العولمة في إفريقيا و آسيا ( مقاربة متعددة )

هل بدأت العولمة منذ عهد فاسكو دي غاما؟ كان هذا الملاّح البرتغالي قد ربط في العالم 1498 أوروبا بآسيا عبر الخط الساحلي الإفريقي. وهكذا دخل عالم الثلاث قارات المؤلف من أوروبا وأفريقيا وآسيا، مرحلة جديدة من التفاعل أو التأثير المتبادل، سواء أكان ذلك من أجل الأفضل أو الأسوأ.
مرّت تقريباً خمسة قرون على فاسكو دي غاما. وبالرغم من أن كلمة «العولمة» جديدة، فإن عملية العولمة تعود تاريخياً إلى فترة تمتد إلى خمسة قرون أيضاً على الأقل.
ففي ما يتعلق بأفريقيا وآسيا، كان ولا يزال المسرح الرئيسي للاتصالات والتماس في مابينهما، يتمثل في المحيط الهندي، ويضم دولاً من جنوب آسيا وغربها والشاطئ الشرقي للقارة الأفريقية. لذا، دعونا ندقق هذا المسرح في خمسة أبعاد له هي: البعد التفاعلي، والبعد المقارن، والبعد التنافسي، والبعد التعاوني، والبعد النزاعي.
البعد التفاعلي:

إن الجغرافيا هي غالباً أم التاريخ. وقد تمثل أحد التأثيرات الجغرافية لأفريقيا في تاريخ العالم في المنع الذي طال أمده للوصول الأوروبي إلى المحيط الهندي. وكان التجار والباعة الأوروبيون الراغبون في سلع الشرق الخرافي الأسطوري التي شملت الحرير والبهارات، واللآلئ، يريدون طريقاً بحرياً إلى هذا الشرق. وأرادوا أيضاً الوصول إلى المحيط الهندي، ولكن الكتلة البرية الأفريقية شكّلت حاجز إعاقة كبيراً أمام الجشع الأوروبي.
وأخيراً..، وبعد مرور زمن طويل، وصل بارتولومي دياس إلى الرأس الإفريقي الجنوبي، ولكنه لم يستطع الإلتفاف بسهولة حول «رأس العواصف». فالمحيط الهندي كان قريباً ولكنه اعتُبر بعيداً.
ولم يستطع الأوروبيون، قبل فاسكو دي غاما، في العام 1498، أن يلتفوا كلياً حول جنوب أفريقيا، ويصلوا إلى المحيط الهندي، وقد أعيدت تسمية هذا الرأس عندئذٍ ليصبح «رأس الرجاء الصالح».
وبدت مناطق الشرق التي افتُرضت زاخرة بالثروات قابلة للوصول إليها، في نهاية المطاف، عبر المحيط الهندي، وإن تمّ ذلك بعد انتظار طويل. وهكذا، بدأت العولمة.
كان لدور أوروبا بوصفها باباً مغلقاً على الأوروبيين إلى المحيط الهندي، تأثيرات أيضاً في نصف الكرة الغربي، ولو أن أفريقيا كانت قارّة أصغر ويمكن الإلتفاف حولها بسهولة من قبل الأوروبيين، لما كانت ثمّة حاجة إلى التفتيش عن طريق إلى الشرق منذ زمن طويل. وفي ضوء ذلك، عانى كريستوفر كولومبوس من متاعب في جمع المال اللازم لرحلته الأولى عبر الأطلسي في العام 1492. ولم يكن ليحصل على هذا المال لو أن الأوروبيين كانوا قد استطاعوا الوصول إلى المحيط الهندي قبل هذا التاريخ. وربما كان «الاكتشاف» الأوروبي للقارة الأميركية سيتأخر على الأقل قرناً آخر.
كان للاهتمام الأوروبي في الوصول إلى المحيط الهندي نتائج بعيدة المدى على أفريقيا أيضاً. فالاستعمار البرتغالي لموزامبيق حرّكته، جزئياً، طموحات شرقية. فقد بنى البرتغاليون مراكز تجارية مثل قلعة «يسوع» التي لا تزال قائمة حتى الآن في مومباسا بكينيا، لكي تسهل طرقهم إلى المحيط الهندي والشرق وتحميها. وعموماً، فإن أفراد عائلتي (آل مزرووي) هم الذين ساعدوا عسكرياً في طرد البرتغاليين من مومباسا ثم حكموا هذه «الدولة المدنية» بين عامي 1698 و1837.
وفي القرن التاسع عشر انتقل الاهتمام الأوروبي في الوصول إلى المحيط الهندي إلى شمال القارة الإفريقية. وبما أن رأس الرجاء الصالح أصبح آنذاك قابلاً للملاحة، فهل كان يوجد طريق أقصر للوصول إلى المحيط الهندي؟ وتركز الطموح على شق قناة عبر برزخ السويس. وهكذا انضم فرديناند دي ليسيبس، المهندس الفرنسي إلى ركب فاسكو دي غاما، وفي اتجاه الشمال. واحتاج شق قناة السويس إلى عقد من الزمن. لتفتتح في العام 1869، مؤمنة طريق وصول لأوروبا إلى المحيط الهندي. وهكذا، غادر فرديناند دي ليسيبس البر الأوروبي ليبحر من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر.
كان قد سبق التفاعل الحديث ذو الأبعاد الثلاثة بين أوروبا وأفريقيا والشرق تفاعل أقدم ثنائي البعد بين أفريقيا وآسيا. ولسنا متأكدين ممّا إذا كانت الشعوب الساميّة ذات أصل أفريقي ثم عبرت البحر الأحمر، أو أنها كانت في الأصل آسيوية ثم تأفرقت في وادي النيل. ولكننا نعرف تماماً أن الساميين ليسوا يهوداً وعرباً فقط، بل ضموا أيضاً، ودون جدل، تلك المجموعات الاتنية الافريقية، كالأمهريين وشعب التيغر في أثيوبيا، كانت الشعوب الساميّة موزعة على امتداد طرفي البحر الأحمر الذي وصله دي ليسيبس في السويس.
ومع مرور الزمن أدى ظهور الإسلام إلى تعقيد عالمي إضافي. فكان أهم تأثير للبلاد العربية في أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي ومابعده قد تمثل في نشر الدين الإسلامي. وهكذا، ازهرت حضارات جديدة في أفريقيا الشرقية لأسباب تعود جزئياً إلى تأثير الإسلام. وقد استجابت «الدول المدن» مثل مومباسا، وبات ولامو، وكيلوا، وزنجبار لاحقاً، لدعوة الثقافة الإسلامية ذات الصوت المرتفع التي امتزجت بالثقافة الإفريقية. وإن بعض هذه المدن كانت أيضاً من المرافئ التي مرّ بها فاسكو دي غاما في طريقه إلى الهند.
لم يكن التفاعل بين العالم العربي وأفريقيا الشرقية دينياً فقط، بل كانت له أيضاً نتائج لغوية عميقة وبعيدة المدى، فحتى ذلك الوقت، كانت قد ولدت ودُعمت، وانتشرت اللغة السواحلية خلال بضعة قرون مضت. وكانت الحضارة السواحلية قد زوّدت دي غاما ببعض مرشديه وربابنة سفنه، في رحلته إلى الهند، وعموماً، فاللغة السواحلية لم تكن فقط اللغة المحلية الأكثر نجاحاً التي أنتجتها أفريقيا، والتي كانت اللغة المحكية، واللغة التي نُظم بها الشعر المكتوب عبر تاريخ يمتد إلى عدة قرون في الماضي، بل كانت أيضاً اللغة الوحيدة التي أخذت أسمها من المحيط الهندي، فكلمة سواحلي مشتّقة من كلمة «السواحل» العربية التي تعني شواطئ أو سواحل المحيط الهندي.
شمل التأثير الإسلامي في أفريقيا الشرقية حتماً، الأدب أيضاً، فبالرغم من أن تنزانيا كانت تشكل على نحو واضح، طليعة الشعر السواحلي الحديث. فإن كينيا كانت ولا تزال المستودع، والحارس الأمين للشعر السواحلي الكلاسيكي.
كان التأثير الإسلامي في أفريقيا الشرقية ذا طابع هندسي معماري، وشمل الجوامع والقصور والمنازل العادية. فالأبواب ذات الديكورات الرائعة، والأثاث والصناديق المعدة لحفظ النفائس كانت جزءاً من الأسلمة (التحول إلى الإسلام). ومن بين المدن الضائعة في أفريقيا الشرقية، نجد مدينة «غيدي» (GIDI) الصحراوية المهجورة ذات الأبّهة والتألق في الهندسة المعمارية الإسلامية. ولا يزال المؤرخون يتجادلون في الأسباب التي دعت سكانها إلى هجرها بسرعة، ولكن لا يوجد شك في أنها كانت في يوم ما مدينة مزدهرة، ومتأثرة بعمق بكلا الحضارتين الإسلامية والأفريقية، وقد كانت الهندسة المعمارية الإسلامية جزءاً من العولمة الثقافية.
بقيت الأزياء الأفريقية الشرقية تشكل حتى النصف الثاني من القرن العشرين جزءاً من التفكير الإسلامي. فالكانزو، الذي هو عادة جلباب أبيض اللون معدّ للرجال ومزيّن بأجزاء من الحرير، لايزال يستخدم على نطاق واسع ليس من قبل المسلمين فحسب، بل ومن قبل شعوب الباغاندا والبانتو الأخرى غير المسلمة أيضاً. وكان هذا الجلباب قد صنع من قبل الشعب السواحلي بتأثير عربي.
وحتى النصف الثاني من القرن العشرين شمل التأثير العربي في أفريقيا الشرقية استخدام الأبجدية والإملاء العربيين في اللغات الإفريقية. وكتبت اللغة السواحلية بخط عربي لعدة قرون قبل حلول (انتصار) الأبجدية اللاتينية في ظل الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين. أما الأمر المعروف بدرجة أقل فهو الحقيقة المتمثلة في أن الكتابات المبكرة للإفريقيين في جنوب أفريقيا استخدمت الإملاء العربية.
وثمة تأثير رئيس آخر مورس اعتباراً من آسيا وعلى امتداد الساحل الإفريقي الشرقي، وجاء من شبه القارة الهندية. فتأثير المطبخ السواحلي جاء في وقت مبكر بدءاً من الاستخدام المتزايد للبهارات، والتنبّي لاحقاً لمجموعة كاملة من الوجبات بأسمائها الهندية. وفي الوقت الراهن نجد أن الكلمات والصحون (الوجبات) مثل «بيرياني»، و«بيلاو» و«شاباتي»، هي جزء من الثقافة السواحلية، كما أنها جزء أيضاً من طريقة الحياة الهندية.
وجد أيضاً تأثير أسيوي جنوبي آخر في الموسيقا السواحلية، وربما بدأ التأثير الموسيقي مع تلك الأدوات مثل الطبلة (طبل هندي)، والهارمونيكا، والسيتار (قيثار هندي).
وفي النصف الأول من القرن العشرين تسارع التأثر الهندي في الموسيقا السواحلية والموسيقا العربية، وربما حدث ذلك جزئياً بسبب تنامي انتشار الموسيقا الهندية وصناعات الأفلام الهندية أيضاً. فالأفلام الهندية أصبحت شعبية في المدن الأفريقية الشرقية من دار السلام إلى دوربان، ومن مقديشو إلى مابوتو، ومن أسمرا إلى زنجبار.

البعد المقارن:

عندما ننظر إلى أفريقيا وآسيا على امتداد المحيط الهندي، في نحو مقارن، فإننا إنما نعالج نقاط التماثل والاختلاف. وكانت معظم الدول في كلا هاتين القارتين قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بخبرة مشتركة عن الحكم الاستعماري. فعلى الصعيد الإقليمي، كانت، كل أفريقيا تقريباً خاضعة لحكم استعماري. مقابل نحو 65 في المئة فقط من آسيا. ونجد في المقابل، أن الفترات التي خضعت فيها المستعمرات الأفريقية لحكم الاستعمار كانت أقصر من مثيلاتها في المستعمرات الآسيوية. وعندما أعلن البريطانيون كينيا مستعمرة تابعة للتاج البريطاني، وكان جومو كينياتا قد ولد. وكان لا يزال حياً عندما رحل هؤلاء البريطانيون عن هذه البلاد، كما كان جاهزاً لأن يحكم كينيا لمدة خمس عشرة سنة بعد رحيل البريطانيين.
وفي المقابل، بقيت أجزاء كثيرة من الهند تحت درجات مختلفة من السيطرة البريطانية (حكومية وغير حكومية) مئات السنين قبل تقسيمها (أي الهند) واستقلالها في العام 1947. وكذلك، فإن أندونيسيا بقيت على نحو مماثل، ولعدة قرون تحت السيطرة الهولندية. وقد استُعمر غرب آسيا من قبل العُثمانيين قبل أن يُستعمر من قبل الأوروبيين. وبالرغم من أن مساحة الأرض الآسيوية المستعمرة كانت أقل من مساحة الأرض الإفريقية المستعمرة أيضاً، فإن جنوب آسيا استُعمر، عموماً، لفترة أطول من فترة استعمار أفريقيا الشرقية.
وهنا، يواجهنا أحد التناقضات، فالثقافات والقيم الإفريقية دُمرّت بسرعة أكبر بالرغم من قصر مدة الممارسة الإمبريالية في أماكن مثل كينيا، فخلال أقل من قرن، تحولت المجتمعات الأفريقية إلى النصرانية، بينما قاوم معظم الآسيويين هذا التحول إلى الدين المسيحي لمئات من السنين. وأصبحت الأنظمة السياسية والتعليمية الأفريقية أكثر اعتماداً على اللغات الأوروبية من مثيلاتها الآسيوية. ونحن لا نشير أبداً، على نحو روتيني، إلى «دول آسيوية» ناطقة باللغة الإنكليزية، أو إلى «دول آسيوية» ناطقة باللغة الفرنسية، بينما نناقش دائماً الأمور المتعلقة بأفريقيا الأنكلو فونية (الناطقة باللغة الإنكليزية)، وأفريقيا الفرانكوفونية وكذلك فإن العملية التشريعية في معظم البلدان الإفريقية كانت ستتوقف لولا استخدام اللغات الأوروبية.
ومن حيث المؤشرات الدينية واللغوية والثقافية، يبدو لنا أن أفريقيا تتحول إلى السمات والخواص الغربية بسرعة أكبر من معظم الدول الآسيوية، فلماذا، إذاً، تُركت أفريقيا باستثناء (دولة جنوب أفريقيا) وأُبقيت خلف آسيا في الأداء الاقتصادي؛ وإذا كانت أفريقيا قد تحولت إلى السمات والثقافات الغربية على نحو أسرع من تحوّل آسيا، فلماذا تحولت آسيا اقتصادياً إلى السمات والثقافات الغربية على نحو أسرع من أفريقيا؟ وماهي العلاقة بين التحول إلى السمات الغربية ثقافياً والتحول إلى هذه السمات ذاتها اقتصادياً؟
نحن نعرف أن الثقافة الغربية (بما فيها الأخلاق البروتستانتية بالمعنى الذي أراده ماكس ويبر) كانت ولا تزال جيدة للأداء الاقتصادي ضمن العالم الغربي. ولكننا لا نزال نجهل ما إذا كانت الثقافة الغربية جيدة للأداء الاقتصادي خارج الغرب. وفي المقابل فإن بعض الأمثلة الآسيوية خارج المحيط الهندي تبدو أنها تُثبت أن أفضل أسلوب في هذا المجال هو الجمع بين الأسلوب التقني الغربي والثقافة المحلية. وقد ساءل اليابانيون أنفسهم بعد حركة التجديد المعروفة بحركة «ميجي» عام 1868: «عما إذا كانوا قادرين على التحديث اقتصادياً دون التحول إلى السمات الغربية ثقافياً»؟ وكان الجواب بالإيجاب، وبالتالي فقد تقدّموا إلى تبنّي الاستراتيجية التي دعوها بـ «الأساليب الغربية والروح اليابانية» وحدثت أول معجزة صناعية يابانية في الفترة (1868 -1945)، وأصبحت اليابان قوة صناعية رئيسة بينما بقيت على أصالتها السابقة ثقافياً.
وفي أعوام العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن، ساءل الأتراك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك أنفسهم: «عما إذا كانوا يستطيعون أن يحدّثوا أنفسهم اقتصادياً دون التحول إلى السمات الغربية ثقافياً؟ وجاء الجواب التركي بالنفي، لأن التحول إلى السمات الغربية الثقافية هو الطريق الوحيد إلى الحداثة».
فاستبدلوا الأبجدية العربية بأخرى رومانية في كتابة اللغة التركية، وحوّلوا نظامهم التشريعي إلى السمات الغربية؛ ومنعوا ارتداء الطربوش؛ وبالتأكيد فقد ألغوا الملكية والخلافة. ومع ذلك ففي التحليل الأخير كانت وتيرة التصنيع والتحوّل الاقتصادي في تركيا أبطأ بكثير مما كان عليه الأمر في اليابان.
وعندما تحررت أفريقيا من الحكم الاستعماري ساءلت نفسها: «عما إذا كانت تستطيع أن تصبح قارة حديثة اقتصادياً من دون أن تتحول إلى السمات الغربية ثقافياً. وفي الواقع فإن الجواب كان حتى الآن» أن يتم التحول إلى السمات الغربية الثقافية دون تحديث اقتصادي». وهكذا كانت أفريقيا ولا تزال تتعرض لخطرين: الأول: هو التحول إلى السمات الغربية بسرعة عالية، والثاني: هو التحول أيضاً إلى السمات الغربية في مجالات خاطئة من الثقافة الغربية، فموزامبيق، على سبيل المثال، تتحول إلى السمات الغربية في الصلاة، ولكن ليس في الإنتاج؛ وفي الملابس، لا في أجهزة الحواسب. ومرة أخرى، يجب أن تعامل دولة جنوب أفريقيا على نحو مختلف.
إن تايوان، وكوريا الجنوبية، وهونغ كونغ، تبنّت بصورة رئيسة العناصر الأكثر إنتاجية في الحضارة الغربية، وربطتها بأساليبها الخاصة في التنظيم الاجتماعي والتكيّف الثقافي. كانت تايوان تخضع لاستعمار الصين الأم، بينما خضعت كوريا الجنوبية لاستعمار اليابان، وخضعت هونغ كونغ لاستعمار بريطانيا العظمى. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن هذه الدول الثلاث مختلفة كثيراً في مستوى التحديث عن الأجزاء الأكثر ازدهاراً في أفريقيا مثل غانا، وكينيا، وروديسيا الجنوبية (زيمبابوي). وكان أغلب الدول الآسيوية آنذاك يأتي بعد جنوب أفريقيا في الأداء الاقتصادي.
وباستثناء أثيوبيا والبلدان العربية، فإن البلدان الأفريقية على المحيط الهندي، كانت بطيئة في الحصول على استقلالها. ولكن عندما أصبحت غانا مستقلة في العام 1957 كان الدخل الفردي السنوي فيها مماثلاً تقريباً لما هو عليه في كوريا الجنوبية (490 دولاراً مقابل 491 دولاراً حسب أسعار الدولار في العام 1980). وفي بداية أعوام التسعينيات انخفض الدخل الفردي السنوي في غانا إلى 400 دولار بينما ارتفع في كوريا الجنوبية إلى (6000) دولار.
ومع ذلك، فإن الغانيين لا يزالون يتكلمون اللغة الإنكليزية على نحو أفضل من الكوريين الجنوبيين، وتنصّروا (أصبحوا مسيحيين). أكثر من الكوريين الجنوبيين أيضاً. وعموماً، فالعالم الثالث لا يعني، بالضرورة، امتلاك عائدات اقتصادية وتطويرية أعلى. فكل الحكام المدنيين في غانا كانوا من ذوي الثقافة الغربية العالية، ومع ذلك لم تستطع غانا أن تحذو حذو كوريا الجنوبية في التصنيع والأداء الاقتصادي الحادّين. وهكذا، فإن ‎سر التطور الاقتصادي ربما لا يكمن في تقليد الغرب ثقافياً.
وإنما يمكن أن يكمن في الجمع بين الابتكار والأصالة المحلية. وبالرغم من الانتكاسات الاقتصادية، التي حدثت مؤخراً، فربما تكون دول شرق آسيا وجنوب شرقها قد وجدت هذا السرّ. وإذا ما سمحت السياسة النووية، فإن دول جنوب آسيا قد تستعيد نشاطها وازدهارها الاقتصاديين. أما النُخب (جمع نخبة) الإفريقية فلا تزال مشلولة بسبب تقليدها المبالغ به للغرب دون المحافظة على قدر كاف من الأصالة المحلية. وإن هذا الأمر هو أسوأ لدى معظم بلدان أفريقيا الشرقية منه لدى دول أفريقيا الغربية.

البعد التنافسي:

إذا كان الاستعمار قد ساعد في تحويل البلدان الإفريقية والآسيوية إلى حلفاء سياسيين، فإن هذه التجربة الاستعمارية ذاتها هيأت خلفية التنافس الاقتصادي. فقد خلقت الدول الأوروبية في المستعمرات اقتصادات متنافسة على المواد الأولية. ففي إنتاج القطن كانت السودان تتنافس مع الهند؛ وفي المطاط تنافست ليبيريا مع ماليزيا؛ وفي النفط تنافست ليبيا مع أندونيسيا؛ وفي الشاي تنافست كينيا مع سيلان (سيريلانكا). وفي بعض المنتجات كان من الواضح أن أفريقيا تمتعت بهامش من الوفرة عموماً. وهكذا فقد أصبحت صادرات أفريقيا من زيت النخيل، والفستق، والكاكاو أكبر من صادرات آسيا من نفس الأصناف، وتحكمت زنجبار قليلاً بإنتاج الثوم.
وكذلك فقد كان لإفريقيا السبق في الصادرات المعدينة كالكروم والكوبالت، والبلاتين، والإسفلت، والماس، والذهب، وحتى النحاس.
وفي العقد الأخير من القرن العشرين تراجعت أفريقيا عن البلدان الآسيوية سواء في مستوى الإنتاج أم في درجة تنوعه.
حتى في تلك المنتجات الزراعية التي كانت أفريقيا متفوقة فيها، نجد أن البلدان الآسيوية لحقت بها أو تجاوزتها. فماليزيا تُنتج الآن زيت النخيل بكميات أكبر من إنتاج ساحل العاج؛ وأندونيسيا تنتج الثوم أكثر مما تفعل زنجبار. وهذا بالطبع إلى جانب الأختلاف العلامي الكبير في وتيرة التصنيع والمكننة بين معظم البلدان الأفريقية والآسيوية علماً أن الميزان رجح لصالح البلدان الآسيوية.
وإذا استثنينا دول جنوب أفريقيا، ومصر، والمغرب، نجد أن أفريقيا تسير خلف كل الدول الآسيوية تقريباً في التصنيع.
وبالرغم من الانتكاسات الاقتصادية الحديثة في آسيا، يظل السؤال مطروحاً عن السبب الذي جعل آسيا ذات أداء اقتصادي أفضل من أفريقيا خلال أقل من ثلاثة عقود من الزمن. كنا قد أشرنا سابقاً إلى سببين متداخلين هما أن المجتمعات الأفريقية حاولت التحول إلى السمات الغربية بسرعة كبيرة. وتمّ هذا التحول في مجالات خاطئة. وكانت إحدى النتائج المترتبة على ذلك هي العملية الخاصة في «سوء التحديث».
وقد مارست أفريقيا التحضر أو التوضّع في المدن دون تصنيع، ومارست الأذواق الغربية دون مهارات غربية، ومارست الجشع الرأسمالي دون انضباط رأسمالي، ومارست نماذج الاستهلاك الغربية دون تقنيات الإنتاج الغربية، ومارست الثقافة الغربية دون الأخذ بالثقافة الغربية الإحصائية. وربما كان الشاعر الإنكليزية الكسندر بوب قد عبر عن ذلك عندما قال:
إن القليل من الحداثة هو شيء خطر،
فاشرب كثيراً أو لا تتذوق ينبوع الغرب،
وثمة عوامل أخرى عملت ضد التطور الأفريقي إذا قورن ذلك بآسيا، فبعض قطاعات العمل تكلف في أفريقيا أكثر منها في مثيلاتها من جنوب آسيا. وقد حدّد تقرير للبنك الدولي في العام 1989. وكان بعنوان «أفريقيا تحت الصحراوية: من الأزمة إلى النمو المستمر». هذه الفروق كما يلي:
«في معظم البلدان الإفريقية، وفي بداية أعوام الثمانينات كانت أجور القطاع العام، المقيسة بمضاعفات الدخل الفردي السنوي أكبر بعدة مرات من مثيلاتها في آسيا. وعلى سبيل المثال، كانت الأجور التنزانية الرسمية التي تعدّ منخفضة نسبياً في أفريقيا أكبر بمرتين من مثيلاتها في سيريلانكا».
إن الإهمال الكبير للبنية التحتية الاقتصادية كان مدّمراً جداً لاستراتيجية التطوير الأوسع نطاقاً. وعموماً فإن الضرائب على خدمات البنية التحتية في أفريقيا ليست فقط أقل من التكاليف الاقتصادية، وإنما هي أقل مما يلزم لصيانة هذه البنية التحتية. وقد أُكدّ في تقرير البنك الدولي عن أفريقيا تحت الصحراوية المذكور آنفاً على «أن الزيادات المعتدلة في الضرائب المالية سوف تؤمن عائداً مساوياً لنحو 20 - 30 في المئة من العائدات العامة الراهنة»، وإن مثل هذه الاستراتيجية ستكون سهلة التنفيذ والإدارة، والمراقبة والحساب. وكذلك، فإن الضرائب المتزايدة على الطاقة الكهربائية، والماء، والطرق (شهادات الكاميرات) والاتصالات البعيدة، يمكنها أن تحسّن الصيانة والتوسع. أما زيادة الأسعار في هذا المجال فستكون أعباء أكثر منها ضرائب. وستقع على فئات الدخول العليا أكثر مما تقع على عاتق الفقراء. ويمكنـــها أن تــوقف تراجع الـحالة الفنية للطـرق، والسكك الحديدية، ومعدات الاتصال البعيد، وتوليد الطاقة الكهربائية والإمداد بالماء.
ويمكن للبنية التحتية المحسّنة أن تساعد أفريقيا أيضاً في تضييق ثغرة التطور التي تزداد اتساعاً بينها وبين معظم الدول الآسيوية. وتتنافس أيضاً آسيا وأفريقيا بوصفهما مغناطيسين لجذب التوظيفات المالية الأجنبية. فمع انتهاء الحرب الباردة ظهرت فرص إضافية للتوظيف المالي الغربي ليس بين أعضاء حلف وارسو السابقين فحسب، بل بين الاقتصادات الآسيوية المتحررة حديثاً أيضاً. وعلى سبيل المثال، فإن الهند التي كانت لديها شكوك في شأن التوظيف المالي الغربي في أثناء معظم سنواتها الاشتراكية، تحوّلت الآن إلى مايعرف بفضائل السوق وأصبحت ترحب كثيراً بموظّفي الأموال الأجانب. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن سكان الهند الذين يزيد تعدادهم عن 900 مليون إنسان يشكّلون سوقاً جذابة جداً.
كان للحرب الباردة الفضل في خلق رباط شراكة سياسية بين أفريقيا ومعظم آسيا. فهذه الحرب جعلت حركة عدم الانحياز ذات معنى لأن البلدان الآسيوية والأفريقية سعت إلى التضامن عندما أبعدت نفسها عن حلفي وارسو والأطلسي. وفي المقابل فإن انتهاء الحرب الباردة أضعف الشراكة السياسية بين أفريقيا وآسيا ورفع مستوى المنافسة الاقتصادية. فالهند أصبحت منافساً للتوظيف المالي الغربي، كما أصبحت في الوقت ذاته أقل من حليف في عدم الانحياز.
وأصبحت الصين أقل توقاً إلى النفوذ السياسي في إفريقيا وأكثر تنافساً من أجل التوظيف الرأسمالي ضمن حدودها. وحتى فيتنام، الدولة المنبوذة في ظل «السلام الأميركي» ظهرت في أعوام التسعينات كمغناطيس لجذب رجال الأعمال الأميركيين، ولجذب التوظيفات المالية من دول غربية أخرى.
أدى انتهاء الحرب الباردة حتماً إلى إضعاف قوى التحالف السياسي بين أفريقيا وآسيا، وإلى تقوية آفاق تصاعد التنافس الاقتصادي. ويشمل ذلك مجال المساعدة الأجنبية.وفي المقابل، فإن الإزدهار المتنامي لبعض البلدان الآسيوية جعلها أقل حاجة لهذه المساعدة. وعموماً، فمن الممكن أن تصبح دول شرق آسيا وجنوب شرقها من الدول التي تعطي مساعدات عوضاً عن كونها متلقية لهذه المساعدات، قبل نهاية القرن العشرين.
ومهما يكن الأمر، فإن معظم أجزاء أفريقيا وأجزاء كثيرة من جنوب آسيا لا تزال ضمن حزام الفقر الذي يلتف حول الكرة الأرضية. ولكن المساعدات الخارجية التي يقدمها الغرب، في فترة ما بعد الحرب الباردة تتراجع عموماً. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت هذه المساعدات ستذهب إلى لاوس عوضاً عن ليبريا، أو إلى أذربيجان عوضاً عن بوركينا فاسو، أو إلى بنغلاديش عوضاً عن نيجريا. وهل آسيا سوف تسبق أفريقيا بوصفها مغناطيساً لجذب المساعدات الخارجية في فترة مابعد الحرب الباردة؟

البدء أو العامل التعاوني:

من الأفرو آسيوية إلى عدم الانحياز.

ثمة أربع قوى سياسية متداخلة ساعدت على التقريب بين آسيا وأفريقيا في القرن العشرين، وإن لفترة ما على الأقل وكانت إحداها هي الرباط الذي جعل منها ضحايا للعجرفة العرقية واللونية (من اللون) الأوروبية (التضامن العرقي). والثانية هي الرباط الذي جعل منها ضحايا العجرفة الثقافية والحضارية الأوروبية (التضامن الثقافي). والثالثة: هي الرباط الذي جعل منها ضحايا للامبريالية والاستعمار الغربيين الفعليين أو المباشرين (التضامن المضاد للامبريالية). والرابعة هي الرباط الذي جعلها تحاول فك اشتباكها عن الحرب الباردة مادامت هذه الأخيرة مستمرة (تضامن عدم الانحياز).
أدّى الرباطان الأوّلان (أي التضامن العرقي والتضامن الثقافي) إلى ظهور عدة حركات أفرو آسيوية. وكان أشهرها مؤتمر باندونغ عام 1955 الذي جمع قادة بارزين من قارتين في صراع مشترك ضد الهيمنة الغربية.
ومن الواضح أن التضامنين العرقي والثقافي ارتبطا بالصراع ضد الامبريالية الذي شكّل الأساس الثالث للتضامن الأفرو آسيوي ولكنّ الامبريالية أخذت تُعرف مع مرور الزمن بأنها ليست مجرد أسلوب قديم لاستعمار إقليمي، وضمّ للمستعمرات من قبل أوروبا، بل أصبحت أيضاً هيمنة وسيطرة غربيتين دائمتين، بما في ذلك إلقاء الظل المشؤوم للولايات المتحدة على دول أخرى.
ولكن، فحتى مع هذا التعريف الموسّع للامبريالية، لم تكن آسيا وأفريقيا وحدهما تحت سيطرة الغرب، بل كانت هناك أميركا اللاتينية أيضاً. وهكذا دخل مفهوم «العالم الثالث». إلى مفردات السياسة الدولية في أعوام الستينات. أما العالم الأول فكان عالم الدول الرأسمالية المتقدمة تكنولوجيا والمقادة اقتصادياً من قبل الولايات المتحدة وألمانيا، واليابان. وعلى الصعيد السياسي، كان العالم الأول يُقاد من قبل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا.
وكان العالم الثاني عالم الدول الاشتراكية المتقدمة تكنولوجياً والمقادة أو المسيطر عليها من قبل الاتحاد السوفييتي آنذاك، ولكنها كانت تضمّ دولاً ذات اقتصادات أفضل مستوى مثل هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا. وتألف العالم الثالث من دول نامية في أفريقيا وآسيا، وأميركا اللاتينية، وهي تتراوح بين البرازيل وبوتسوانا، وباكستان، والباراغوي، والصين وتشاد. وأصرّت الصين على أن ينظر إليها بوصفها جزءاً من العالم النامي عوضاً عن وضعها إمّا مع حلف وارسو أو في وضع القوة العظمى المحتملة.
كان لتوسيع التضامن الأفرو آسيوي لكي يشمل أميركا اللاتينية تشعبات وتأثيرات في نموذج «العلاقات بين الشمال والجنوب». الذي ظهر في الساحة العالمية. وأثر أيضاً في التحالفات التي وجدت في ظل الأمم المتحدة كمؤتمر الأمم المتحدة عن التجارة والتطوير (UNCTAD) ومؤتمر التعاون في أوروغواي، ومنظمة التجارة الدولية، وما أُتبع لها مؤخراً من مؤسسات الغات (GATT). وكان هذا التضامن الأفرو آسيوي جزءاً من أساس حركة عدم الانحياز (NAM).
جاءت حركة عدم الانحياز في الأصل بوحي من القلق إزاء سباق التسلّح بين حلف الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو. فالدول الأعضاء في هذه الحركة، والبالغ عددها 25 دولة كانت تطمح إلى التأثير في العالم في مجالي نزع السلاح والتخلص من الاستعمار. ومع مرور عقود من الزمن، لم يبق لهذه الحركة سوى الطموح الهادف إلى الإبقاء على «السلام، ونزع السلاح، وحل النزاعات بوسائل سلمية».
وبقيت أيضاً ملتزمة بتقرير المصير والاستقلال لكل الشعوب التي تعيش تحت السيطرة الاستعمارية أو التحكم من قبل غرباء، أو الاحتلال الأجنبي». ولكنها شدّدت على نحو متزايد على ضرورة التطوير الدائم والسليم بيئياً، وعلى رفع مستوى «الحقوق الأساسية والحرية»، وعلى السعي إلى تقوية دور وفعالية الأمم المتحدة». وقبل كل شيء كانت هذه الحركة تدافع عن «الانتقال من النظام العالمي القديم المعتمد على السيطرة والتحكم إلى نظام جديد يعتمد على الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية والرفاه للجميع»، وذلك حسبما جاء في البيان الختامي لمؤتمر بلغراد عام 1989.
لا تزال آسيا وأفريقيا القارتين الأقدم مركزاً في حركة عدم الانحياز وقد استضافتا عدة مؤتمرات حتى تاريخه. وفي الواقع، فحتى منتصف أعوام التسعينات لم يعقد سوى مؤتمر واحد في أمريكا اللاتينية، وكان ذلك في هافانا بكوبا عام 1979، وفضلاً عن ذلك، فإن أكبردولة في أمريكا اللاتينية ليست عضواً في هذه الحركة. وفي المقابل، ففي حزيران 1994، أدخلت الحركة إلى صفوفها جمهورية جنوب أفريقيا التي تُعدّ الدولة الأكثر تصنيعاً والأكثر نفوذاً في أفريقيا.
وعلى غرار ماعانت حركة التضامن الأفرو آسيوية من أزمة وجودها بعد أن انتهى الاستعمار الأوروبي القديم، فإن حركة عدم الانحياز تعاني أيضاً من أزمة تحديد هدفها الفعلي بعد أن انتهت الحرب الباردة. وقد ذهب بعض الأعضاء إلى حدّ التوصية بحل هذه الحركة نظراً إلى أن العالم لم يعد يواجه الآن أخطار التوتر بين الشرق والغرب. ولكن بعض الأعضاء الآخرين شجّعوا على إعادة التركيز على العلاقات بين الشمال والجنوب على مستوى العالم بغية تحقيق ثلاثة أهداف هامة هي: أولاً: التعاون الاقتصادي بدرجة أكبر وأصح بين الشمال والجنوب؛ وثانياً: التعاون بدرجة أكبر مع المزيد من الاعتماد على الذات بين الشمال والجنوب أيضاً؛ وثالثاً: تحقيق المزيد من إصلاح النظام العالمي من أجل عدالة اجتماعية ومساواة دولية. بأبعاد أكبر. وعموماً، فقد كانت ولا تزال دول المحيط الهندي ذات أدوار مركزية في هذه الحركات.

المحيط الهندي، منطقة نزاعات:

إن العلاقات النزاعية بين البلدان الأفريقية والآسيوية تعود أيضاً إلى قرون مضت من الزمن، ولكن بعض أنواع هذه النزاعات أختفت بصورة رئيسة. فالنوع القديم من النزاعات والذي أصبح نادراً الآن هو غزو العبيد أو الغارات المنفذة من أجل أخذ العبيد. وكان جنوب آسيا متورطاً على نطاق واسع في تجارة العبيد الأفريقية منذ ألف سنة تقريباً، وقبل أن تبدأ تجارة العبيد عبر الأطلسي.
وإن الجانب المحاذي للمحيط الهندي من أفريقيا، كان يُشكّل إما أرضاً للغزو أو منطقة مرور لتجارة العبيد المنفذة من قبل الآسيويين الغربيين. وبينما كانت تجارة العبيد الشرقية هذه أصغر حجماً من مثيلتها التي اعتمدت على نقل هؤلاء العبيد عبر الأطلسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإنّها كانت سبباً رئيساً للنزاع بين آسيا وأفريقيا.
وإذا كان يمكن للقتل أن يُصنّف إلى قتل من الدرجة الأولى وقتل من الدرجة الثانية، فهل يمكن للعبودية أن تُصنّف على نوع مماثل حسب عمق أو شدة الشرّ أو الإثم؟ إن جوابنا هو أنّه يمكن للعبودية أن تخضع للحسابات الأخلاقية. وبما أن الفضيلة تخضع للقياس، فالرذيلة أو العيب يمكن أن يقاسا أيضاً. وكما أنّ بعض الأنظمة الاجتماعية أكثر طهارة من غيرها، فإن بعضها الآخر هو بالتأكيد أكثر سوءاً من غيره. فما هو موقف تجارة العبيد التقليدية التي يقوم بها الآسيويون الغربيون؟
لقد وصلنا إلى استنتاج عن أن أقل أنظمة العبيد سوءاً في أفريقيا هو النظام المحلي. فقد كان هذا النظام أقل تأثراً بالنزعة العنصرية (فالعبيد والسادة على حد سواء كانوا من السود)، وأكثر استعداداً لاستيعاب المستعبدين ثقافياً ضمن عائلة السيد. وهكذا، فإن نظام العبيد المحلي كان ذا طابع تجاري أضعف، ناهيك بكونه أكثر استجابة لقيم العائلة. ونحن نعتبره عبودية من الدرجة الثالثة ويستحق أقل قدر من اللوم.
نحن ننظر في هذا المقال إلى نظام العبودية الأسيوي الغربي بوصفه في الدرجة الثانية من الاستحقاق لأقل قدر من اللوم. فهو ربما يملك أعلى سجّل من الحركية الاجتماعية المتحركة إلى فوق أي من العبد إلى السلطان، وذلك على خلفية المماليك في التاريخ المصري(([1]))
أما نظام العبودية الأوروبي المسيحي عبر الأطلسي. فقد اقترن مباشرة بالعرقية الحادة (أي سادة بيض، وعبيد سود) وقد حدث الاستقطاب فيه عبر التقسيم اللوني. وعموماً فإن جغرافيا العبودية، التي تضمنت «الممر الأوسط » كانت تقريباً لا تقل في تدميرها على تاريخ العبودية، ومن حيث استيعاب العبيد في عرق السادة، فإن هذه العبودية كانت الأقل دمجاً واستيعاباً في الأنظمة الثلاثة.
وفي التوجه الاقتصادي كان نظام العبودية عبر الأطلسي ذا طابع هو الأقوى على الصعيد التجاري. ومن حيث الأبعاد، فقد اعتُبر حتى الآن من أقوى حركات التهجير القسري المكثفة، إلى مسافات بعيدة في التاريخ البشري. وبينما توجد فعلاً فروقات بين أنظمة العبودية البرتغالية والإسبانية، والأنكلو سكسونية، فإن الصورة العامة لا يمكن مقاومتها. وإذا كانت العبودية خاضعة لتدرج ما يوجه إليها من لوم، فإن المخططين المنفذين الرئيسيين لنظام العبودية عبر الأطلسي كانوا متهمين حتماً بممارسة العبودية من الدرجة الأولى.
لنعد الآن إلى المسرح والمشهد المعاصر للعبودية في المحيط الهندي. فالوضع في السودان في أعوام التسعينات فرض عدداً من الأسئلة الحقيقية والأخلاقية المتداخلة في مابينها. فهل لا تزال توجد فعلاً عبودية جديدة، كما زعم بعض الصحفيين والمراقبين الغربيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي إعادة إحياء للاستعباد الذي توحي به الحرب، أم توحي به حركة المرور ذات الخلفية التجارية؟ وإذا كان ذلك ناجماً عن النمو المفرط لنظام الحرب، فهل هو إعادة إحياء للعبودية العربية الإسلامية أم للعبودية المحلية؟ وفي تاريخ كل من الإسلام والتقاليد المحلية في أفريقيا، كانت الحرب غالباً تؤدي إلى أخذ أسرى يتم وضعهم في نظام للعبودية. والحرب في جنوب السودان حالياً ليست بين الإفريقيين العرب والسود فحسب، ولكنها حرب أيضاً بين الجماعات الأتنية الجنوبية من ناحية وبين فصائل أو فئات من «القبائل» من ناحية ثانية. ولو وجدت العبودية بأي حجم في جنوب السودان، لشملت كلاً من العرب الذين يأسرون السود، والسود الذين يأسرون السود، وربما كانت إحياء جزئياً للعبودية العربية الإسلامية وللعبودية الإسلامية وللعبودية المحلية. ولكن هل الحكومة في الخرطوم متورطة؟
يبدو أن الدلائل تشير إلى إنها ربما تكون متهمة بالإهمال أكثر من اتهامها بالتدخل، وربما لا تفعل ما يكفي لإخماد حركة الأسر ووضع الأسرى في نظام العبودية. (([2])
وإن المؤشر القوي إلى أن حكومة السودان ليست متورطة في أي تجارة للعبيد هو كون الكثيرين من السودانيين الجنوبيين ينظرون إلى شمال السودان بوصفه ملاذاً يلجؤون إليه طلباً للسلامة وهرباً من الحرب في الجنوب، حسبما هو مُبيّن في صور ومعطيات اللجنة العليا التابعة للأمم المتحدة والمعدة لشؤون اللاجئين وتوزيع المهجّرين ضمن السودان؟ وإن هؤلاء الناس ينظرون إلى حكومة الخرطوم بوصفها حامية لهم من النتائج الدموية للحرب.
ثمة أشكال أحدث من العبودية تمد رؤوسها البشعة لا، في أفريقيا، بل، في آسيا. فالبغاء أو ممارسة العهر مع الأولاد في دول مثل سيريلانكا، والفيليبين، وتايلاند، وكمبوديا نجم عن بيع الفتيان والفتيات، الذي يتم أحياناً من قبل آبائهم فالسائحون الغربيون الذين يمارسون الجنس مع الأولاد يشكلون بعض أعمده هذا الشكل الجديد من الإسترقاق. ولحسن الحظ فإن بعض الحكومات الغربية بدأت تأخذ علماً ببشاعة هذا النوع الجديد من استرقاق الأولاد. ويمكن للسائحين الذين يرتكبون مثل هذه الاعتداءات الجنسية على الأولاد في تايلاند البعيدة أن يجدوا أنفسهم معرّضين للمحاكمة لدى عودتهم إلى بلدانهم، سواء في انكلترا أم في اوستراليا.
يراعى في المحاسبة الأخلاقية المرتبة على العبودية أن تفرض عقوبات شرعية في العصر الحديث. فقد أقمنا فعلاً محاكم لمحاكمة منفذي جريمة الإبادة الجماعية. وفي القرن الحادي والعشرين ستتم إقامة محاكم دولية تحاكم مرتكبي جريمة الاسترقاق، في درجاتها الثلاث، أي الأولى والثانية والثالثة. والمحيط الهندي ليس إلا جزءاً من هذه القصة المرعبة.
أما أوضاع النزاعات الأكثر حداثة فتشمل العلاقات العرقية بين الإفريقيين والآسيويين الجنوبيين في أفريقيا الشرقية. فالآسيويون الجنوبيون أصبحوا ناجحين تجارياً ومالياً في أفريقيا الشرقية والجنوبية. وقد خلقوا تزاوجاً بين العداوات العرقية والنزاعات الفئوية. وقد تمثل أحد أكثر الانفجارات الدرامية عنفاً في الطرد الجمعي للآسيويين من قبل عيدي أمين في اوغاندا في العام 1972، علماً أن الكثيرين منهم كانوا تجاراً ومهنيين ولدوا في اوغاندا. وحدثت أيضاً تظاهرات دورية معادية للآسيويين في شوارع نيروبي بكينيا.
وفي المقابل، فإن الإفريقيين الجنوبيين من ذوي الأصل الآسيوي الجنوبي كانوا قد شكّلوا منذ زمن طويل جزءاً من طليعة الصراع ضد العرقية والتمييز العنصري، حيث يعود ذلك إلى الحملات التي قام بها المهاتما غاندي عندما عاش في جنوب أفريقيا في بداية القرن العشرين. ومنذ ذلك التاريخ كان كثيرون من الآسيويين الجنوبيين بين الناشطين البارزين في المؤتمر القومي الافريقي، بما في ذلك المرأة التي أصبحت رئيسة البرلمان، أي السيدة جيموالا.
إن أوضاع الحرب الواسعة النطاق بين آسيا وأفريقيا تعود إلى عدة متغيرات في القوة بين مصر القديمة وجيرانها الآسيويين. ثم جاء الفتح العربي لمصر في القرن السابع الميلادي، وتلاه الفتح العربي أيضاً لسائر أفريقيا الشمالية. وإن الملمح الهام لهذه القصة التاريخية الزاخرة بالأعمال البطولية هو أن أولئك تعرضوا للفتح العربي أصبحوا هم أنفسهم عرباً.
ومع مرور القرون لم يعتنق المصريون الديانة الإسلامية فحسب بل أصبحوا عرباً في اللغة والهوية. وأصبحت مصر أكبر دولة عربية من حيث السكان، والأكثر تقدماً في المهارات، والأفضل على الصعيد الثقافي، والأقوى عسكرياً. وأصبحت جامعة الأزهر في القاهرة المركز الأكثر تميزاً لتعليم المسلمين في العالم، ناهيك بكونها أحد أقدم المراكز العلمية أيضاً.
إن الحرب تستطيع فعلاً أن تقود إلى الإبداع والابتكار. وهذا ماحدث في شمال أفريقيا بعد الفتح العربي. وحدث أيضاً في زنجبار بعد إقامة سلطنة عربية فيها، وكذلك حدث في أثيوبيا بعد قرون من التفاعل بين الجنوب العربي والقرن الإفريقي. وفي تاريخ قريب شملت أوضاع النزاع بين أفريقيا وآسيا مزاعم عن امتلاك جزء متنازع عليه بين أرتيريا واليمن، وكادت تؤدي إلى حرب في العام 1996.

الخاتمة:

إن الدور التاريخي للمحيط الهندي بوصفه مسرحاً للتفاعل الأفريقي الآسيوي لا يزال مهتزاً على غرار ماكان عليه من قبل. وقد أعطى فاسكو دي غاما أهمية أوروبية جديدة لهذا المحيط، ولكن الرباط الأفرو أسيوي كان أقدم بكثير. وعلى الصعيد الثقافي، فإن القوى المعنية شملت الأسلمة (اعتناق الإسلام)، ونشوء وانتشار لغات جديدة، وتأثير الموسيقا والمطبخ الهنديين.
أما على الصعيد السياسي، فقد شمل التفاعل الأفرو آسيوي الصداقة والنزاع معاً، وتدرّج تاريخياً من تجارة العبيد إلى حركة عدم الانحياز بعد فترة الاستعمار. وكذلك، فإن العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا وآسيا تعود على الأقل إلى زمن التجارة البحرية بوساطة المراكب الشراعية التي تسير بالرياح الموسمية، وتُتوّج في الوقت الراهن بمبيعات الأسلحة من قبل جنوب أفريقيا إلى البلدان الآسيوية ولكن القصص الكبرى ذات الأعمال البطولية بين أكبر قارتين في الكرة الأرضية لا تزال تُروى. والمحيط الهندي استحوذ على معظم هذه الأعمال.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين أصبحت البلدان الأفريقية والآسيوية، متحالفة سياسياً ومتنافسة اقتصادياً، ولكن آسيا هي التي ربحت الجولة في التنافس الاقتصادي. أما في التحالف السياسي فقد استفادت القاراتان معاً.
‏وثمة عدد من التناقضات ميّز خبرات وتجارب القارتين تحت النير الاستعماري:
تناقض الزمان والمكان: استُعمرت أفريقيا لفترة أقصر بكثير من آسيا، كما أن نسبة مئوية أكبر من الأرض (المساحة) الأفريقية كانت تحت النير الاستعماري وإذا قورنت مع ما كان عليه الأمر في آسيا. وفي المقابل فإن فترة الاستعمار في آسيا كانت أكبر منها في أفريقيا.
تناقض التغير الزمني: بالرغم من أن أفريقيا استُعمرت لفترة زمنية أقصر من الفترة الذي استُعمرت فيها أجزاء من آسيا، فإن المجتمعات الإفريقية تغيرت وتخرّبت بدرجة أكبر مما حدث في المجتمعات الآسيوية. فخلال أقل من قرن تحولت كل المجتمعات الإفريقية إلى الدين المسيحي، بينما قاوم معظم الآسيويين التحول إلى الدين المسيحي خلال مئات السنين.
وكذلك فإن الأنظمة السياسية والثقافية الأفريقية أصبحت معتمدة على نحو فريد من نوعه، على اللغات الأوروبية.
التناقض الثقافي الاقتصادي:




بالرغم من أن أفريقيا بدت، حسب بعض المؤشرات، أنها تحولت ثقافياً إلى السمات والثقافات الغربية على نحو أسرع من آسيا، فإنها، أي أفريقيا، كانت أبطأ في التحديث الاقتصادي.
وبدا أيضاً أن الخبرة الآسيوية تشير إلى أنه إذا كان السلوك الأخلاقي البروتستانتي والثقافة الغربية جيدّين للتحديث الاقتصادي في الغرب، فهما ليسا، بالضرورة، الوصفة الأفضل في أماكن أخرى.
ويبدو أن بعض الأمثلة الآسيوية تثبت أن الجمع بين الأسلوب التقني الغربي والثقافة المحلية هو سرّ التحديث والتطور الدراميين، أو هو الروح الآسيوية للتطور الآسيوي. وإن التحديث الثقافي الأعلى مستوى في العالم الثالث لم يكن يعني، بالضرورة، عائدات أو نواتج اقتصادية وتطويرية ذات مستوى أعلى أيضاً. وكما تبين فعلاً المقارنة بين غانا وكوريا الجنوبية فإن التطور الحقيقي يساوي التحديث بدون اعتماد على الآخر، وخاصة الاعتماد الثقافي.
تناقض السلام المؤدي إلى الانقسام:

إن السلام يؤدي، مع الأسف، إلى الانقسام. فالدول الآسيوية والأفريقية كانت تشكل أكبر التحالفات عندما وعت، في الواقع، الأخطار المشتركة، أو الأعداء المتحالفين ضدها. وقد توحدت ضد العنصرية الغربية عندما كان الغرب شديد التعصّب (وهو ما عرف بالتضامن العنصري الأفرو آسيوي). وتوحدت أيضاً دفاعاً عن الحضارات غير الغربية عندما حطّ الغرب من قدرها (وهو ما عرف بالتضامن الثقافي الأفرو آسيوي). وكذلك توحدت الدول الآسيوية والأفريقية، بالتأكيد، ضد الامبريالية والاستعمار الغربيين (التضامن الأفرو آسيوي ضد الاستعمار). ومرة أخرى توحدت هذه الدول ضد مغامرات وأخطار الحرب الباردة قبل انتهائها.
(التضامن الأفرو آسيوي خلق حركة عدم الانحياز، والذي انضمت إليه أمريكا اللاتينية). ولكن الحركة الأفرو آسيوية بدأت تزداد ضعفاً عندما تراجع الصراع ضد العنصرية والامبريالية المباشرتين ليصبح في ذاكرة التاريخ. وفقدت حركة عدم الانحياز السبب الأساسي لوجودها مع انتهاء الحرب الباردة، وبالتالي فثمة صراع شجاع لتحويل هذه الحركة من اهتماماتها التاريخية الشرقية والغربية إلى قضايا الشمال والجنوب الراهنة والباقية.
فهل أن التسوية بين الشرق والغرب سيئة للعلاقات بين الشمال والجنوب؟ إن انتهاء الحرب الباردة وانتصار ايديولوجيات السوق يبعدان أفريقيا وآسيا عن التضامنات السياسية القديمة وتوِّجهانهما نحو منافسات اقتصادية جديدة. وبما أن فيتنام تزيد من اتجاهاتها الليبرالية ومن روح أو مزاج الترحيب بالتوظيفات المالية الأجنبية، فإنها تصبح منافسة لأفريقيا في بعض هذه التوظيفات أو الاستثمارات وفي بعض المساعدات. والصين نفسها تُمارس اقتصاد السوق إلى جانب الماركسية، وبالتالي أصبحت أقوى جذباً للعديد من الاستثمارات الغربية من أي جزء من أفريقيا، وكذلك فالهند تصبح أكثر ليبرالية، وتأخذ باقتصاد السوق، وبالتالي، بدأت في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بقوة أكبر. وإذ يزيد عدد سكانها على تعداد السكان في دول أفريقيا كلها، فإنها أكثر إغراء بالنسبة إلى الكثيرين من المستثمرين الأجانب، بالرغم من أنه لا تزال توجد فيها بعض العوائق.
تناقض الجذور والأهداف:

يسعى كل مجتمع إلى تطوير نوعين من الأساطير القومية، فالنوع الأول هو أسطورة الأسلاف (للتشديد على إرثة من الماضي) والنوع الثاني هو أسطورة الهدف (للتشديد على تبرير وجوده وعلى أهدافه المستقبلية)، وهكذا فإن أسطورة الجذور ترتبط بالحس التاريخي وبالهوية، بينما تكون أسطورة الهدف مرتبطة بحس الاتجاه الاجتماعي. وإن المجتمعات التي تفقد كلياً الإحساس بماضيها تعاني من صعوبات في تحقيق أهدافها المستقبلية.
إن أحد أسباب فشل تجربة الاتحاد السوفييتي هو أنه حاول من خلال إحساسه بالهدف الاشتراكي أن ينكر إذا لم نقل أن يدمر، إحساسه بالإرث الروسي، بدءاً بإعدام العائلة الملكية (القيصرية) في بداية الثورة. وعموماً، فإن إنكار الماضي الروسي ساعد في تخريب المستقبل السوفييتي.
وكذلك، فإن الامبريالية الغربية دمّرت إحساس أفريقيا بإرثها السلفي على نحو أكثر خطراً من تدميرها لإحساس آسيا بماضيها المجيد. وقد عُلِّم تلاميذ المدارس الأفريقيون أن يعتقدوا بأنهم شعب بدون تاريخ. واستطاع أحد أساتذة التاريخ الحديث في جامعة أوكسفورد في أعوام الستينات أن يعلن في محاضرة متلفزة عن أنه «يمكن أن يكون ثمة تاريخ أفريقي في المستقبل، ولكن لا يوجد مثل هذا التاريخ في الوقت الحاضر. ولا يوجد الآن سوى تاريخ الرجل الأبيض في أفريقيا.والباقي هو الظلام، علماً أن الظلام ليس موضوعاً تاريخياً». وبالتأكيد، لم يكن لكلام هذا الأستاذ، وهو تريفوز- روبر أي معنى.
وآمل أن يكون قد قرأ بعد تلك المحاضرة أو توفر له الوقت لقراءة تاريخ أفريقيا الذي صدر عن جامعة كمبردج في عدة مجلدات، والتاريخ العام لأفريقيا الذي صدر عن اليونسكو في ثمانية مجلدات.
وفي آسيا، نجد أن الثورة الثقافية الصينية بإشراف ماوتسي تونغ كانت إنكاراً للجذور. وبالتالي فقد انتهت حتماً بأهداف مدمِّرة. وكذلك كانت التجربة الشيوعية في فيتنام في فترة ما نوعاً من إنكار الجذور، وجاءت النتيجة عندئذ متمثلة في أهداف تطويرية مدمِّرة أيضاً، وما لبثت الصين وفيتنام أن تراجعتا الآن عن الهجوم على إرثهما السلفي.
كان تقسيم الهند إنكاراً جزئياً للإرث الديني المشترك في شبه القارة الهندية (الهندوس زائد الإسلام). وقد أدى هذا التقسيم إلى إطلاق الانفعالات والتنافسات السلبية التي عملت على تقوية الإحساس بالإرثين المحليين (الهندوسي مقابل الإسلامي). وبالتالي تعثرت وعانت أهداف كلا دولتي الهند وباكستان، وفي مابعد بنغلادش عندما استقلّت وانفصلت عن الوطن الأم. حاول المهاتما غاندي، وعائلة نهرو لدى وجودها في السلطة، أن يساعدا الهند على بناء أسطورة جديدة عن الهدف القومي عُرفت بـ «الأعمدة السبعة لنظام أخلاقي هندي دولي جديد».
فالأعمدة المحلية الأربع كانت تشمل نبذ العنف، والديموقراطية الليبرالية والتطور الاشتراكي، وفصل الكنيسة عن الدولة.
أما الأعمدة الدولية الثلاث فقد شملت عدم الانحياز في عالم تقسّمه الأيديولوجيات، وسباق التسلح والتحالفات العسكرية؛ والتضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا ومع المنبوذين في كل مكان في سعي إلى عالم دون عنصرية أو امبريالية؛ والإلتزام بنظام الأمم المتحدة، بمافي ذلك الصراع من أجل تحريرها من سيطرة القوى العظمى.
تلك كانت أعمدة الحكمة السبعة التي وجدت في أذهان الآباء المؤسسين للهند المستقلة عندما بنوا أسطورة الهدف القومي للهند في فترة مابعد الاستعمار. والسؤال هو كم من هذه الأعمدة السبعة للحكمة لا يزال معمولاً به؟ وهل أضيفت إليها أعمدة أخرى؟ وهل هذه الأعمدة لا تزال كافية لضمان دور الهند التاريخي الخاص كقائدة في الرؤى المستقبلية وكطليعة للمُثُلْ القياسية الأخلاقية الدولية؟ وكذلك، فثمة سؤال آخر هو هل لا تزال هذه الأعمدة كافية للمحافظة على دور الهند كجسر دبلوماسي بين اهتمامات آسيا وطموحات الشعوب الأفريقية؟
التناقض الثقافي المتعلق بالجشع :

كان بين المصائب الثقافية التي أفرزتها التجربة الاستعمارية تلك الطبيعة غير المتطورة للجشع في أفريقيا قبل مجيء الرجل الأبيض.
ففيما عدا وادي النيل، وزيمبابوي الكبرى، وبضع استثناءات أخرى، لم تكن توجد، بالكاد، أشياء مماثلة أو معادلة لتاج محل أو قصر فرساي، أو معابد كمبوديا. والأمر يحتاج إلى ولع بالترف، أو إلى متابعة لاستخدام الفائض المالي، أو إلى جوع للربح. لكي يمكن صنع حضارة تضم مثل هذه الآثار الباقية.
ويحتاج ذلك أيضاً إلى استغلال الناس البسطاء في بناء القصور، والمعابد، والأهرامات. ولم تكن معظم الثقافات الأفريقية في فترة ما قبل الاستعمار ذات طابع جشع أو ذات طابع استغلالي كافٍ.
أما هذا الجشع غير المتطور فقد كان أحد المصائب التي أفرزها الاستعمار والامبريالية الأوروبيان. وقد تعلمت النُخب (بجمع نخبة) الإفريقية في فترة مابعد الاستعمار إغراءات الترف، والفائض المالي، والربح بروح انتقامية!
وتعلموا، أي أفراد هذه النُخب، الجشع الرأسمالي، دون مراعاة الانضباط الرأسمالي دائماً.
وفي ردّه عليّ، أكدّ لي روبرت ماكنمارا أنه إذا كانت المشكلات الإفريقية تتطلب تغييراً ثقافياً قبل أن تُحلّ، فإننا سوف نضيع!! فهو، أي ماكنمارا يعتقد أن التغيير الثقافي يحتاج ببساطة إلى زمن طويل. و«إن مشكلات أفريقيا هي ملحّة جداً لدرجة لا يمكن معها الانتظار». وكان جوابي هو أنّه ليست كل مشكلات أفريقيا بحاجة إلى تغيير ثقافي، وأن هذا التغيير الثقافي لا يحتاج إلى وقت طويل جداً. والمثال هو يابان مابعد الحرب حيث مارست هذه الدولة، بعد احتلال أمريكا قصير الأمد لها وصوغ دستور جديد فيها من قبله، تحولاً سريعاً وجوهرياً في ثقافتها السياسية، وبالتالي تجذّر فيها نظام متعدد الأحزاب وتنافسي وليبرالي.
وهي أي اليابان، أظهرت أن التغيير الثقافي الجوهري لا يحتاج إلى زمن طويل جداً. وبالتالي يوجد أمل لأفريقيا أيضاً، في أن تخطو العولمة فيها خطوة أخرى إلى الأمام، مع بداية القرن الجديد.





[frame="1 80"]
([1]) وإذا كانت العبودية المحلية أحادية العرق (عبيد سود، وسادة سود)، فإن العبودية الآسيوية الغربية كانت متعددة الأعراق (يمكن أن يكون العبيد والسادة من أي عرق). وكانت للهند أيضاً سلالة من العبيد خاصة بها في القرن الحادي عشر. وحتى الإسلام نفسه لم يعلن العبودية رذيلة محرّمة أو كاملة، ولكنه أعلن فعلاً أن إعتاق العبد هو فضيلة تامة، وكرّر ذلك مراراً. ويجب أن يتهّم النظام الآسيوي الغربي بالعبودية من الدرجة الثانية. وقد كان هذا النظام يملك أحد أكثر الثقافات التي استوعبت الآخرين عرقياً في العالم. وعلى سبيل المثال، فإذا كان الأب عربياً، يصبح الابن عربياً بغض النظر عن أتنية الأم.

([2]) لقد حارب الإسلام الرق، وأعلن في أكثر من موقع في القرآن مساواة الناس جميعاً ودعا إلى محاربة العبودية والاستعباد” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!” التحرير.


[/frame]

hgu,glm td Ytvdrdh , Nsdh ( lrhvfm lju]]m )