرياء في سخريتهم التي تنم على اليأس والقنوط.
    وذلك لأن التغير ليس من صميم حقيقة المجتمع والطبيعة فقط بل أن المجتمع يتطور بصورة أسرع من تطور الكون الطبيعي؛ فلقد توالت على الإنسانية منذ انحلال المجتمع البدائي أربعة أشكال من المجتمعات وهي: مجتمع الرقيق، المجتمع الإقطاعي، المجتمع الرأسمالي والمجتمع الاشتراكي وكان المجتمع الإقطاعي يعتقد بأنه أبدي كما كان رجال الدين يرون فيه عملا من أعمال الله، كما يجعل اليوم الكردينال سبيلمان من شركات الاحتكار الأميركية إرادة الله. ومع ذلك حل محل المجتمع الإقطاعي المجتمع الرأسمالي، كما حل محل المجتمع الرأسمالي المجتمع الاشتراكي، كما يستعد الاتحاد السوفياتي إلى الانتقال لمرحلة أسمى هي مرحلة الشيوعية.
    لما كان الإنسان كائنا اجتماعيا فليس هناك من إنسان خالد. أو لم يمت الإنسان الإقطاعي عند مطلع العصور الحديثة في شخص دون كيخوت؟ أما ما يدعي بالأنانية الأصيلة فقد ظهرت مع تقسيم المجتمعات إلى طبقات، فكانت عبادة الذات المشهورة التي تقول بأن الأنا فوق كل شيء ثمرة البرجوازية السائدة التي تجعل من المجتمع مأسدة يتصارع الناس فيها لتحقيق أغراضهم بواسطة الخداع والقوة وأن اضطروا لبناء صرح سعادتهم على شقاء الضعفاء! ومع ذلك ينشأ في المجتمع الرأسمالي نفسه انموذج إنسان جديد لا يرى سعادته الا ضمن سعادة المجتمع، ويجد أسمى نعيمه في النضال من أجل الإنسانية جمعاء ويتحمل في سبيل ذلك أعظم التضحيات. وهكذا تشارك هذه الأم العاملة في شركة رينو بالإضراب من أجل زيادة الأجور مع علمها بأن الجوع سيحل بأطفالها طيلة أيام الإضراب. كما يرفض عمال مرفأ روان، تضامنا مع عمال العالم، سبعة عشر مرة تفريغ الاسلحة المخصصة لمحاربة السوفيات مؤثرين ألم الجوع والحرمان[9].
    ليس هناك إذن، إنسان خالد، كما أنه لم يكن هناك خطيئة أصيلة. ولهذا فأن جميع الذين يناضلون، اليوم ضد الرأسمالية يعملون في نفس الوقت على تغيير أنفسهم. وتزداد إنسانيتهم بقدر محاربتهم لنظام غير إنساني، لأن الحقيقة الإنسانية، ككل حقيقة، جدلية. فقد ارتفع الإنسان، عن مستوى الحيوان، بنضال استمر آلاف السنين ضد الطبيعة، وليس هذا النضال في آخر مراحله بل هو لا يزال في أول مراحله كما يقول بولس لانجفين، وليس تاريخ هذا النضال منفصلا عن تاريخ المجتمعات؛ فإذا بنا نعثر هنا، من خلال القانون الثاني للجدلية القائل بأن كل شيء يتغير، على القانون الأول القائل بأن كل شيء مترابط مع غيره إذ لا يمكن فهم الوعي الفردي خارج المجتمع. ولهذا يمكن للإنسان، في بعض الظروف، التقهقر إلى الوراء. إذ تحاول البرجوازية الرجعية، محافظة منها على مصالحها، أن تعود القهقرى بعجلة التاريخ فتظهر الفاشية: فاشية ايزنهور وماك كارتي أو فاشية هتلر. ولكن هذه الفاشية تنحط بالإنسان لأن رجال شرطة هتلر (s.s) الذين اضطهدوا المشردين قد اضطهدوا في نفس الوقت الإنسانية التي لا تزال ترقد في أنفسهم، فهم إذ ما داسوا إنسانية الغير بأرجلهم أنما يدوسونها في أنفسهم أيضا. وليس جانب الصلاح في الإنسان عطية من الله بل هو كسب ناله على مر الأيام. وهذا الكسب هو ما تعرضه البرجوازية، كل يوم للخطر. فإذا بالقنبلة الذرية تسيطر على تفكيرها وإذا بالدولار يحتل ضميرها. ولهذا حق للمحامي عمانوئيل بلوش أن يهتف مساء تنفيذ حكم الإعدام بآل روزنبرج: أن الذين يحكموننا هم حيوانات!.
    فكيف لا نعارض قسوة طبقة فاسدة بالرحمة التي تخيم على الإنسانية في المجتمع الاشتراكي؟ تبدو لنا هنا قوة المادة الجدلية التي تضيء طريق الشيوعية وحقيقتها. فلقد دلت أعمال رجال السوفيات الذين تحرروا من الاستغلال على حقيقة التأوهات عن خلود الشقاء. ولهذا ليس هدف قانون الجزاء السوفياتي تأديب المجرم بل تغيير حاله عن طريق العمل الاشتراكي. تحيق بالمجرم في النظام الرأسمالي لطخة عار لا تمحي حتى بعد انقضاء مدة سجنه أما في الاتحاد السوفياتي فلقد وجد الشواذ من الشبان الذين قام على إصلاحهم ماكارانكاو طريق الحياة كما أصبح المجرمون واللصوص مواطنين شرفاء قد تخلصوا من أوزار الماضي، وليس من الصدفة أن زال شذوذ الشبان في الاتحاد السوفياتي بينما هو يزداد في المجتمع الرأسمالي يوما بعد يوم.
    فلقد ماتت في المجتمع الاشتراكي فكرة القضاء المحتوم.
    ونجد اليوم دليلا رائعا على ذلك عند الأطباء السوفيات زملاء بافلوف. فلقد كان قول التوراة عن المرأة سوف تلدين في الألم يحيق بالأجيال المتتابعة. فإذا بالولادة لم تعد ألما مضنيا في روسيا بفضل دراسة عمل المراكز العصبية دراسة جدلية وتوضيح مشكلة الألم. هكذا تزعزعت الفكرة القديمة القائلة بأن الألم قانون الولادة وأنه ضريبة الخطيئة الأصلية و متعة الجسد. وسوف تنمو الفكرة الجديدة وتنتقل من جيل لجيل بينما تنحل الفكرة القديمة عن الولادة في الألم لتزول إلى الأبد. أما أن يرجع الفضل في مثل هذا الاكتشاف الرائع للأطباء السوفيات فليس هذا من قبيل الصدفة. لأنه عمل علماء جدليين يعتقدون أن ليس في الكائن الإنساني أي عيب أبدي[10].

    5 – الخلاصة

    أن الاقتصار على جانب واحد من الواقع والاكتفاء بلحظة واحدة من مراحل التطور وكذلك الاعتقاد بأن الماضي لا حاجة به للمستقبل كل ذلك دليل على جهل جدلية الواقع. كما أن من يحكم على أميركا اعتمادا على شخصية الشيخ ماك كارتي فيعتقد بأن مستقبل أميركا سوف يكون صورة مطابقة لما جرى في التاسع عشر من حزيران سنة 1953 (حين نفذ حكم الإعدام بآل روزنبرج) يخطىء خطأ فاحشا. ذلك لأن مستقبل الولايات المتحدة هو بالأحرى من صنع القوى الجديدة التي يحاول المدافعون عن القديم القضاء عليها. ولقد كتب ستالين يقول: أن أهم شيء هو ما يتطور. إذ مهما كانت ضئيلة جرثومة هذا التطور فإنها تحتوي مع ذلك على الحياة، وهذه الحياة هي ما يجب الحفاظ عليه بجميع الوسائل، لأنها تستحق كل عناية. وهكذا فأن نضال أيتيل وجولويوس روزنبرج ضد الجريمة سوف ينتصر بالرغم من أن الجريمة قد اضرت بهما. وكما أن تباشير الصباح تشير بمولد النهار فأن أمثولة آل روزنبرج تبشر بميلاد أميركا عادلة مسالمة. كما قالت ايتيل روزنبرج لأولادها:
    لسوف يكون العالم يا بني سعيدا مخصبا فوق قبرينا[11].
    أما أولئك الذين قضوا عليهما أملا في إيقاف عجلة التاريخ فلقد حاق بهم الموت أكثر من الأموات.
    ينقص الميتافيزيقي الاحساس بالتغير والإحساس بالجديد. وهذه هي ميزة الجدلي في كل حين والتي تهب الماركسي قوته المبدعة الخلاقة. إذ ليست الماركسية عبارة عن مجموعة من الوصفات التي تصلح لكل مكان وزمان بل هي علم التغير والتحول الذي يزداد مع التجربة. ولا يأبه الميتافيزيقي بما يتغير فهو يعتقد بأنه قد حدثت حربان عالميتان، ولهذا فلسوف تتبعهما حرب ثالثة وإذا كان كل شيء يتغير حوله فأنه لا يرى هذا التغير. ولما كانت البرجوازية تحلم بالبقاء فهي تخشى الجدلية التي تدل على أن سيطرة البرجوازية آخذة بالأفول وأن بدت وطيدة الأركان لمن لا يتعمق الأشياء فيحسب ضربات المطارق دليلا على القوة. ولهذا كتب ستالين معلقا على الميزة الثانية للجدلية:
    يجب أن لا نعتمد في عملنا على الطبقات الاجتماعية التي لا تتطور وأن كانت تمثل في الوقت الحاضر القوة السائدة، بل على الطبقات الاجتماعية التي تنمو وتتطور لأن المستقبل لها وأن كانت لا تمثل في الوقت الحاضر القوى السائدة[12].
    لأن الموقف العلمي لا يقوم على الاكتفاء بما نشاهده أمام أنظارنا بل في فهم ما يموت وما يولد وأن نهتم أكثر ما نهتم بما يولد. وأما المساواة في الاهتمام بهما فأن في ذلك مساً بالواقع وتشويها له لأن الواقع حركة دائمة. ولهذا كان الماركسيون ذوي نظر للمستقبل لأنهم ينظرون لكل واقع حسب صيرورته ولهذا كشف الماركسيون بجدليتهم الصحيحة، منذ البداية، كل ما يتضمنه مشروع مارشال[13] بينما كان الزعماء الاشتراكيون يرحبون بالمشروع على أنه رخاء وازدهار.
    ينقد ستالين في كتابه مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي الذين لا يرون الا الظواهر الخارجية ولا يغوصون إلى الأعماق والذين لا يرون القوى الدخيلة، التي وأن كانت تعمل بصورة موقتة وبصورة خفية فأنها تؤثر مع ذلك في تحديد اتجاه الحوادث.
    وهذه ملاحظة قيمة لنا جميعا ولا سيما لأوساط العمال، لأن ما يولد وينمو هي وحدة العمال التي توطدت أولا بين العمال الشيوعيين والعمال الاشتراكيين ثم اتسعت فإذا بالثقة في الانتصار القريب تفعم قلوب الجماهير. تلك هي القوة التي لا تقهر والتي، إذا ما انقلب النسيم ريحا عاصفة، ستزيل جميع العقبات. ذلك لأن النضال لتوحيد العمال الذين تختلف آراؤهم وتتحد مصالحهم يتفق وقانون الجدلية الثانية ولقد دل اتساع حركة الإضرابات عام 1953 على اشتراك جميع طوائف العمال في النضال الايجابي.
    ونرى المنشق، على عكس ذلك، ميتافيزيقيا. فهو يرفض دعوة زميله للعمل المشترك بحجة أنه اشتراكي أو مسيحي. فهو يجهل بذلك قانون التغير والتحول كما أنه لا يريد أن يرى أن وعي هذا العامل سوف يتغير بتأثير العمل المشترك من أجل تحقيق هدف واحد: ذلك لأن العمل جنبا إلى جنب يقضي على الشكوك والأوهام. أما المنشق فهو يفكر كما لو كان قد علم شيئا دفعة واحدة وهو ينسى أن الإنسان لا يولد ثوريا بل يصبح ثوريا. كما ينسى أن عليه أن يتعلم الشيء الكثير. والثوري الحقيقي هو الجدلي الذي يعمل على تهيئة الظروف الملائمة لتقدم الشيء الجديد. وكلما ازداد عزم الزعماء الاشتراكيين على الحيلولة دون توحيد جبهة العمال، كلما ازداد عزمه على تحقيق هذه الوحدة في موقفه من العمال الاشتراكيين.

    [frame="1 80"]
    [1] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية ص 405

    [2] انجلز: جدلية الطبيعة، ص 75. المطبوعات الاجتماعية.

    [3] يقول انجلز: تحتوي كل حركة على حركة ميكانيكية (آلية) (جدلية الطبيعة ص275. المطبوعات الاجتماعية) وهكذا فأن التفاعل الكيمائي يستخدم الذرات التي تكون الجسيمات المادية وهذه الذرات متحركة. كما يحدث في الذرات. داخل النواة، تحركات سريعة تدرسها الفيزياء الذرية. وكذلك لا تنفصل الطاقة الكهربائية عن تنقل الأليكترونات وهي جسيمات صغيرة جداً.

    [4] انجلز: لودفيج فورباخ، ص 36، دراسات.. ص 47

    [5] تدل أبحاث ميتشورين ورفاقه وتجاربه أنه يمكن في بعض الظروف تحويل نوع إلى نوع آخر.

    [6] انجلز: جدلية الطبيعة، ص41. المطبوعات الاجتماعية.

    [7] انجلز: ضد دورنج، ص 92. المطبوعات الاجتماعية.

    [8] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص8.

    [9] راجع حول هذا الموضوع قصص أندريه ستيل الرائعة: الصدمة الأولى (Le premier choc)، طلقة المدفع (Le coup du canon)، باريس معنا (Paris avec nous)، اتحاد الناشرين الفرنسيين.

    [10] تمثل لنا أفضل القصص والشرطة السوفياتية بصورة ملموسة قوى التحول التي تعمل عند الإنسان بفضل الاشتراكية، كشريط الفارس ذو النجمة الذهبية Le chevalier a l etoile dor وقصة أجايف: بعيدا عن موسكوLoin de Moscou وقصة ج. نيقولايف الحصاد La Moisson . اتحاد الناشرين الفرنسيين.

    [11] راجع قصيدة ايتيل روزنبرج لأولادها. في رسائل منزل الموت جاليمار.

    [12] ستالين: المادة الجدلية والمادة التاريخية. ص 9.

    [13] م. توريز في اللجنة المركزية في أسي – مولينو، حزيران 1953.[/frame]

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي قانون التحول النوعي (الجدلية الماركسية)

    قانون التحول النوعي ( الجدلية الماركسية )


    إذا غليت الماء أخذت حرارته بالارتفاع درجة بعد درجة حتى إذا ما بلغت درجة معينة جعل الماء يتبخر ويتحول إلى بخار ماء.
    نحن هنا أمام نوعين من التغير إذ أن تغير الحرارة التدريجي هو تغير كمي أي أن كمية الحرارة التي يحتوي عليها الماء تزداد، غير أن الماء في وقت ما يفقد صفته كسائل ويصبح غازاً دون أن يغير من طبيعته الكيمائية.
    وهكذا نسمي تحولا كميا مجرد ازدياد الكمية أو نقصانها، كما نسمي تحولا نوعيا الانتقال من صفة إلى صفة أخرى أو من حال إلى حال كالانتقال من حالة السيولة إلى حالة الغازية.
    دللت دراسة الميزة الثانية للجدلية على أن الواقع تحول مستمر. وسوف تدلل دراسة الميزة الثالثة للجدلية على أن هناك صلة بين التحولات الكمية والتحولات النوعية. ذلك لأن التحول النوعي (كتحول الماء إلى بخار ماء) ليس من قبيل الصدفة بل هو نتيجة حتمية للتحول الكمي أي لازدياد الحرارة التدريجي. حتى إذا ما بلغت الحرارة درجة معينة (100 درجة) أخذ الماء بالغليان في ظروف الضغط الجوي الطبيعي. فإذا ما تغير الضغط الجوي تغيرت درجة حرارة الغليان حسب ما تقول الميزة الأولى للجدلية بأن كل شيء مرتبط بالآخر. ولكن درجة الغليان تظل واحدة بالنسبة لجسم معين، تحت ضغط جوي معين. ويعني هذا أن التحول الكمي ليس وهماً بل هو حادث موضوعي مادي يتفق والقانون الطبيعي. ولهذا كان حادثا يمكن التنبؤ بوقوعه فيقوم العلم بالبحث عن التحولات الكمية الضرورية لحدوث تحول كمي معين.
    ونرى الصلة بين نوعي التحول واضحة في حالة غليان الماء. وتعتبر الجدلية أن هذه الصلة بين التحول الكمي والتحول الكيفي قانون شامل في الطبيعة والمجتمع.
    ولقد رأينا في الدرس السابق أن الميتافيزيقا تنكر التحول وأنها إذا ما قالت به فأنها تجعل منه عبارة عن تكرار. وضربنا لذلك مثل ساعة الحائط. فإذا بالكون أشبه بساعة حائط لا يكف فيها الرقاص عن تكرار حركته. فإذا ما طبقنا مثل هذه النظرية على المجتمع أصبح التاريخ الإنساني عبارة عن دورة متكررة لا تتغير. ويعني هذا أن الميتافيزيقا تعجز عن تفسير كل جديد. فإذا فرض هذا الجديد نفسه عليها رأت فيه مظهرا من مظاهر العبث في الطبيعة أو نتيجة لمعجزة إلهية. أما الجدلية، فهي، على العكس، لا تدهش ولا تتولاها الحيرة من ظهور الجديد، لأن هذا الجديد ثمرة ضرورية للكثير من التغيرات الكمية الصغيرة التدريجية التي لا مغزى لها في الظاهر. وهكذا تخلق المادة بحركتها الخاصة الشيء الجديد.
    2 – ميزة الجدلية الثالثة

    لا تعتبر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، عملية النمو على أنها مجرد عملية نماء لا تؤدي بها التحولات الكمية إلى تحولات كيفية بل على أنها عملية نمو ينتقل من التحولات الكمية الضئيلة الكامنة إلى تحولات ظاهرة أساسية هي التحولات الكيفية. وليست هذه التحولات الكيفية تدريجية بل هي تحولات سريعة مباغتة، تحدث بواسطة قفزات من حالة لأخرى. وليست هذه التحولات عارضة بل هي ضرورية لأنها ثمرة تحولات كمية تدريجية لا نشعر بها[1].
    ولنوضح جيدا بعض جوانب هذا التعريف. قلنا في الفقرة السابقة أن التحول الكيفي هو تحول حالة إذ يصبح الماء السائل بخار ماء، أو أن الماء السائل يصبح ماء جامدا (ثلجا). كما تصبح البيضة صوصا والبرعم زهرة، وكذلك يموت الحي ويصبح جثة هامدة.
    أما النمو فهو يعني أن ما يبدو جديدا قد نما بالتدريج، إذ ليس هناك من معجزة بل اعداد بطيء لا يكشف عنه سوى الجدلية وحدها. ولهذا يقول موريس توريز في كتابه “ابن الشعب” (ص 248).
    “خرجت الاشتراكية من الرأسمالية كما تخرج الفراشة من الشرنقة”.
    وأما القفزات فهي تعني أنه إذا كان يلزم المرشح 60223 صوتا لينتخب نائبا فأن الصوت الأخير هو الذي يحقق الانتقال الكيفي الذي يصبح به المرشح نائبا. ومع ذلك فأن هذا التحول السريع المباغت قد أعد بواسطة تجمع الأصوات: صوتا فوق صوت. ذلك هو مثال بسيط للتحول الكيفي.
    وكذلك تتفتح الزهرة بعد نضج بطيء، كما أن الثورة التي تندلع في وضح النهار ما هي الا تحول قد اعد بواسطة التطور البطيء.
    ولا يعني هذا أن جميع التحولات الكيفية تتخذ طابع الأزمات والانفجارات. إذ أن هناك حالات يتم فيها الانتقال إلى الصفة الجديدة بواسطة تحولات كيفية تدريجية. فلقد دلل ستالين في بحثه “حول الماركسية في علم اللغة” على أن التغيرات التي تطرأ على اللغة تتم بواسطة تحولات كيفية تدريجية.
    وكذلك بينما يتم الانتقال الكيفي من المجتمع المنقسم إلى طبقات متنازعة إلى مجتمع اشتراكي عن طريق الانفجار. فأن نمو المجتمع الاشتراكي يتم بواسطة تحولات كيفية تدريجية بعيدة عن الأزمات.
    قال ستالين: “حققنا خلال ثمان إلى عشر سنوات الانتقال بزراعة بلادنا من النظام البرجوازي القائم على استغلال الفلاح إلى نظام الكولخوز الاشتراكي، ولقد قضى هذا التطور على النظام القديم الاقتصادي البرجوازي في القرى وأوجد نظاما جديدا اشتراكيا. ولم تتم هذه التغييرات الأساسية بواسطة الانفجار، أي بالقضاء على السلطة القائمة وإيجاد سلطة جديدة، بل بالانتقال التدريجي من النظام القديم البرجوازي في القرى إلى نظام جديد. ولقد أمكن ذلك لأنها كانت ثورة من عل، ولأن التحول الرئيسي قد تحقق على يد السلطة القائمة بمساعدة جماهير الفلاحين[2].
    وكذلك فأن الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية هو تحول كيفي يتم بدون أزمات، لأن الناس في النظام الاشتراكي، وقد تسلحوا بسلاح الماركسية، هم أسياد مصيرهم، ولأن المجتمع الاشتراكي لا يتكون من طبقات اجتماعية متنازعة.
    وهكذا نرى أنه يجب دراسة الطابع النوعي الذي يتخذه التحول في كل حالة. فلا يجب أن نجعل من كل تحول كيفي نوعا من الانفجار. ولكن مهما كانت الصورة التي يرتديها التحول الكيفي فليس هناك من تحول كيفي لم يسبقه إعداد له وتحضير.
    والشيء الشامل هي الصلة الضرورية بين التحول الكمي والتحول الكيفي.

    3 – في الطبيعة

    أمامنا ليتر من الماء. فلنقسمه إلى قسمين متساويين، نجد أن هذه القسمة لم تغير قط من طبيعة الجسم لأن نصف ليتر من الماء ماء أيضا. ونستطيع أن نستمر في التجزئة حتى تصل إلى حجم رأس الإبرة من الماء ومع ذلك يظل هذا الحجم ماء ولا يحدث عن ذلك أي تحول كيفي. ويظل الحال كذلك حتى نصل إلى جزيء الماء[3] فهو يتكون من ذرتين من الهدروجين وذرة من الأكسجين. فهل يمكننا مواصلة التجزئة وتحليل الجزيء؟ أجل. بواسطة طريقة خاصة… ولكن لن يكون لدينا حينئذ ماء بل هيدروجين وأوكسجين. اذ أن الهيدروجين والأوكسيجين اللذين نحصل عليهما بتجزئة جزيء الماء لن يكون لهما صفات الماء. ويعلم كل منا أن الأوكسيجين يشعل اللهيب وأن الماء يطفيء الحرائق.
    هذا المثال شاهد على القانون الثالث للجدلية وهو أن التحول الكمي (تجزئة حجم الماء تجزئة تدريجية) يؤدي بالضرورة إلى تحول كيفي (ظهور جسمين مختلفين كيفيا عن الماء).
    والطبيعة مفعمة بمثل هذه التحولات.
    ولا يمكن أن تحدث التحولات الكيفية في الطبيعة، بصورة واضحة في كل حالة معينة، الا بإضافة كمية من المادة أو الحركة أو ازالتها (أو من الطاقة كما يقولون)[4].
    ويستشهد انجلز نفسه على ذلك بعدد من الأمثلة. فالأوكسيجين مثلا إذ اتحدت ثلاث ذرات منه بدلا من ذرتين لتكوين جزيء لحصلنا على الأوزون، وهو جسم يختلف عن الأوكسيجين العادي برائحته وتأثيره. وكذلك القول في النسب المختلفة التي يمتزج بها الأوكسيجين مع الأزوت والكبريت فتكون كل نسبة جسماً يختلف عن الأجسام الأخرى! إذ الفرق كبير بين هذين الجسمين N20 وN205 فالأول غاز بينما الثاني جسم صلب متبلور. ومع ذلك يرجع كل الاختلاف بينهما في أن الجسم الثاني يحتوي على خمسة أضعاف ما يحتويه الأول من الأوكسيجين. ويقوم بينهما ثلاثة أجسام هي:NO2, N2O3, NO, تختلف عن الجسمين الأوليين كما تختلف فيما بينها[5].
    ولقد أتاحت هذه الصلة الضرورية بين الكمية والكيفية لمندلييف أن يقوم بتصنيف العناصر[6].
    فلقد صنف العناصر حسب أوزانها الذرية المتصاعدة[7]. ويظهر هذا التصنيف الكمي للعناصر الذي يبدأ بأخفها (وهو الهيدروجين) وينتهي باثقلها (وهو الأورانيوم)، ما بينها من اختلاف كيفي في الصفات. ولقد وجد في هذا التصنيف أماكن فارغة مما جعل مندلييف يستنتج أن هناك عناصر جديدة كيفيا يجب اكتشافها في الطبيعة، فوصف مسبقا صفات أحد هذه العناصر الكيمائية، ثم أكتشف هذا العنصر فيما بعد. وهكذا استطعنا بفضل تصنيف مندلييف المنهجي التنبؤ بوجود أكثر من عشرة عناصر كيمائية لم يكن توجد من قبل في الطبيعة تم الحصول عليها صناعيا.
    ولقد أتاحت لنا الكيمياء، التي تدرس لب الذرة، أن نزداد فهما لأهمية الصلة الضرورية بين الكمية والكيفية، كما أنها وسعت من ميدان معارفنا. وهكذا حقق روذرفورد بتدمير ذرات الأزوت بواسطة ذرات الهليون (وهي جزيئات ذرية تنشأ نتيجة لتحلل ذرة الراديوم) تحويل ذرات الأزوت إلى ذرات الأوكسيجين. وهذا مثال رائع للتحول الكيفي. بيد أن دراسة هذا التحول قد دللت على أنه مشروط بتحول كمي، ذلك لأنه لب الأزوت ـ الذي يحتوي على سبعة بروتونات[8] ـ يفقد بتأثير الهيليون بروتونا واحدا بينما يأخذ من جهة ثانية بروتونين من لب الهيليون فينتج عن ذلك لب ذو ثمانية بروتونات أي لب الأوكسيجين.
    ويمكن لعلوم الحياة أن تمدنا بطائفة من الأمثلة. وذلك لأن نمو الطبيعة الحية لا يشبه مجرد ترداد نفس العمليات. لأن مثل هذه النظرية تحول دون فهم التطور. وتلك هي نظرية علم الولادة (genetique) القديم (ولا سيما عند ويزمان) الذي يقول بأن مستقبل الكائن الحي كان في مادة وراثية (les genes) لا تتغير ولا تتأثر بالبيئة. فيصبح مستحيلا عندئذ فهم ظهور الشيء الجديد. غير أن نمو الطبيعة الحية، في الواقع، يفسره تراكم التحولات الكمية التي تنقلب إلى تحولات كيفية. ولهذا كتب انجلز يقول:
    “أنه لمن الجنون تفسير ولادة خلية واحدة من المادة الجامدة رأسا بدلا من المضغة (albumine) الحية، أو الاعتقاد بأنه يمكننا، بواسطة قليل من الماء الآسن، حمل الطبيعة على أن تضع في خلال أربع وعشرين ساعة ما قضت ملايين السنين في اعداده[9].
    نفهم الآن كيف أن هذا النمو الكمي والكيفي للطبيعة الحية يستطيع أن يجعلنا نفهم ما نعنيه، في الجدلية، بالانتقال من البسيط إلى المعقد، مما هو سفلي إلى ما هو علوي. ذلك لأن الأنواع التي تنشأ عن التطور تتعقد شيئا فشيئا ولهذا تنوع تكوين الكائنات الحية أكثر فأكثر.
    وكذلك تكون من البيضة عدد كبير من الأعضاء المتمايزة كيفيا لكل منهما وظيفته الخاصة. وهكذا ليس نمو الكائن الحي مجرد تكاثر الخلايا، بل هو عملية تمر بالعديد من التحولات الكيفية.
    فإذا أخذنا بدراسة الجهاز العصبي وعلم النفس الفينا من جديد قانون العلاقة بين الكمية والكيفية في صور متعددة. فالاحساس (sensation) مثلا (كرؤية النور، والإحساس بالحرارة، والسمع واللمس الخ). وهو ظاهرة خاصة بالنظام العصبي، لا يظهر الا إذا بلغت الإثارة ـ أي تأثير المثير على الجهاز العصبي ـ مستوى كميا معينا يسمى بالعتبة. وهكذا لا يمكن أن تتحول الأثارة الضوئية إلى إحساس الا إذا استمرت مدة من الزمن بقوة دنيا. وعتبة الإحساس هو الوقت الذي يحدث فيه الانتقال من كمية المثير إلى كيفية الرد عليها: أما قبل هذه العتبة فلا يحدث الإحساس لأن المثير ضعيف جدا.
    وكذلك يتكون “المفهوم” (Concept) بواسطة تكرار الاستعمال له اعتمادا على الإحساسات.
    فاستمرار الاستعمال الاجتماعي يؤدي في استعمال الناس إلى تكرار الأشياء التي يدركونها بحواسهم والتي تؤثر فيهم، فيحدث بالنتيجة في ذهن الإنسان قفزة في عملية المعرفة ويخرج المفهوم إلى الوجود[10].
    والإحساس هو انعكاس جزئي للواقع، فهو لا يكشف لنا الا عن الجوانب الخارجية. غير أن الناس باستعمالهم الاجتماعي المتكرر وبعملهم، يتعمقون هذا الواقع فيدركون مغزى العمليات الداخلية التي جهلوها آنفا، كما يدركون القوانين التي تفسر الواقع وتتخطى الظاهر. وهذا هو “المفهوم” وهو شيء جديد كيفيا بالنسبة للإحساسات بالرغم من أن هذه الإحساسات ضرورية لتكوينه. وهكذا لن يقدّر “لمفهوم” الحرارة أن يتكون إذا لم يحس الناس في ظروف عديدة متنوعة بالحرارة. غير أنه وجب استمرار الاستعمال الاجتماعي آلاف السنين قبل الانتقال من الاحساسات إلى المفهوم الحالي للحرارة كصورة من صور الطاقة، فأمكن حينئذ تمثيل الصفات الرئيسية للحرارة: فقد تعلم الناس “إشعال النار” واستخدام آثارها الحرارية في مئات الصور لإرضاء حاجاتهم، ثم تعلموا بعد ذلك قياس كمية الحرارة، وتحويل الحرارة إلى عمل والعمل إلى حرارة. الخ…
    وكذلك الانتقال من مسح الأراضي، الذي نشأ عن حاجات اجتماعية (قياس الأراضي)، إلى الهندسة (وهي علم الأشكال التجريدية) هو تحول الإحساسات إلى مفاهيم.
    وهذا هو الحال فيما يتعلق بمبادىء المنطق التي يعتبرها الميتافيزيقيون أفكار أزلية. مثال ذلك المبدأ الشائع القائل بأن “الكل أكبر من الجزء” وأن الجزء أصغر من الكل” هو، كصورة من صور المنطق، ثمرة جديدة كيفيا لاستعمال وجد في المجتمعات القديمة في أشكال مختلفة كأن تلاحظ، مثلا، أنه يجب كمية من الغذاء لإطعام رجل، أقل مما يجب لاطعام عشرين رجلا.
    ولقد كتب لينين يقول في “كراسات فلسفية”:
    “حمل نشاط الإنسان العملي وعيه على تكرار مختلف الصور المنطقية حتى أصبح لهذه الصور قيمة المباديء[11]“.
    كما يقول:
    “يستقر النشاط العملي للانسان، بعد تكراره مليارات المرات، في وعي الإنسان في صور منطقية”.
    تلك هي الميزة الثالثة للجدلية التي تدلنا على تفسير عقلي للاختراع، إذ أن الميتافيزيفي يعتبر ظهور الأفكار الجديدة، كما يعتبر الاختراع، وحيا إلهيا أو مجرد صدفة. أو ليس الاختراع (في الوسائل الصناعية، وفي العلوم والفنون وغيرها) تحولا كيفيا يحدث في انعكاس الواقع العقلي بعد إعداد طويل بواسطة تراكم التحولات الطفيفة في نشاط الإنسان العملي؟ ولهذا لا تتم الاكتشافات الكبرى الا بعد تحقق الشروط الموضوعية لإمكانية تمامها.
    وتدلنا الأمثلة الأخيرة التي اخترناها (كالانتقال من الإحساس إلى المفهوم، والاختراع الذي يؤدي إليه الاستعمال العملي الطويل) على جانب مهم من عملية الانتقال من التحول الكمي إلى التحول الكيفي . ذلك لأن الانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى الحالة الكيفية الجديدة هو في الغالب تقدم. فهو إذن انتقال من السفلي إلى العلوي. وهذا هو حال الإنسان حين ينتقل من الأحساس (وهو صورة سفلية للمعرفة) إلى المفهوم (وهو صورة عليا للمعرفة). وكذلك الشأن في انتقال الجامد إلى الحي، لأن مثل هذا الانتقال انما هو تقدم خطير. ولهذا كانت الحركة التي تؤدي إلى مثل هذه التحولات الكيفية، كما يقول ستالين: “حركة تقدمية صاعدة5[12]6″.
    وسنرى أن ذلك هو الحال أيضا في تطور المجتمعات.

    4 – في المجتمع

    رأينا في الدرس السابق أن المجتمع متحرك كالطبيعة. وتقوم هذه الحركة على الانتقال من التحولات الكمية إلى التحولات الكيفية.
    ولقد فهم لينين ذلك حينما كان لا يزال طالبا سنة 1887 في جامعة كازان ـ وكان يقوم بمقاومة القيصرية ـ فأجاب على مفوض الشرطة الذي قال له: “أنكم تنطحون برؤوسكم حائطا لا يتزحزح” ـ حائطا؟ أجل، ولكنه حائط نخره السوس، وتكفيه دفعة بسيطة حتى ينهار”. إذ كانت القيصرية، في الواقع، كالحائط الذي أفسدته الأمطار سنة بعد أخرى، ولقد أدرك لينين أن التحول الكيفي (وهو انهيار القيصرية) قريب.
    وهكذا يسبق التحولات الكيفية في المجتمع تحولات كمية بطيئة.
    فالثورة (تحول كيفي)، إذن، هي نتيجة تاريخية ضرورية لتطور بطيء (تحول كمي). ولقد حدد ستالين بوضوح الجانب الكمي والجانب الكيفي للحركة الاجتماعية حيث يقول :
    “يعلمنا المنهج الجدلي أن الحركة تتخذ صورتين: صورة تطورية وصورة ثورية، وتكون الحركة تطورية حين تستمر العناصر التقدمية في عملها اليومي بصورة تلقائية فتحدث في النظام القديم بعض التحولات الكمية الطفيفة. كما تكون الحركة ثورية حين تتحد هذه العناصر تحت لواء فكرة واحدة فتنطلق ضد العدو لتقتلع النظام القديم من جذوره وتحدث في الحياة تحولات كيفية كما تقيم نظاما جديدا محل النظام القديم.
    وهكذا يمهد التطور للثورة بينما تقوم الثورة باتمام هذا التطور كما تساعده في عمله المقبل[13].
    ويستشهد ستالين على هذا التحليل بحوادث 1905. فلقد “قامت طبقة العمال (البروليتاريا) في كانون الأول سنة 1905 بمهاجمة مستودعات الأسلحة ثم سارت للقضاء على الرجعية”. ولقد سبق هذه الحركة الثورية تطور طويل تم خلال السنوات السابقة “حين كانت البروليتاريا في تطورها العلمي، تقنع بالاضرابات المتفرقة وايجاد نقابات للعمال صغيرة”.
    وكذلك سبق الثورة الفرنسية عام 1789 نضال طبقي طويل، فإذا بالتحولات الكيفية الهائلة تحدث في فرنسا خلال بضع سنوات (1789–1790) ولم تكن هذه التحولات ممكنة لولا التحولات الكمية التي تراكمت عبر السنين، أي لولا الهجمات العديدة الجزئية التي شنتها البرجوازية ضد الإقطاعية حتى الهجوم النهائي واستيلاء الرأسماليين على الحكم.
    أما فيما يتعلق بالثورة الاشتراكية في تشرين الأول سنة 1917 فأن “تاريخ الحزب الشيوعي (البولشفيكي) في الاتحاد السوفياتي” يطلعنا على الطريقة التي تم بها هذا التحول الكيفي الهائل، وهو أكبر تحول في التاريخ، بواسطة سلسلة من التحولات الكمية، فإذا ما أردنا الاقتصار على الفترة بين 1914 ـ1917 فأن الفصلين 6 و 7 يدلاننا على تضخم الحركة الشعبية في هذه السنوات الخطيرة حتى استيلاء السوفيات على الحكم.
    ويجب أن نلاحظ هنا (كما فعلنا في نهاية المسألة الثالثة من هذا الدرس) أن الانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى الحالة الجديدة يكون تقدما. فالحالة الرأسمالية هي أفضل من الحالة الإقطاعية، والحالة الاشتراكية أفضل من الحالة الرأسمالية، إذ أن الثورة تقوم بالانتقال من السفلي إلى العلوي. لماذا؟ لأنها تقوم بالتوفيق بين النظام الاقتصادي للمجتمع وبين متطلبات نمو قوى الانتاج.
    من المهم أن لا نفصل بين الجانب الكيفي والجانب الكمي في الحركة الاجتماعية بل يجب النظر إليهما في ترابطهما الضروري. اما النظر إلى جانب دون الآخر فأن ذلك يؤدي إلى ارتكاب خطأ كبير.
    وهكذا يؤدي الاقتصار على رؤية جانب التطور في النزعة الإصلاحية (reformisme) التي تعتقد بأنه يمكن تحقيق الإصلاحات الاجتماعية بدون الثورة. ونزعة الاصلاح هذه هي نظرية برجوازية لتجريد طبقة العمال من سلاحها، فيخيل إليها أن الرأسمالية يمكن أن تزول بدون نضال. وهكذا تكون النزعة الاصلاحية ضد الثورة لأنها؛ تدعو إلى ترقيع النظام المنهار للتفريق بين طبقة العمال وإضعافها والإبقاء على سلطة البرجوازية ضد إزالة هذه السلطة بواسطة الثورة[14].
    ويقوم على نشر النزعة الإصلاحية الزعماء الاشتراكيون أمثال جول موش وبلوم الذي صرح بأنه “حامي الرأسمالية الأمين”، وكذلك موقف كوتسكي الذي يعتقد بأن على الرأسمالية الامبرطورية أن تتحول من نفسها إلى اشتراكية. ويعتمد هؤلاء المشوهون للماركسية على ما يدعونه “بالقانون العام للتطور المنسجم” الذي يضرب بالجدلية عرض الحائط. وبهذا يبررون خيانتهم لمصالح طبقة العمال. ويقوم برنامجهم؛ على محاربة فكرة الثورة أو “الأمل” فيها، لأن هذا الأمل لا يبدو واضحا في نظر الإصلاحي، لأنه لا يدرك مدى التناقضات الاقتصادية والسياسية الحالية، وكذلك على محاربة كل نشاط يقوم على تنظيم القوى وتهيئة الأفكار من أجل الثورة[15].
    وهناك نظرية أخرى مناقضة للجدلية وللثورة في نفس الوقت وهي النزعة المغامرة (aventurisme) التي يتصف بها الاستبداديون والبلنكيون[16]. وتقوم هذه النزعة على إنكار ضرورة إعداد التحول الكيفي (الثورة) بواسطة التطور الكمي. وهي نظرية ميتافيزيقية كالسابقة لأنها لا ترى سوى جانب واحد من جوانب الحركة الاجتماعية.
    وذلك لأن إرادة الثورة دون إرادة ظروفها يجعل هذه الثورة مستحيلة. وهكذا تتشابه كل من النزعة المغامرة والنزعة الإصلاحية في أصولهما.
    غير أن أنصار النزعة المغامرة يوهمون الناس بحديثهم الدائم في كل مناسبة عن العمل ليحولوا بذلك دون العمل الحقيقي. فهم يحتقرون، في الحقيقة، الأعمال المتواضعة والتحولات الكمية البسيطة الضرورية للتحولات الخطيرة.
    ينتقد موريس توريز، في الجزء الرابع من مؤلفاته (ص 128)، عددا من السعاة الشيوعيين الذين ناهضوا عام 1923 مذكرة للمطالبة بحقوقهم وجهها زملاؤهم في البرق والبريد إلى النواب. فكانوا يقولون لزملائهم: “انضموا أولا إلى النقابة الموحدة (C. G .T. U) والا ذهبت مذكرتكم سدى”. ويفسر موريس توريز ذلك بقوله:
    “لا يجب التقليل من شأن المذكرة ولو عارضناها بحملة عن “العمل الشعبي” ذلك لأن المذكرة صورة، لا شك بدائية، من صور العمل الشعبي. فهي وسيلة للضغط على الموجهة إليه كما أنها عامل تجمع وتنظيم لموقعيها.
    وهي، في الحالة التي نحن بصددها، صورة منظمة لاحتجاج المستخدمين ضد دولتهم المستخدمة وضد النواب الذين يملكون قدرا من سلطة الدولة.
    كما يمكن للعريضة أن يكون لها تأثير حقيقي على السلطات العامة لو أن العناصر الثورية، بدلا من أن تحاربها، شاركت فيها، فشرحت لرفاقها في العمل أن العريضة ليست سوى وسيلة من وسائل النضال العديدة، وأن هناك وسائل تكملها وتعضدها كالقيام بمظاهرة في الوقت المناسب في الناحية أو المنطقة أو البلاد جميعا فأنها تجعل للتوقيعات وزنا كبيرا.
    ويلاحظ موريس توريز أن العريضة،
    تساعد على تحقيق الجبهة الموحدة. وذلك عن طريق ما ينشأ من نقاش بين رفاق العمل عند كل توقيع. فيشرح كل واحد رأيه ويعبر عن ميوله. ومع ذلك يعتبر كل واحد أن التعبير الواعي عن أكثرية سعاة البريد الساحقة، لا بل عن السعاة جميعا، سوف يكون له تأثير قوي. ولا شك أن النقابي الموحد قد عبر عن رأيه حول ما يجب عمله عند توقيعه أو حمله الآخرين على التوقيع. فلربما اقترح، مثلا، انتخاب لجان لتقديم العرائض. فلقد وقع على تطبيق القواعد في المستقبل، كما تحدث عن إمكانية القيام بإضراب! فاستمع إليه زميله، أو أعترض عليه، أو طلب إليه المزيد من الايضاح. يكون كل هذا خطوة أولى للتقريب والعمل في سبيل عمل مشترك يؤتي ثماره. فلا يجب إذن الثرثرة بصدد “العمل الشعبي” بل تعلم إثارة أدنى صور الاجتماع الشعبي وتنظيمها ومساعدتها، كي نصل بمساعدة البروليتاريا إلى أسمى صور النضال الطبقي[17].
    لأن العمال يتثقفون خلال هذه الألوان من النضال الجزئي ويكتسبون تجربة لا تقدر. إذ أن العمل اليومي، في سبيل المطالب البسيطة المشتركة، يمهد الطريق لعمل أشد اتساعا وأعظم أهمية، والشرط الأول لإقامة الجبهة الموحدة هو تكوين لجان يتناقش فيها العمال ويقررون متآخين الأهداف والوسائل لتحقيقها. أولا كيف يمكن الوصول لتحولات أساسية إذا لم يتم هذا العمل بصبر وأناة؟ وهكذا استطاع العمال بواسطة جمع ملايين التواقيع حمل رئيس الجمهورية على التوقيع للإفراج عن هنري مارتين[18].
    وهكذا يدلل القانون الثالث للجدلية على أهميته العملية وخصبه، كما يوضح لنا الأحوال الحاضرة فيجعلنا نثق وثوقا علميا بأن تحقيق الجبهة المتحدة واجتماع الأمة الفرنسية حول طبقة العمال سيكونان نتيجة ضرورية للتحولات الكمية التي تتم خلال صنوف النضال اليومي، بفضل الجهود الصامتة التي يبذلها العمال الواعون في المصانع والمكاتب. وكان اتساع اضرابات آب سنة 1953 نتيجة للجهود المحلية المتعددة التي بذلت في كل مكان خلال الشهور السابقة. ولقد عرض مسؤول نقابي، عند اشتداد أضرابات آب، كيف أن بعض العمال، الذين كانوا لعشرة أيام خلت بعيدين عن حركة الإضراب، قد أصبحوا الآن في مقدمة المضربين ثم يردف قائلا: “لا يضيع أي شيء”. وهذا حق. إذ لا يضيع أي جهد يبذل في اتجاه التاريخ سواء في الشرح أو التوقيع. ذلك لأن تراكم التحولات الكمية يمهد السبيل للتحولات الكيفية.
    ولهذا كان من الخطأ الاعتقاد بأن سياسة السياسيين البرجوازيين الرجعية ستستمر طويلا لأن أغلبية المجلس “إلى جانبهم”، كما أنه من الخطأ القول بأن فرنسا “بلاد قد ولت” وكتب عليها أن تعيش تحت الحماية الأميركية. فلقد أخذت القوى، التي ستقضي على سياسة الخزي والعار، تتجمع من كل جانب. ولسوف تعكس هذه القوى أيضاً مجرى الحوادث وتعيد فرنسا إلى عظمتها الحقيقية. ولسوف تكون للشعب الكلمة الاخيرة. ولذلك لم يكن القول بإمكان سياسة أخرى في فرنسا غير السياسة البرجوازية الرجعية المناهضة للمصالح الوطنية ضربا من الاسترسال وراء الأوهام بل هو حقيقة علمية.

    5 – الخلاصة

    يقول ستالين في تعليقه على الميزة الثالثة للجدلية: “يجب أن نكون، كي لا نخطيء في سياستنا، ثوريين لا إصلاحيين” لأن الموقف الثوري هو الموقف الجدلي الوحيد، فهو يعترف بضرورة التحولات الكيفية بصورة موضوعية وهي نتيجة لتطور كمي: أما الميتافيزيقي فهو أما أن ينكر التحولات الكيفية أو يرضى بها دون أن يلم بها بل ينسبها للصدفة أو المعجزة. ويهم البرجوازية مثل هذه الأخطاء، وهي لذلك تعمل على نشرها بكثرة. مثال ذلك أن الصحافة الاخبارية تقدم للجمهور الحوادث السياسية والاجتماعية بدون ذكر علاقاتها الداخلية التي تمهد لها وتفسرها. ومن هنا نشأت الفكرة القائلة “باستعصاء فهمها”.
    أما الجدلي فهو، على العكس، يدرك حركة الواقع على أنها تجمع بالضرورة بين التحولات الكمية والتحولات الكيفية فيوحد بينهما في نشاطه العملي.
    ولا يقوم اليساري، الذي لا يكف عن ترديد الكلمات الثورية، بأي عمل بانتظار اللحظة المناسبة للقيام بالثورة. كما لا يناضل الإصلاحي في سبيل الإصلاحات التي يتمناها لأنه يعتقد أن التطور “الطبيعي” يحول المجتمع. وأما الجدلي فهو الوحيد الذي يدرك أنه يجب النضال للحصول على الإصلاحات، وأنه يجب القيام بهذا النضال لأنه يعلم أن الثورة متصلة بالتطور. والثوريون هم الوحيدون الذين يستطيعون، بمشاركتهم في العمل، أن يجعلوا للإصلاحات مضمونا تقدميا حقا. لأنهم يستطيعون بجدليتهم، أن يجمعوا حولهم، في الأعمال الصغيرة ثم في الأعمال الكبيرة، العمال الذين خدعتهم النزعة الإصلاحية وأغرتهم الكلمات اليسارية. والجدلي هو الوحيد الذي يدرك قيمة التحولات الكمية التدريجية، كما يدرك تعدد طرق النضال من أجل الاشتراكية حسب الظروف، وأن الثورة عبارة عن عملية تتم في مراحل. ولقد كان زعماء الجدلية الوحيدين الذين يستطيعون قيادة الجماهير الكادحة لتحقيق الجبهة الشعبية وتحرير البلاد من الاحتلال. يقبل الجدلي على أقل عمل إقبال الثوري وليس إقبال الإصلاحي وقد أدرك مغزي كلمات “العالمية” الحقيقي:
    “فلنتحد وغدا تصبح الإنسانية عالمية”

    ملاحظات

    أ*) قلنا أن التحولات الكمية الطفيفة تؤدي إلى تحولات كيفية أساسية.
    يعني هذا أنه لا يمكن فصل الكمية عن الكيفية، والكيفية عن الكمية، وأن الفصل بينهما يصبح أمرا اعتباطيا (كما يفعل مثلا الميتافيزيقي برجسون الذي يرى أن المادة هي كمية صرفة وأن الروح كيفية صرفة). لأن الحقيقة هي كمية وكيفية في نفس الوقت. ويجب أن ندرك جيدا أن التحول الكيفي هو انتقال من صفة إلى صفة أخرى. فتصبح الصفة “سائل” صفة “غاز” حين يبلغ السائل درجة معينة من الحرارة.
    وكذلك لا يمكن الفصل بين الكمية والكيفية في الرياضيات (التي يريد) الميتافيزيقيون أن يجعلوا منها علما للكمية فقط). فجمع إعداد كاملة (5+7+3..) عملية كمية: ولكن لها جانب كيفي، لأن الأعداد الكاملة هي أعداد من نوع معين. لها صفة تختلف عن صفة الأعداد الكسرية، والأعداد الجبرية، الخ… وتعدد الأعداد الكيفي كبير إذ لكل نوع صفاته. ولرب قائل يقول أن جمع أعداد كاملة أو كسرية أو جبرية هو جمع على كل حال. أجل. ولكن الجمع يكون في كل حالة جمع صفات مختلفة. وكذلك فأن خمس قبعات أو خمس قاطرات هو جمع أيضا ولكن الأشياء تختلف نوعيا. ذلك لأن الكمية هي دائما كمية شيء ما، فهي كمية لنوع معين.
    ب) تتحول الكمية إلى كيفية. ولكن الكيفية تتغير أيضا كمية، لأنه لا يمكن الفصل بينهما.
    مثال: تعيق علاقات الإنتاج الرأسمالية، في وقت ما، نمو قوى الإنتاج الكمي أو تؤدي إلى تقهقرها. ويتم تحول علاقات الإنتاج كيفيا بجعل قوى الإنتاج اشتراكية فتزدهر بذلك من جديد. ونتيجة ذلك أن قوى الإنتاج ستنمو نموا كيفيا كبيرا.

    [frame="1 80"]
    [1] ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص 5.

    [2] ستالين: “حول الماركسية في علم اللغة” في “أخر مؤلفات” ص 35 – 36. المطبوعات الاجتماعية.

    [3] يتكون الجسم مهما كان نوعه من جزيئات. الجزيء هو أصغر كمية من مركب كيمائي معين وهو يتكون من ذرات. والذرة هي أصغر جزء من عنصر يمكن أن يكون مركبا. وتحتوي جزيئات جسم بسيط (كالاوكسجين والهيدروجين أو الآزوت) على ذرات متماثلة (من الأوكسجين والهيدروجين أو الآزوت). وتحتوي جزيئات جسم مركب (كالماء والملح والبنزين) على ذرات مختلف الأجسام التي يتركب منها هذا المركب.

    [4] انجلز: جدلية الطبيعة، ص 70. المطبوعات الاجتماعية.

    [5] إنجلز: جدلية الطبيعة، ص 72. المطبوعات الاجتماعية.

    [6] العنصر هو الجزء المشترك بين جميع أصناف الجسم البسيط والمركبات التي تشتق منه مثال: يوجد الكبريت في جميع أصناف الكبريت ومركبات الكبريت. ويوجد 92 عنصرا طبيعيا، نعثر عليها أثناء التفاعلات الكيمائية بين الأجسام ويحدث في بعض الحالات تحول في العناصر (كالأشعاع الذري).

    [7] يمثل الوزن الذري لعنصر من العناصر نسبة وزن ذرة هذا العنصر إلى وزن ذرة عنصر نموذج (كالهدروجين أو الأوكسجين).

    [8] يكون البروتون والنترون لب الذرة.

    [9] جدلية الطبيعة: ص 305.

    [10] ماوتسي تونج: “حول الاستعمال” في “كراسات الشيوعية” رقم 2 شباط 1951، ص 242.

    [11] المبادىء (axiomes) هي الحقائق العامة الأساسية لعلم الرياضات وترى النزعة المثالية فيها ثمرة من ثمار الفكر، والواقع أنها ككل حقيقة ثمرة كسب طويل الأمد.
    [/frame]

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. القوانين المتعلقة برتبة التفاعل وطريقة حساب سرعة التفاعل
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى التكنولوجيا للسنة الثالثة ثانوي 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-05-2015, 17:42
  2. مقالات فلسفية بالطريقة الجدلية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى الفلسفة 3AS
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 28-12-2014, 11:02
  3. قانون نضال الأضداد (الجدلية الماركسية)
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:48
  4. قانون التحول النوعي ( الجدلية الماركسية )
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:35
  5. قانون التحول الشامل أو النمو المستمر (الجدلية الماركسية)
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2011, 18:33

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •