منهج البحث الموضوعي






1_ تمهيد:

البحث الموضوعي محاولة جادة لصياغة جانب من جوانب المعرفة في قالب متكامل من حيث التحقيق والتدقيق والاستقصاء، وعرض القضايا ومناقشتها بالدليل القاطع والبرهان الناصع، ونحن في أمس الحاجة إلى البحث بهذا المفهوم، ولا سيما في هذا العصر الذي يتسم بأنه عصر العلم والتكنولوجيا، ومن البديهي أن القضية التي تبحث مدعمة بالأدلة مستوفية عناصر التحقيق العلمي أدعى للقبول والتسليم بمقتضياتها من تلك القضية التي تعالج بطريقة مرتجلة بعيدة كل البعد عن المنطق السديد، والتحقيق المفيد.
لذا كان علينا أن نضع نصب أعيننا قواعد البحث وأصوله الصحيحة حتى نسير في الطريق السليم لكتابة البحوث التي تصل إلى درجة الإقناع بالأسلوب العلمي المبني على أساس من المنطق القوي المدعم بالبراهين العقلية والنقلية، ومن هنا أحببت أن أعرض هذه الإلمامة السريعة حول منهج البحث العلمي آملا أن تؤتي ثمرتها، ولا حاجة إلى الإشارة بأني لم أقل كل شيء مما يجب أن يقال في مثل هذا الموضوع، ويكفي أن أذكّر ببعض جوانبه، ولعل سائلا يسأل ما دور علمائنا الأوائل في البحوث المنهجية؟ فأقول: إن تاريخنا الحضاري يحفل بصور رائعة سجلها علماؤنا الأفذاذ في مجال البحث والتأليف، فقد ضربوا في كل فن وعلم بسهم وافر، وأبدعوا إبداعا لم تشهد له الحضارات السابقة واللاحقة مثيلا، ولِمَ لا أقول ذلك والعقلية المسلمة عقلية عبقرية مبدعة، وكل من له بصر بتاريخ الحضارة الإسلامية يدرك الحقيقة، ولو رُحت أستعرض معكم المجالات التي أبدع فيها العلماء السابقون عبر فترات التاريخ الإسلامي لطال بي البحث، ويكفي أن أشير إلى ناحية هامة كان لهم فيها فضل السبق والاختراع أولا وأخيرا، تلك الناحية تتمثل فيما وضعوه من قواعد أصولية لبعض العلوم، وأعني علم أصول الحديث، والفقه، والتاريخ، والنحو، وعلوم القرآن، وقد رسمت هذه العلوم الأصولية الخطة الصحيحة للمنهج الموضوعي المتكامل الذي يأخذ بأيدينا إلى البحث المنهجي في العلوم التي وضعوا لها أصولا ومنهجا واضحا، وزيادة على ذلك فإنهم (أعني العلماء السابقين) قد تمثلوا المنهجية في بحوثهم ودراساتهم في مختلف جوانب المعرفة، والمنهجية التي اختطوها لأنفسهم تلتقي كثيرا بمناهج البحث الموضوعي في عصرنا، وشهد بذلك بعض المستشرقين الذين كتبوا مؤلفات يشيدون فيها بما يتمتع به العلماء المسلمون من براعة فائقة في منهج البحث والتأليف، ويبدو ذلك واضحا في كتاب (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي) للمستشرق فرانتر روزنتال، وعلى الرغم من أن بعض الباحثين يرى أن هذا المستشرق أنصف العلماء المسلمين في كتابه السابق إلا أنه لم يتجرد من دسائس المستشرقين، وفي العصر الذي نعيش فيه تطورات أساليب البحث العلمي الموضوعي وأصبحت معرفة أصوله ضرورة لازمة لطلاب الجامعات والدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى التأليف في مناهج البحث وأصوله، مستفيدين غالبا في بعض النواحي مما كتبه الغربيون في الموضوع نفسه، ونذكر منهم الدكتور أحمد شلبي في كتابه (منهج البحوث العلمية للطلاب والجامعيين) والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه (لمحات في المكتبة والبحث والمصادر)، وبما أن مناهج البحث تختلف باختلاف ميادينه وغاياته، فإن الباحثين المهتمين بالمناهج قاموا بوضع مؤلفات تتحدث عن منهج البحث لبعض العلوم والفنون، من ذلك كتاب مصطلح التاريخ للدكتور أسد رستم، وقد تحدث في كتابه المشار إليه عن الأصول التي يجب أن ينتهجها المؤرخ مستنيرا فيما كتب بمصطلح الحديث النبوي، وفي المجال نفسه ألف الدكتور حسن عثمان كتابه منهج البحث التاريخي، وألف الدكتور علي إبراهيم حسن أيضا كتابه استخدام المصادر وطرق البحث في التاريخ الإسلامي العام، وفي منهج البحث اللغوي والأدبي نجد كتاب مناهج البحث في اللغة للدكتور تمام حسان، وكتاب منهج البحث في الأدب واللغة[1] لمؤلفين فرنسيين لانسون وماييه، أما منهج البحث في الرياضيات والعلوم فقد وضحه الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه مناهج البحث العلمي.
ومن خلال هذه المؤلفات نقف على صورة واضحة لمنهج البحث الموضوعي الذي يجب أن نعمل بمقتضياته ونسير على ضوئه فيما نكتبه من بحوث أو دراسات حول جانب ما من جوانب العلم والمعرفة لتكون بحوثنا ودراساتنا أكثر جدية وفائدة وعمقا وتنظيما، هذا وقد تعددت وجهات الباحثين في أصول البحث ومناهجه، ويهمنا أن نتعرف على أقرب صورة لهذه الأصول والمناهج.
2_ أسس القراءة المفيدة:
من الضروري ونحن بصدد الحديث عن مناهج البحث أن نقف على الأسس السليمة للقراءة المجدية لكي ننتفع مما نقرأ في البحث والدراسة، ويمكن أن نلخص أسس القراءة المفيدة بإيجاز شديد فيما يأتي:
أ_ تركيز الوعي على ما تقرأه بحيث يتم لنا استيعاب الكتاب أو الفصل أو الموضوع الذي نقرأه، ومن الملاحظ أن كثيرا من الطلاب يعمدون إلى الكتب العلمية والفكرية واللغوية فيتصفحونها تصفحا عابرا وكأنما يقرءون قصة أو مسرحية، وليس من شك أن مثل هذه القراءة تعتبر ضئيلة الجدوى قليلة الثمرات، ولعل القارئ يشعر بذلك حين ينتهي من قراءة الكتاب أو المقالة فلا يجد إلا صورة باهتة علقت بزوايا ذهنه من ذلك الكتاب أو تلك المقالة، وسرعان ما تتلاشى وتزول، ومثل هذا المسلك لا يركن إليه إلا من أراد بالقراءة إزجاء الوقت ودفع السآمة والملل واستجلاب النوم إلى العيون عندما يعز عليها النوم، وقد يلجأ البعض إلى مثل هذا اللون من القراءة إذا أحس بالرغبة الشديدة في قراءة أكبر عدد ممكن من الكتب حيث لا تزيد قراءته لها عن التصفح العابر والنظرة العجلى، ولو فكر قليلا لأدرك أن قراءة كتاب واحد بل فصل في كتاب بتمعن وتركيز أجدى وأكثر نفعا من قراءته العديد من الكتب دون أن يخرج منها بطائل، وهناك أمر لابد من التنبيه عليه وهو أن نختار من الأوقات أنسبها للقراءة حيث يكون الذهن صافيا متوقدا، والنفس مرتاحة هادئة، وحينما يحس القارئ بالفتور والتعب فعليه أن يترك القراءة ريثما يستريح ليعاودها في نشاط وحيوية.
ب_ أن نضع خطا تحت النقاط الرئيسية فيما نقرأ ليسهل علينا الوقوف على الأفكار المهمة والجزئيات البارزة التي تعتبر محورا لما هو مكتوب أمامنا، ولا ننسى التعليقات الهامشية على الفقرات التي تستلزم منا مناقشتها أو التعليق عليها، وحبذا لو رجعنا في ذلك إلى بعض المصادر للتأكد من وجهة نظر الكاتب أو الباحث فيما يعرضه علينا من قضايا يخالطنا فيها شيء من الشك ومجانبة الصواب، وإذا التزمنا هذا المنهج سنجد أن ما قرأناه قد تيسر إدراكه على الوجه الصحيح.
ج_ تلخيص ما نقرأه، وذلك بعد الفراغ من القراءة الفاحصة المستأنية، وهذا التلخيص يفيد المبتدئين من جهتين: الأولى استذكار وترسيخ ما قرئ، والثانية اكتساب دربة ومران على الكتابة، إذ إن التلخيص يتطلب من الملخص إعادة كتابة المضمون الذي قرأه بأسلوبه الخاص، ولا شك أنه سيكون في هذه المرحلة متبعا لا مبتدعا إلا أن ذلك سيمنحه القدرة على الكتابة ويسهل أمرها إلى أن يتزود بالقدر الذي يتيح له الاستقلال بشخصيته عن تبعية الآخرين.
د_ أن نضع بطاقة لكل ما أتممنا مطالعته على أن نسجل فيها اسم الكتاب ومؤلفه وطبعته وتاريخها، ثم ندون عليها الفقرات والمباحث التي مرت بنا أثناء القراءة، مشيرين إلى رقم صفحاتها في الكتاب، وهذه البطاقة تكون بمثابة فهرس شخصي يضع نصب أعيننا محتويات الكتاب الذي قرأناه، وييسر لنا أمر الرجوع إلى ما نحتاجه منه فيما يتعلق ببحث نكتبه أو مسألة نريد الوقوف عليها، وعندما تجتمع لدينا بطاقات كثيرة نقوم بترتيبها حسب فنونها ومواضيعها، ولا جرم أن عمل هذه البطاقات مهم جدا بالنسبة لعشاق القراءة والبحث، وأيسر مزاياها اختصار الوقت بالرجوع إليها لنقف على المباحث التي نريدها من أكثر من كتاب دون عناء أو تعب، ولولاها لاقتضانا الأمر أن نقلب صفحات الكتب حتى نعثر على ما نريد، ولا أحب أن أسترسل في بيان أسس القراءة فأكتفي بهذا القدر لأنتقل إلى عرض صورة منهج البحث الموضوعي.
3_ حقيقة البحث والمنهج:
البحث في الحقيقة محاولة علمية جادة لاستجلاء جانب من جوانب المعرفة في صورة محكمة من التحقيق والتدقيق والشمول والعمق، ويعرّفه بعض الباحثين بأنه (( هو الفحص والتقصي المنظم لمادة أي موضوع من أجل إضافة المعلومات الناتجة إلى المعرفة الإنسانية أو المعرفة الشخصية )) [2].
أما كلمة منهج فإن بعض الباحثين[3] يرى أنها ترجمة للكلمة الفرنسية (methode ) ويرجعها إلى أصل يوناني، بيد أني أقول إننا في غنية عن مثل هذه الإحالة فالكلمة شائعة ومتوفرة في معاجم اللغة العربية وتعني الطريق الواضح[4]، وفي ابتداء عصر النهضة الأوروبية أخذت الكلمة مدلولا اصطلاحيا يعني أنها (( طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم بقدر الإمكان، ويحد أصحاب المنطق الحديث المنهج بأنه (فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين تكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين[5].
ونحن نعني هنا بالمنهج الطريق الصحيح لكتابة البحث الموضوعي المثمر الذي تتوفر فيه مقتضيات التحقيق والعمق والشمول والتنظيم، ولابد من الإشارة إلى أن مناهج البحث تختلف باختلاف ميادينه وغاياته، فالباحث في التفسير يختلف عن الباحث في الحديث، وكذلك الشأن بالنسبة للباحث في التاريخ والأدب واللغة، بمعنى أن نوعية البحث هي التي تملي على الباحث خط السير الخاص بالعلم أو الفن الذي يبحثه، ولكن خط السير العام أو الأصول المنهجية التي يجب أن يلتزمها كل باحث متفقة لا تختلف بين بحث وآخر، وتتجلى لنا أهمية منهج البحث في مونه العامل القوي للإقناع وإيصال المعلومات الصحيحة غالبا إلى الأذهان، إلى جانب كونه المسلك الذي يدخل به الباحث إلى ميدان المعرفة الفسيح ليذلل مشكلاتها وصعابها.
4_ اختيار الموضوع:
الخطوة الأولى في منهج البحث هي اختيار الموضوع، وهذه الخطوة على جانب كبير من الأهمية، ولا أبالغ إن قلت إن نجاح الباحث في الموضوع الذي تم اختياره يكون بقدر نجاحه وتوفيقه في هذا الاختيار، وتزداد هذه المرحلة أهمية بالنسبة للباحث المبتدئ إذ ربما تسرع دون تفكير فاختار موضوعا غير مناسب، أو موضوعا لا تتوفر مراجعه، أو موضوعا شائكا ينتهي فيه من حيث يبتدئ، وتتعثر خطاه في أول الطريق، ويندم على ما أهدر من جهد وأضاع من وقت، وقد يختار موضوعا لا تتوفر فيه عناصر الجدة والجاذبية التي تفرضه على المشرفين عليه إن كان الباحث طالبا في قسم الماجستير أو الدكتوراه، وعلى هذا الأساس يلزم الباحث أن يلاحظ الأمور الآتية في الموضوع الذي يختاره:
1_ أن يكون مناسبا يجد فيه الباحث مجالا واسعا للبحث والتحقيق.
2_ أن تتوفر مراجعه مطبوعة ومخطوطة.
3_ أن يكون موافقا لقدرات الباحث وطاقاته العقلية والفكرية.
4_ أن تتوفر فيه عناصر الجدة والابتكار.
ولبحوث الماجستير والدكتوراه شروط وأهداف أهمها الجدة والابتكار، والسير على مستلزمات منهج البحث الموضوعي، وإضافة رصيد جديد إلى المعرفة الإنسانية في أي مجال من مجالات البحث.
5_ مصادر البحث:
لابدّ لكل باحث من روافد ومصادر يستقي منها مادته التي يبني عليها البحث، ولا يمكن أن يقوم بحث بدون مصادر كما لا يمكن أن يقوم بناء بدون أساس، وإذا تحدد الموضوع بإمكان الباحث أن يبدأ بجمع المصادر التي يجد فيها بغيته أو التي لها مساس مباشر أو غير مباشر ببحثه، ولكي يتصور موضوعه تصورا كاملا ويضع له المخطط النهائي للبحث، وتلك عملية تستلزم الدقة إذ إن هذا المخطط يكون بمثابة اللبنات الأساسية للبحث، على أن المصادر بالنسبة للباحث نوعان: مصادر أساسية ومصادر ثانوية، وكلا النوعين ضروري إلا أن النوع الأول أكثر أهمية إذ عليه يرتكز الباحث أكثر ما يرتكز، ولا يعني ذلك أن يهمل شأن المصادر الثانوية فقد يوجد في الأنهار ما لا يوجد في البحار، ومن المعلوم أن مصادر كل بحث إنما هي الكتب التي تتعلق بموضوعه، والموسوعات العلمية المتخصصة، وفهارس المصادر والمراجع، وبعض المجلات العلمية التي لها علاقة بالبحث والأشخاص الذين يتمتعون بالخبرة والدراية فيما يراد بحثه، وقوائم دور النشر.
6_ مصادر المصادر:
وأعني بها تلك المؤلفات الموسوعية التي وضعت لتسجيل أسماء الكتب في كل فن أو لكل علم من مثل الفهرست لابن النديم، والفهرست لابن خير الإشبيلي، وكشف الظنون في أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة، ومفتاح دار السعادة لطاش كبرى زاده، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة ليوسف اليان سركيس من ابتداء الطباعة إلى سنة 1339، وتاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان، ومثل هذه المؤلفات تعين الباحث على تحديد مصادره أو على تقصي مؤلفات شخصية ما يدور الحديث حولها، والكتاب الأخير يفيد كثيرا في الإشارة إلى أماكن وجود المخطوطات التي يوردها، والتي ربما كان من بينها ما يفيدك في بحثك، وفي هذا الصدد لا ننسى فهارس المكتبات الهامة في الشرق والغرب إذ تعتبر هي الأخرى من مصادر المصادر.
7_ جمع مادة البحث:
قال المحدث الشهير أبو حاتم الرازي من أعيان القرن الثالث (( إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش )) [6]، والتقميش بمعنى الجمع من القمش أي جمع القماش وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء[7]، وقد وضع أبو حاتم بهذه العبارة دعامة من دعائم المنهج الصحيح للبحث والتكوين العلمي، وتتم عملية جمع المادة بالرجوع إلى المصادر التي عيّنها الباحث لبحثه، فهو يجمع منها كل ما يتصل بالموضوع في جزازات أو بطاقات، وإذا تجمعت لديه كمية كبيرة من المواد كان عليه أن يقوم بعملية تصفية، أو بعبارة أخرى عملية انتخاب للنصوص الملائمة لمخطط البحث، وعملية الجمع تختلف بحسب ضخامة البحث أو صغره أو نوعيته، ويذكر الباحثون لعملية جمع المادة أو للتقميش خمس طرق هي:
1_ اختصار المعلومات.
2_ مجمل المعلومات.
3_ شرح المعلومات.
4_ النقل الحرفي.
5_ النقد والتعليق.
ويكفي أن أشير إلى هذه الطرق مجرد إشارة عابرة إذ إنها واضحة للمتأمل وتشير بنفسها إلى ما يقصد بها، ومع ذلك فلابدّ من القول بأن الطريق الأول تختصر فيه المعلومات على شكل نبذ وإشارات، ويتم ذلك في الحالة التي يكون فيها المصدر في متناول يد الباحث للرجوع إليه، وأخذ المعلومات منه كاملة عند كتابة البحث، وبالنسبة للطريق الثاني فإنه يعني أن تصاغ المعلومات التي تلزم الباحث من أي مصدر بشكل إجمالي وبعبارة الباحث نفسه، ويمكن أن نطلق على ذلك (النقل بتصرف) ومن الضروري ما دمت بصدد الحديث عن جمع المادة أن أذكر شيئا عن طريقة البطاقات التي يتم بواسطتها نقل المعلومات من المصادر، وبإيجاز تام أقول: إن الذين كتبوا في مناهج البحث وضعوا للبطاقة حجما معينا هو (10x14) سم تقريبا، ولكن بإمكان الباحث أن يختار الحجم المناسب من البطاقات وعليها يدون النصوص التي يقتبسها من المصادر مكتوبة على عرض البطاقة وعلى وجه واحد منها، ومن المستحسن أن يوضع لكل اقتباس عنوان يميزه عن غيره، وإذا زادت المعلومات المنقولة على البطاقة في ناحية معينة فعلى الباحث أن يستنجد ببطاقة أخرى، بيْد أنه لابد من كتابة عنوان الناحية على البطاقة الأخرى مع ترقيمها ترقيما نسبيا أي بالنسبة للبطاقة السابقة ولما كتب فيها من معلومات، ومن المهم جدا أن تشتمل البطاقة على ذكر اسم الكتاب المنقول منه، واسم مؤلفهن وسنة وفاته، واسم المحقق أو المترجم، ومكان الطبع وتاريخه، وإذا كان المصدر مخطوطا يشار إلى رقم الورقة وإلى الوجه، وإلى مكان وجود المخطوطة، ويجب أن تكون الأمانة العلمية رائد البحث في كل ما ينقله أو يقتبسه أو يستدل به أو يسوقه بتصرف بحيث يعزو ذلك كله إلى مصادره الأساسية.
8_ تصنيف مادة البحث:
تتم عملية التصنيف بعد عملية جمع المادة، وذلك بالرجوع إلى البطاقات التي جمعت فيها أخلاطا وأمشاجا من المعلومات لكي ترتب تلك البطاقات وتوزعها أو تصنفها حسب نقاط المخطط الذي وضعته، بحيث تجعل بطاقات كل فصل أو مبحث على حدة، وخلال عملية التصنيف تستبعد البطاقات التي لا تلزم، أو التي يتبين أنها لا تمّت بصلة لأي نقطة من نقاط المخطط، فعلى الباحث أن يبعدها غير مأسوف عليها، ولو تعاظم إبعادها وأدخلها في البحث بطريق أو بآخر أدخل فيه ما ليس منه، وإذا خطرت للباحث فكرة أو تعليق حول المادة المنقولة في بعض البطاقات يمكن أن يسجله على هامش البطاقة بشكل إشارات، وبملاحظة عناوين الاقتباسات والنصوص المنقولة على البطاقة تتم خطوة التصنيف بيسر وسهولة.
9_ كتابة البحث:
هذه الخطوة هي المرحلة الحساسة للبناء، وإذا كان من السهل على كل طالب علم أن يقوم بجمع المادة فإن عملية الكتابة لا تيسر إلا لمن يحمل المواهب التي تمكنه من القيام بهذه المهمة، وتبدأ هذه المرحلة بأخذ البطاقات التي تتعلق بقضية من قضايا البحث أو بفصل من فصوله ثم يشرع الباحث في استعراضها والتأمل فيها، والموازنة بين ما تحتوي عليه من آراء، ونقد ما يستوجب منها النقد ثم يبدأ بالكتابة موضحا ومعلقا ومحققا وموازنان وناقدا للمعلومات الماثلة أمامه في البطاقة، ومن البديهي أن كل بحث يحتاج إلى مقدمة وخاتمة، أما المقدمة يتحدث فيها عن أهمية الموضوع وملابساته ومنهجه ومحتوياته ومصادره وما استجد فيه، وأما الخاتمة فهي مجرد إجمال موجز منظم للمعلومات السابقة في البحث نفسه، ومما تجب مراعاته في كتابة البحث أن لا يكون الباحث عالة على من سبقه بحيث يكتفي بمجرد النقل وحشد المعلومات والتلخيص دون أن يعلق ويحقق ويرجح وينقد، ويتأمل ويفكر ويستنبط ويناقش بروية ومنطق وبرهان، على أن الدقة والتنظيم في العرض أمران ضروريان لنجاح البحث واحتلاله المنزلة اللائقة به وليس للبحث قيمة إذا لم تظهر فيه شخصية الباحث ويتجلى مدى إدراكه وفهمه لما يبحثه، ومن العيب أن يكثر الباحث الحديث عن نفسه، والافتخار بما توصل إليه من نتائج خلال البحث، ولابد من احترام آراء الآخرين والابتعاد عن الغرور والنيل من الشخصيات، وكثيرا ما يخرج بعض الباحثين على حدود القصد والاعتدال بالتعصب لرأي أو مذهب أو شخصية ما وفي سبيل الحرص على تعصبهم يتنكبون الطريق الصحيح فيتمسكون بآرائهم ويتعصبون لها وإن بدى لهم خطؤها وصواب غيرها فتضيع بذلك القيمة العلمية للبحث، ومن الضروري أن تصاغ المعلومات بأسلوب عربي سليم واضح مبرأ من الخطأ النحوي والإملائي، ومن الغموض والالتباس، وان يبتعد الباحث عن الاستطرادات والانسياق مع الأسلوب الخطابي.
10_ إعداد الفهارس:
عمل الفهارس خطوة أخيرة تأتي بعد تمام البحث، ومن الباحثين من يلزم جانب الفهرست العادية أي الاكتفاء بفهرست الموضوعات فقط، ومثل هذه الفهرسة تعد عملا ناقصا، والعمل الكامل يتمثل في وضع الفهارس الفنية الدقيقة الشاملة، وتوضع هذه الفهارس بحسب طبيعة الموضوع ونوعيته، وغالبا ما تشتمل على فهرس للموضوعات، والآيات القرآنية، والأحاديث، والأعلام، والبلدان والقبائل، والأشعار، والمصطلحات العلمية، واللغة، والكتب، ويتم وضع هذه الفهارس مرتبة على أحرف الهجاء، والله الموفق إلى سواء السبيل.


[frame="1 80"] [1] الكتاب مترجم إلى العربية ترجمة الدكتور محمد مندور

[2] لمحات في المكتبة والبحث والمصادر ص 88 .

[3] انظر مناهج البحث العلمي للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 3 .

[4] انظر القاموس المحيط (1/210).

[5] مناهج البحث العلمي للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 4 .

[6] مقدمة ابن الصلاح ص 225 .

[7] انظر القاموس (2/285).


[/frame]


lki[ hgfpe hgl,q,ud