الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

براءة فتاة

♥•- الإدارة العليا -•♥
LV
0
 
الأوسمة
2
اعتمد عبد القاهر الجرجاني في تحليل الكلام على توجه عقلي مسبق و أسس معرفية واضحة تيسرت له باعتقاد مطلق مفاده أن „قضايا العقول هي القواعد و الأسس التي ينبني غيرها عليها و الأصول التي يرد ما سواها إليها „[SUP]1[/SUP] فنجح في تطوير فكرة „النظم“ و اتخذها سبيلا إلى تحليل أسرار البلاغة و دلائل الإعجاز معا.
ـ و قد استفاد عبد القاهر من جهود سابقيه من أمثال الجاحظ و الباقلاني و القاضي عبد الجبار و غيرهم [SUP]2[/SUP] في تحديد مفهوم النظم و إرساء أسسه من جهة و ربطه بالإعجاز القرآني من جهة أخرى.فكيف عرف النظم؟ و ما بيان المزية فيه؟ و ما علاقته بالإعجاز القرآني؟

انطلق عبد القاهر من ثنائية اللفظ و المعنى و ما ترتب عنهما من مبالغات في تفضيل الواحد عن الآخر، و كانت من أبرز المسائل التي اعتنى بها في كتابيه، و كيف لا و اللفظ و المعنى أساس الظاهرة اللغوية، وجوهر الكلام من حيث تآلفهما و توافقهما في المفردة الواحدة أو أكثر من ذلك تركيبا.

توصل الجرجاني إلى أن وحدات اللغة ألفاظ، و بفضل النحو نستعمل الألفاظ لنشكل التراكيب، و هي تتجدد دائما بفضل النحو و لإعادة تراكيبها، و بالتالي فالألفاظ عند الجرجاني رموز للمعاني، و الإنسان يتعرف على مدلول اللفظ المفرد أولا، ثم يتعرف على مدلوله داخل التركيب فالألفاظ سمات لمعانيها، و لا يمكن أن تسبق الألفاظ معانيها „و هل كانت الألفاظ إلى من أجل معانيها؟ و هل هي إلا خدم لها؟ و مصرفة على حكمها؟ أو ليست هي سمات لها، و أوضاع قد وضع لتدل عليها؟ كيف يتصور أن تسبق المعاني أو تتقدمها في تصور النفس و إن جاز ذلك جاز أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن عرفت الأشياء، و قبل أن كانت، و ما أدري ما أقول في شيء يجر الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال، و رديئ الأحوال.“ [SUP]3[/SUP]

و من ها هنا لا يكون اللفظ إلا وعاء يتشكل به المعنى.و ليس له أي فاعلية جمالية للنص مهما كانت في تناسق أصواته و صحة معناه مفردا، كما لا يمكن أن يكون به شكل من الإعجاز لوحده و هذا ما يؤكده عبد القاهر „و اعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف و سلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيها يوجب الفضيلة، و أن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز و إنما الذي ننكره، و نفيل رأي من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده و يجعله الأصل و العمدة “ [SUP]4[/SUP]

أكد عبد القاهر أهمية المعنى من خلال ما أثبته في أن البلاغة لا يمكن أن تكون إلا في المعنى دون اللفظ، و بالتأليف دون اللفظة المفردة من خلال عملية تأويل النص الأدبي. “ و لقد لمس الجرجاني هنا، و إن لم يصغ ذلك صياغة واضحة، أهم خاصية من خصائص الوظيفة الأدبية حسب أحدث النظريات الغربية المعاصرة في النص و هي نظرية تذهب إلى اعتبار التأويل من مميزات ظاهرة الأدب لأن تراكب مبدأ التشابه [SUP]5[/SUP] و هو من مميزات محور الاستبدال، على التلاصق [SUP]6[/SUP]، يخلق في النص ضربا من الكثافة المعنوية و الإشكال فتمكن قراءته بصورة مختلفة، يقول الجرجاني: „و اعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة من غير أن تغير من لفظه شيئا أو تحول كلمة من مكانها إلى مكان آخر، و هو الذي وسع مجال التأويل و التفسير حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر و يفسرون البيت الواحد عدة تفاسير.““ [SUP]7[/SUP]

و يفرق الجرجاني بين نظم الكلام و نظم الحروف، فنظم الحروف „هو تواليها في النطق فقط، و ليس نظمها بمقتضى عن المعنى، و لا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل، اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه، فلو أن واضع اللغة كان قد قال: ربض، مكان ضرب، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد، أما نظم الكلام فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمه أثار المعاني و ترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء و اتفق.“ [SUP]8[/SUP] فالألفاظ المفردة لا مزية فيها و إنما تعليق بعضها ببعض و جعل بعضها سبب لبعض و تأليفها و ترتيبها بحسب ما يقتضيه علم النحو هو المزية و حسن السبك و الانسجام.

ارتكز الجرجاني في نظرية النظم على التمييز بين اللغة و الكلام و هو توجه يتفق فيه مع المحدثين من اللسانيين الغرب في كثير من الاختصاصات و الفروع اللسانية، كما ذهب إلى ذلك الباحث عبد القادر المهيري حين جمع كل جهوده اللغوية و درسها بمنهجية لسانية حديثة جمع فيها بين المبدع و المقلد. [SUP]9[/SUP]

و قد انتفع بذلك حين بحث في فضل كلام عن كلام في نفس اللغة و توصل إلى أن التمايز ناتج على أن المعنى الناشئ بالكلام مختلف عن معاني الوحدات اللغوية المكونة له، لأننا في الكلام نتوخى نهجا في الدلالة يختلف من حيث نوعه عن نهج اللغة، فتصبح العلاقات التي ينشئها المتكلم بين وحدات السياق هي الدالة، لا الكلمات في حد ذاتها، أو هي بعبارة أخرى دلالة نشأت من تجاوز دلالة الكلمات مفردة، وهو بهذا يتبنى موقفا يكاد يكون شكليا، و ينم عن فهم عميق للتحول الذي يطرأ على الظاهر اللغوية وقت يصوغها المتكلم و يخرجها من محور الاستبدال الثابت الساكن إلى محور التوزيع الديناميكي المتحرك و إذ ذاك يصبح المعنى غير منحصر فيما تؤديه جملة الكلمات، و إنما هو معنى جديد لا وجود له خارج سياقه. يقول:“و اعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة، و ذلك أنك إذا قلت: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا تأديبا له، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس، و ذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها، و إنما جئت بها لتفيده وجود التعلق.“ [SUP]10[/SUP]

لقد استعمل الجرجاني لفظة التعليق ليشير إلى التأليف و الصياغة و البناء و الوشي و التخبير و النسخ بين أجزاء الكلم كلها ألفاظ من جنس التماسك و الانسجام الواقع في الكلام الواحد الناتج عن تعالق معانيه بتناسق ألفاظه بعضها ببعض داخل مقام مشترك لا ينبو من فرقة.

و أدرك الجرجاني أن الألفاظ لا تفاضل بينها من حيث أنها ألفاظ مفردة منفصلة، بل التفاضل يحدث عند ملائمة معناها لمعنى اللفظة التي تليها في السلسلة اللغوية و هذا يجري على سائر الكلام و تحدث المزية كلها فيه.

كما أدرك أن ترتيب الألفاظ في النطق يجري على ترتيب المعاني في النفس، و أن العملية فكرية محضة و تتم في نفس الوهلة حين تخرج في صورة أدبية بليغة و تامة البيان.

و الجرجاني في موقفه من اللفظ لم يتحيز للمعنى كليا و إنما كان يعتقد بتلازمهما نظرا لطبيعة الوظيفة الدلالية التي يقدماها معا للكشف عن الصورة داخل النص. „إذ لا يعقل أن يقصد أولا إلى ترتيب المعاني في استقلال عن اللفظ، ثم بعد ذلك يستأنف النظر في الجملة الدالة عليها، و لا يقصد إلى ترتيب الألفاظ و تواليها على نظام خاص في استقلال عن الفكر، و يمكن هنا الترتيب للألفاظ يقع ملازما للمطلوب الأول، و هو المعنى المدلول عليه في الصورة.“ [SUP]11[/SUP] كما جعل مراعاة السياق من شروط فصاحة الكلام و بيانه، إذ اللفظة التي توضع في سياقها التي جعلت لأجله، و كانت متفقة و مرتبة مع ما سبقها من ألفاظ و ما يلحقها و تؤدي فائدة دلالية في الكلام، كانت في منتهى الفصاحة و البيان، و يضرب لنا في ذلك مثلا حين قال: „و لو عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته عدا كيف جاء و اتفق و أبطل نضده و نظامه الذي عليه بني و فيه أفرغ المعنى و أجرى، و غير ترتيبه الذي أفاد ما أفاد فقيل:“قفا نبكي من ذكرى حبيب و منزل. و منزل قفا ذكرى من نبك حبيب“ خرج عن كمال البيان إلى مجال الهذيان و سقطت نسبته من صاحبه.“ [SUP]12[/SUP]

حدد الجرجاني معاني الألفاظ التي يولدها السياق، داخل الصياغة اللغوية من خلال ما صرح به فيما يلي: „ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، و قبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبار و أمرا و نهيا و استخبارا و تعجبا و تؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، و بناء لفظة على لفظة، هل يتصور أن يكون بين اللفظين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناه الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به.“ [SUP]13[/SUP] يمكننا حصرها فيما يلي:


  1. ينبغي أن ينظر إلى كلمة قبل دخولها في التأليف = المعنى المعجمي (الكلمة المفردة).


    [*]
    و تؤدي في الجملة معنى من معاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، و بناء لفظة على لفظة = المعنى الوظيفي (معاني النحو + سياق المقام + الأسلوب + الوزن…إلخ.)


    [*]
    هل يتصور أن يكون بين اللفظين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به =المعنى الدلالي. (و هو المعنى الحاصل الذي يصل إليه القارئ جملة واحدة).



كما يمكننا ، نعبر عنها بالمعادلة التالية:

المعنى المعجمي + المعنى الوظيفي= المعنى الدلالي.

و هنا يحصل التفوق و الإبداع و التميز عند الجرجاني في نظرته إلى المعنى عن سابقيه من البلاغيين و النحويين.

لم يكتف عبد القاهر الجرجاني بتحديد مصدر المعنى الدلالي بل تعداه إلى ما وراء الدلالة حين تحدث عن المعنى و معنى المعنى فقال:“المعنى و معنى المعنى، نعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ و الذي تصل إليه بغير واسطة،و بمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر.“ [SUP]14[/SUP] . „فالمعاني الأولى هي التي تفهم من نفس الألفاظ، و المعاني الثواني هي التي يومأ إليها بتلك المعاني.“ [SUP]15[/SUP]، فيلخص المعنى الدلالي == معنى المعنى.

فالصورة الأدبية لا تخلو من معاني المعاني، و يمكن إدراكها من خلال المجاز كالكناية و الاستعارة و التشبيه و التمثيل حيث لا تكون الدلالة على الغرض من اللفظ مجردا، و لكن لابد من إخضاع المجاز إلى فاعلية النحو من جهة معانيه و ما يتعلق بذلك من خصائص. „إن الاستعارة و الكناية و التمثيل و سائر ضروب المجاز من مقتضيات النظم و عنها يحدث و بها يكون،لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم و هي أفراد لم يتوفر فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألف مع غيره، أفلا ترى أنه إن قدر „في اشتعل“ من قوله تعالى:“و اشتعل الرأس شيبا“ أن لا يكون الرأس فاعلا له و يكون شيبا منصوبا على التمييز لم يتصور أن يكون مستعارا و هكذا السبيل في نظائر الاستعارة “ [SUP]16[/SUP]

لقد ربط الجرجاني في عبارته بين النظم و المجاز و أحكام النحو و السياق (التأليف). و يمكننا أن نعبر عنها بما يلي:

النظم= المجاز (اسم أو فعل دخلته الاستعارة مثلا) + أحكام النحو (معاني النحو) + السياق (تأليف اللفظ مع غيره).

و ما يجري على الاستعارة يجري على غيرها من أساليب المجاز.

تحدث الجرجاني عن أحكام النحو، و عن النظم. فما هي أحكام النحو؟ و ما هو النظم؟

للإجابة على السؤالين نقف عند نص للجرجاني حاول فيه توضيح مفهوم المصطلحين حيث قال:“و اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو و تعمل على قوانينه و أصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها و تحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها و ذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب و فروقه فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك „زيد منطلق“ و„زيد ينطلق“ و „ينطلق زيد„و „منطلق زيد„و „زيد المنطلق„و „المنطلق زيد„و „زيد هو المنطلق„و „زيد هو المنطلق“ وفي الشرط و الجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: „إن تخرج أخرج“ و„و إن خرجت خرجت„و“ إن تخرج فأنا خارج“ و „أنا خارج إن خرجت“ و „أنا إن خرجت خارج„. و في الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: „جاءني زيد مسرعا.“ و„جاءني يسرع„و „جاءني و هو مسرع“ أو „هو يسرع“ و „جاءني قد أسرع“ و „جاءني و قد أسرع“ فيعرف لكل من ذلك موضعه و يجيء به حيث ينبغي له، و ينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصه في ذلك المعنى، فيضع كل ذلك في خاص معناه نحو أن يجيء بـ„ما“ في نفي الحال، و بـ „لا“ إن أراد نفي الاستقبال و بـ „إن“ فيما يترجح بين أن يكون و أن لا يكون، و بـ „إذا“ فيما علم أنه كائن، و ينظر في الجمل التي ترد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء و موضع الفاء من موضع „ثم“ و موضع „أو“ من موضع „أم“ و موضع „لكن “ من موضع „بل“ و يتصرف في التعريف و التنكير، و التقديم و التأخير في الكلام كله، و في الحذف و التكرار، و الإضمار و الإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه و يستعمله على الصحة و على ما ينبغي له.

هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا و خطؤه إن كان خطأ إلى النظم، و يدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، و وضع في حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه، و استعمل في غير ما ينبغي له.“ [SUP]17[/SUP]

يمكننا أن نستخلص من هذه المدونة الجرجانية ما يلي:


  1. النظم هو وضع الكلام حسب ما يقتضيه علم النحو. من قوانين و أصول و مناهج.


    [*]
    و قوانين النحو و أصوله و منهاجه هي: الخبر ـ الحال ـ الفصل و الوصل ـ التعريف ـ التنكير التقديم التأخير الحذف التكرار الإضمار و الإظهار. أدوات الشرط و الجزاء و لا يقصد الجرجاني بالقوانين و الأصول الحركات الإعرابية التي تظهر على أواخر الكلمات، لأنها لا تؤدي وظيفة في المعنى، و لا يقع لأجلها التفاضل „و من العجب أنا إذا نظرنا في إعراب وجدنا التفاضل فيه محالا لأنه لا يتصور أن يكون للرفع و النصب في الكلام مزية عليهما في كلام آخر…“ [SUP]18[/SUP]


    [*]
    يعمد إلى تسمية كل منهج بالباب و يدعو الناظم أن يكون عارفا بوجوهه و فروقه. كقولنا: باب الفصل و الوصل مثلا و ما يترتب عليه من وجوه و فروق.


    [*]
    و لكل من الأبواب سابقة الذكر فروقا و وجوها و مواضع توفرها اللغة للناظم لصياغة الوظيفة النحوية الواحدة و هي معنوية و بناؤها يأتي على توافق مع مقام معين و لغرض دون الآخر. أنظر كيف تحدث في وجوه و فروق مواضع الخبر مثلا حين عدد الأمثلة فيه إلى ثمانية و جعل البنية الأولى: „زيد منطلق“ و هي تمثل البنية النواة العميقة. ثم قام بتحويلها إلى سبعة من البنى السطحية، و جعل لكل بنية خصوصية معنوية تميزها عن الأخرى من خلال ما أضاف إليها من فروق و وجوه و تغيير للمواضع حسب ما يقتضيه سياق المقال. و هذا التحليل يجري مجرى اللسانيات الحديثة.


    [*]
    يختم الجرجاني نصه باعتبار النظم سبيلا من سبل تحقيق معاني النحو في الكلام، و كأنه يقول أن النظم هو معاني النحو.



و النظم عند الجرجاني يأخذ منحى عقلي عند تناوله للعلاقات الدلالية „ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق بل أن تناسقت دلالتها و تلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.“ [SUP]19[/SUP] فتناسق الدلالات و تلاقي العاني في الكلام لا يمكن تفسيره عند الجرجاني إلا بالطريقة الموالية “ تبلور الأفكار في النفس و انتظامها انتظاما نظريا مجردا حسب مقولات الفكر، ثم بروز الحاجة إلى الرموز و العلامات لأن الفكر لا يلتبس بالفكر، و الجوهر لا يدل على الجوهر فتستبدل المعاني المجردة بالسمات و العلامات الدالة عليها، ثم ترتب هذه العلامات على النسق الذي ترتب حسبه المعني في النفس.“ [SUP]20[/SUP] و بهذا ينطبق اللفظ بالمعنى و تكون الملاءمة بينهما حاصلة و المزية كلها.

و كتاب „دلائل الإعجاز مدونة واضحة المعالم و المفاهيم، في علم النص الحديث “ و على هذا الأساس رأى بعض الباحثين إمكانية لإدراج نظرية النظم ضمن أحد النماذج اللسانية الحديثة و بالتدقيق “ داخل إطار توليدي بالخصوص النماذج التوليدية القائلة بقاعدية المكون الدلالي“ لأنهم وجدوا في نصه السابق ما يدل على أنه يميز بين مستويين:


  1. مستوى عميق غير مشتمل عل المعاني الدلالية.


    [*]
    مستوى سطحي منطوق يتم فيه نظم المقال على مرحلتين:



أ – مرحلة تستبدل فيها المعاني العميقة بألفاظ القاموس.

ب – و مرحلة تعلق فيها هذه الألفاظ بعضها ببعض حسب قواعد التركيب. [SUP]21[/SUP] و يقيننا أن ما خلفه الجرجاني خطرات لسانية لا يحترز من تبانيها اللسانيون المعاصرون…“ [SUP]22[/SUP]

كما ضمن كتابه دلائل الإعجاز باب سماه „باب الفصل و الوصل“ و هو من أعظم الأبواب التي أثبت من خلاله فهم النص من داخلياته، و ذلك عن طريق توضيح مفهوم الوصل باستعمال حروف العطف التي تربط بين الجملتين و تحدث بذلك تكاملا دلاليا عميقا في المعنى، و الفصل الذي يفتقد لحروف الربط و العطف نظرا لوجود عنصر طارئ يفصل بين الجملتين في العمق، إلا أنه لا يعبر عن الفصل بل الالتحام. و جعل منهما سرا من أسرار بلاغة الكلام حيث قال:“ ما ينبغي أن يصغ في هذا المجال من عطف بعضها على بعض، أو ترك العطف قبل المجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى من أسرار البلاغة.“ [SUP]23[/SUP] و هذا وجه من وجوه تماسك النص و انسجامه، و آلية فنية لا تقل أهمية عن ما يقيمه أعلام اللسانيات النصية الحديثة من آليات التحليل النصي. من التماسك الشكلي الذي تلعب فيه حروف العطف دور الربط بين الجمل. مرورا بالتماسك الدلالي العميق و وصولا إلى التماسك الكلي للكلام.

كاد الجرجاني أن يتعدى الجملة في نظرية النظم، و يتخطى حدودها بنظرة واسعة وتمثيل شاسع حين استعان بمثال الصبغة في شرح مزية النظم، حيث قال:“و اعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه و الحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق و ينضم بعضها إلى بعض، حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه و لا تقضي له بالحذق و الأستاذية وسعة الذرع و شدة المنه حتى تستوفي القطعة.“ [SUP]24[/SUP]

فالكلام الحسن النظم يشبه أجزاء الصبغ التي تتلاحق و ينضم بعضها إلى بعض حتى تكبر و تصبح قطعة، و قطعة الصبغ كالنص الذي تتلاحم جمله و تتماسك في نسيج واحد.

إلا أن الجرجاني بقي بعيدا عن تطبيق هذه الفكرة و إن كان يحوم حولها، و ما يصدق على الجملة يصدق على الجمل.

و قد بلغت نظرية النظم بما حوت من معاني النحو و أسرار البلاغة درجة في تفسير إعجاز القرآن الكريم، و باتت سبيلا لا يستغنى عنه في كشف معانيه و نظامه المتميز، حيث لجأ إليها الكثير من المفسرين العرب للقرآن الكريم أمثال الزمخشري و الفخر الرازي و البيضاوي و الطاهر بن عاشور و غيرهم.

و لعلنا لا ندرك أهمية النظم بالنسبة للإعجاز إلا من خلال المثال الذي جاء به الجرجاني في قوله:“خذ إليك الآن يبت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف اللفظ:

و ما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه.

فانظر أتتصور أن يكون ذلك اللفظ من حيث أنك أنكرت شيئا من حروفه أو صادفت وحشا غريبا أو سوقيا ضعيفا؟ أم ليس إلا أنه لم يرتب الألفاظ في الذكر على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكد و كدر، و منع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدم و يؤخر، ثم أسرف في إبطال النظام و إبعاد المرام و صار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة، و لكن أن يراجع فيها بابا من الهندسة لفرط ما عادى بين أشكالها و شدة ما خالف بين أوضاعها…“ [SUP]25[/SUP]

يشبه الجرجاني استعمال اللفظ في غير موضعه (متعسفا) في الكلام بتفكيك أجزاء الصورة و بعثرتها. ثم لإعادة تركيبها و ترتيبها ترتيبا صحيحا لابد أن يراعى فيها هندستها من حساب و كيل و قياس و تخطيط.

فكذلك الكلام المتكلف و المعقد في تركيبه من أمثال بيت الفرزدق المذكور لإعادة هندسته و نظمه و ترتيبه لابد من قياس أبعاده و حسابها و تقديرها و تخطيطها، بملائمة ألفاظها لمعانيها و مراعاة غرضها و سياقها بحسب ما تقتضيه أساليب الكلام و الذوق إلى أن يصل الكلام أعلى درجات النظم في هندسته و ذلك هو الإعجاز، الذي بحث في منشأه الجرجاني و كان سببا لكل ما قدمه من جهود في دراسة الكلام بين النحو و البلاغة و النقد.


1 ـ أسرار البلاغة.ط.إسطنبول.1954.ص345. نقلا عن حمادي صمود التفكير البلاغي عند العرب.ص438.

2 ـ أمثال : الرماني (ت386هـ) في رسالة „النكت“ و الخطابي (ت 388هـ) في „بيان إعجاز القرآن„.

3ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز:379. نقلا عن البلاغة و الأسلوبية د.محمد عبد المطلب.ص44.

4 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز:43. نقلا عن التفكير البلاغي عند العرب. حمادي صمود. ص419.

5 ـ SIMILARITE.

6 ـ .CONTIGUITE

7 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز، طبعة المنار،ص 286. نقلا عن التفكير البلاغي عند العرب. حمادي صمود. ص424.

8 ـ الجرجاني دلائل الإعجاز ص 93. نقلا عن قراءة في النقد القديم. د.بسيوني عبد الفتاح فيولا. ص246.

9 ـ مقال نشره في حوليات الجامعة التونسية، 11/1974. ص83-108.

10 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز، طبعة المنار،ص 316. نقلا عن التفكير البلاغي عند العرب.

11 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز. ص327.

12 ـ الجرجاني أسرار البلاغة، تحقيق محمد رشيد رضا، ط6 ، القاهرة 1959.ص: 4.

13 ـ الجرجاني دلائل الإعجاز.ص47.

14 ـ الجرجاني دلائل الإعجاز.ص :262 ـ 263.

15 ـ المصدر السابق.ص:263 ـ 264.

16 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز. ص:261.

17 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز. ص:64ـ65.

18 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز. ص:306.

19 ـ الجرجاني. دلائل الإعجاز. ص:40 ـ41.

20 ـ حمادي صمود. التفكير البلاغي عند العرب.ص:454.

21 ـ أحمد المتوكل، نحو قراءة جديدة لنظرية النظم عند الجرجاني، ضمن لسانيات و سيمائيات، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط. 1976. ص: 87 ـ 96. نقلا عن: التفكير البلاغي عند العرب. لحمادي صمود. ص454 ـ 455.

22 ـ حمادي صمود. التفكير البلاغي عند العرب.ص:454 ـ 455.

23 ـ الجرجاني دلائل الإعجاز. ص:252.

24 ـ الجرجاني دلائل الإعجاز. ص:124.

25 ـ الجرجاني. أسرار البلاغة.ص15.






 
التعديل الأخير:
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى