الثقافة العربية بين مطرقة الخصوصية و سندان العولمة



1-تعدد مسارات التاريخ

لكل ثقافة مسارها. ولا يوجد مسار واحد لجميع الثقافات. فالثقافة تعبير عن مرحلة تاريخية بعينها، وتتشكل في إطار الوعي التاريخي لأمة ومن خلاله. وتتعدد المسارات بتعدد الثقافات عبر التاريخ. فإذا ما سيطرت ثقافة وذاعت، وتحولت إلى ثقافة مركزية وأصبحت باقي الثقافات في الأطراف، وأصبح مسار الثقافة المركزية هو العصر والتاريخ والمسار لباقي المسارات، يعادل الثقافة العالمية،، وغيرها ثقافات محلية. حدث ذلك في الحضارة المصرية القديمة بل وفي مجموع حضارات ما بين النهرين وكنعان عندما كانت تمثل الثقافة المركزية وغيرها من الثقافات اليونانية في الغرب، والفارسية والهندية في الشرق ثقافات الأطراف. وحدث ذلك أيضاً مع حضارات الشرق القديم، عندما كانت ثقافة الهند في المركز تنتشر خارج حدودها إلى الصين وأواسط آسيا فتحولت ثقافاتها إلى ثقافة الأطراف. كما حدث ذلك في الصين عندما انتشرت ثقافاتها ودياناتها خارج حدودها، وأصبحت مركز العالم، وتحولت باقي الثقافات حولها إلى امتدادات لها. ثم تكرر ذلك مع اليونان، بعد فتوحات الاسكندر، عندما أصبحت الثقافة اليونانية ثقافة المركز وباقي الربوع التي انتشرت فوقها اللغة والثقافة اليونانية عندما الرومان غرباً، وفي مصر جنوباً، وفي آسيا شرقاً، وفي وسط أوروبا شمالاً، هي الأطراف ثم ورثت الثقافة العربية الإسلامية الثقافات القديمة، وذاعت في الشمال الغربي إلى أوربا عبر الأندلس، وفي الشمال الشرقي في أواسط آسيا، وفي الشرق في جنوب شرق آسيا عبر فارس والهند حتى الصين، وأصبحت هي ثقافة المركز تفيض على غيرها من الأطراف. ثم جاء الغرب الحديث يرث الثقافة العربية الإسلامية. فتصبح أوربا مركز الثقافة العالمية، وثقافات افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في الأطراف. وقد يكون العالم على أعتاب تحول جديد في علاقة المركز بالأطراف، من أوربا إلى آسيا من جديد بمفردها أو في لقاء مع افريقيا وكما تجسده الثقافة العربية الإسلامية في آسيا وافريقيا. وكما انتقلت الروح من الشرق إلى الغرب عبر آلاف السنين، فقد تعود الروح من الغرب إلى الشرق من جديد في المستقبل القريب أو البعيد، وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
وفي خضم سيطرة المركز الأوروبي في عصوره الحديثة وترويجه لثقافته خارج حدوده إلى باقي الثقافات أصبح مسار التاريخ الأوربي عن وعي أو عن لا وعي هو المسار التاريخي لجميع الثقافات. فنحن في نهاية قرن وفي بداية قرن آخر، في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، في نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة وكأن تاريخ العالم يبدأ فقط منذ ألفي عام، منذ ولادة السيد المسيح، وكأنه قبل ذلك لم يكن هناك تاريخ ولا ثقافات ولا شعوب، وماذا عن حضارات الشرق القديم بما في ذلك مصر التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام أي ما يقارب من ضعف التاريخ الميلادي. ولماذا يكون ميلاد السيد المسيح هو الحد الفاصل بين ما قبل التاريخ، وما بعد التاريخ، بين القديم والجديد، بين الشرق والغرب؟ لكل ثقافة بدايتها في التاريخ. فاليابان تبدأ التاريخ كل مرة ببداية تولية الامبراطور العرش. وفارس وحتى عصر الشاه تبدأ التاريخ منذ قورش. والعبرانيون يبدأون التاريخ منذ أكثر من خمسة آلاف عام، منذ خلق الله العالم. والمسلمون يبدأون بالتاريخ الهجري، وهم الآن في الربع الأول من القرن الخامس عشر في نهاية 1418 وبداية 1419. ومع كل حدث عظيم يبدأ التاريخ، عام الفيل، ميلاد الاسكندر، تنصيب امبراطور، لا توجد نمطية في المسار التاريخي لكل الشعوب والثقافات. إنما المركز هو الذي يفرض مساره على الأطراف. ولما كان الغرب الحديث الآن هو المركز فهو الذي يفرض مساره على باقي الثقافات. ويجعل العالم كله يمتثل بمساره هو نهاية قرن وبداية آخر فتضع كل الشعوب نفسها في مسارها، ويزداد الاغتراب الثقافي والحضاري عند كل الشعوب باستثناء ثقافة المركز. وفي خضم الإعجاب بالحاضر يتم نسيان الماضي، وفي زحمة الوعي السياسي يتم طي الوعي التاريخي. وفي لذة التمتع بالثمار ينسى الآكلون الجذور التي بدأ غرسها قبل فصل الحصاد. وفي تدوين التاريخ الحديث، وقعت مؤامرة صمت على الجذور لصالح الثمار ربما لنزعة نفعية مباشرة أو بنية إخراج الشعوب التاريخية القديمة من التاريخ وحصرها في متاحف تاريخ الحضارات القديمة لاتساع المجال للشعوب اللاتاريخية الأوربية الحديثة التي ابتلعت عصورها الحديثة في القرون الخمسة الأخيرة كل تاريخ البشر السابق، اعتزاز بالجديد على حساب القديم.
وهناك فرق بين التاريخ والوعي بالتاريخ([1]) التاريخ ليس زماناً أو عصوراً وسنوات طبقاً لدورات الأفلاك. هذا هو الزمان الكوني الفلكي الذي لا يشعر به أحد. هو زمان تقريبي للحساب وليس زماناً شعورياً وإحساساً بالتاريخ. إنما التاريخ هو الوعي بالتاريخ، والزمان الكوني هو الزمان الشعوري. فالمواطن الراوندي الذي يقتل طبقاً للهوية، هوتو أو توتسى لا يعيش نهاية القرن العشرين بداية القرن الواحد والعشرين، بل يدافع عن بقائه في العالم كجسد وكائن حي. هويته القبلية بما تمثله من لغة وعادات وأعراف، وصراعات، هزائم أو انتصارات. والأفغاني الذي يقتل الأفغاني منذ سنوات، والجزائري الذي يقتل الجزائري، والسجين والمواطن الفلسطيني في إسرائيل، والصومالي أو التشادي المهدد بالموت عطشاً أو جوعاً لا يعيش ألفية ثانية على مشارف التحول إلى ألفية ثالثة بل يعيش كل منهم تاريخه، ويحمل همه، ويئن تحت ثقافته، ويحاصر في وطنه، ويريد البقاء حياً بدافع غريزة حب البقاء. وفي الوطن العربي يعيش المواطن أدم ونوح وابراهيم وموسى ويعقوب ويوسف قدر عيشه للضنك والفقر والقهر والضياع والإحباط، وكأنهم حاضرون معه، يحادثهم ويستشهد بأقوالهم، ويتأسى بحياتهم، ويتخذهم له قدوة وسلوكاً. ويعيش الخلفاء والصحابة والأئمة والفقهاء والعلماء. يقرأ “الموطأ” و”رياض الصالحين” و”أحياء علوم الدين”. وهي طبقاً للتحقيب الغربي ثقافة العصر الوسيط، الثقافة القديمة في عصر ما قبل الحداثة والعالم الآن كله، وبلا استثناء، يتجه إلى ما بعد الحداثة إن لم يكن يعيشها بالفعل كما يبدو ذلك أحياناً في خطاب المثقفين والأدباء والفنانين العرب وقد لا يعيش مواطن في المركز الأوربي رافضاً لثقافته ومحتجاً على نظامه، مساره التاريخي الخاص، ويعيش مسار الشرق البعيد، الهند أوالصين، حالقاً شعره، لابساً مسوح الرهبان، متعبداً في جبال الهيمالايا، يعشق الدالاى لاما أو في الحسين والأزهر الخليلي، يقرأ القرآن، ويسترجع عصر النبوة. فالوعي بالتاريخ لا يتعدد فقط بتعدد الثقافات والشعوب ولكنه قد يختلف من فرد إلى آخر. لا يوجد تاريخ واحد لكل الشعوب بل هناك وعي تاريخي متعدد عند كل شعوب وربما عند كل فرد.
وتكشف تحليل ألفاظ الأشكال مثل الهوية الثقافية والعولمة، الخصوصية والعالمية، المحلى والكوني عن ثنائية أعمق هي ثنائية الأنا والآخر. وعادة ما يكون الأنا هو الذي يدافع عن الهوية الثقافية والخصوصية والمحلية في مواجهة الآخر الذي يتحد مع العولمة والعالمية والكونية. فالعلاقة بين الطرفين ليست مجرد موضوع لبحث علمي بل هي أزمة وجودية تاريخية تعبر عن صراع أكثر مما تعبر عن مجرد تضايف أو حوار. وقد تعبر عن إحساس مرضي، مركب النقص في مقابل مركب العظمة، المقهور والقاهر، المستعمر والمستَعمر. فهي علاقة غير متكافأة بين خصمين وليست علاقة متكافأة بين ندين. لا يستطيع المثقف العربي أن يجردها بدعوى الموضوعية والحياد لأنه جزء منها إن لم يكن طرفاً فيها. بل ولا يكفي عرضها من أدبياتها التي تزداد يوماً وراء يوم من علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الثقافية وفلاسفة السياسة والتاريخ. فهي تجربة معاشة عند كل مثقف عربي يشعر بهذا التمزق، منذ القرن الماضي، بين القديم والجديد، بين الأصالة والمعاصرة، بين الخصوصية والعالمية، بين الأنا والآخر، وتنعكس في الفكر والأدب والفن، في حياة الإبداع وفي السلوك اليومي. وغالباً ما تكون الأحكام تعبيراً عن مواقف نفسية وانفعالية إما بالاتجاه إلى الآخر رغبة في أن يكون حديثاً عصرياً في مواجهة ثقافة قديمة تراثية وعقل ظلامي قطعي مغلق، أو بالاتجاه إلى الذات رغبة في أن يكون أصيلاً مدافعاً عن هويته الثقافية في مواجهة التغريب والتبعية الثقافية والهيمنة الحضارية. وتحليل هذه التجارب المعاشة وراء هذين الموقفين المتضادين الحدين قد يكشف عن عمق الأزمة وصدقها، ويساعد على سبرغورها واستبصار مسارها، وتحويلها من ظاهرة انفعالية شخصية إلى موقف حضاري رصين من منطلق تاريخي أوسع من أجل تحقيق مثل التقدم والنهضة التي يشارك فيها الجميع ويسعى إليها حتى ولو اختلفت الوسائل وتعددت الطرق. وتحليل التجارب المعاشة الفردية والجماعية لإدراك ماهيتها هو ما يسمى بلغة الصوفية القدماء وصف أحوال النفس، وبلغة المعاصرين المنهج الظاهرياتي. أما الأدبيات فهي موضوع للمراجعة، الفحص والنقد لمعرفة الحالة الراهنة للموضوع the state of the art من أجل تجاوزه وقد يأتي التجاوز الإبداعي أحياناً قبل المراجعة المدرسية([2]).
2-العولمة وأشكال الهيمنة الغربية:

إن “العولمة” هي أحد أشكال الهيمنة الغربية الجديدة التي تعبر عن المركزية الأوربية في العصر الحديث والتي بدأت منذ الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر ابتداء من الغرب الامريكي والتفافا حول افريقيا حتى جزر الهند الشرقية والصين. بدأ النهب الاستعماري للسكان من افريقيا والثروات من آسيا وافريقيا والعالم الجديد لتكوين الاقطاع الأوربي في عصر الاصلاح الديني في القرن الخامس عشر، ثم النهضة في السادس عشر ثم العقلانية في السابع عشر حيث تحول الإقطاع إلى ليبرالية تجارية، ثم الثامن عشر والتنوير الأوربي ثم التاسع والثورة الصناعية الأولى والنهب الاستعماري الثاني في صورة الاستعمار القديم لافريقيا وآسيا في القرن العشرين، واندلاع حربين أوربيتين على أرض الغرب سميت الحربان العالميتان الأولى والثانية. وبعد عصر التحرر من الاستعمار في هذا القرن بدأت أشكال الاستعمار الجديد في الظهور باسم مناطق النفوذ، والأحلاف العسكرية في عصر الاستقطاب، والشركات المتعددة الجنسيات، واتفاقية تعريفة التجارة الخارجية، واقتصاد السوق ومجموعة الدول الصناعية السبع أو الثمان. والعالم ذي القطب الواحد، وثورة الاتصالات، والعالم قرية واحدة. كما تظهر العولمة في إحكام الحصار حول مناطق الاستغلال الاقتصادي أو السياسي أو الحضاري عن المركز مثل حصار العراق وليبيا، وتفتيت السودان، وتهميش مصر، وتهديد إيران. فاحتمال ظهور قطب ثان وارد حضارياً من المنطقة العربية الإسلامية بإرثها الثقافي التاريخي الطويل. وتظهر أيضاً في إحكام الحصار الاقتصادي حول آسيا كما حدث في انخفاض العملات الآسيوية المحلية أخيراً والمضاربات في أسواق الأوراق المالية نظراً لأن ماليزيا تحاول أن تنمو وهي مستقلة ثقافياً ومتميزة حضارياً. فالمركز لا يقبل إلا التبعية المطلقة لضمان استقرار السوق. أما أمريكا اللاتينية فإنها مشغولة بمشاكلها الداخلية، العنف، والجريمة المنظمة، والمخدرات، والفقر، والبطالة. فقد انتهى عصر جيفارا. وخفت لاهوت التحرير و”تامرك” الشباب، وتميعت الثقافة الوطنية، فلا هي هندية أو افريقية، ولا هي اسبانية برتغالية، لاتينية غربية، ولا هي أمريكية شمالية، فلا يوجد إلا الوطن العربي الإسلامي الذي يحتمل أن يأتي منه التحدي للعالم ذي القطب الواحد. ومن هنا تأتي معاداة الغرب للإسلام بوجه عام وللصحوة الإسلامية بوجه خاص، والتركيز عليه بالضرب والحصار والتهديد([3]) والعولمة تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأوربي تقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة. فالأبيض أفضل من الأسود والأصفر والأحمر والأسمر. أستئصل الهنود الحمر من أمريكا وأستراليا. وسرق الأفارقة السود في بداية العصور الحديثة صيداً كالحيوانات لبناء القارة الجديدة. وتم احتلال العالم العربي الإسلامي الأسمر. والقيت أول قنبلة نووية على الجنس الأصفر في هيروشيما وناجازاكي. وفي قلب كل أوربي ما زالت تقبع اليونان القديمة. وفتوحات الاسكندر الأكبر وانتصاره على الفرس، وانتشاره حتى الهند، وعسكرية أسبرطة وامبراطورية روما. البحر الأبيض المتوسط بحيرة أوربية، تسيطر على ضفته الشمالية، جنوب أوربا، وعلى ضفته الجنوبية، شمال افريقيا أو المغرب العربي، وتسيطر إسرائيل على ضفته الشرقية في فلسطين، وتظل إسبانيا محتلة لسبته ومليله، وبريطانيا جبل طارق. فلما انقلبت الموازين، وورث العرب المسلمون الامبراطورية الرومانية على جميع ضفاف البحر الأبيض المتوسط في الجنوب، في مصر والمغرب العربي، وفي الشرق فلسطين، وفي الشمال في بحر إيجة، وجنوب إيطاليا وجنوب فرنسا وإسبانيا وكل جزر البحر الأبيض المتوسط: أراد الغرب الثأر في الحروب الصليبية، هذه المرة تحت غطاء المسيح واسترداد السيطرة على البحر، فلما فشلت الحملة الصليبية أستؤنفت من جديد في الاستعمار الحديث بالالتفاف حول افريقيا وآسيا ثم إعادة التوجه نحو القلب عبر البحر في فلسطين([4]). وبعد حركات التحرر الوطني، استقل العالم العربي في جنوب البحر، ورد الغرب إلى حدوده الطبيعية على المستوى العسكري وإن بقت آثاره على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي. وأراد الغرب أن يعيد الكرة في مرحلة ما بعد التحرر فأفرز أشكالاً جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزرعها خارج حدوده مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، الإرادة العليا Governance، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة، الكونية، وكلها مفاهيم غير بريئة تكشف عن سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث، وتجعل المثقفين في العالم الثالث يلهثون وراءها بالشرح والتفسير والتعليق والتهميش دون أن يعلموا أن التهميش ليس الكتابة على النص بل الإخراج من التاريخ، ودعوة إلى التقليد في الأطراف وترك الإبداع للمركز وحده. وبمجرد نهاية الاستقطاب برز مفهوم العولمة لأحكام السيطرة على العالم باسمه ولصالح المركز ضد مصالح الأطراف. واجتهد المفكرون العرب في ترجمة Globalization عولمة أو كونية. ويستحسنها البعض لأن الهامش سيجد له مكاناً في المركز ولو في حوار بالرغم من إخفاق حوار الشمال والجنوب. والحوار العربي الأوربي، وحوار الشرق والغرب. وأصبح كل من يدافع عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية والاستقلال الحضاري رجعياً، إظلامياً، أصولياً، إرهابياً، متخلفاً، ماضوياً، سلفياً، بترولياً، خليجياً، مع أن الدفاع عن العولمة يأتي من الخليج وأموال النفط التي تساهم في اقتصاد السوق وشراء أسهم الشركات الأجنبية. كما انتشر مفهوم الإدارة العليا Governance أي مركزية التحكم وإصدار القرارات على حساب المؤسسات، واللامركزية، والعمال وفائض الانتاج. وازدهرت كليات الأعمال والإدارة Buisiness Administration، وأنشئت الجامعات الخاصة المنتقاة لتكوين رجال أعمال المستقبل في “إفران” مثل “جامعة الأخوين” في المغرب العربي حيث تدخل الثقافة الانجليزية لأول مرة مخترقة الثقافة الفرنسية بعد تحول المركز الثقافي اللغوي من الفرانكوفونية إلى الانجلوفونية. ولا فرق في البنية بين العولمة والإدارة العليا في إعطاء الأولوية للمركز على الأطراف. كما صدرت مراكز البحث الاستراتيجي في الغرب خاصة في الولايات المتحدة مفهوم “نهاية التاريخ” بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتصار الرأسمالية وكأن التاريخ قد تحقق، والزمن قد انتهى، والقيامة قد قامت. ولم يعد هناك تطور ولا تغير ولا انتقال إلى مرحلة أخرى قادمة. فتم الحكر على المستقبل وإيقاف دورات الزمن. وضاعت أزمات الرأسمالية في زحمة الإعلام، وسيطرة الرأي الواحد على شبكات الفضاء. بدأه هيجل إعلاناً عن قيام الدولة الألمانية القوية الموحدة ومركزها بروسيا. وكانت فرنسا قد أعلنت من قبل عن توقف الزمن بانتصار الثورة الفرنسية ومبادئها الثلاثة: الحرية، الإخاء، المساواة. كما أعتبر كل تيار ومذهب نفسه نهاية التاريخ، الرومانسية، المثالية المطلقة، الوضعية، الثورة الصناعية، الظاهراتية، الوجودية، البنيوية، الماركسية، البرجماتية، التحليلية، بل والأيديولوجيات السياسية في هذا القرن كالنازية والفاشية. ووقعت حضارة التقدم المستمر في تناقض مع نفسها بإيقاف التقدم وإعلان نهاية التاريخ، مع أنه في حضارات أخرى يبدأ التاريخ دورة جديدة، نهضة وتقدم وحداثة كما هو الحال في الشعوب المتحررة حديثاً.
وإذا تم إخراج مفاهيم العولمة أو الكونية والإدارة العليا ونهاية التاريخ لتقوية المركز فإنه قد تم نحت مفاهيم أخرى للتصدير خارج المركز إلى الأطراف مثل مفاهيم “ما بعد الحداثة” نهاية عصر الحداثة الذي ارتبط بالقانون والنظام، والتنظير والتعقيل والترشيد، والتحكم في قوانين الطبيعة، وغائية الإنسان والكون، والتقدم والطموح، وهي المفاهيم التي قامت عليها حضارة المركز ذاته منذ بداية عصوره الحديثة حتى الآن، وبالتالي بداية عصر الفوضى في الطبيعة، والمعاداة للمنهج وهدم العقل، والتعددية بلا غاية أو هدف، وغياب الحوار والتفاهم والتخاطب (فايرآبند)، وكأن الغرب بعد ما نعم بالحداثة ومآثرها واكتفى منها وسئمها يريد هدمها بما في الغرب من قوة على التجاوز يحاول منع الحضارات الأخرى من الوصول إليها والإستفادة منها خاصة وأنها في مرحلة التحول من القديم إلى الجديد، ومن التراث إلى الحداثة، ومن الماضي إلى المستقبل. كما ذاع مفهوم “التفكيك” كخطوة أبعد من التحليل، تفكيك كل شيء بما فيه العقل وحده، اللوجوس الذي جعله القدماء أحد تجليات الألوهية وأشكالها. أصبح الشيطان الذي يجب التخلص منه، نسيج العنكبوت الذي يجب تقطيعه حتى لا يبقى شيء ولا العنكبوت نفسه (دريدا) في التحليل كانت الغاية ضبط العبارة وإحكام اللفظ تجنباً للانشائية والخطابة. وفي التفكيك تبدأ الكتابة من درجة الصفر (بارث) فالفكر مجرد وحدات كتابية لا تعبر عن معنى سابق ولا تفيد معنى لاحق. الفكر أجراس اللغة وأصوات الألفاظ. وحضارات الهامش تحاول التجميع والتركيب خوفاً من التفتت والتشرذم والضياع باسم الملل والنحل والأعراف وبحجة الطوائف والأجناس. وأخيراً يتم تصدير “صراع الحضارات” للنطق بما كان مسكوتاً عنه سلفاً ولتحويل العالم إلى دوائر حضارية متجاورة ومتصارعة على مستوى الثقافات لإخفاء الصراع حول المصالح والثروات، والهاء الشعوب الهامشية بثقافاته التقليدية. بينما حضارات المركز تجمع الأسواق، وتتنافسس في فائض النتاج عوداً إلى النغمة القديمة، مادية الغرب وروحانية الشرق، الحضارة اليهودية المسيحية في مواجهة الحضارة الإسلامية البوذية الكنفوشوسية.

3-مخاطر العولمة على الهوية الثقافية:

إن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية إنما هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية. تعني العولمة مزيداً من تبعية الأطراف للمركز. تجميعاً لقوى المركز وتفتيتاً لقوى الأطراف بما في ذلك الدولة الوطنية التي قامت بدور التحرر الوطني وتحدث المجتمع والتي قاومت شتى أشكال الهيمنة القديمة والجديدة حتى انهيار المعسكر الاشتراكي. وتقذف عليها مفاهيم جديدة أشبه بالسوط على ظهر من لا يدخل بيت الطاعة في نظام العالم الجديد: حقوق الإنسان، حقوق الأقليات، حقوق المرأة. وقوى الدعم الغربي لمراكز حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي الفردي دون مراعاة لحقوق المواطنة وحقوق الشعوب. وانتشرت البحوث عن الأقليات العرقية والطائفية من أجل إبراز الخصوصيات والهويات والتعدديات الثقافية للقضاء على وحدة الثقافة، ووحدة الوطن، ووحدة التاريخ، ووحدة المصير، وانتشرت مشاريع دراسات المرأة وجمعياتها، وأدخل مفهوم النوع Gender في كل شيء في ثقافات لم تعرف بعد مفهوم المواطنة التي لا تفرق بين ذكر وأنثى. وغام النضال الوطني بخلق عدو وهمي للمرأة هو الرجل بينما المرأة والرجل كلاهما ضحايا عدو مشترك هي التقاليد والتخلف والفقر والقهر والاستعباد. وكل ذلك بداية للهدف الأعظم وهو فتح الدولة الوطنية لحدودها الاقتصادية والسياسية، والسير في نهج الخصخصة، والتحول من القطاع العام الذي تبنته بعد تحررها الوطني إلى القطاع الخاص الذي يساهم فيه رأس المال الأجنبي ويزاحم رأس المال الوطني. وعلى الاقتصاد الوطني أن يتحول إلى جزء من الاقتصاد العالمي، برفع الدعم عن المواد الأولية، وترك كل شيء لقانون العرض والطلب، في الغذاء والإسكان والتعليم والخدمات العامة. واتفاقية “الجات” تجعل كل شيء أسواق الدول مفتوحة للمنافسة العالمية من أجل تصريف الفائض الاقتصادي للدول الصناعية. وبالتالي تنتهي الصناعات الوطنية والحماية الجمركية، وتنشأ المناطق الحرة للتبادل التجاري الحر حتى تصبح الدول الوطنية بالأمس القريب كلها أسواقاً حرة مثل هونج كونج وتايوان، ومن لا يقدر على المنافسة على السواق عليه أن ينزوى إلى متاحف التاريخ، ولا مكان للأقزام بجانب الكبار.
وتعم قيم الاستهلاك والمتعة بالحياة. ولا تنظر الأمم إلى مشاريع قومية وخطط استراتيجية بعيدة المدى، فذلك من اختصاص المركز، وما على الأطراف إلا ركوب القطار الذي يحدد المركز اتجاهه وسرعته ونوع حمولته وقائده ووقوده ومحطاته التي يتوقف فيها أو التي يتجاوزها. فإذا ما اتسعت المسافة بين الأغنياء والفقراء انتشرت الجرائم المنظمة، وظواهر “البلطجة” والحماية الشخصية، واسترداد الحقوق أو نهبها باليد، وتطبيق الشريعة بالعنف والكره والإجبار، ما دام العنف أصبح وسيلة لتحقيق المطالب. وينتشر الفساد والمضاربة ووسائل الكسب السريع وتهريب الأموال. ويزداد الغلاء والترف ويزدهر الجنس متعة رخيصة لمن يملك المال ولمن يبيع الرقيق البيض. وتضيع القيم العامة. وينتهي ما يربط الناس، ويزداد التفكك الأسري والتشرذم الاجتماعي. كل فرد وكل طائفة تبحث لها عن قضية بعد أن غابت القضية العامة وبعد أن انحسر الوطن في قلوب المواطنين. ويسود الشك والنسبية كما ساد في المركز. وتعم العدمية، وتنقلب القيم، ويسري الخواء في الروح، فتنهار الأمة، ويغير التاريخ مساره من الشعوب المتحررة حديثاً إلى الاستعمار الجديد ليستعيد مجده القديم تحت شعارات براقة مثل النظام العالمي الجديد، والعالم قرية واحدة، وثورة المعلومات. وتنشر أساطير الثقافة العالمية، والوعي الكوني. والكوكبة، والعولمة. ويتوحد العالم كله تحت سيطرة المركز، وتصبح ثقافته هي نموذج الثقافات ويتم تخطيط كل شيء بحيث يختفي الخاص لصالح العام الذي كان في بدايته خاصاً ثم أصبح عاماً بفعل القوة، مهما نبه علماء الاجتماع على أن المعرفة قوة (فوكو) أو المعرفة مصلحة (هايرماس) وباسم المثاقفة يتم انحسار الهويات الثقافية الخاصة في الثقافة المركزية مع أن اللفظ سلبي Acculturation ويعني القضاء على ثقافة لصالح أخرى، ابتلاع ثقافة الأطراف داخل ثقافة المركز. وتخفف بعض المصطلحات الأخرى من مستوى عدم الندية بين الثقافات فتبرز مفاهيم التفاعل الثقافي، التداخل الحضاري، حوار الحضارات، التبادل الثقافي، وهي مفاهيم تنتهي إلى أن ثقافة المركز هي الثقافة النمطية ممثلة في الثقافة العالمية والتي على كل ثقافة احتذاؤها. وتنتهي أسطورة التعددية التي طالما قامت عليها حضارة المركز، وعبر عنها وليم جيمس في “عالم متعدد” لصالح عالم أحادي الطرف. ثقافة تبدع وثقافات تستهلك ثقافة تصدر، وثقافات تنقل.
وبطريقة لا شعورية وتحت أثر تقليد المركز والانبهار بثقافته يتم استعمال طرق تفكيره ومذاهبه كإطار مرجعي للحكم دون مراجعة أو نقد. وتتبنى ثقافة الأطراف كل ما يصدر في المركز من أحكام خاصة: ثنائيات الحس والعقل، وتعارض المثالية والواقعية، الكلاسيكية والرومانسية، وتعارض الدين والعلم، والفصل بين الدين والدولة، والانقطاع مع القديم، وكلها أحكام صدرت في المركز بناء على ظروفه الخاصة ولا يمكن تعميمها على غيره من ثقافات الأطراف التي قد يكون فيها إتفاق شهادة الحس وشهادة العقل وشهادة الوجدان، والجمع بين المثالية والواقعية كما حاول الفارابي من قبل الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس الحكيم، وخروج العلم من ثنايا الدين، وقيام الدين على تصورات العلم، واستنباط شريعة وضعية تجمع بين القيم الدينية العامة وهي مقاصد الشريعة التي هي في نفس الوقت مجموع المصالح العامة، والتواصل بين القديم والجديد، المسيحية من اليهودية، والإسلام من المسيحية واليهودية معاً. يفكر الهامش بمقولات المركز، ويعمم أحكامه، ويقع في خطأ الانتقال من الجزء إلى الكل دون أن يرد هذه الأحكام إلى ظروفها التي نشأت فيها ويتحرر منها ويقيم أحكامه الخاصة بناء على ظروفه الخاصة التي قد تختلف مع ظروف المركز وأحكامه وقد تتفق. تمنع ثقافة المركز إذن، نظراً للانبهار بها وتقليدها وتبنيها وإطلاقها وإعتبارها الثقافة العالمية الممثلة لجميع الثقافات. والتجربة النموذجية التي تحذو حذوها كل التجارب الأخرى. تمنع إبداعات الأطراف الذاتية والتفكير المستقل، والإنعكاف على الذات وممارسة قوى التنظير الطبيعية في كل عقل بشري، وإستنفار الاجتهاد الكامن لدى كل الشعوب. فالغرب ليس بدعة، ولا نسجاً عبقرياً على غير منوال، ولا يتمتع بقدرة فريدة على التنظير دون غيره. بل أن قوة رفض الماضي، الكنيسة وأرسطو، هي التي دفعته إلى التوجه نحو الواقع والمجتمع اعتماداً على العقل البديهي. فأنشأ العلم التجريبي، وأقام المجتمع على العقد الاجتماعي، وانتقل من التمركز حول الله والسلطان إلى التمركز حول الإنسان والدستور. وليس هناك ما يمنع أية ثقافة من التحول الطبيعي من التقليد إلى الاجتهاد واعتماداً على الجهد الإنساني، سواء على نفس نمط المركز أو على أنماط أخرى، فتتعدد الإبداعات البشرية، ولا يتم إيقافها أو إجهاضها بتقليد نموذج واحد في إبداع المركز.
وبمقدار ما يزداد التقريب في المجتمع، وتنتشر فيه القيم الغربية، والعادات الغربية وأساليب الحياة الغربية خاصة عند الصفوة التي بيدها مقاليد الأمر مع شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة يزداد تباعد الجماهير عنها واتجاههها إلى ثقافتها، وتمسكها بتقاليدها. فالفعل يولد رد الفعل المضاد، ليس المساوى له بل الأعنف منه. فتنشأ الأصولية عن حق، دفاعاً عن الأصالة، وتمسكاً بالهوية. تغريب في الظاهر وأصولية في الباطن، إنبهار بالغرب عند الصفوة ورجوع إلى التراث عند الجماهير. فباسم الحداثة يتم التمسك بالقديم، وبدعوى اللحاق بالمستقبل يتم تأصيل الرجوع إلى الماضي والتشريع له، وباسم الانفتاح والتنوير يتم الانغلاق والإظلام. وينشق الصف الوطني إلى فريقين: العلمانية والسلفية، كل منهما يستبعد الآخر إن لم يكفره أو يخونه، وكما هو الحال في الجزائر إلى حد سفك دماء النساء والأطفال والشيوخ وزهق أرواح الأبرياء، وكما هو الحال في مصر بصورة أقل وفي باقي أرجاء الوطن العربي في الخليج واليمن وليبيا والمغرب والعراق والسودان. كل فريق يمتلك الحقيقة المطلقة ويستبعد الآخر، والدولة تؤيد مرة هذا الفريق الإسلامي إذا كان الخطر قادماً من العلمانية، ناصرية شعبية مثلاً ومرة أخرى الفريق العلماني إذا كان الخطر قادماً من الحركة السلفية، من أجل إشعال النار بين جناحي الأمة فيضعفان معاً ويقوى القلب أو الوسط الذي تدعي الدولة تمثيله حماية له من التطرف. ويتحول الخصام الثقافي بين أعضاء العولمة وأنصار الهوية إلى صراع على السلطة عندما تضعف الدولة. وينهار مشروعها القومي. كل فريق يرى أنه أحق بوراثة الحكم من الفريق الآخر بمفرده، يتحول إلى صراع على السلطة، صريح أو ضمني، يصل إلى حد الاقتتال بالسلاح وتصفية المجتمع، فيكون الضحية. ويجد كل فريق أعوانه في الخارج، الغرب لأنصار الحداثة والنظم التقليدية لأنصار السلف، والوطن هو الضحية، ميدان لصراع القوى الكبرى بالمال والسلاح، وتضيع الخصوصية لصالح الصراعات المحلية والدولية، ويصبح الوطن مستباح الدم والعرض، منتهكة حرماته. ويغيب الوفاق الوطني، وتعز المصالحة الوطنية، ويصمت الحوار الوطني، ويشق صف الوطن، فالمعركة إذن بين الخصوصية والعولمة ليست معركة بريئة حسنة النية أكاديمية علمية بل تمس حياة الأوطان ومصائر الشعوب.
4-دفاع الثقافة العربية ضد مخاطر العولمة

لا يتأتى الدفاع عن الهوية الثقافية ضد مخاطر العولمة عن طريق الانغلاق على الذات ورفض الغير، فهذا تصحيح خطأ بخطأ، ومجموع الخطأين لا يكون صواباً. إنما يتأتى ذلك أولاً بإعادة بناء الموروث القديم المكون الرئيسي للثقافة الوطنية بحيث تزال معوقاته وتستنفر عوامل تقدمه، وكلا العنصرين موجود في الثقافة. ويتم إعادةة الموروث القديم بتجديد لغته من اللغة القطعية والألفاظ التشريعية إلى اللغة المفتوحة والألفاظ الطبيعية، وتغيير مستويات تحليله من المستوى الإلهي الغيبي التقنيني إلى المستوى الإنساني الحسي التحرري. فالتراث القديم، وهو الرافد الرئيسي في الثقافة الوطنية، نشأ في عصر مضى، وفي مرحلة تاريخية ولت منذ أكثر من ألف عام. ولم يعد معبراً عن مطالب العصر وإن كان قد عبر عن مطالب عصر مضى: لقد تغير العصر كله، من النصر إلى الهزيمة، ومن الإبداع إلى النقل، ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن العقل إلى النقل، ومن الحرية إلى القدرية، ومن البيعة إلى الشوكة، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الطاعة لله وللرسول ولأولى الأمر. وهذا يحتم إبداع ثقافة جديد تعبر عن ظروف العصر من احتلال وقهر وتجزئة وظلم اجتماعي وتخلف وتغريب ولا مبالاة. هم رجال ونحن رجال، نتعلم منهم ولا نقتدي بهم. وتكون البداية على الأقل بإعادة الاختيار بين البدائل، واختيار الأصلح لنا الذي ربما لم يكن أصلح للقدماء، وربما لم يكن اختيار القدماء في عصرهم أصلح لنا في عصرنا. فإن لم تسعف البدائل القديمة، على الثقافة العصرية إبداع بدائل جديدة تكون إضافة من هذا الجيل على اجتهادات الأجيال السابقة، على هذا النحو يمكن تجديد الثقافة العربية. إذ لا تعني الخصوصية الانغلاق والتقليد والانكفاء على الذات واستبعاد الآخر والخوف من العصر. إنما تعني الخصوصية البداية بالأنا قبل الآخر، وبالقريب قبل البعيد، وبالموروث قبل الوافد كما فعل القدماء في تأسيس علم الأصول، أصول الدين وأصول الفقه بل وعلوم التصوف منذ القرن الأول قبل الترجمة في القرن الثاني وإنشاء الفلسفة في القرن الثالث. تعني الخصوصية أدبياً، البداية بالجذور قبل الثمار. وبالجذع قبل الأوراق، وبالطين قبل الماء وبالأرض قبل السماء([5]).
ويتطلب الدفاع عن الهوية الثقافية ثانياً كسر حدة الانبهار بالغرب، ومقاومة قوة جذبه، وذلك برده إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية. فكل ثقافة مهما ادعت أنها عالمية تحت تأثير أجهزة الأعلام فإنها نشأت في بيئة محددة، وفي عصر تاريخي معين. ثم انتشرت خارج حدودها بفعل الهيمنة وبفضل وسائل الاتصال. فلماذا يطبق المركز مناهج علم اجتماع المعرفة والانثروبولوجيا الثقافية على ثقافات الأطراف ويستثني نفسه منها؟ ألا يمكن أن يصبح الدارس مدروساً. والملاحظ ملاحظا، والذات موضوعاً؟ وهنا تأتي أهمية إنشاء علم “الاستغراب” من أجل تمويل الغرب من كونه مصدراً للعلم كي يصبح موضوعاً للعلم، فيتم القضاء على أسطورة الثقافة العالمية المنتشرة خارج حدودها نظراً، وفي الممارسة تمارس المعيار المزدوج، قيم التنوير داخلها، ونقيضها خارجها، الحرية والديمقراطية والعقل والعلم والتقدم والمساواة في الداخل، في المركز، والقهر والتسلط والخرافة والجهل والتخلف والظلم الاجتماعي في الخارج، في الأطراف. كما تنتهي علاقة مركب النقص في الأطراف مع مركب العظمة في المركز، ويصبح كلاهما دارساً ومدروساً، ذاتا وموضوعاً، ملاحظاً وملاحظا. فإذا كان الغرب يقوم بدور الذات وثقافات الأطراف بدور الموضوع في “الاستشراق” فإن الغرب يقوم بدور الموضوع وثقافات الأطراف بدور الذات في “الاستغراب” هنا تتحرر الأنا من عقدة الخوف. وتنشئ، لها مشروعها المعرفي المستقل وتكون لها طموحها العلمي، وتقضي على عقدة الرهبة من الآخر وتبين حدود مشروعه المعرفي وطموحه العلمي وتحوله إلى شيء اليوم كما حولها هو إلى شيء بالأمس وعلى هذا النحو تكمل الأنا تحررها الثقافي تطويراً لتحررها السياسي والاقتصادي وحفاظاً عليهما. وتنهي الأشكال الجديدة للهيمنة القديمة، وتعيد التوازن لحوار الحضارات، وتجعلها كلها على مستوى التكافؤ والندية، بحيث يمكن كتابة تاريخ البشرية بطريقة أكثر عدلاً. فلا يعتبر ما قبل العصور الحديثة بدايات التاريخ، وسيطاً وقديماً وكأن ما قبلهما العماء، وما بعد العصور الحديثة هو التاريخ وما بعده الخواء. إن الإنسانية أوسع رحاباً من أن تحصر في تاريخ الغرب الحديث، والتاريخ أكثر عمقاً من أن يبتسر في العصر الحديث([6]).
ويمكن التخفيف من غلواء العولمة ثالثاً عن طريق قدرة الأنا على الإبداع بالتفاعل مع ماضيها وحاضرها، بين ثقافتها وثقافات العصر ولكن ليس قبل عودة الثقة للأنا بذاتها، وليس قبل التحرر من الانبهار بالآخر كنقطة جذب لها وإطار مرجعي لثقافتها. التفاعل في الواقع الخصب، وإحضار الماضي والمستقبل في الحاضر هو السبيل للمزج العضوي بين الخصوصية والعولمة وصهرهما في أتون الواقع الجديد ومتطلبات العصر. وإذا كان الصراع بين الخصوصية والعولمة هو في الحقيقة صراع على السلطة في المجتمع بين فريقين متخاصمين: السلفية والعلمانية فإن المدخل الأيديولوجي لكليهما يمكن تعريته والعودة إلى المعاش ومطالبة كل من الفريقين بالاستجابة إلى تحديات العصر. ففي الواقع يتم انصهار الفكر. ولا فرق بين أن يتم تحرير الأرض باسم الخصوصية، والجهاد في سبيل الله، والإذن بقتال المظلومين للظالمين وبين أن يتم دفاعاً عن الحريات العامة للأفراد والشعوب كما هو الحال في فلسفة التنوير. ولا خلاف بين أن يتم تحرير المواطن بإعلان الشهادة، الشهادة على العصر بأن الله أكبر على كل من طغى وتجبر، والله أكبر قاصم الجبارين كما يعاول أنصار الخصوصية، وبين أن يتم ذلك باسم حقوق الإنسان كما يدعي أنصار الثقافة العالمية. ولا ضير أن يتم تحقيق العدالة الاجتماعية باسم الزكاة والتكافل الاجتماعي وحق السائل والمحروم والفقراء في أموال الأغنياء والمترفين، والاستخلاف، والشركة وبين أن يتم ذلك باسم الاشتراكية أو الماركسية أو النزعة الإنسانية. ولا حرج في أن تتم وحدة الأمة باسم التوحيد وبين أن تتم باسم القومية أو وحدة النضال العالمي. ولا خوف من أن يتم الدفاع عن الهوية والخصوصية الثقافية باسم الأصالة كما يريد أنصار الخصوصية أو باسم الثقافة الوطنية كما يريد أنصار الخصوصية أو باسم الثقافة الوطنية كما يريد أنصار الثقافة العالمية وكما اتضحت في الأدبيات الاشتراكية. ولا ضرر من أن تتم تنمية الموارد البشرية باسم تسخير قوانين الطبيعة لصالح البشر وبين أن تتم باسم التقدم والتصنيع. فالغاية واحدة وهي السيادة على الأرض. ولا فرق أن يتم تجنيد الجماهير باسم الأمانة التي حملها الإنسان وأشفقت الجبال والأرض والسماء منها وبين أن تتم باسم النضال ووحدة النضال العالمي للعمال، وتحالف قوى الشعب العامل. فالغاية العملية واحدة وإن اختلفت الأطر النظرية([7])، التعددية النظرية إذن ممكنة. إذ لا يمكن توحيد أفكار البشر وإن أمكن توحيد قلوب الناس. قد يفكر كل إنسان بطريقة وإن كان الهدف مع الآخرين واحداً. لذلك تساءل الأصوليون القدماء: هل الحق واحد أم متعدد؟ وأجابوا: الحق النظري متعدد، والحق العملي واحد. الأطر النظرية عند الناس متعددة، والأهداف العملية لهم واحدة. ففي الواقع ينصهر الفكر، وفي التغير الاجتماعي يتحقق الخطاب. والوفاق الوطني تجميع للجهود وبذل للطاقة حتى ولو كانت المداخل النظرية متعددة. وهنا يبدو الخطاب الأيديولوجي هو الظاهر الذي يحتاج إلى تأويل، وفي الواقع تأويله. وهو المجاز وفي المجتمع حقيقته. وهو المجمل وفي الفعل بيانه. وهو المتشابه وفي حياة الناس أحكامه. قد يكون الخلاف في اللفظ بين الخطابين، خطاب الخصوصية وخطاب العولمة، هذا يستعمل ألفاظ القدماء، وذاك يستعمل ألفاظ المحدثين. وقد يكون في المصدر وكلاهما لغة، ولا مشاجة في الألفاظ كما يقول الحكماء. هذا يستمد فكرة من التراث، والآخر يستمد فكرة من الحداثة. وكلاهما نقل، والخلاف فقط فيمن ينقل عنه. وقد يكون في المنهج، هذا يستعمل المنهج الاستنباطي، يستنبط مصادره من أصول يقينية معطاة سلفاً، والآخر يستعمل المنهج الاستقرائي، يستقرئ مقاصده من مصالح الناس واحتياجات العصر. وكلاهما منهج واحد فلا فرق في أسباب النزول عند القدماء بين من يأتي من أعلى ومن يصعد من أسفل، بين ما يأتي من الوحي وما يصعد من بداهة العقل وإدراك المصلحة كما تحقق ذلك في عمر، محدث الأمة. وقد يكون في الإحساس بالزمان وحركة التاريخ، هذا يرى أن الماضي أفضل من الحاضر وأن السلف خير من الخلف، وأن خير القرون القرون الأولى وأن الخلافة ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضود، والآخر يرى أن المستقبل أفضل من الماضي، وأن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وأن الاجتهاد، مصدر من مصادر التشريع، والتنافس في الخيرات. فالسابقون. هذا إذا خلصت النوايا. وصفت القلوب وزهد الناس في السلطان وراعوا مصالح الناس، وحرصوا على دور الأمة في التاريخ([8])





hgerhtm hguvfdm fdk l'vrm hgow,wdm , sk]hk hgu,glm