عالم سرمدي ساحر لا متناه... غموض و ألغاز و قصص من الماضي السحيق
ثقافة لشعب منفرد فى كل شئ في لباسه و نمط عيشه و لغته و عاداته و تقاليده و قوانينه و ثقافته, الا وهو الرجل الترقى ايالطوارق و قد استطاع فعلا تصدير تلك الثقافة إلى كل أنحاء العالم بعباءتها الجزائرية و بشكل ضاعف من أعداد السياح
خصوصا الموسيقى الايمزاد التى تصنع انسجام وتناغم مع طبيعة الهوغار والتاسيلى
ليس هناك تاريخ مضبوط حول ظهور هذا النمط الموسيقي الفريد من نوعه في شمال إفريقيا, لكونه نوعا من الموسيقى الطقوسية و الرمزية التي لها ارتباط عميق و متجذر في تاريخ المنطقة الطويل.
يمكن تحديد أربعة عناصر أساسية يقوم عليها عالم موسيقى الإيمزاد الغامض, و هي:
-1 اللحن نفسه, و الذي ينقسم إلى لحن أساسي أو سيد يُطلق عليه في اللغة الأمازيغية " آمغار " و ألحان فرعية تسمى "إيزلان " و هي الفروع أو الأغصان. و عموما هناك 36 لحنا خالدا و معروفا في هذه الموسيقى.
-2 القصائد المرافقة للحن, و التي تتطرق لمواضيع تشكل صلب حياة الإنسان الطارقي و تعطي معنى لوجوده, و عموما هي مواضيع تدور حول المرأة و الجمال و الشجاعة و النبل و الوطن, إضافة إلى قصائد تغنى في المناسبات الاجتماعية و الدينية كالأعراس و أعياد المولد النبوي و عاشوراء...
-3 المرأة التي تعتبر العازفة الأولى و الأخيرة للإمزاد, إذ أن حمل آلة الإمزاد يكاد يكون أمرا محرما على الرجل في مجتمع الطوارق, الذي تُعتبر فيه المرأة هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي.
-4 الآلة اللغز كما يحلو للبعض تسميتها, إنها آلة الإيمزاد الوترية التي تشبه إلى حد ما الكمان, و التي يصدر منها ذلك اللحن الغامض الضارب في عمق التاريخ, و المعبر بصدق عن روحها و روحانيتها
إن الحديث عن الإيمزاد ارتبط دوما بالقصص و الأساطير التي خطها الطوارق و توارثوها في ثقافتهم حول البدايات الأولى لهذا اللون الموسيقي و آلته المميزة, و لعل أشهر هذه الأساطير تلك التي تحكي أنه و في زمن غابر أين لم يكن هنالك قانون قوي يحكم و ينظم علاقات الناس, و لم تكن هناك أعراف تسير مصالح و علاقات القبائل و الشعوب, نشبت حرب ضروس بين قبائل الصحراء بسبب نبع للماء, و قد استمر القتال لوقت طويل, حيث نزلت لعنة ذلك النزاع على الناس, فحولت عيشهم إلى مرارة و ألم, و فرقت شمل الأقارب و الأحباب, فهجر البلاد قوم كثير و لم يبق فيها سوى من أجبرته ظروف الحرب على البقاء. لقد تيتم الشباب الذين سرعان ما تحولوا إلى مقاتلين يأخذ الواحد منهم مكان الأب أو الشقيق الأكبر الشاغر في ساحات المعارك, التي كانت قد ارتوت بدماء الجيران و الإخوة الأعداء إلى درجة أن الأجيال اللاحقة من المحاربين صارت تقاتل بعضها البعض دون أن تعلم جوهر الصراع و سببه الأصلي, بسبب تراكم الأحقاد و الضغائن التي حولت الجميع إلى كتل من الكره و نيران من التعصب القبلي الأعمى, فصار الرجل يعيش من أجل أن ينتقم.
لقد استمر الأمر على حاله حيث طالت حروب الكر و الفر بين العشائر المتقاتلة,
لهذا السبب قررت نساء العشائر المختلفة الاجتماع ذات يوم لبحث مخرج لهذه الكارثة الحضارية و الأخلاقية التي حلت على القوم, بسبب نبع ماء لم و لن تنقطع مياهه أبدا, فقررن يومها ابتكار شيء ما تكون له القدرة على إيقاظ الضمائر و المشاعر و العودة بالعقول و القلوب إلى التبصر في المعاني الحقيقية لنبل و شهامة رجل الصحراء. حينئذ اقترحت إحدى النسوة صناعة آلة موسيقية لذات الغرض, فأوكلن المهمة لأكبر الحاضرات سنا و أكثرهن حنكة و معرفة بأسرار الفيفاء.
و بالفعل و من دون انتظار عادت العجوز إلى بيتها, حيث تطهرت و تزينت و خرجت تبحث عما تصنع به هذه الآلة, مسلمة روحها إلى روح الصحراء, تاركة بذلك الأمر لغرائزها الأمومية كي تتصرف بكل تلقائية و سجية في صناعة هذا الشيء المقدس. , فرغت من صناعة الكمان ذو الوتر الواحد,
و في مكان غير بعيد, كان دولاب الحرب الضارية مستمرا في حصد المزيد من الأرواح و تحطيم المزيد من القلوب, حيث اشتد القتال بين المحاربين إلى أن حدث شيء غريب, فقد بدأت أصوات تناطح السيوف تخف شيئا فشيئا, و راح صراخ حناجر الرجال ينزل إلى أدنى مستوى, فراح البعض يتساءل عما يحدث بعد أن توقفوا عن مبارزة بعضهم البعض. لكن عبارات و همسات الطاماشيق
انتشرت بين الجميع, مفادها أن اسمعوا هذا اللحن الشجي القادم من بعيد مع نسمات الهواء. وقف الجميع للحظات دون حراك و هم يُنصتون لتلك الألحان الطيبة الغريبة التي راحت تداعب مسامعهم و تتسلل بشكل معجز إلى أعماق قلوبهم, لتبدأ في تهدئة غضبها و خوفها, تماما كالماء الباردة التي تسكب على المعدن الوهاج من النار فيتصاعد حره في شكل بخار فيتبدد في الهواء.
من دون سابق إنذار, وجد الرجال أنفسهم و هم يضعون أسلحتهم على الأرض, و يسيرون من دون وعي قاطعين تلك المسافة يتتبعون صوت الآلة عن طريق النسمة التي كانت تحملها إليهم و تقودهم إليها, و هم في حالة روحانية غربية و نظرات شاردة صبت عليهم الطمأنينة التي افتقدوها لسنين عديدة, و التي برزت عبر نظرات عيونهم التي كانت تفضي عن ملامح وجوههم الملثمة. إلى أن وصلوا إلى تلك الشجرة وسط الصخور البركانية, أين كانت المرأة تجلس في وقار, تضع الوليد فوق حجرها و هي تعزف بكل تلقائية مستلهمة تلك الألحان من روح الصحراء الشاسعة, و من همسات أرواح و أطياف الأسلاف الهائمة في ربوعها. فكانت الآلة تبدو كالولد الوديع حين يجلس فوق حجر أمه الحنون, يُدندن ألحانه الملائكية في سلام, في حين تداعب هي خصلات شعره بأناملها الرقيقة.
لقد جلس المحاربون جميعا جنبا لجنب مشكلين ما يشبه الحلقة, و أغمضوا أعينهم و راحوا ينصتون إلى اللحن الذي أخذهم بعيدا عن الواقع, أخذهم إلى أعماق أنفسهم, في مكان ما حيث يُمكن للروح و القلب أن يتطهرا من نجاسات الأحقاد و الكره, التي تطمس البصيرة و تحول العبد إلى ما يشبه البهيمة. هناك تخلص كل واحد منهم من حمله الأسود, و ما إن كادت العازفة تنتهي من عزفها المقدس حتى فتح الجميع أعينهم التي فاضت منها نظرات جديدة, فراحوا بعدها يتعانقون و يتبادلون الاعتذار و الصفح, و هكذا أنهت آلة الإيمزاد و موسيقاها أيام الحرب, و أتت بحقبة عاشت فيها جميع قبائل الصحراء في كنف السلم و الأخوة.
وهذه الالة وضعتها المنظمة الأممية للتربية والثقافة والعلوم – الأونيسكو ضمن قائمة التراث غير المادي العالمي
لكن ما يؤسف له حقا هو أن أعدادا لا يستهان بها من الجزائريين و خاصة من الشباب, تجهل وجود مثل هذه الثقافة أو مثل هذا التراث المعنوي الهام للبلد, رغم أنه قد وصل إلى اليابان و كندا و روسيا, حيث اكتشفه شباب هذه الدول كما لم يكتشفه شباب بلده الأصلي ؟