أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



ما الفلسفة؟

ما الفلسفة؟ فهم قدماء الاغريق ـ وكان بينهم أعظم من عرف التاريخ من مفكرين ـ من الفلسفة حب المعرفة. ذاك هو المعنى الدقيق لكلمة فيلوسوفيا (philosophia) التي اشتقت منها



ما الفلسفة؟


النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي ما الفلسفة؟

     
    ما الفلسفة؟

    فهم قدماء الاغريق ـ وكان بينهم أعظم من عرف التاريخ من مفكرين ـ من الفلسفة حب المعرفة. ذاك هو المعنى الدقيق لكلمة فيلوسوفيا (philosophia) التي اشتقت منها كلمة فلسفة (philosophie)
    وتعني كلمة معرفة معرفة العالم والإنسان. تتيح لنا هذه المعرفة إقامة بعض قواعد الفعل، كما تتنيح لنا تحديد موقفنا من الحياة. وكان الحكيم هو من يسير في سلوكه حسب هذه القواعد التي تقوم على معرفة العالم والإنسان.
    ولقد استمرت كلمة فلسفة منذ ذلك العصر لأن الحاجة كانت ماسة إليها. وكثيرا ما تدل على معان مختلفة نظرا لاختلاف وجهات النظر إلى العالم. بيد أن معناها الدائم هو أنها:
    نظرة عامة إلى العالم، تمدنا بقاعدة للسلوك.
    وسوف نستشهد بمثال من تاريخ بلادنا، على هذا التعريف.
    كان الفلاسفة البورجوازيون في فرنسا يعتقدون في القرن الثامن عشر، كما كانوا يعلمون الناس، اعتمادا على العلوم، أن العالم يمكن معرفته، وكانوا يستنتجون من ذلك أنه يمكن تحويله من أجل خير الإنسان.
    وكان الكثيرون يعتقدون، ومن بينهم كوندوسيه مؤلف كتاب:
    عرض تاريخي لتقدم الفكر الإنساني (1794).
    أن الإنسان يمكن إصلاحه وأن المجتمع يمكن أن يصبح أفضل مما هو عليه الآن.
    فما كاد القرن ينقضي حتى أخذ الفلاسفة البورجوازيون يعلمون، على العكس من ذلك، انه لا يمكن معرفة العالم وأنه لا يمكن إدراك حقيقة الأشياء ولن ندركها قط. ومن هنا كان من العبث محاولة تحويل العالم. وإذا كنا نستطيع التأثير في الطبيعة، فأن هذا التأثير سطحي، لأننا لن ندرك حقيقة الأشياء. وأما الإنسان… فهو كما كان في الماضي وسيظل كذلك. إذ أن هناك طبيعة إنسانية يستحيل علينا سبر غورها. فما الفائدة إذن من الجهد لتحسين المجتمع؟
    ***
    نرى من ذلك أن نظرتنا إلى العالم (أي الفلسفة) مسألة ذات أهمية. لأن تعارض نظرتين يؤدي إلى نتائج عملية متعارضة.
    وهكذا أراد فلاسفة القرن الثامن عشر تغيير المجتمع لأنهم يعبرون عن مصالح البرجوازية ومطامحها. كانت البرجوازية آنذاك طبقة ثورية تناضل ضد الاقطاع. أما فلاسفة القرن التاسع عشر فهم يعبرون (سواء علموا ذلك أم لم يعلموه) عن مصالح هذه الطبقة بعد أن تخلت عن ثورتها وأصبحت محافظة، فآلت إليها السلطة وأصبحت تخشى صعود طبقة العمال الثورية.
    فهي ترى أن لا شيء يجب تغييره في مجتمع يحتفظ لها بنصيب الأسد. ولقد قام الفلاسفة بتبرير مثل هذه المصالح حينما شغلوا الناس عن كل محاولة تهدف لتغيير المجتمع. مثال ذلك الوضعيون (les positivistes) وزعيمهم أوجوست كومت الذي يرى فيه الكثيرون مصلحا اجتماعيا. بينما كان يعتقد بأن حكم البرجوازية أبدي، كما أن فلسفته الاجتماعية تتجاهل قوى الإنتاج وعلائق هذا الإنتاج[3]. وهذا مما أدى بها إلى العجز. وأما التلفيقيون (les electiques) وزعيمهم فيكتور كوزين فقد كانوا فلاسفة البرجوازية الرسميين، وبرروا اضطهاد طبقة العمال، ولا سيما مجازر حزيران 1848، باسم الحق و الجمال و الخير و العدالة الخ. وأما فلسفة برجسون، الذي رفعته البرجوازية في سنوات 1900، أي في عصر الأمبراطورية، فقد أجهد نفسه ليشغل الإنسان عن واقعه العياني، وعن التأثير في العالم، وعن النضال لتغيير المجتمع، فإذا به ينادي أن على الإنسان أن يكرس نفسه لذاته الداخلية و حياته الداخلية. وما سوى ذلك لا أهمية له. وهكذا يستطيع مستغلو عمل غيرهم أن يناموا مطمئنين.
    شهدت البرجوازية الفرنسية فلسفتين مختلفتين في عصرين متتاليين. لأن هذه الطبقة بعد أن كانت ثورية في القرن الثامن عشر أصبحت مناهضة للثورة في القرن التاسع عشر. وليس هناك أروع من مقارنة النصين التاليين. يرجع النص الأول لعام 1789، وهي سنة ثورة البرجوازية. كتبه برجوازي ثائر هو كميل دي مولين الذي حيا العهد الجديد بقوله:
    طوبى لهذه الثورة المحظوظة. ليست هناك قوة على الأرض تستطيع أن تحول دون هذا البعث الجديد. هو ثمرة الفلسفة والحرية والوطنية. فإذا بنا لا نعرف التقهقر والاستسلام[4].
    وهاك النص الآخر، فهو يرجع لعام 1848، وقد كتبه السيد تيير السياسي البرجوازي يدافع فيه عن مصالح طبقته التي كانت تتولى الحكم ضد طبقة العمال:
    آه لو أن الحالة تعود إلى سابق عهدها. لن أقف في وجه تطور مدارس أطفال الشعب لو قام عليها خوري الضيعة أو مساعده وأني أطالب بتغيير هؤلاء المعلمين العلمانيين الذين يبعث العدد الكبير منهم على الكراهية، أطالب بأن يشرف على المدارس اخواننا الرهبان (les fretes) بالرغم من أنني أسأت الظن بهم سابقاً فأنا أريد أن أزيد من قوة تأثير الكهنوت، كما أطالب بأن يزداد تأثير الخوري أكثر مما هو الآن لأنني اعتمد كثيرا عليه لنشر تعاليم هذه الفلسفة الصالحة التي تعلم الإنسان أنه خلق ليتألم، وليس لنشر تعاليم الفلسفة الأخرى التي تعلم الإنسان عكس ذلك وتقول له: تمتع بالحياة لأنك خلقت لتنعم بنصبيك من السعادة حتى إذا لم تنله فأضرب الغني الذي تأبى عليك أنانيته نصيبك من السعادة لأنك بأخذك من الغني ما يفيض عنه تؤمن سعادتك وسعادة جميع الذين يقاسون نفس حالتك[5]
    يهتم تيير كما نرى بالفلسفة فما الدافع إلى هذا الاهتمام؟ لأن للفلسفة طابعا طبقيا. ولا يجهل الفلاسفة ذلك. غير أن كل نظرة للعالم تحتوي على معنى تطبيقي فهي تفيد بعض الطبقات كما أنها تسيء إلى طبقات أخرى. وسنرى بأن الماركسية فلسفة طبقية أيضاً.



    بينما كان يرى كميل دي مولين البرجوازي الثائر في الفلسفة سلاحا لخدمة الثورة، إذا بتيير المحافظ يرى فيها سلاحا لمقاومة الإصلاح الاجتماعي، لأن الفلسفة الصالحة هي التي تدعو العمال إلى الخضوع والاستسلام. ذلك هو تفكير من سيصوب رصاص البنادق إلى صدور رجال الكومون (les communards)

    ***
    [frame="1 80"] [1] راجع ديكارت: مقالة عن المنهج (1637) ص 101 المطبوعات الاجتماعية، باريس 1950.
    [2] راجع جوركي le philistin et les anecdotes (1931) في البرجوازيون الصغار مطبوعات النقد الجديد باريس 1949.
    [3] راجع فيما يتعلق بقوى الإنتاج الدرس الخامس عشر من هذا الكتاب،
    [4] ذكره البرسوبو ل: 1789 سنة الحرية الأولى الطبعة الثانية ص 63. المطبوعات الاجتماعية، باريس 1950.
    [5] ذكره جورج كوتيو: مسألة التعليم في عام 1848 وقانون فللو، ص 189. مطبوعات الامس واليوم.[/frame]

    lh hgtgstm?


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي دواعي دراسة الفلسفة

    دواعي دراسة الفلسفة


    يتهم اليوم خلفاء السيد تيير، في فرنسا وفي الولايات المتحدة، الماركسيين أمام الرأي العام. وهم لا يسعون فقط للقضاء على الماركسيين بل على الفلسفة الماركسية أيضا، كما حاول السيد تيير أن يقضي، في قتله لرجال الكومون، على أفكارهم التي تدعو إلى التقدم الاجتماعي. ولهذا كان واجب العمال واضحا. وهو معارضة الفلسفة التي تخدم المستغلين بفلسفة تساعد على النضال ضدهم. وستبدو لنا أهمية مثل هذه الفلسفة إذا دخلنا ميدان الوقائع.
    تدل هذه الوقائع على الوضع الصعب الذي تفرضه سياسة البرجوازية، وهي الطبقة المسيطرة اليوم، على مجموع العمال في بلادنا من بطالة وحياة صعبة وسد أبواب العمل في وجه الشبان والاستهانة بالقوانين الاجتماعية وحق الإضراب والحريات الديمقراطية والاضطهاد والاعتداء المسلح (لاسيما اعتداء 14 تموز سنة 1953 في باريس)، واستعمار البلاد على أيدي الأميركان، وإعلان حرب الفيتنام الدامية الباهظة، وإعادة تأسيس الطيران الألماني الحربي الخ… ولهذا كان السؤال الذي يتردد على السنة العمال هو التالي: ما السبيل إلى التخلص من كل هذا؟ كما أصبحت الحاجة لمعرفة سبب ذلك ملحة عامة حادة. ما سبب خطر الحرب؟ ما سبب الفاشية؟ ما سبب الفقر؟ ذلك لأن عمال بلادنا يريدون فهم سبب كل ما يجري حولهم ليعملوا على تغييره.

    يتضح إذن أنه إذا كانت الفلسفة نظرة للعالم لها نتائجها العملية فأنه يهم العمال الذين يريدون تغيير العالم أن تكون لهم نظرة صادقة للعالم. كما أنه يجب التصويب بدقة لكي نصيب الهدف.
    فلنفرض أن جميع العمال يعتقدون أنه يمكن معرفة الواقع فإذا بهم عزل أمام الحرب، والبطالة، والجوع، عاجزون عن فهم كل ما يحدث لهم فيرضون به على أنه مصيبة قدرت عليهم. وهذا ما كانت تسعى إليه البرجوازية. ولهذا فهي لا تألو جهدا في استخدام كل وسيلة لاشاعة هذه النظرة للعالم التي تخدم مصالحها. وهذا ما يفسر لنا كثرة انتشار مثل هذه الأفكار: “سيكون هناك دائماً أغنياء وفقراء” أو “المجتمع فاسد وسيظل كذلك. فعلى كل منا أن يهتم بنفسه! أقض على غيرك أن كنت لا تريد أن يقضي الغير عليك. واسع أيها العامل إلى كسب مودة صاحب العمل على حساب رفاقك في العمل، وهذا أفضل من أن تتحد معهم للدفاع المشترك عن أجوركم. فعليك أيها العامل أن تصبح عشيق صاحب العمل فتضحك لك الحياة. مهما حل بالآخرين”
    نجد هذه الأفكار بكثرة في المختار (من ريددز دايجست) وفي صحافة العشق والغرام. وهي بمثابة السم الذي تحاول البرجوازية أن تفسد به ضمير العمال والذي يجب عليهم أن يحذروه.
    نلقى هذا السم في صور متعددة. وهكذا يشتري العمال الذين لا يزالون يقرأون جريدة (Franc–Tireur) سما بخمسة عشر فرنكا كل يوم على غير علم منهم، لأن هذه الجريدة تضج من سوء الحال ولكنها لا تقول السبب الذي جعل الأحوال تسوء، وهي تسعى إلى الحيلولة دون اتحاد العمال أو القضاء على هذا الاتحاد الذي هو الوسيلة الوحيدة للخروج من هذه “الحال”.
    تتعلق جميع هذه الأفكار بالنظرة إلى العالم أي بالفلسفة فنحن أما أن نأخذ المجتمع على علاته فنخضع للاستغلال وأما أن نبني لأنفسنا مكانا تحت الشمس.
    وهاك ما كتبته جريدة (super–boy) وهي إحدى الجرائد الكثيرة التي تخصصها البرجوازية لأطفال العمال.
    “هل كتب علينا ان نبحث دائما عن سبب حدوث ما يحدث لنا وكيفية حدوثه؟ فنحن نقاسي الظلم كل يوم ونرى القوة تعلو على الحق”
    يعلم الأطفال هذا النص البطش واحتقار الإنسان، وهذا ما يخدم حاجات البرجوازية المعتدية التي تعتبر حرب الغزو والاعتداء النشاط الطبيعي للإنسان.
    ونذكر هنا ما قاله لينين عام 1920 في المؤتمر الثالث لاتحاد الشباب الشيوعي في روسيا فلقد وصف المجتمع الرأسمالي بقوله:
    قام المجتمع القديم على المبدأ التالي: أما أن تسلب جارك وأما أن يسلبك جارك، أما أن تعمل لمصلحة الغير وأما أن يعمل الغير لمصلحتك، إما أن تكون مالكا للعبيد وإما أن تكون عبدا. ولهذا ندرك أن الأناسي الذين ينشأون في مثل هذا المجتمع يرضعون مع لبن أمهاتهم نفسية النخاس أو العبد، وعاداته وأفكاره أو المالك الصغير، أو المستخدم البسيط، أو الموظف الحقير، أو المثقف أي نفسية الإنسان الذي لا يفكر ألا بامتلاك ما يحتاج إليه دون أن يعبأ بالآخرين.
    فإذا كنت استغل قطعة الأرض الصغيرة التي أملكها فليس علي أن أهتم بمصير الآخرين، حتى إذا ما حلت المجاعة بهم بعتهم قمحي بثمن باهظ.
    وإذا كنت أمارس الطب أو الهندسة أو كنت معلما في مدرسة أو مستخدما. فمالي وللآخرين؟ إذ ربما احتفظت بمركزي ونجحت في الانضمام إلى زمرة البرجوازية عن طريق مداهنة ذوي السلطان والفوز برضاهم[1].
    يجب علينا أن نحارب هذه الفلسفة القديمة، العزيزة على قلب البرجوازية الحاكمة، في نفوسنا وخارج هذه النفوس لأنها لا تعتمد فقط على التقاليد والأوهام القديمة، بل على الصحافة والمذياع والخيالة فنلبي نداء باربوس الذي قال بصدد هذا النضال ضد الأفكار القديمة السامة:
    Recommence-toi, sil le faut
    ec une magnifique honnetete ?[2]
    يجب علينا أن نعمل على تكوين أفكار جديدة تحمل في طياتها الثقة وتخلو من اليأس، تدعو إلى النضال ولا تشير بالاستسلام. وليست تلك مسألة ثانوية بالنسبة للعمال، بل هي مسألة حياة أو موت لأنهم لن يتحرروا من الاضطهاد الطبقي إلا إذا كانت لديهم فكرة عن العالم تمكنهم من تغييره فعلا.
    وهكذا يروي لنا جوركي في “الأم” كيف أن امرأة عجوزا، أيام القيصرية في روسيا، كانت تعيش مستسلمة يائسة فإذا بها تنقلب ثائرة لأنها فهمت بفضل أبنها، وهو بطل مناضل من أبطال الاشتراكية، مصدر آلام الشعب وأدركت إنه يمكن القضاء على هذه الآلام.
    ولهذا لن تكون دراسة الفلسفة جهدا لا طائل تحته للذين يأبون الاستسلام، لأن النظرة الموضوعية للعالم هي التي تمدهم بأسباب هذا النضال.
    وليس هناك من نضال مظفر بدون فلسفة صادقة. ويعتقد البعض أنه يكفي للنجاح توفر شروط النجاح. وهذا خطأ لأنه يجب أيضاً معرفة أن هذه الشروط متوفرة. وكلما تعقدت الأشياء كلما زادت أهمية معرفة معالجتها.
    تصح هذه الملاحظات بصدد النضال الثوري من أجل الاشتراكية والشيوعية ولهذا قال لينين: “ليس من حركة ثورية بدون فلسفة ثورية”.
    كما تصح أيضا في النضال من أجل أهداف أخرى كالنضال من أجل الحريات الديمقراطية، من أجل الخبز أو من أجل السلام.
    يجب علينا اذن أن ندرس الفلسفة لضرورة عملية. فلنر الآن عن قرب ما هي هذه الفلسفة التي تتيح لنا فهم العالم والنضال من أجل تغييره.



    3 – ما هي الفلسفة التي ندرسها؟


    أ) – الفلسفة العلمية: المادية الجدلية
    إذا أردنا تغيير الواقع سواء كان الطبيعة أو المجتمع فإنه يجب علينا أن نعرف هذا الواقع. يعرف الإنسان العالم بواسطة العلوم المختلفة، ولا توافق العمال في نضالهم أجل حياة أفضل إلا نظرة علمية للعالم. هذه النظرة العلمية هي الفلسفة الماركسية أو المادية الجدلية.
    ويتبادر هنا إلى ذهننا سؤال وهو: ما الفرق بين “العلم” و “الفلسفة” أو ليست الفلسفة مماثلة للعلم؟ لا تنفصل الفلسفة الماركسية عن العلوم ولكنها تتميز عنها. إذ أن غرض كل من علوم الفيزياء والبيولوجيا والنفس هو دراسة القوانين المتعلقة بجزء معين من الواقع. أما المادية الجدلية فهي تهدف لغرضين:
    ـ تدرس المادية الجدلية أعم قوانين الكون، وهي القوانين التي تشترك فيها جميع جوانب الواقع من طبيعة فيزيائية وفكر مارة بالطبيعة الحية وبالمجتمع، وسوف ندرس في الدروس المقبلة هذه القوانين. غير أن ماركس وانجلز، وهما مؤسسا المادية الجدلية، لم يبدعا الجدلية من خيالهما. بل إن تقدم العلم هو الذي أتاح لهما اكتشاف أعم القوانين التي تشترك فيها جميع العلوم وصياغتها وهي القوانين التي تعرضها الفلسفة[3].
    ـ كما أن الفلسفة الماركسية نظرة علمية للعالم، وهي النظرة الوحيدة العلمية أي التي تتفق وتعاليم العلوم. فما هي هذه التعاليم؟ تعلمنا العلوم أن الكون حقيقة مادية، وأن الإنسان ليس غريبا على هذه الحقيقة، وأنه يمكنه معرفتها، ومن ثم تغييرها كما تدل على ذلك النتائج العملية التي توصلت إليها مختلف العلوم. وسنبدأ دراسة المادية الفلسفية في الدرس الثامن حتى الدرس الحادي عشر. وليست المادية الماركسية مماثلة للعلوم لأنها لا تهدف جانبا معينا من جوانب الواقع كما تفعل العلوم بل هي تسعى لفهم العالم بجعله في نظرة تقبلها العلوم جمعاء ولو لم يكن العلماء ماركسيين.
    يقول انجلز: “تعني النظرة المادية للعالم النظرة إلى الطبيعة كما هي، بدون أي إضافة خارجية[4]“.
    يدرس كل علم جانبا من “الطبيعة كما هي”. أما الفلسفة الماركسية فهي “النظرة العامة للطبيعة كما هي” فهي بهذا فلسفة علمية بالرغم من أنها لا تماثل العلوم.
    قلنا أن المادية الجدلية لا تماثل العلوم. ولكننا وجدنا أيضاً أن العلوم جدلية بالضرورة، لأنها لا يمكن أن تتكون إذا ما تجاهلت أعم القوانين في الكون. كما أنها مادية لأن موضوعها الكون المادي.
    وبهذا تنفصل المادية الجدلية عن العلوم. ولا تتقدم ألا باعتمادها على هذه العلوم، كما أنها تعين العلوم كما سنرى ذلك. وتقوم مهمتها على نقد النظريات غير العلمية عن العالم، والفلسفات المعارضة للجدلية وللمادية.
    كما توسع المادية التاريخية ميدان مبادىء المادية الجدلية فتشمل المجتمع، وسندرس ذلك ابتداء من الدرس الواحد والعشرين.
    وتكون المادية الجدلية التاريخية الأساس النظري للاشتراكية العلمية، أو الشيوعية.
    ولقد اختصر ستالين كل ذلك فكتب يقول:
    “الماركسية هي العلم الذي يقوم بدراسة قوانين تطور الطبيعة والمجتمع، وهي العلم الذي يدرس ثورة الطبقات المضطهدة المستغلة، كما أنها العلم الذي يصف لنا انتصار الاشتراكية في جميع البلدان، وأخيرا هي العلم الذي يعلمنا بناء المجتمع الشيوعي[5]“.

    ب)- الفلسفة الثورية: فلسفة العمال
    لما كانت الفلسفة الماركسية فلسفة علمية فأنها بذلك فلسفة العمال فهي فلسفة حزب العمال وفلسفة الطبقة الثورية التي يقوم دورها التاريخي على قهر البرجوازية والقضاء على رأس المال وبناء المجتمع الاشتراكي.
    وسوف نعود في الدرس الرابع عشر للحديث عن أهمية الرابطة التي تربط العمال بالماركسية. ولكن يجب أن نوضح ذلك منذ الآن. إذا كان العمال قد انضموا إلى الفلسفة الماركسية، وإذا كانوا قد تمثلوا هذه الفلسفة وغذوها فما ذلك إلا لأن نضالهم من أجل تغيير المجتمع الذي هم ضحيته قد أوجب عليهم فهم هذا المجتمع ودرسه دراسة علمية. وتحاول البرجوازية، للدفاع عن مصالحها في كونها طبقة محظوظة، أن تنسي الناس أن سيطرتها ترتكز على استغلال قوى العمل. فهي تنكر واقع الاستغلال الرأسمالي، لأن الاعتراف بهذا الواقع لا يتفق ومصالحها كطبقة مستغلة. ولهذا نرى البرجوازية تضرب صفحا عن هذه الحقيقة.
    يختلف عن ذلك مركز العمال. إذ أن مصلحتهم، كطبقة مستغَلة تريد تحطيم قيد الاستغلال، في أن ينظروا للعالم وجها لوجه. وتحتاج الطبقة المستغِلة إلى الكذب لدوام الاستغلال، بينما تحتاج الطبقة الثائرة إلى الحقيقة للقضاء على الاستغلال. فهي بحاجة لنظرة صادقة عن العالم تساعدها على اتمام مهمتها الثورية على أكمل وجه. هذه النظرة إلى العالم وجها لوجه هي المادية. كما أن النظرة إلى العالم في تطوره الواقعي هي المادية (لأن الجدلية تقوم بدراسة القوانين التي تفسر تطور المجتمع).
    نستطيع القول إذن أنه لما كانت المادية الجدلية فلسفة علمية فقد أصبحت بذلك فلسفة الطبقة الثائرة، فلسفة الطبقة التي تقوم مصلحتها على فهم المجتمع للتخلص من الاستغلال وبهذا تكون الماركسية فلسفة العمال العلمية.
    كتب أ. جدانوف يقول:
    “أدى ظهور الماركسية كفلسفة علمية لطبقة العمال إلى انتهاء عصر الفلسفة القديمة حين كانت الفلسفة شغل المتوحدين داخل مدارس تتألف من عدد صغير من الفلاسفة والصحابة الذين كانوا يعيشون بعيدين عن العالم الخارجي وقد انفصلوا عن حياة الشعب وأصبحوا كالأغراب بالنسبة إليه.
    “إذ ليست الماركسية مدرسة فلسفية من هذا النوع. بل هي تبدو، على العكس، تجاوزا للفلسفة القديمة بعد أن كانت هذه مقتصرة على بعض المختارين ضمن ارستقراطية فكرية، كما أنها بداية مرحلة جديدة تصبح فيها الفلسفة سلاحا علميا في أيدي الطبقات الكادحة التي تناضل من أجل تحريرها[6]
    تلك هي الفلسفة التي سندرسها لأنها، لما كانت فلسفة علمية، فأنها تحمل إلى العمال الضياء الذي ينير أمامهم سبل النضال. تحمل إلى العمال كافة وليس فقط إلى “البروليتاريا” لأن من يعملون بايديهم وتفكيرهم حلفاء “للبروليتاريا” يتفقون معها في المصلحة ضد البرجوازية الرأسمالية. ولهذا كانت دراسة الماركسية، وهي فلسفة العمال العلمية، واجبا على كل من يريدون القضاء على الأكاذيب التي تنتشر في ظلال البرجوازية. والفلسفة الماركسية، كأي علم، في تناول كل إنسان مهما كانت الطبقة التي ينتمي إليها: وهكذا يمكن للبرجوازي أن يكون ماركسيا إذا أنضم إلى جانب العمال وأخذ بوجهة نظرهم.
    غير أن الرابطة التي تربط الماركسية بالعمال تساعدنا على فهم كون الفلسفة الماركسية فلسفة حزب. لأنه لا يمكن للعمال أن يقهروا البرجوازية بدون حزب ثوري مطلع على قوانين المجتمعات. ولقد عبر عن تلك الفكرة كل من ماركس وانجلز في بيان الحزب الشيوعي، كما قال لينين:
    “كان ماركس وأنجلز في الفلسفة حزبيين[7]
    وكذلك كان شأن أفضل رفاقهما ولا سيما لينين وستالين.




    4 – الخلاصة: وحدة النظرية والتطبيق


    ليست دراسة الفلسفة الماركسية بالنسبة للعمال وخاصة البروليتاريا ضربا من الترف بل هي واجب طبقي. فإذا ما تقاعسنا عن تادية هذا الواجب تركنا المجال واسعا لنظريات غير العلمية الرجعية التي تخدم الاضطهاد البرجوازي وحرمنا الحركة العمالية من رائدها الذي يدلها على الطريق السوي.
    تخشى البرجوازية من فلسفة العمال وتحاربها بجميع الوسائل. ولهذا فقد طمست خلال عشرات السنين النظرية الماركسية فأبعدتها عن الجامعات. حتى إذا ما عظم تأثير المادية الجدلية، كلما ازدادت سلطة الطبقة العاملة، كان لا بد من اصطناع الحيلة، فإذا بالدعاة البرجوازيين يغيرون من لهجتهم فيقولون: “لقد كانت الماركسية صالحة في العهود الغابرة أما الآن فقد أصبحت بالية” ومن هنا نشأت مختلف المحاولات لتجاوز الماركسية. غير أن هذه المحاولات العديدة تمر بمرحلة تمهيدية تقوم على تشويه أسس الماركسية الفلسفية والمادية الجدلية.
    ولقد وجدت البرجوازية نصيرا لها في هذا العمل عند زعماء الديمقراطية الاجتماعية العالمية. ولا سيما مساعدة ليون بلوم في بلادنا فهو ينكر في كتابه “على مستوى الإنسان” (A l’Echelle humaine) (1946) ضرورة اعتماد الاشتراكية على فلسفة مادية بالرغم من تعاليم ماركس الدائمة بهذا الصدد. كما أن زعماء الاشتراكية العالمية يلجأون إلى كنف الدين في قولهم:
    “ليست الماركسية والمادية الجدلية والتاريخية ضروريتين للاشتراكية فأن الدين له نفس الشأن[8]
    وسنرى أن مثل هذه المحاولات تؤدي إلى الحيلولة دون النضال الطبقي وتقف في وجه الثورة.
    غير أن كل هذا لا يمكن أن يغير من حقيقة المادية الجدلية والمادية التاريخية. فالوقائع هي الوقائع. وإذا بنا نشهد اليوم تناحر مختلف الدول الرأسمالية بالرغم من تحالفها ضد بلاد الاشتراكية. ويعترف الرأسماليون أنفسهم بهذا الوضع. ولقد تنبأ به ستالين ووصفه في آخر كتاب له “مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي” ذلك الكتاب الذي يعرض للفلسفة الماركسية وينميها.
    أن انتصار الاشتراكية وقيام الشيوعية في روسيا وازدهار الديمقراطيات الشعبية، وتقدم الأحزاب العمالية الماركسية اللينينية لأسطع دليل على قوة الفلسفة الماركسية. أما الفلسفات البرجوازية فهي لا تستطيع سوى تسجيل ازدياد أزمة الرأسمالية العامة فتحاول تبريرها دون أن تستطيع تفسيرها.
    وهناك مع ذلك مسألة لا يجب على من يدرس الفلسفة الماركسية إغفالها وهي أنه لما كانت الماركسية فلسفة علمية لطبقة البروليتاريا الثائرة فانها لا تفصل قط الناحية النظرية عن الناحية العملية. فقد كان ماركس وأنجلز ورفاقهما رجال فكر وعمل في نفس الوقت. ولقد أغنت الماركسية هذه العلاقة العضوية بين الفلسفة والتطبيق فإذا بكل مرحلة من مراحل الحركة الثورية تمهد السبيل لتطور جديد في الفلسفة الماركسية. ولا نستطيع تمثل مبادىء الماركسية إذا لم نشارك في العمل الثوري الذي يظهر خصبها.
    ليست الفلسفة الماركسية اللينينية عقيدة بل هي رائد للفعل[9].
    [frame="1 80"]


    [1] راجع لينين: مختارات، ج 2، ص 815 مطبوعات اللغات الأجنبية موسكو 1947 . ل. القسم الثاني ص 897، موسكو 1953.

    [2] راجع هنري باريوس: أقوال مناضل. ص10 فلاماريون.

    [3] راجع حول تكوين النظرية الماركسية الدرس الأول والدرس الرابع عشر.

    [4] ف. انجلز: ل. فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، ذكره ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية، ص 10، المطبوعات الاجتماعية باريس 1950.

    [5] ستالين: “حول الماركسية وفقه اللغة” في “آخر مؤلفات” ص 59 المطبوعات الاجتماعية، باريس 1953.

    [6] أ. جدانوف: حول الأدب والفلسفة والموسيقى، ص 44 – 45 مطبوعات مجلة النقد الجديد، باريس 1950.

    [7] لينين: المادية والنزعة النقدية التجربية، ص 312، المطبوعات الاجتماعية باريس 1948.

    [8] نظم الاشتراكية العالمية الجديدة.

    [9] تاريخ الحزب الشيوعي في روسيا، ص 394. مطبوعات اللغات الأجنبية موسكو1949.
    [/frame]

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مقالة جدلية حول قيمة الفلسفة - هل الفلسفة ضرورية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم التجريبية - الرياضيات - التقني رياضي BAC 2017
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26-03-2015, 13:22
  2. منهجية منهجية الفلسفة جاهزة_ الفلسفة لأعلى نقطة - احسن منهجة للفلسفة لباك 2014
    بواسطة mohamedhak في المنتدى التحضير العام لشهادة البكالوريا 2017 BAC
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-10-2013, 12:11
  3. امتحان بكالوريا الفلسفة دورة جوان 2013 في الفلسفة تقني رياضي
    بواسطة سارة طموحنا في المنتدى التحضير العام لشهادة البكالوريا 2017 BAC
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-06-2013, 19:35
  4. بكالوريا 2010 في الفلسفة شعبة الاداب و الفلسفة
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى اختبارات وحوليات مادة الفلسفة 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-05-2012, 16:07
  5. اختبارات في الفلسفة لشعبة الآداب و الفلسفة و اللغات الاجنبية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى اختبارات وحوليات مادة الفلسفة 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-02-2012, 10:14

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •