فوائد حديثية[متجدد]

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

الحديث الأول

عن أبي ذر رضي الله عنه أيضاً: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؛ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟* فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". (رواه مسلم).
الشرح الإجمالي للحديث:في هذا الحديث فتحٌ لباب المعروف، وإيضاحٌ لمعنى الصدقة التي يؤجر عليها العيد، فمنها الصدقة المالية، ومنها الصدقة القولية؛ كذكر لله تعالى والدعوة لطاعته، ومنها الصدقة التركية كالصيام، واجتناب الحرام، ومنها الصدقة الفعلية كالصلاة، ووضع الشيء موضعه الذي أمر الله به، ومنها الصدقة المركبة من ذلك كله؛ كالحج.
الفوائد التربوية من الحديث:
1. حرص فقراء المهاجرين على الخير، وبكاؤهم لما سبقهم غيرهم لطاعة الله، فكان همهم الأكبر ليس في التكاثر في الدنيا، ولكن في التسابق إلى طاعة الله، قال تعالى عنهم: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92].
2. على العبد أن يسابق غيره في جمع الحسنات، وتكثيرها، وتعظيمها، وتحسينها، والمحافظة عليها، وأن ينوع طاعاته، ويسابق في سائر أبواب الخير، وينافس فيها، بل ويحرص أن تكون له نية صالحة حتى في فعل المباحات.
3. حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ بذكر الحكم، وذكر دليله وتعليله، وفي فتحه أبواب الخير لمن طلبها.
4. محبة الصالحين، وإحسان الظن بقبول الله حسناتهم، وعدم اتهامهم في نياتهم أو سبهم أو تمني زوال النعم عنهم.
 
التعديل الأخير:

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

الحديث الثاني
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال لي: "يا غلام إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفـظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعـوك إلا بشيء قـد كتبـه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف".
وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً".
الشرح الإجمالي للحديث:
قال بعض العلماء: "تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه".
هذا الحديث يبين عدة المسلم عند الشدائد:
1- أن يمتثل أوامر الله قبل وقوع الشدائد، وتأمل قصة الغريقين: يونس عليه السلام، وفرعون الهالك.
2- أن يوجه سؤاله واستعانته بالله وحده عند وقوعها.
3- أن يتحلى بالصبر واليقين بعد سؤال الله تعالى، وحتى انكشافها.ومن ثمرات ذلك: أن يحفظ من المصائب: (يحفظك)، وأن يعان في أموره: (تجده تجاهك).
الفوائد التربوية من الحديث:
1- أن الدنيا دار ابتلاء ومحن، وأن على المسلم أن يعلم أن هذه المحن اختبار له، وعليه أن يجتازه.
2- تعلق العبد بالله تعالى وخصوصًا عند الشدائد؛ كمرض، وهم، وحيرة...
3- تلطف المعلم لمعلمه: بتقريبه منه، ومناداته، وتخصيصه بالعلم، ولفت انتباهه قبل إلقاء المهم من العلم، والاهتمام بتربية الصغار، وبذل العلم للكبير والصغير.
4- فيه أهمية اهتمام المربين بأمر العقيدة، فهذه الكلمات جميعها من أمور العقيدة، وهي التي تبعث الشجاعة، واليقين، وعلو الهمة.



 
التعديل الأخير:

MisS ChàiMàE

عضو ماسي
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
2,882
العمر
24
هواياتك
الدعوة الى الاسلام
وظيفتك
تلميذة ثانوية
شعارك
لا اله الا الله محمد رسول الله

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

MisS ChàiMàE

عضو ماسي
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
2,882
العمر
24
هواياتك
الدعوة الى الاسلام
وظيفتك
تلميذة ثانوية
شعارك
لا اله الا الله محمد رسول الله

MisS ChàiMàE

عضو ماسي
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
2,882
العمر
24
هواياتك
الدعوة الى الاسلام
وظيفتك
تلميذة ثانوية
شعارك
لا اله الا الله محمد رسول الله

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

قد اخترت حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه:" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما " واختياري يرجع إلى عدة أمور:
1ـ لصحته، فقد رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم (2577).
2ـ لأنه حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى.
3ـ لأنه يجمع فقرات عدة، وهذا مظنة لكثرة الفوائد.
4ـ لتداوله على ألسنة الخطباء والوعاظ وغالب الناس اليوم.
5ـ سهولته ألفاظه التي سهلت حفظه.
وقد جعلت منهجي في استنباط فوائد هذا الحديث أن أقسم الحديث إلى أجزاء، ثم استنبط من كل جزء ما فتح الله به علي من الفوائد، وقد يوجد في بعض الفوائد شيء من التداخل إلا أن ذلك لازم لمن أراد أن يحلل ألفاظ الحديث، ويدقق في الفوائد المستنبطة، ويقتنص الوقفات التربوية، والآن إلى نص الحديث، ثم إلى الفوائد المستنبطة منه.
نص الحديث:
عن أبي ذَرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عن اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قال: يا عِبَادِي إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا من هَدَيْتُهُ فاستهدوني أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا من أَطْعَمْتُهُ فاستطعموني أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا من كَسَوْتُهُ فاستكسوني أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وأنا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعا فاستغفروني أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي لو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ما زَادَ ذلك في مُلْكِي شيئا، يا عِبَادِي لو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئا، يا عِبَادِي لو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يا عِبَادِي إنما هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ".
فوائد الحديث:
قوله صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا"، فيه فوائد كثيرة ومنها:
الفائدة الأولى:
دل الحديث على أن الله يتكلم سبحانه وتعالى كما يشاء، كلاما يليق بجلاله وعظمته، كما هو منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، كما أن لفظ الحديث يرد على كل من نفى صفة الكلام عن الله متأولاً أو غير متأول، وذلك لصراحة قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله ".
الفائدة الثانية:
في الحديث مناداة الله لعباده وهذا من رحمته بهم، وأنه أقرب لهم، وهذا مما يبعث السكينة في قلوب عباده المؤمنين.
الفائدة الثالثة:
دل الحديث على أن جميع الخلق عباد الله شرعا وقدرا، أما المؤمنون فهم عباد الله الذين استجابوا لأمره، وأما الكفار فهم مخاطبون أيضا بهذا الحديث لدخولهم تحت العبودية لله قهرا.
الفائدة الرابعة:
الحديث يدل على لطف الله بعباده، حيث بدأهم بالمناداة من غير سؤال منهم وبهذا يفرح المؤمنون.

الفائدة الخامسة:
دل على أن صفة العبودية تشريف، لأن المقتضى الخطاب أن يختار المنادي أحب الأسماء للسامع فيناديه بها، فالله أختار صفة " يا عبادي " مما يدل على أن من دخل من العباد تحت هذه الصفة فقد شَرُف غاية الشرف، فإن العبودية لله تقتضي الخلص مما سواه.
الفائدة السادسة:
تقديم النداء " يا عبادي " دليل على أهمية ما بعده، فإن هذا المقصود من النداء، ولهذا فإن المؤمن يصغي سمعه لما يقال بعد النداء، خاصة إذا كان من ربه، كما في الحديث.
الفائدة السابعة:
دل الحديث بلفظه الصريح على تحريم الظلم مطلقا، وذلك من عدة أوجه:
أ ـ حرف التوكيد "إن".
ب ـ ضمير المتكلم "الياء" في قوله "إني".
ج ـ لفظ التحريم في قوله " حرمت " وهو يفيد المنع أكثر من أي صيغة أخرى.
د ـ " أل " الجنسية في قوله " الظلم " والتي تفيد الاستغراق، فيشمل جميع أنواع الظلم.
هـ ـ تكرار لفظي " التحريم والظلم " في قوله: " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " فنلاحظ تكرار " حرمت ومحرما " وقوله: " الظلم فلاتظالموا " ولا شك بأن هذا التكرار يفيد المنع بصورة أكبر.
و ـ ختم الجملة الأولى من الحديث بقوله: " فلا تظالموا " مع أن المعنى المراد فُهم مما سبقها في قوله " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ".
فإن المعنى قد تم عند قوله " محرما " لكنه أعاد المعنى المراد مرة أخرى بقوله: " فلا تظالموا " وهذا أيضا يفيد المنع قوة.
الفائدة الثامنة:
دل الحديث أن الله هو المشرع المُحِل المُحرِم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فإن قوله:" إني حرمت الظلم على نفسي " تدل على تحريم الله لما يشاء وبالمقابل تحليله لما يشاء.

الفائدة التاسعة:
يؤخذ من الحديث أن من صيغ العزيمة على الطلب أو الترك أن يخبر الواحد عن نفسه، ويبدأ قبل غيره، ولهذا فإن الله أخبر عن نفسه قال: " إني حرمت الظلم على نفسي ".
فمن أراد أن يأمر أمرا، أو ينهى عنه فليبدأ بنفسه قولا وعملا، فإن ذلك أشد وقعا.
الفائدة العاشرة:
فيه إثبات النفس لله سبحانه وتعالى.
الفائدة الحادية عشرة:
دل على عدم التلازم بين ما يحرمه الله على نفسه وما يحرمه علينا، فقد:
أ ـ يحرم على نفسه أمرا ويحرمه أيضا علينا كالظلم في هذا الحديث.
ب ـ يحرم على نفسه أمرا ولا يحرمه علينا كجميع النقائص من السنة والنوم وغيرها.
ج ـ يبيح لنفسه أمرا ويحرمه علينا كالكبر في حقه سبحانه وتعالى.
والظلم من النوع الأول، ولهذا قال: " وجعلته بينكم محرما " مما يدل على أن هناك أمورا حرمها على نفسه لم يحرمها علينا، والله أعلم.
 

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

الحديث الخامس
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ضررَ، ولا ضرار))؛ رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني، وحسنه النووي وابن الصلاح.

يتعلق بهذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: الضرر: حصول الضر، وهو خلاف النفع، والشريعة المطهرة المنزلة من رب العالمين تنفي الضرر والإفساد؛ وذلك بمنع وجوده أصلًا، وبرفعه وإزالته بعد وجوده، والضرر المنفي في الشريعة نوعان: النوع الأول: في التشريعات؛ فلا تجد في الأحكام الشرعية ما يؤدي إلى الضرر؛ فالضرر منفيٌّ في أحكام الشريعة نفسها، والنوع الثاني: الضرر العارض؛ فإذا عرض للإنسان ضررٌ من عمل، أو شخص أو حيوان، أو غير ذلك من الأضرار بأي طريق كان، فالشريعة لا تقره، وتأمر بإزالته، وكل ذلك داخلٌ في عموم الحديث.
الفائدة الثانية: لا يجوز للمسلم أن يضارَّ إخوانه المسلمين بأي حال من الأحوال؛ إذ الإضرار بهم محرم شرعًا، وقد نبه الشرع إلى أنواع من الضرر فنهى عنها، فمن ذلك: الإضرار في الوصية؛ قال تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ [النساء: 12]، ومنه: الإضرار بالزوجات، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة: 231]، وقال تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ [الطلاق: 6]، ومنه: الإضرار بأحد الوالدينِ بسبب الولد، فقال تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]، ومنه: الإضرار بالشهود، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ [البقرة: 282]. الفائدة الثالثة: أمرت الشريعة بإزالة الضرر الذي قد يقع على الإنسان، وهذا الضرر يدفع بكامله ما أمكن ذلك، ودون أن يترتب على دفعه مفسدةٌ، فإن لم يمكن إلا دفع بعضه، أو دفعه مع وجود مفسدة مرجوحة، فعل من ذلك ما يمكن، ومن ذلك: جواز قطع اليد أو الرِّجل التي أصابتها الأكلة؛ لأمنِ سرايتها إلى بقية البدن.


 

MisS ChàiMàE

عضو ماسي
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
2,882
العمر
24
هواياتك
الدعوة الى الاسلام
وظيفتك
تلميذة ثانوية
شعارك
لا اله الا الله محمد رسول الله

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

MisS ChàiMàE

عضو ماسي
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
2,882
العمر
24
هواياتك
الدعوة الى الاسلام
وظيفتك
تلميذة ثانوية
شعارك
لا اله الا الله محمد رسول الله

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

قد اخترت حديثا أعجبني
فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) رواه البخاري برقم (2615)، ومسلم برقم (145).
شرح مفردات الحديث:
الاجتناب: هو الابتعاد وعدم المقاربة.
الموبقات: قال الإمام النووي رحمه الله: "هي المهلكات، يُقال: (وبق الرجل) بفتح الباء (وبق) بكسرها، و(وبق) بضم الواو وكسر الباء (يوبق) إذا هلك، و(أوبق) غيره أي أهلكه"3.
السحر: "عزائمُ ورقىً وعُقدٌ تؤثر في الأبدان والقلوب فيُمرض، ويقتل، ويُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه"4.
الربا: "اختلفت تعريفات الفقهاء للربا باختلاف المذاهب، وعرَّفه الشافعية بقولهم: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين، أو أحدهما"5.
اليتيم: في اللغة هو الانفراد، وفي الشرع هو من مات عنه أبوه دون الحلم أي قبل أن يبلغ، وما بعد البلوغ لا يسمى يتيماً على الراجح قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اليتيم في الآدميين من فقد أباه؛ لأن أباه هو الذي يهذبه، ويرزقه، وينصره بموجب الطبع المخلوق، ولهذا كان تابعاً في الدين لوالده، وكان نفقته عليه، وحضانته عليه"6.
التولي يوم الزحف: أي الفرار والهرب من المعركة حال قتال العدو.
القذف: هو الرمي والاتهام.
المحصنات: هن العفيفات الطاهرات، المجتنبات للفواحش.
الغافلات: أي الغافلات عن الفواحش، وما قذفن به.
المعنى الإجمالي للحديث:
يُحذِّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته في هذا الحديث من الوقوع في الذنوب المهلكة، والكبائر العظيمة التي تورد صاحبها المهالك، حيث عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً من هذه الذنوب والكبائر وهي ليست للحصر، بل قد وردت نصوص أخرى بذكر بعض الكبائر والذنوب كعقوق الوالدين، والظلم، وشهادة الزور، وغيرها كثير.
وقد صنَّف العلماء قديماً وحديثاً في باب الكبائر والذنوب والمهلكات ومنهم الإمام الذهبي رحمه الله الذي صنف كتاب "الكبائر"، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله له كتاب بعنوان الكبائر، وهذا يدل على خطر الوقوع فيها، مما يستلزم الحذر منها، والمسارعة إلى التوبة، والاستغفار، والإنابة إلى الله تعالى عند الوقوع فيها يقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً* إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}(الفرقان:68-70).
الموبقة الأولى: الإشراك بالله: وهو جعل شريك لله سبحانه وتعالى في ربوبيته أو إلهيته، والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة كالذبح، أو النذر، أو الخوف، أو الدعاء، والشرك نوعان:
الأول: شرك أكبر يخرج من الإسلام، ويخلد صاحبه في النار إذا مات، ولم يتب منه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كدعاء غير الله، والتقرب بالذبح والنذر لغير الله من القبور والجن، والخوف من الموتى أو الجن أن يضروه أو يمرضوه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات مما يفعل الآن حول قبور الصالحين وغيرهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}(يونس:18).
والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الإسلام لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو قسمان: القسم الأول شرك ظاهر وهو (ألفاظ وأفعال)، فالألفاظ: كالحلف بغير الله كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))7، ونحو قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: ((أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده))8، وأما القسم الثاني من الشرك الأصغر: فهو شرك خفي، وهو الشرك في الإرادات والنيات بالرياء والسمعة، كأن يعمل عملاً مما يتقرب به إلى الله تعالى يريد به ثناء الناس عليه، مثل أن يحسن صلاته، أو يتصدق لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه، والرياء إذا خالط العمل أبطله قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}(الكهف:110)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: ((الرياء))9"10.
والشرك بالله هو أحد أكبر الكبائر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله...)) رواه البخاري برقم (2511)، ومسلم برقم (87)، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات ولم يتب منه، بل يكون مصير صاحبه النار كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}(النساء:48)، وقال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}(المائدة:72)، وذلك لأن الشرك فيه مشابهة للخالق الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الضعيف الناقص.
الموبقة الثانية: السحر: وقد تقدم تعريف السحر بأنه عزائمُ ورقىً وعُقدٌ تؤثر في الأبدان والقلوب فيمرض، ويقتل، ويُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، وعرَّفه بعض المعاصرين بأنه: "عبارة عن أمور دقيقة موغلة في الخفاء، يمكن اكتسابها بالتعلم، تشبه الخارق للعادة، وليس فيها تحد، أو تجري مجرى التمويه والخداع، تصدر من نفس شريرة تؤثر في عالم العناصر بغير مباشرة أو بمباشرة"11.
وقد اختلف في السحر هل له حقيقة أم لا؟
فالقول الأول: أن السحر له حقيقة وتأثير، وهذا ثابت بالكتاب والسنة يقول الإمام النووي رحمه الله: "والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. انتهى"12، وقال القرطبي رحمه الله: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت، وله حقيقة..."13، والأدلة على ذلك من القرآن: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ}(البقرة:102)، ووجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى أخبر أن للسحر آثارً حقيقة، ومنها أنه يتم بواسطته التفريق بين المرء وزوجته، وأن ما يتعلمونه ما هو إلا ضرر لا نفع فيه.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}(الفلق:1-5)، ووجه الدلالة أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر النفاثات وهن السواحر، كما أن جمهور المفسرين اتفقوا على أن سبب نزول هذه السورة هو ما قام به لبيد بن الأعصم اليهودي لعنه الله من سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
والأدلة من السنة: ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سَحَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يُقال له "لبيد بن الأعصم" حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: ((يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان))، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال:، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: ((قد عافاني الله فكرهت أن أثِّور على الناس فيه شراً))، فأمر بها فدُفنت" رواه البخاري برقم (5430)، وفي هذا الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يصيبه ما يصيب الناس، وكذلك فإن الحديث يدل على أن السحر له حقيقة وتأثير في الخارج، يظهر هذا من تغير عادة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يظن أنه قد فعل الشيء وهو لم يفعله حقيقة، والله أعلم..
القول الثاني: وهو قول عامة المعتزلة وجماعة من العلماء كأبي منصور الماتريدي، وابن حزم، وأبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الجصاص؛ وغيرهم، ويتلخص رأيهم في أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل، فلا تأثير له لا في مرض، ولا حل، ولا عقد ولا غير ذلك، وعلى ذلك فهم ينكرون من أنواع السحر ما كان له حقيقة، ويجعلونه ضرباً واحداً وهو سحر التخييل ييقول القاضي عبد الجبار: "إن السحر في الحقيقة لا يوجب المضرة لأنه ضرب من التمويه والحيلة…"14، ويقول أبو منصور الماتريدي: "والأصل أن الكهانة محمول أكثرها على الكذب والمخادعة، والسحر على التشبيه والتخييل"15، ولهم في ذلك شبهات اشتغل العلماء بتفنيدها، والرد عليها.
وأجمع العلماء على أن السحر حرام، وتعلمه حرام، وتعاطيه حرام، والذهاب إلى السحرة حرام فعن صفية رضي الله عنها عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)) رواه مسلم برقم (2230)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم))16، وعن أبي هريرة والحسن رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى كاهناً أو عرافاً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم))17، واختلف العلماء في حدِّ الساحر وهل تقبل توبته أم لا؟ فقال جمهور أهل السنة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ورواية عن الإمام الشافعي: أنه متى ما ثبتت جريمة السحر بحق إنسان بإقرار أو بيّنة؛ وجب قتله مطلقاً من غير استتابة، إلا أن يأتي تائباً قبل أن يُقدر عليه يقول الإمام أبو حنيفة: "يُقتل الساحر إذا عُلم أنه ساحر، ولا يُستتاب، ولا يُقبل قوله: إني أترك السحر، وأتوب منه، فإذا أقرّ أنه ساحر فقد حل دمه، وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر فوصفوا ذلك بصفة يُعلم أنه ساحر قُتل ولا يستتاب، وإن أقرّ فقال: كنت أسحر وتركت هذا منذ زمان قُبِلَ منه ولم يقتل، وكذا لو شهد عليه أنه كان مرة ساحر، وأنه ترك منذ زمان لم يقتل إلا أن يشهدوا أنه الساعة ساحر، وأقرّ بذلك فيُقتل"18، وقال الإمام مالك: "الساحر كافر يُقتل بالسحر ولا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يتحتم قتله كالزنديق"19.
الموبقة الثالثة: قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق: ويُعتبر من أكبر الكبائر بعد الكفر بالله لأنه اعتداء على صنع الله، وعلى الجماعة والمجتمع قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}(الإسراء:33)، وجاء الوعيد الشديد على قتل النفس المحرمة في كتاب الله تعالى فقال سبحانه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}(النساء:93)، والواجب على من قتل نفساً محرمة؛ القصاص إلا أن يعفو أولياء القتيل، أو يقبلوا الدية، وإن كان القتل خطأ أو شبه عمد فإن الواجب الدية والكفارة وهي: تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}(النساء:92)، فلا يجوز قتل النفس التي حرَّم الله إلا في حال فعلها لشيء يوجب قتلها كما أخرج الإمامان البخاري ومسلم في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) رواه البخاري برقم (6484)، ومسلم برقم (1676)، وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بنيان بناه الله تعالى، فلا يحق لأحد أن يهدمه إلا بالحق، وبذلك يُقرر الإسلام عصمة الدم الإنساني، ومن اعتدى على نفس واحدة فكأنما اعتدى على الناس جميعاً قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}(المائدة:32)، وبهذه الأوامر والنواهي تُصان الدماء، وتُحترم الأعراض، ويسود الأمان والاطمئنان بين الناس، فكل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله"20.
الموبقة الرابعة: أكل الربا:
وفي اللغة: "ربا الشيء يربو ربواً ورباءً: زاد ونما، وأربيته نميته، وفي التنـزيل العزيز: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}(البقرة:276)، ومنه أخذ الربا الحرام قال الله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ}(الروم:39)"21.
وفي الشّرع: عرّفها الحنفية فقالوا: هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه22، وعرَّفه المالكية بقولهم: الزيادة في العدد، أو الوزن محققة أو متوهمة، والتأخير23، وعرّفها الشّافعيّة بأنّها: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهم،24، وعند الحنابلة: الزّيادة في أشياء مخصوصة25.
وللرّبا أنواع في الشّرع:
1- ربا الفضل: وهو بيع المال الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين.
2- ربا النّساء أو النسئية: هو بيع المال الرّبويّ بمال ربويّ آخر فيه نفي العلّة إلى أجل.
3- ربا اليد عند الشّافعيّة: وذلك بأن يفارق أحدهما مجلس العقد قبل التّقابض، "أي أنّه يبيع المال الرّبويّ بآخر فيه نفس العلّة دون أن يشترط في ذلك أجل بنفس العقد, ولكن يحصل التّأخير في قبض البدلين أو أحدهما, في مجلس العقد بالفعل، ودليل هذا: ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه: "إلا هاءَ وهاءَ" أي خذ وخذ، وهذا يعني وجوب التقابض فعلاً في المجلس"26.
والربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الكبائر التي حرَّم الله تعالى التعامل بها، بل جعل الله تعالى التعامل بالربا إعلاناً للحرب مع الله فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}(البقرة:278-179)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران:130)، ومن السنة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه))، وقال: ((ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل))27، وتوعد الله تعالى المتعامل بالربا بقوله سبحانه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(البقرة:275).
الموبقة الخامسة: أكل مال اليتيم:
فإن من محاسن هذه الشريعة الأمر بالإحسان إلى اليتامى، والسعي في رعايتهم، والقيام على أموالهم، وبيان ما يترتب على ذلك من أجر عظيم قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى}(النساء:36)، وقال سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}(الأنعام:152)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة، وأشار مالك بالسبابة والوسطى)) رواه مسلم برقم (2983)، وفي البخاري عن سهل رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرَّج بينهما شيئاً" رواه البخاري برقم (5304)، وجاءت الآيات القرآنية الشرعية بالتحذير الشديد من أكل مال اليتيم فقال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}(النساء:10)، وقال الإمام الذهبي رحمه الله: "قال السدي رحمه الله تعالى: "يُحشر آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه, ومن مسامعه, وأنفه, وعينه، كل من رآه يعرفه أنه آكل مال اليتيم"، قال العلماء: فكل ولي ليتيم إذا كان فقيراً فأكل من ماله بالمعروف بقدر قيامه عليه في مصالحه وتنمية ماله فلا بأس عليه, وما زاد على المعروف فسحت حرام لقول الله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}(النساء:6), وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال:
أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، والثاني: الأكل بقدر الحاجة من غير إسراف، والثالث: أنه أخذ بقدر إذا عمل لليتيم عملاً، والرابع: أنه الأخذ عند الضرورة؛ فإن أيسر قضاه, وإن لم يوسر فهو في حل, وهذه الأقوال ذكرها ابن الجوزي في تفسيره"28.
الموبقة السادسة : التولي يوم الزحف:
وهو الفرار من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف: هو الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون يُقال: زحف إليه زحفاً إذا مشى نحوه، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ*وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(الأنفال:15-16)، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم، {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} أي: تفروا وتتركوا أصحابكم، {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة؛ ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله؛ فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير، والسدي، وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرَّة من العدو فيصيبها، {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} أي: فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه فيجوز له ذلك، حتى ولو كان في سرية ففر إلى أميره، أو إلى الإمام الأعظم؛ دخل في هذه الرخصة"29، ومن السنة ما ثبت في التغليظ والتشديد على الفرار من الزحف والقتال حيث عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر فقال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، وذكر منها التولي يوم الزحف، وأخرج الترمذي وغيره من حديث بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت أبى يحدثنيه عن جدى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غُفر له وإن كان فر من الزحف))30، وللمجاهدين في سبيل الله مع العدو حالتان عند اللقاء:
الحالة الأولى: أن يكون العدو مثلي عدد المجاهدين أو أقل.
الحالة الثانية: أن يكون العدو أكثر من مثلي عدد المجاهدين.
فأما الحالة الأولى: فإنه يجب على المجاهدين في سبيل الله الثبات، ويحرم الفرار من العدو إلا في حالة التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة من المسلمين، وبهذا قال عامة الفقهاء، ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك.
أما الحالة الثانية: فإن غلب على ظن المجاهدين في سبيل الله الظفر بالعدو إذا ثبتوا لزمهم الثبات مهما كان عدد العدو لما سبق من الأدلة التي توجب الثبات عند لقاء العدو، ولما في ذلك من المصلحة للأمة، وإن غلب على ظنهم الهلاك جاز لهم الفرار، وبهذا قال عامة الفقهاء"31.
الموبقة السابعة: قذف المحصنات المؤمنات الغافلات:
وأصل القذف: الرمي بالحجارة، وهو هنا رمي المرأة بالزنا أو ما كان في معناه، واستُعمل في هذا المعنى حتى غلب عليه يُقال: قذف يقذف قذفاً فهو قاذف، وأصل الإحصان: المنع، والمرأة تكون محصنه بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتزويج يقال: أُحصنت المرأة فهي مُحْصَنَة ومُحْصِنَة، وكذلك الرجل المحصن.
وقد جاء الوعيد الشديد في القرآن الكريم في حق من يقذف نساء المؤمنين بالفاحشة والزنا قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}(النور:23)، وهذه الآية تبين وعيد الله تعالى في الآخرة، وجاء الوعيد له في الدنيا عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور:4)، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلاً فكذلك يجلد قاذفه أيضاً، ليس في هذا نزاع بين العلماء، فأما إن أقام القاذف بيِّنة على صحة ما قاله رُدَّ عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، فأوجب على القاذف إذا لم يُقم بَيِّنة على صحة ما قاله ثلاثة أحكام:
أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة.
الثاني: أنه تُرد شهادته دائماً.
الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل؛ لا عند الله ولا عند الناس، ثم قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(النور:5)، واختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبةُ الفسقَ فقط، ويبقى مردود الشهادة دائماً وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصرَّ، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قُبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب (سيد التابعين) وجماعة من السلف أيضاً، وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبداً، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال الشعبي والضحاك: لا تُقبل شهادته وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان؛ فحينئذ تُقبل شهادته، والله أعلم"32.
اللهم ارزقنا طاعتك، وجنِّبنا معصيتك، وأجرنا من الذنوب والمعاصي والكبائر إنك ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
 

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

حديث الحلال بين والحرام بين
الحلال والحرام عند الأصوليين: وهذا كما يتفق الناس على فضل الورع وذم البدع، ولكنهم يختلفون في ضابط كلٍّ وتحديد أفراده. وهذا هو المعروف عند الفقهاء؛ فنراهم جميعًا متفقين على أن الحلال لا إثم في فعله ولا حرج في تركه، والحرام اختلفوا في ضابطه وتحديد أفراده. وقالت المالكية والشافعية: الحلال: هو ما لم يدل الدليل على حرمته، والحرام: ما لم يدل الدليل على حِلِّه. على أنهم قد يريدون من الحلال ما أذن به الشرع بمعنى يشمل المباح والواجب والمندوب والمكروه كذلك على رأي. يدل على هذا مقابلتهم الحلال بالحرام، وحصر أحكام التكليف فيهما. قال القرافي في مقدمة "الذخيرة": "واختلف في أقسام الحكم". انظر4.
(الحلال بيِّن)
أي الأشياء ثلاثة: حلال بيِّن لا يخفى حله بأن ورد نص على حله أو مهَّد أصل يمكن استخراج الجزئيات منه؛ كقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29]، فإن اللام للنفع... والحرام بيِّن واضح لا تخفى حرمته؛ بأن ورد نص على الحرمة؛ كالفواحش والمحارم، وما فيه حد وعقوبة، والميتة والدم ولحم الخنزير، أو مهد ما يستخرج منه ذلك؛ كقوله: ((كل مُسْكر حرام)) .... مذهب المازني: أن اللام الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول حرف تعريف مطلقًا، سواء كانا بمعنى الحدوث أم لا. ثم إنه اختلف في (أل) الداخلة على الصفة المشبهة، والصحيح أنها معرفة، وليكن مثلها الداخلة على اسم الفاعل الذي لم يرد منه الحدوث. والموصول كالمعرف باللام؛ تجري فيه المعاني الأربعة، فالأصل فيه العهد والجنس. عبدالحكيم. يتأتى في الكلام على تعريف المسند إليه بأل. في تفسير الخازن: والحلال: المباح الذي أحله الشرع وانحلت عقدة الحظر عنه. وأصله من الحلِّ الذي هو نقيض العقد. والطيب: ما يستلذ، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال، ويعاف الحرام، وقيل: الطيب: الطاهر؛ لأن النجس تكرهه النفس وتعافه.
(والحرام بيِّن)
قال السندي في تقريره على متن البخاري: "ليس المعنى أنَّ كل ما هو حلال عند الله تعالى فهو بيِّنٌ بوصف الحِل يَعرِفه كل أحد بأنه حلال، وأنَّ ما هو حرام فهو كذلك، وإلَّا لم يبق مشتبهات؛ ضرورة أن الشيء لا يكون في الواقع إلا حرامًا أو حلالًا، فإذا صار الكل بيِّنًا، لم يبق شيء محلًّا للاشتباه؛ وإنما المعنى - والله تعالى أعلم - أن الحلال بيِّن حكمًا، وهو أنه لا يضر تناوله، وكذا الحرام بيِّن من حيث إنه يضر تناوله؛ أي: يعرف الناس حكمهما، لكن يبقى للناس أن يعرفوا حكم المحتمل المتردِّد بين كونه حلالًا أو حرامًا؛ ولهذا عقب هذا ببيان حكم المشتبه فقال: ((فمن اتقى...)) إلخ؛ أي: حكم المشتبه أنه إذا تناوله الإنسان يخرج عن الورع، ويقرب إلى تناول الحرام. وقد يقال: المعنى: الحلال الخالص بيِّن، وكذا الحرام الخالص بيِّن، يعلمهما كل أحد، لكن المشتبه غير معلوم لكثير من الناس. وفيه: أنه إن أريد بالخالص الخالص في علم الناس، فلا فائدة في الحكم؛ إذ يرجع المعنى إلى أنَّ المعلوم بالحل معلومٌ بالحل، ولا فائدة فيه، وإن أريد بالنظر إلى الواقع، فكُلُّ شيء في الواقع إما حلال خالص وإما حرام خالص، فإذا صار كل منهما بيِّنًا لم يَبق شيء مشتبهًا، والله تعالى أعلم. نقل.
(وبينهما مُشَبَّهات)
وتفصيل هذا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أثبَت في الحديث أمورًا مُشكلة لا يدري كثير من الناس حكمها؛ وهذا دليل بيِّن على أن في الشريعة إجمالًا؛ إذ لو فُصِّلت الشريعة وبُيِّنت نصوصها وأدلتها، ما بقيت هذه المشتبهات مبهَمة الحكم. فإن أراد أنها مجملة بالنظر إلى العامة دون الخاصة، فمسلَّم ولا يضير الشريعة في شيء؛ إذ على العوام أن يرجعوا إلى الخواص فيما تنازعوا فيه والتبس عليهم. ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 83]. وإن أراد الرد على من ينكر القياس في الشريعة ويزعم أنها نصت على كل حدث بخصوصها، فمسلَّم أيضًا؛ إذ الحس شاهدٌ بأن أمورًا كثيرة لم يظهر حكمها إلا بقياسها على غيرها. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ: ((ماذا ...))، وعمر يقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما .... وإن أراد أنَّ المجمَل باقٍ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى بيانه وجلائه، فذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، قال العلماء: إكمالها نصًّا تارة، وتلويحًا تارة أخرى.
(لا يعلمهن كثير من الناس)
لتعارض الأمارتين، ولم يقل: (على الناس)؛ لأن العارفين والمحققين - وقليل ما هم - لا يشتبه عليهم ذلك.
(استبرَأَ لدينه وعرضه)
أي: حصَّل البراءة لدينه من الذم الشرعي، وحمى عرضه من وقوع الناس فيه، لاتهامهم إياه بمواقعة المحظورات إذا لم يتَّقِ الشبهات. وحمل الشارع المطهَّر العِرض على النفس أيضًا حين قال: "طهر دينه وبدنه من العقوبة"، وكلاهما صحيح قال في النهاية: ولمَّا كان موضعه النفس، حمل عليها؛ إطلاقًا للمحل على الحال، والظاهر العكس، ولعلها تحريف مطبعي. والاستبراء من برئ من الدَّين والعيب، ومنه استبراء الجارية إذا علم براءة رحمها من الحمل، فأطلق العلم بالحصول، وأراد الحصول أو طلب براءته، كما في المغرب. وعلى هذا؛ فالسين والتاء للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ [آل عمران: 195] لا للطلب؛ إذ الطلب لا يستلزم الحصول. سعد. ينظر النبراوي وغيره في شرح حديث ((دع ما يَرِيبُك..)).
الاحتياط وحد الورع
والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياط: الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة من غير غُلو ومجاوزة، ولا تقصير وتفريط. والوسوسة: ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه؛ زاعمًا أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع؛ كمن يصرِّح بنية الصلاة مرارًا، ومن يغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته، إلى أضعاف ذلك مما اتخذه الموسوسون دينًا وزعموا أنه احتياط. وقد كان الاحتياط لهم في اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - أولى بهم؛ فإنه الاحتياط الذي مَن خرج عنه فقد فارَق الاحتياط وعَدل عن سواء الطريق. اهـ سر الروح. وهنا سر لطيف يجب التنبُّه عليه، وهو أنَّ الله سبحانه جعل لكل عضو من أعضاء الإنسان كمالًا، إن لم يحصل له كان في قلق وانزعاج؛ فكمال العين البصر، والأذن السمع، واللسان النطق، وجعل كمال القلب ونعيمه ولذته وسروره في معرفة الله تعالى ومحبته والإقبال عليه، فإذا عَدم القلب ذلك كله كان أشد عذابًا من العين التي فقدت النور الباصر، ولا سبيل إلى الطمأنينة بوجه من الوجوه إلا بأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده ومستعانه، فحقيقة الأمر أنه لا طمأنينة بدون التحقق بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وكلام السلف في النفس المطمئنة يدور على أصلين: طمأنينة الإرادة والعمل، فإذا اطمأنَّت مِن الشك إلى اليقين، ومِن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الجناية إلى التوبة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس، ومن صولة العُجب إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، ومن الفتور إلى العمل - فقد باشرَتْ روح الطمأنينة، ومنشأُ ذلك كله اليقظة؛ فهي أول مفاتيح الخير، فإن الغافل كالنائم يحجبه عن حقيقة الإدراك لما يتقاضاه من أوامر الرب سبحانه وتعالى ونواهيه، ويُقعده عن فرصة الاستدراك سِنة القلب، وهي غفلته التي رقد فيها ... سر الروح.
(وقع في الحرام)
لأن مَن سهل على نفسه ارتكاب الشبهات، أفضاه الحال متدرجًا إلى ارتكاب المحرمات المقطوع بحرمتها، أو ارتكاب المحرمات في الجملة؛ لأن الذي ارتكبها من المشتبه ربما كان حرامًا فيقع فيه، بخلاف المحتاط. سعد.
(كالراعي يرعى)
ضرْبُ مَثلٍ فائدتُه: تجلية المعاني المعقولة بصورة المحسوسات لزيادة الكشف، وله شأن عجيب في إبراز الحقائق، ورفع الأستار عن وجوه الدقائق؛ ولذا كثر في القرآن والحديث... و((يرعى)) صفة للراعي؛ لأنه في المعنى كالنكرة. سعد. قال النبراوي في الأربعين: ولأن (أل) في الرجل جنسية، ساغ وصفه بأشعث أغبر مع كونهما نكرتين ..... 79. وسدُّ الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع (موافقات 61 ج3، 63) في صلاة النافلة عند مالك جماعة.
(حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)
هو ما يُحمى من الأرض لأجل الدواب ويمنع دخول الغير، وهذا غير جائز إلا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: ((لا حمى إلا لله ورسوله)). سعد.
(ألا وإن في الجسد مضغة)
ولما كان التورع والتهتك مما يتبع ميلان القلب إلى الصلاح والفساد؛ نَبَّه على ذلك بقوله... سعد.
(إذا صلحت صلح الجسد كله)
ينظر شرح النبراوي في آخر الحديث العاشر. و"إذا" في الشرطين واقعة في موقعها؛ فإن صلاح القلب محقَّق بالنظر إلى بعض الأفراد كالأنبياء والصدِّيقين، كما أن فساده محقق بالنظر إلى بعض آخر كالأشرار والكافرين. وليحرر. فضيلة الأستاذ الشيخ الإمام.. وفي البناني عند الكلام على إن وإذا: إن "إذا" قد تستعمل في مقام الشك لما يناسبها من الأغراض؛ كالإشارة إلى أن مثل ذلك الشرط لا ينبغي أن يكون مشكوكًا، بل لا ينبغي إلا أن يكون مجزومًا به، وكعدم شك المخاطب، وكتنزيله منزلة الجازم، وكتغليب الجازم على غيره، فليتأمل. يس.
(وإذا فسدت فسد الجسد كله)
أيها الغافل هذا الكتاب، يوقظك ويفهِّمك ويعرفك نفسك ويزنها بالقسطاس المستقيم؛ لتحاسبها وتعرف قيمتها ووزنها عند الله، وعند الملك. هذا الكتاب لا يريد حاجة إلا أن تكون رجلًا عاملًا كاملًا همامًا شجاعًا، تقول الحق ولو على نفسك، ولا تخاف في الله لومة لائم. صاحب هذا الكتاب تحطمت أعصابه من أجلك ومن أجل أمتك وعلمائك وحكامك ثلاثمائة مرة، وعلى رأس كل مائة يجن مرة فيكون أضحوكة لك ولأمثالك الغافلين، ولكن الله ينقذه ويسلمه فلا يضحك منك كما ضحكت، بل يبكي عليك ويدعو لك ويرجو لك الخير ويحب أن تصطلح مع الله وتدرك نفسك. صاحب هذا الكتاب جلس مع الله وناجى الله وصلى له لأجلك ولأجل أمتك وعلمائك، لا يرجو منكم جزاء ولا شكورًا ولا يسألك أجرًا؛ إن أجره إلا على الله. صاحب هذا الكتاب مُحدِّث يقولها بملء فمه، فاستمع إليه؛ فقد أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة. صاحب هذا الكتاب سبع من سباع الله، ولا نقول سيف؛ لأن ذلك خالد، ولا أسد؛ لأن ذلك سيد الشهداء، يسلطه الله على من يشاء من عباده؛ فاحذر أن يسلطه الله عليك. صاحب هذا الكتاب من الذين أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم، هاجر في الله مرارًا ولا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وهو لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم له بها؛ فاحذر أن تكون ممن ينتقم منهم لله عز وجل، هو الآن يدعو لك، فاخش أن يدعو عليك، فاحذر أن تعرضه لهذا.
(ألا وهي القلب)
قال السعد في آخر الحديث العاشر من الأربعين: ثم اعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة؛ وذلك لأن بناء الأمر بعد حفظ السنة ومجانبة كل صاحب يفسد الوقت وكلِّ سبب يفتن القلب - على صون اليد عن الحرام والشبهة، وأقله أن يحترز مما حرمه فتوى العلماء؛ وهو ورع العامة، ثم يمتنع عما يتطرق إليه احتمال التحريم وإن أفتى المفتي بحلِّه؛ وهو ورع الصالحين، ثم ترك ما لا بأس به مخافةَ ما فيه بأس؛ وهو ورع المتقين، ثم الحذر على ما لا يراد بتناوله القوة على طاعة الله، أو يتطرق إلى بعض أسبابه معصية أو كراهية؛ وهو ورع الصديقين. اهـ. عن شهر بين حوشب قال: قلتُ لأم سلمة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك))؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك)).
♦♦♦♦♦
اليأس بتماديك في طغيانك. صاحب الكتاب لا يملك من الدنيا شيئًا؛ أنفق شطرًا من ماله في الدعوة إلى الله تعالى ومنها هذا الكتاب.
أحاديث مختلفة
في الورع: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع))، رواه الطبراني في الأوسط والبزار إسناد حسن. ترغيب. وفي الترغيب (ج3 ص16): 1- حديث: ((البر حسن الخلق..))، 2- وحديث: ((ما سكنت إليه النفس..))، 3- وحديث الثمرة، 4- وحديث: ((دع ما يريبك...))، 5- وحديث أبي بكر، 6- وحديث ((لا يبلغ العبد درجة المتقين..)). في القلب: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العلم علمان: علم في القلب؛ فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان؛ فذاك حجة الله على ابن آدم))؛ رواه الخطيب في تاريخه بإسناد حسن، ورواه ابن عبدالبر في كتاب العلم عن الحسن مرسلًا بإسناد صحيح. ترغيب. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقَه))؛ رواه أحمد وابن أبي الدنيا (ترغيب ص5 ج4). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا بُني، إنْ قدرت على أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد، فافعل)) الحديث؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. أطيب الحلال: عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم))؛ أخرجه الترمذي والنسائي (خازن). من مر ببستان غيره: مذهب الجمهور من العلماء: أنه لا يجوز أن يتناول منه شيئًا إلا في حال الضرورة التي يباح فيها الميتة، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعية؛ فقد أخرج البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم خَطب الناس في حجة الوداع، فذكر الحديث وفيه: ((لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه مِن طيب نفس)). قال النووي: "وهذا في حكم مال الأجنبي، أما القريب والصديق، فإن تشكك في رضاه بالأكل من ثمره وزرعه وبيته، لم يحل الأكل منه بلا خلاف، وإن غلب على ظنه رضاه به وأنه لا يكره أكله منه، جاز أن يأكل القدر الذي يظن رضاه به، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال والأموال، ولهذا تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وفعل سلف الأمة وخلفها؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ [النور: 61]، وبينت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا". اهـ من المجموع مختصرًا. عن سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت: ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا من رأسه إلا قال: ((احتجم))، ولا وجعًا في رجليه إلا قال: ((اخضبهما))؛ رواه أبو داود بإسناد حسن. وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليصيب التمرة فيقول: ((لولا أني أخشى أنها من الصدقة، لأكلتها))؛ متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعامًا، فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه، وإذا سقاه شرابًا، فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه))؛ رواه أحمد (الشوكاني).
كلمات متفرقة في شرح الحديث ملخصًا
أصناف الحلال: واجبها؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ... ومندوبها؛ كصدقة التطوع والإحسان إلى الضعفاء وذوي القربى... ومباحها؛ كالتوسع في المطعم والملبس من غير إسراف ولا تبذير - كل هذه بينة جلية. وكذلك أصناف الحرام على اختلاف أنواعها وتفاوت درجاتها - بينة ظاهرة لا تلتبس على أحد. وبين هذين القسمين أمور مشتبهة؛ قد أخذت من كلٍّ بطرف، واتصلت إلى كلٍّ بِصِلة، وتلك قد خفيت على كثير من الناس، ولم يستَبِن وجهُ الحق فيها إلا للعلماء الراسخين، وقليل ما هم. ومن دواعي الحزم والكيس أن تجتنب؛ خشية الوقوع في المحرم.
القلب
القلب لغة: صرف الشيء إلى عكسه، ومنه المقلوب؛ سمي به لكثرة تقلبه. وله ظاهر، وهو المضغة الصنوبرية المودعة في التجويف الأيسر من الصدر، وهو محل اللطيفة الإنسانية؛ ولذا نسب إليه الصلاح والفساد؛ وباطن، وهو اللطيفة الربانية الروحانية النورانية العالمة التي هي مهبط الأنوار الإلهية، وبها يكون الإنسان إنسانًا، وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي، وبها صلاح البدن وفساده، وهي خلاصة تولَّدت من الروح الروحانية، ويعبَّر عنها بـ"النفس الناطقة": ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ [الشمس: 7]، و"الروح": ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]، وهي مقر الإيمان... إلخ. سعد. ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ [ق: 37]؛ أي: عقل؛ عن ابن عباس. خازن. ليس العلم بكثرة الرواية؛ وإنما هو نور يضعه الله في القلب. ينظر النهاية في القلب.
العقل
والعقل - الذي هو مناط التكليف - غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات؛ قاله الإمام. وقد تطلقه الحكماء على جوهر مجرد ليس بحال ولا محل ولا مركَّب ولا مدبر، وعلى النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله: "أنا"، وهي جوهر مجرَّد عن المادة مقارِن لها في فعلها، ولها قوتان: إحداهما: قوة بها تتوجه النفس إلى إدراك حقائق الموجودات والإحاطة بأصناف المعقولات، وتسمى عقلًا نظريًّا. والأخرى: قوة بها تتصرف بالرأي والرؤية في الموضوعات المادية، وتستنبط صناعات بها ينتظم أمر المعاش، وتسمى عقلًا عمليًّا. وفي كلام بعض الصوفية أنه جوهر نظري يتميز به الصلاح من الفساد والخير من الشر، فإن تعلق بالخالق فهو عقل الهداية، وإن تعلق بالخلق فهو عقل المعاش. سعد في شرح خطبة الأربعين. وفي كتب الأخلاق والحكم للشيخ الجزيري كلام ملخص في العقل والنفس... إلخ.
من وصية لقمان لابنه
"يا بني، إن الله تعالى يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بالمطر"؛ ص98 ثمار القلوب في المضاف والمنسوب؛ للثعالبي. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لقمان قال لابنه: يا بني، عليك بمجالسة العلماء، واسمع كلام الحكماء؛ فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر))؛ رواه الطبراني في الكبير من طريق عبيدالله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم، وقد حسنها الترمذي لغير هذا المتن، ولعله موقوف والله أعلم. ترغيب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع))؛ رواه ابن ماجه والنسائي، ورواه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث زيد بن أرقم، وتقدم في العلم. ترغيب. والذين صلحت قلوبهم، واستقامت جوارحهم، وصَفَت نفوسهم: هم أئمة الدين وأعلام الهدى وسادة الخلق، بهم يهتدون في الذهاب إلى الله. ولا مانع للروح أن تتجلى على نور جلال الله؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض))؛ الفخر الجزء الثاني 141.
الترغيب في طلب الحلال والأكل منه
والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسَلين؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]))، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: "يا رب يا رب!" ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك؟!))؛ رواه مسلم والترمذي. ترغيب. وفيه أثر الحرام في الأعمال، وأنه لا تستجاب معه دعوة. وروى عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طلب الحلال فريضة بعد الفريضة))؛ رواه الطبراني والبيهقي. وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع إذا كُنَّ فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طُعمة))؛ رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه: أمن الحلال أم من الحرام))؛ رواه البخاري والنسائي.
 

الافق الجميل

تاج المنتدى
الإدارة
إنضم
15 سبتمبر 2010
المشاركات
45,328
العمر
38
الإقامة
تلمسان
هواياتك
كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
وظيفتك
موظف بقطاع التجارة
شعارك
كن جميلا ترى الوجود جميلا

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

حديث لاتزولا قدما عبد يوم القيامة
فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربعٍ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ وعنْ جسدِه فيما أبْلاهُ وعنْ مالهِ مِنْ أيْنَ أخذهُ وفيما أنْفَقَهُ وعنْ عِلمِهِ ماذا عَمِلَ بهِ".
في هذا الحديثِ الصحيحِ أن الانسانَ يُسألُ يومَ القيامةِ عنْ هذهِ الأشياءِ الأربعةِ.
الأولُ عَنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ لأنَ وجودَ الانسانِ بإيجادِ اللهِ نعمةٌ فَيُسألُ العبدُ عنْ هذهِ النِّعمةِ، اللهُ أنعمَ عليهِ بالوجودِ فيُسألُ عنْ هذهِ النعمةِ يُسْألُ فيما أفْنَيْتَ عُمُرَكَ فَإمّا أنْ يكونَ أفنَى عُمُرَهُ في طاعةِ اللهِ وإما أنْ يكونَ أفْنى عُمُرَهُ في معصيةِ اللهِ وهذا يُعَامَلُ على ما يليقُ بهِ وهذا يُعَامَلُ على ما يليقُ بهِ.
والأمرُ الثاني يُسْألُ عنْ جسَدِهِ فيما أبلاهُ أيْ ماذا عَمِلَ بجوارِحِهِ بيَدِهِ ورِجْلِهِ وعينِهِ وأُذُنِهِ هَلِ استعملَ هذهِ النِّعَمَ في طاعةِ اللهِ أمْ في معصيةِ اللهِ لأنَّ العينَ واللِّسانَ واليَدَ والأُذُنَ والرِّجْلَ كُلَّ هذا مِنْ نِعَمِ اللهِ، مَنِ اسْتَعْمَلَهُ في طاعةِ اللهِ ينالُ في الآخرةِ أجراً عظيماً يَلقَى أجراً جزيلاً في الآخرةِ، لهذا يُسأَلُ عنْ جَسَدِهِ فيما أبلاهُ.
والأمرُ الثالثُ المالُ يُسْأَلُ الإنسانُ منْ أينَ جَمَعْتَ هذا المالَ إنْ كانَ أخذَهُ من حَلالٍ وصَرَفَهُ في حلالٍ في غَيْرِ معصيَةِ اللهِ، ليسَ عليهِ عُقوبَةٌ بلْ إنْ صَرَفَهُ في طاعةِ اللهِ في نَفَقَةِ أهلِهِ وفي الصَّدَقَاتِ ونحوِ ذلِكَ يكونُ هذا المَالُ الذي جَمَعَهُ منْ حلالٍ وصَرَفَهُ في طاعةِ اللهِ ذُخراً كبيراً في الآخِرَةِ أما إنْ جَمَعَهُ مِنْ حَرامٍ فالوَيْلُ لهُ ثُمَّ الوَيْلُ، وَأمَا إنْ جَمَعَهُ مِنْ حرامٍ وصرفَهُ في الصَّدَقَاتِ لا يَقْبَلُ اللهُ منهُ. ليس كُلُّ ما يصِلُ اليهِ يَدُ الإنسانِ حلالاً حتى الشئُ الذي تَصِلُ إليهِ يَدُهُ منْ غيرِ طريقِ السَّرِقَةِ والغَصْبِ منهُ ما هو محرَّمٌ، المالُ له أحكامٌ، القرءانُ الكريمُ ذكرَ المالَ الحلالَ والمالَ الحرامَ. فإذا جَمعَ المالَ منْ حرامٍ ثم صرفَ منهُ كثيراً في بناءِ مسجِدٍ ونَحْوِ ذَلكَ لا يقبلُ اللهُ مِنهُ، اللهُ لا يقبلُ منَ الصَّدقاتِ وبناءِ المساجِدِ ونحوِ ذلكَ إلا ما كان من مالٍ حلالٍ.
ثم بعضُ الناسِ يجمعونَ المالَ من حرامٍ يكونُ عندهُم مالٌ كثيرٌ ثم يموتونَ ويتركونَ هذا المالَ لأهليهِم وأقارِبِهِم، هذا الشخصُ ترك وَبَالاً عليْهِ، هؤلاءِ أهلُهُ ينتفِعونَ بهِ أما هو يُؤاخَذُ عليهِ في الآخِرةِ لأنَّهُ مالٌ حرامٌ جَمَعَهُ لهم من طريقٍ حَرَامٍ ثم تركهُ لهم وذهبَ الى القبرِ.
الأمرُ الرَّابِعُ منْ تعلَّمَ عِلمَ الدَّينِ الحلالَ والحرامَ تَعَلَّمَ ما هو فرْضٌ مِنْ طاعةِ اللهِ وتعَلَّمَ ما هو مُحَرَّمٌ في شرعِ اللهِ فإنْ كانَ ما تَعَلَّمَهُ طَبَّقَهُ أدَّى الفَرْضَ، أدَّى ما فرضَ اللهُ عليهِ وتجنَّبَ ما حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ كَمَا تَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ هذا منزِلَتُهُ عاليةٌ في الآخرةِ، أمَّا إنْ لمْ يَتْبَعْ عِلْمَهُ وتَبِعَ هَوَاهُ أضاعَ بعضَ الواجِباتِ أو ارتكبَ بعض الذنوبِ الكبيرةِ فهو له ويلٌ كبيرٌ في الأخرةِ ثم إنَّ هؤلاءِ الأربعةَ من خَتَمَ اللهُ لهُ بالإسلامِ فماتَ مؤمِناً ومُتَجَنِّباً للكُفْريَّاتِ فمهما كَثُرَتْ ذُنوبُهُ فهو تحت المشيئةِ إن شاءَ اللهُ عاقبَهُ بذنُوبِهِ وإن شاءَ عفا عنهُ، منْ ماتَ مُسْلِمَاً مهما كانتْ ذنوبُهُ كبيرةً لا يجوزُ لنَا أنْ نَقولَ هذا الشخصُ اللهُ يُعَذِّبُهُ، ما يُدرينا إن كانَ منَ الذينَ يُسامِحُهُمُ اللهُ على ذُنوبِهِم مَهْمَا كَثُرَتْ أو كانَ مِنَ الذينَ يُعَاقِبُهُم، الأمرُ يَوْمَ القيامةِ يَتَبيَّنُ، نحنُ لا ندري، الأمرُ يومَ القيامَةِ يَتبيَّنُ، لذلكَ نحنُ إذا علِمْنَا مُسلماً مِنْ أهلِ الكبائِرِ مَاتَ لا نَقولُ هذا من أهلِ النارِ، لا يجوزُ.
الصَّدقَةُ منْ مالٍ حلالٍ قدْ يغفِرُ اللهُ بها بعضَ الكَبَائِرِ، الصَّدقَةُ منَ المالِ الحلالِ لها نفعٌ كبيرٌ مهما قلَّتْ، لها عندَ اللهِ وَزْنٌ كبيرٌ لذلكَ قالَ الرسولُ عليهِ السَّلامُ: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائةَ ألفِ دِرْهمٍ" قيل: كيف ذلك يا رسولَ اللهِ قال: "رَجُلٌ لهُ دِرهَمَانِ (أي من حلال) تصَدَّقَ بِأحدِهِما وأبقى الآخَرَ لِنَفْسِهِ ورجُل ءاخَرُ تَصدَّقَ بمائةِ ألفٍ مِنْ عُرْضِ مالِهِ" أي لهُ مالٌ كثيرٌ، منْ هذا المالِ الكثيرِ الذي هو ملايينُ أعطى مائَةَ ألفٍ وترَكَ لِنَفسِهِ الكَثيرَ الكثيرَ، الرَّسولُ قالَ هذا الذي تَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ وترَكَ لِنَفسِهِ دِرهماً ثَوابُهُ أعظَمُ من ذاكَ الذي تصَدَّقَ بِمائَةِ ألفٍ لأنَّ هذا غَلَبَ نفسَهُ لأجلِ الآخرَةِ ما قالَ أنا ما عِندي إلاَّ دِرْهَمَانِ كيفَ أُخرِجُ دِرهماً منهُما؟ ءاثَرَ الآخِرَةَ وخالفَ نفسَهُ وَرَغِبَ فيما عِندَ اللهِ منَ الثَّوابِ، هذا ثوابُهُ أفضَلُ من ذلكَ الغنيِّ ليس شرْطاً أنْ يكونَ الشخصُ تصَدَّقَ بالكثيرِ بَلِ العِبْرَةُ أنْ يكونَ المالُ حلالاً ثمَّ لو تصدَّقَ بحبَّةِ تَمْرٍ على إنسانٍ جائِعٍ هذهِ التَّمرَةُ الواحِدَةُ لها عندَ اللهِ وزْنٌ كبيرٌ قدْ يُعْتِقُ اللهُ المُسلِمَ منْ ذُنُوبٍ كبيرةٍ بِصدَقَةٍ قليلةٍ إنْ كانَ المالُ حلالاً وكانتِ النيَةُ تقرُّباً إلى اللهِ ليسَ للرياءِ ليسَ لِيُقالَ فلانٌ كريمٌ يبْذُلُ المالَ للهِ، إنَّما نِيَّتُهُ التَّقربُ إلى اللهِ بلا رِياءٍ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَبَاركَ وتعالى أخَّرَ جَزَآء الكُفَّارِ والمسلمينَ العُصَاةِ أكْثَرَهُ إلى الآخِرَةِ، أكثرُ الكُفَّارِ الذينَ طَغَوْا وكَفَرُوا باللهِ وبأنبيائِهِ أَخَّرَ عَذَابَهُم إلى الآخِرَةِ، وبَعْضُهُمُ انتَقَمَ مِنْهُمْ في الدنيا، قَوْمُ نُوحٍ عليهِ السَّلامُ لَمَّا كَذَّبُوهُ وَبَقُوْا على عِبَادَةِ الأوْثَانِ الخَمْسَةِ تَعِبَ مَعَهُمْ، هو كانَ لا يَمَلُّ مِنْ دَعْوَتِهِم إلى الإسلامِ وَهُمْ يُقابِلونَهُ بالسبِ والشتمِ وأحياناً يَضْرِبونَهُ قَضَى وهو صَابِرٌ على هذا تِسْعَمِائَةٍ وخمسينَ سنةً، ما ءَامَنَ بهِ إلا نحوُ ثمانينَ شخصاً، اللهُ انزَلَ عليهِ الوحيَ بأنهُ لا يؤمنُ منهم إلاَّ القَدْرُ الذينَ ءَامَنُوا فَقَطَعَ الأمَلَ مِنْهُم صارَ يَدْعُو عليهِم بَعْدَ أنْ قَطَعَ الأمَلَ مِنْهُم فَدَعَا عَليْهِمْ بِأنْ لا يَتْرُكَ اللهُ مِنْهُم أحَداَ على الأرْضِ، اللهُ استَجابَ دُعَاءَهُ، كُلُّ أولئكَ حتى الأطفالُ اللهُ أهْلَكَهُمْ لأنَّ اللهَ عَلِمَ أنَّ أطفالَهُمْ لو كَبِروا لا يؤمِنونَ، اللهُ أهْلَكَهُمْ بِالغَرَقِ، أمرَ الأرضَ فارتَفَعَ ماؤُها أربعينَ ذِراعاً وأمرَ السَّمَاءَ فصارتْ تُمْطِرُ قَطَرَاتٍ كُلُّ قَطْرَةٍ كالجبلِ ليسَ كالعَادَةِ، اجتمعَ ماءُ الأرضِ وماءُ السماءِ، فَغَطَّى جِبَالَ الأرضِ كُلَّهَا، أما نوحٌ ومَنْ ءامَنَ معهُ اللهُ نَجَّاهُم، اللهُ عَلَّمَهُ أنْ يَعْمَلَ السَّفينةَ، الكفارُ كانوا يَسخرونَ منهُ وهو يعملُ السفينة، اللهُ نَجَّاهُ ومَنْ ءَامَنَ بهِ وأهلكَ البقيةَ حتى ابْنَهُ أكَلَهُ الغَرَقُ لأنهُ كَفَرَ.
ثم بعدَ هؤلاءِ البَشَرُ كَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عليهِمُ الريحَ فَهَلَكُوا إلا الذينَ ءامنوا، الريحُ رَفَعَتْهُم إلى مسافةٍ بعيدةٍ في الفضاءِ ثم فصلتْ رؤوسَهُم عن أجسادِهِم، هؤلاءِ الكفارُ أيضاَ اللهُ انتقمَ منهُم في الدُّنيا. هؤلاء هم قوم عاد وهم منَ العربِ. كانَ مَرْكَزُهُمُ اليَمَنَ، اليمنُ كانَتْ في الماضي فيها ماءٌ كثيرٌ وأشجارٌ كثيرةٌ وفواكِهُ كثيرةٌ كانَ فيها نِعْمَةٌ كثيرةٌ، هؤلاءِ قَوْمُ عَادٍ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِم هُودٍ وهو عربيٌ، هؤلاءِ اللهُ أهلَكَهُم بالريحِ ثم بعدَ هؤلاءِ أيضاَ ذُرِّيَّةُ الذينَ أسْلَمُوا وَبَقَوْا على الأرضِ مَعَهُ أيضاً كفروا أرسلَ اللهُ اليهم نبياً فكذَّبُوهُ وءَاذَوْهُ كذلكَ هذا النبيُّ من العربِ، اللهُ تعالى أهْلَكَ الذينَ كَذَّبُوا نَبيَّهُم صَالِحاً وَهُوَ مِنَ العَرَبِ، نَجَّاهُ اللهُ وَمَنْ ءَامَنَ بهِ وأهْلَكَ الذينَ كَفَرُوا، ثم بعدَ ذلكَ أيضاً تكَرَّرَ هذا، قَوْمُ شُعَيْبٍ اللهُ أهْلَكَهُم لَمَّا كَذَّبُوا نبيَّ اللهِ شُعيبًاً، نبيُ اللهِ شُعيبٌ كانَ بالأُرْدُنِّ أمَّا هودٌ كانَ باليمنِ اما صَالِحٌ كانَ فيما بينَ المدينةِ والشامِ، ثم بعدَ ذلكَ قَوْمُ فِرْعونَ الذينَ كَذَّبُوا موسى وتَجَبَّرُوا أهْلَكَهُمُ اللهُ وَنَجَّى موسى وَمَنْ ءَامَنَ بهِ، ثمَ هؤلاءِ أيضاً الذينَ ءَامَنُوا بموسى قِسمٌ مِنهُم في حياةِ مَوسى نحوُ سبعينَ ألفَ شخصٍ كانوا مَعَهُ كَفَرُوا عَبَدُوا العِجْلَ هؤلاءِ تَابُوا رَجَعُوا إلى الإسلامِ، لكنَّ اللهَ أنْزَلَ وَحْيَاً على موسى بأن يُقْتَلَ هؤلاءِ، هَؤلاءِ أسْلَمُوا وَمَعَ ذَلكَ كَفَّارَةً أُمِرَ بِقَتْلِهِمْ، فَصَارَ الذينَ لمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ يَقتُلُونَ الذين عبدوا العِجْلَ، فصارَ الرَّجُلُ لا يُبَالي إنْ قَتَلَ أخَاهُ أوْ أبَاهُ، بعدَ ذلكَ اللهُ أرسلَ أنبياءَ كثيرينَ، ما حَصَلَ مِثلُ ذلكَ إلى أَنْ جَاءَ عيسى عليه السلامُ، كذلكَ عِيسى بعضُ الناسِ كَفَرُوا بهِ وبعضُ الناسِ ءَامَنُوا، كانَ عِنْدَهُم وضوءٌ وصلاةٌ وصيامٌ مِثْلَنَا لكنَّ الصِّيَامَ الذي فُرِضَ عليهِم غيرُ شَهْرِ رَمَضَانَ اللهُ جَعَلَ شَهْرَ رمضَانَ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ هؤلاءِ مَا أنزَلَ اللهُ عليهِم عَذَاباً مِثْلَ قومِ نوحٍ وَعَادٍ ولا يُنزِلُ مِثْلَ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ، إنما الناسُ قَبْلَ يومِ القيامةِ يَكفُرونَ كُلُّهُم لا يُوجَدُ في ذلكَ الوقتِ مُسْلِمٌ يقولُ لا إله إلا اللهُ، بعدَ مِائَةِ سَنَةٍ اللهُ يأمُرُ إسْرَافيلَ بِأنْ يَنْفُخَ في بُوقٍ كبيرٍ صَوْتُهُ يَقْتُلُ كُلَّ الكُفَّارِ هُنَاكَ القِيَامَةُ هذا أوَّلُ القيَامَةِ، بعدَ هؤلاءِ الكُفَّارِ الملائكةُ يموتونَ ثم يعيدُ اللهُ الناسَ الذينَ مَاتُوا، والناسُ الذينَ كانوا مَاتُوا قبلَ هؤلاءِ لا يموتُونَ مَوْتَةً ثَانِيَةً إنما يُصِيبُهُم غَشْيَةٌ ثُمَّ يُفيقُونَ، حتى الأنْبِيَآءُ في النفخةِ الثانيةِ نَفْخَةِ البَعْثِ اللهُ يُحييهِم وإسرافيلُ يُحييهِ اللهُ فيَنْفُخُ في الصُّورِ، هذهِ يُقَالُ لَها نفخةُ البَعْثِ، الناسُ الذينَ ماتوا اللهُ يُعيدُهُم ثمَ الناسُ تَنْشَقُّ عنهُمُ القُبورُ فَيخرُجُونَ، الأنبياءُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأولى لا يموتونَ لأنهم قَدْ مَاتُوا قبلَ ذلكَ، إنما يُغشى عليهم كما يُغشى على المريضِ إذا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، يَغيبونَ عَنْ وَعْيِهِم لا يموتونَ مَوْتَةً ثَانِيَةً، بعدَ ذلكَ يَصيرُ الحُكْمُ بينَ المؤمنينَ وبينَ الكُفَّارِ، الكُفَّارُ كُلُّهُم إلى النارِ، مَنْ كَذَّبَ الأنبياءَ، أما المؤمنونَ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمُ الجنةَ لكنْ قِسْمٌ مِنْهُم منْ دونِ أن يصيبَهُم أَدْنَى عَذَابٍ مِنْ دُونِ أنْ يُصيبَهُم أدْنَى مَشَقَّةٍ، في كُلِّ هذا الوقتِ لا يُصيبُهُم شيءٌ مِنَ الأَذَى والمشقَّةِ، هؤلاءِ أولياءُ اللهِ والشُّهَدَاءُ، الشهيدُ لوْ كانَ منْ أهلِ الكبائِرِ اللهُ لا يُعَذِّبُهُ مهمَا كانتْ ذنوبُهُ كبيرةً، أما الأولياءُ أعْلَى دَرَجَةً منَ الشُّهَدَاءِ الذينَ ليسوا أولياءَ، في مَوْقِفِ القيامةِ قبلَ صَرْفِ الناسِ إلى الجنةِ أوِ النارِ اللهُ يَجعلُ بعضَ المؤمنينَ تحتَ ظِلِّ العَرْشِ، لا يُصيبُهُم حَرُّ الشمسِ يكونونَ في نِعمةٍ وراحةٍ وسرورٍ وفرحٍ، يَجْلِسُونَ على مَنَابِرَ منْ نورٍ، وُجوهُهُم نورٌ ويجلِسونَ على منابِرَ منْ نورٍ.

قَال العلَّامةُ الهرَريُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى "لَـيْـسَ الشَّـرَفُ شَـرَفُ المَـال، إنَّمَـا الشَّـرَفُ شَـرَفُ العِـلِـم"
واللهُ سُبْحانَهُ وتعالى أعلم وأحكم
 

خويلة'ة

♥•- مشرفة سابقة -•♥
إنضم
19 أكتوبر 2015
المشاركات
2,459
هواياتك
كتابة الخواطر
وظيفتك
طالبة طب
شعارك
احترم تحترم تصدق ترزق ابتسم تؤجر تواضع ترفع

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

االسلام عليكم

بوركت اخي على هذا الموضوع القيم الذي يحمل فوائد وعبر


كيف لا وهو احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم

بارك الله فيك ونفع بك

وجزاك خير جزاء

وجعل الجنة مثوانا ومثواكم
بارك الله فيك على المرور العطر كيف لا وهومن أخت غالية
أمين ولك بالمثل
 

عابرُ سبيل

-•♥الادارة♥•-
إنضم
10 يناير 2014
المشاركات
7,826
الإقامة
قلبي هو موطني

ندعوكم لمتابعتنا على موقعنا التربوي الجديد: المجتهد الجزائري

شرح حديث [أنا عند ظن عبدي بي.....]
حديث أنا [عند حسن ظن عبدي بي...]
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي -
notfound.gif
- : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
تخريج الحديث
رواه البخاري و مسلم .

حسن الظن بالله تعالى عبادة قلبية جليلة ، ولم يفهمها حق فهمها كثير من الناس ، ونحن نبيِّن معتقد أهل السنَّة والجماعة في هذه العبادة ، ونبيِّن فهم السلف القولي والعملي لها ، فنقول :
إن حسن الظن بالله تعالى يعني اعتقاد ما يليق بالله تعالى من أسماء وصفات وأفعال ، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة ، كاعتقاد أن الله تعالى يرحم عباده المستحقين ، ويعفو عنهم إن هم تابوا وأنابوا ، ويقبل منهم طاعاتهم وعبادتهم ، واعتقاد أن له تعالى الحِكَم الجليلة فيما قدَّره وقضاه .
ومن ظنَّ أن حسن الظن بالله تعالى ليس معه عمل : فهو مخطئ ولم يفهم هذه العبادة على وجهها الصحيح ، ولا يكون حسن الظن مع ترك الواجبات ، ولا مع فعل المعاصي ، ومن ظنَّ ذلك فقد وقع في الغرور ، والرجاء المذموم ، والإرجاء المبتدع ، والأمن من مكر الله ، وكلها طوام ومهالك .
قال ابن القيم – رحمه الله - :
وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور ، وأن حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه : فهو صحيح ، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي : فهو غرور ، وحسن الظن هو الرجاء ، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجراً له عن المعصية : فهو رجاء صحيح ، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطاً : فهو المغرور .
" الجواب الكافي " ( ص 24 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنب المعاصي وإلا كان أمنًا من مكر الله ، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر : هو الرجاء المحمود .
وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات : فهو الرجاء المذموم ، وهو الأمن من مكر الله .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 2 / 269 ) .
ثانياً:
الأصل في المسلم أن يكون دائماً حسن الظنَّ بربه تعالى ، وأكثر ما يتعيَّن على المسلم حسن الظن بربِّه تعالى في موضعين :
الأول : عند قيامه بالطاعات .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) . رواه البخاري ( 7405 ) ومسلم ( 2675 ) .

فيلاحظ في الحديث علاقة حسن الظن بالعمل أوضح ما يكون ، فقد أعقبه بالترغيب بذِكره عز وجل والتقرب إليه بالطاعات ، فمن حسُن ظنه بربه تعالى دفعه ذلك لإحسان عمله .
قال الحسن البصري رحمه الله : " إن المؤمن أحسنَ الظنّ بربّه فأحسن العملَ ، وإنّ الفاجر أساءَ الظنّ بربّه فأساءَ العمل .
رواه أحمد في " الزهد " ( ص 402 ) .
وقال ابن القيم - رحمه الله - :
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علِم أن حُسن الظن بالله هو حُسن العمل نفسه ؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ، ويتقبلها منه ، فالذي حمله على العمل حسن الظن ، فكلما حسُن ظنُّه حسُنَ عمله ، وإلا فحُسن الظن مع اتباع الهوى : عجْز ... .
وبالجملة : فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك : فلا يتأتي إحسان الظن .
" الجواب الكافي " ( ص 13 - 15 ) مختصراً .
وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله - :
قيل : معناه : ظنّ الإجابة عند الدعاء ، وظنّ القبول عند التوبة ، وظن المغفرة عند الاستغفار ، وظن قبول الأعمال عند فعلِها على شروطها ؛ تمسُّكًا بصادق وعْده ، وجزيل فضلِه .
قلت : ويؤيدهُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم : ( ادْعوا الله وأنتم موقِنون بالإجابة ) – رواه الترمذي بإسناد صحيح - ، وكذلك ينبغي للتَّائب والمستغفر ، وللعامل أن يَجتهد في القيام بِما عليه من ذلك ، موقنًا أنَّ الله تعالى يقبل عملَه ، ويغفِر ذنبه ؛ فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التَّوبة الصادقة ، والأعمال الصالحة ، فأمَّا لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظنُّ أنَّ الله تعالى لا يقبلُها ، وأنَّها لا تنفعُه : فذلك هو القنوط من رحْمة الله ، واليأس من رَوْح الله ، وهو من أعظمِ الكبائر ، ومَن مات على ذلك : وصل إلى ما ظنَّ منه .
فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية : فذلك محض الجهل والغرة ، وهو يجر إلى مذهب المرجئة .
" المفهم شرح مسلم " ( 7 / 5 ، 6 ) .
الثاني : عند المصائب ، وعند حضور الموت .
عَنْ جَابِرٍ رضِيَ الله عَنْه قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يقولُ ( لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ ) . رواه مسلم ( 2877 ) .

وفي " الموسوعة الفقهية " ( 10 / 220 ) :
يجب على المؤمن أن يُحسن الظنَّ بالله تعالى ، وأكثر ما يجب أن يكون إحساناً للظن بالله : عند نزول المصائب ، وعند الموت ، قال الحطاب : ندب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى ، وتحسين الظن بالله وإن كان يتأكد عند الموت وفي المرض ، إلا أنه ينبغي للمكلف أن يكون دائماً حسن الظن بالله .
انتهى .
وينظر : " شرح مسلم " ، للنووي ( 17 / 10 ) .

فتبين مما سبق أن حسن الظن بالله تعالى لا يكون معه ترك واجب ولا فعل معصية ، ومن اعتقد ذلك نافعاً له فهو لم يثبت لله تعالى ما يليق به من أسماء وصفات وأفعال على الوجه الصحيح ، وقد أوقع نفسه بذلك في مزالق الردى ، وأما المؤمنون العالِمون بربهم فإنهم أحسنوا العمل وأحسنوا الظن بربهم أنه يقبل منهم ، وأحسنوا الظن بربهم عند موتهم أنه يعفو عنهم ويرحمهم ولو كان عندهم تقصير ، فيُرجى لهم تحقيق ذلك منه تعالى كما وعدهم
 

meyada

عضو ذهبي
إنضم
15 أغسطس 2015
المشاركات
1,331
هواياتك
قراءة الكتب والمقالات
وظيفتك
طالبة
شعارك
ليس مهما ان تحمل في جيبك مصحفا بل المهم ان تكون في اخلا
أعلى أسفل